..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(( جدلية حوار الحضارات )) ( الحلقة الاولى )

محمد هاشم البطاط

إضاءة المشهد الهلامي حول موضوعة

حوار الحضارات في الفكر الإسلامي المعاصر

(( المقدمة ))

 كانت و لم تزل موضوعة علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ، بما لها من تماس مباشر بإستقرار البشرية و مستقبلها ، واحدة من أبرز الموضوعات التي إستجلبت و إستوقفت العقل الإنساني ، و لم يبد الأخير أدنى تقاعس أو تكاسل عن الولوج إلى عالم المنظومات المُهيكلة و الموشجة للعلائق التي تجمع بني البشر على أعتاب هذه البسيطة ، فراح يسبر أغوارها ، غائصاً في عمق دلالاتها ، و باحثاً عن الموضوعة _ الإشكالية ، و الإنسان _ المستقبل .

 إن انطلاقة العقل الإنساني ، مع ما لها من رحابة ، و إتساع في الأفق ، لا ريب في أنها ستتعرض لانتكاسات و توقفات عديدة ، كثيرة منها معظامة ، تناغماً للطبيعة التي سارت و تسير عليها ، كما أن إختلاف اللحاظات _ المنطلقات _ التي يجعلها العقل مرتكزاته التي تمده بآلياته و مناهجه ، تلقي بظلالها على هذه الانطلاقية ، جاعلة منها تتموضع ، وفقاً لدلالات متباينة ، تموضعاً متعدد ، يقترب تارة من السماء جاعلاً منها الممون للممارسة العلائقية ، مستمداً منها أسس التعاملات الإنسانية ، أو أن يبحث في الأرض عن حلول وضعية ، علها ترفده بما يعينه على تجاوز عقبات ( الإنسان _ الإنسان ).

إستمر العقل الإنساني يفكر ، و يبذل الكثير من الجهد ، للوصول إلى أجوبة على تساؤلاته ، و مع تنامي مديات التعقل البشري ، طفت على سطح المعرفة الإنسانية ، جملة من النظريات الساعية لإعطاء إجابات ، علها تكون مقنعة ، و لا شك في كون هذه النظريات لا تعدو كونها نتاجات ، فهي تأملات قام بها الإنسان حول الإشكاليات المعرفية التي توجس من مجاهيلها خيفة ، فراح يتترسن بالمعرفة ، التي مثلت له تلك المشكاة النوَّارة التي تضيء له ما إدلهم من مسالك عالمه الغريب ، ما يعني أن النظريات التي طُرحت على أنها حلول لإشكاليات العقل ، لا سيما إشكالية علاقة الإنسان _ الإنسان ، قد إصطبغت بصبغة المحيط الذي ولدت فيه ، و تنفست الصُعداء على أعتابه ، و هذا ما يُلاحظ بجلاء في كافة النظريات الإنسانية ، المراد منها هيكلة المسيرة البشرية ، بأدلجة منظوماتها ، إلا النزر اليسير منها ، أي تلك التي جاءت من لدن السماء ، لتسعف بني البشر بما يعينهم على تجاوز العقبات المعرقلة لمسيرتهم نحو الكمال .

 و بطبيعة الحال ، فإن عدد لا يستهان به من النظريات ، ذهبت إلى أن علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ، تشوبها الريبة ، و تساورها الظنون ، و لعل أبرز نظرية ، ذهبت هذا المذهب _ في الوقت المعاصر _ ، و عبّدت مسالكه ، نظرية (  صدام الحضارات )Theory of Civilizations Clash ) ) ، التي نظّر لها الأمريكي صموئيل هنتنغتون ، و التي أدلجت لحالة تصادمية توشج الحضارات الإنسانية ، لإختلاف المتبنيات الثقافية و الفكرية لكل حضارة عن أخواتها ، حيث سعى هنتنغتون بنظريته _ التي لاقت رواجاً  ما لم تلاقه غيرها _ إلى تطبيع الصِدام  الحاصل بين الحضارات الإنسانية العالمية ، مرشحاً في الوقت عينه ، علاقة الحضارتين الغربية و الإسلامية إلى المزيد من الإلتحام اللا إيجابي ، الناجم عن الاختلافات المنظوماتية ، العقائدية _ القيّميّة التي تنطوي عليها كل واحدة من هاتين الحضارتين .

 من الأهمية بمكان الإشارة إلى هذه النظرية ، عبّرت عن نسقية معينة من التناغم الايديولوجي ما بين العقلنة الأمريكية _ التنظير الأمريكي الساعي إلى تقديم إجابات على تساؤلات العقل الإنساني  _ و بين التحرك الاستراتيجي الأمريكي ، الرامي إلى وضع خطط تخدم المصالح القومية الأمريكية ، لذا يُلاحظ عليها أنها جاءت بعد أن تدكدكت عروش الإشتراكية الماركسية ، بفعل جملة من العوامل ، منها و ليس وحدها !!! ، الحركة الإصلاحية التي أطلق عنانها ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي عام 1991م .   

  يراد من هذه الدراسة()أن تتوقف عند واحدة من أبرز الموضوعات التي إستجلبت ذهنية الفرد الإنساني في عالمنا المعاصر ، الذي أضحى قرية صغيرة ، بعد أن تنبأ بذلك أستاذ الإعلاميات الكندي ( مارشال ماكلوهان ) في كتابه ( القرية الكونية ) عام 1969م ، ألا و هي موضوعة ( حوار الحضارات ) Dialogue of The Civilizations  ، لما لها من أهمية معظامة ، يكفي لإدراكها ، التأمل في مستقبل الجنس البشري في حال إستعظام و إستفحال المد التعصبي ، الرامي إلى سيادة النظرة الإقصائية للآخر / المختلف ، بغية التأسيس لخطاب تكفيري الاتجاه و المبغى ، و إن تسربلت تكتيكاته بأكثر من جلباب ، و سلكت طرقاً ما هي بالقليلة .

 ليس من نافل القول الإشارة إلى أن موضوعة حوار الحضارات ، تعد من أكثر القضايا جدلاً ، فلئن كانت القضية الجدلية _ كما يذهب المتخصصون في الرأي العام _ هي تلك القضية التي تمس مصلحة أو ربما مصير الجماعة دون أن يحصل عليها إجماع من قبل الجماعة ذاتها ، فلا شك في المديات التشكيكية - الجدلية التي تثيرها قضية الحوار الحضاري ، خصوصاً إذا كانت مرتمية في أحضان الفكر الإسلامي المعاصر ، و سيتم التعرض في المستقبل إلى الأسباب التي جعلت و تجعل هذه القضية جدلية أكثر من غيرها ، تلك الأسباب التي تتمثل أيضاً في كونها عقبات كؤؤدة تقف في وجه الحوار بين الحضارتين الإسلامية و الغربية ، مضافاً إليها السعي الحثيث من قبل زعامة الجانب الغربي لصناعة عدو جديد عقب إنهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م ، و تصريحات وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ( مارغريت تاتشر ) (( لقد قضينا على الشيوعية و بقي علينا أن نقضي على الإسلام )) ، و ما يدعم هذا المذهب ، النظرية الإستراتيجية الرائدة في حقل ( العلاقات الدولية ) International Relations  ، و التي أثبتت نجاحها بلا نزاع ، المبتنية على ضرورة إحتوائية العالم على عدو يقف على الجانب الآخر من اليابسة في قبال القوة الأعظم في العالم _ مثلاً    _  U.S.A  لذا تتهيكل هذه النظرية لا فقط على وجود العدو ، بل على إيجاده إن لم يكن موجوداً من قبل ، فالأمم القوية - على حد تعبير الكاتب محمد حسنين هيكل_ تبحث عن العدو أكثر مما تبحث عن الصديق ، لأن الأول يساهم في رفد و تدعيم الاستراتيجيات القومية لهذه الدول أكثر مما يقوم بذلك الأخير .

 ستنطلق هذه الدراسة التي تهدف إلى تسليط حزمة من الأشعة التحليلية على موضوعة الحوار بين الحضارات ، لا سيما الإسلامية و الغربية ، من فرضية أن موضوعة الحوار أو لنقل آلية تنظيم العلاقة في المنظومة الإسلامية مع الآخر / المختلف ، وفقأ لاستراتيجية إنفتاحية تأخذ القواسم المشتركة في عين الاعتبار ، تمثل مبدأً إسلامياً أصيلاً ، و لا يُعبر كما يصور البعض ، عن ردة فعل وقائية يطرحها الفكر الإسلامي المعاصر ، و لا يعبر أيضاً ، عن تفاعــل

إيجابي منطلق من الجانب الضعيف بغية إستمالة و إسترضاء الجانب الآخر / القوي .

و بالرغم من أن عالم اليوم ينطوي على الكثير من الحضارات ، بيد أن إننا سنعالج الموضوعة وفقاً لموقف الفكر الإسلامي المعاصر ( الحضارة الإسلامية ) من الحوار مع الآخر ، و تحديداً ، الحضارة الغربية ، و ذلك لما تُلقيه العلاقة بين هاتين الحضارتين من أهمية على المحيط العالمي ، و على مستقبل البشرية بشكلٍ عام .

(( الفصل الأول ))

 

((  العالم بين نهاية التأريخ و صِدام الحضارت ))

 

 كثيرة هي النظريات التي أُريد منها إماطة اللثام عن العلاقة التي تربط ( الإنسان ) الذي يتهيكل تبعاً لنسقية بايلوجية و إدراكية و ....  معينة ، مع ( الإنسان ) الآخر ، المختلِف عنه ببعض أو بالكثير من الخصائص ، و التي قد تكون الجنس أو اللون أو المعتقد أو .... ، خصوصاً إذا ما تم الحديث عن القضية في إطار الحضارات ، و ليس مجرد إجتماع إنساني يضم جملة من الأفراد ، غير أنه قد برزت في الوقت الحاضر نظريتان ، خرجتا من رحم العقل الأمريكي ، واحدة تُبشر بنهاية التاريخ ، هذه النهاية التي ستكون ، نهايةً رأسمالية ليبرالية ، و سينتهي العالم بها ، و بالتالي فهي تدعو الإنسان / غير الرأسمالي و الليبرالي إلى التأسي بهذه المنظومة ، و أخرى لا تؤيد هذا الطرح ، فهي تذهب إلى أن التاريخ لم يصل إلى نهايته ، و أن المرحلة المقبلة ستشهد أضراباً من الصِدامات ، لكنها لن تكون إقتصاديةً أو سياسية !! ، و إنما ستكون ثقافية ، تتجلى بالتباين الحضاري ، و بشكلٍ خاص ، بين الحضارتين الإسلامية و الغربية ، و في هذا الفصل سيتم التعرض إلى هاتين النظريتين ، مع الحديث قبلهما عن ( الصِراع ) بشكلٍ عام ، كمدخل أو تمهيد لهما ، و من هنا فقد تم تقسيم  الفصل الى المبحثين الاتيين :

المبحث الاول : الصِراع .

المبحث الثاني : نهاية التأريخ و صِدام الحضارات .

 

(( المبحث الأول ))

(( الصِراع ))

  لا شك في أن الصِراع ، كظاهرة إجتماعية _ سياسية ، قد صاحب التجمع الإنساني منذ نشوءه ، فحيثما تواجد البشر على عتبة من أعتاب البسيطة ، كان الصراع موجوداً ، بعد أن تتجه العلاقة التي تُوشج الناس إلى التشنج و التوتر ، و بعد أن يعتقد الناس أن الاحتراب يعد المخرج الوحيد أو الأنجع للوصول إلى ما يصبون إليه ، و الصراع كمفهوم ، يذهب ( دنكن ميشيل ) إلى أنه تلك الحالة التي تكون فيها المنافسة غير سلمية ، أي أن كل طرف من أطراف النزاع يكون مستعداً لاستعمال إسلوب العنف أو الإجراءات الانتقامية ضد الطرف الآخر() ، و يقسم ميشيل الصراع إلى خفي و ظاهر ، حسب الأحوال التي ينشب فيها ، و يُسجل على ميشيل في هذا الصدد ، عدم تمييزه بين الصراع ، الذي يمثل القاعدة العريضة ، لعلائق إجتماعية متعكرة الوشائج ، و بين الحرب أو لنقل الصراع المسلح ، الذي يمثل أعلى مرحلة من مراحل الصراع ، و هذا ما أشار إليه ( عبد القادر محمد فهمي ) ، الذي كان أكثر دقة في تعبيره ، حيث يُعرف الصراع بأنه تلك الحالة التي تعبر عن تناقض مفاهيمي و قيّمي و عقائدي و فلسفي ، يصعب في كثير من الأحوال أن تكون موضع إتفاق بالنسبة لأطرافه() ، و يذهب فهمي إلى انه في الوقت الذي تتنوع فيه مضامين الصراع و مظاهره ( سياسياً ، إقتصادياً ، آيديولوجياً ) ترتبط الحرب أساساً بحالة الالتحام العضوي المباشر ، و بعد أن تتصاعد وتائر الصراع على مستويات يصعب ضبطها و التحكم فيها ، مما يدفع بالأطراف المتصارعة إلى العنف المسلح ، بإستخدام القوة العسكرية ، و هنا تشكل الحرب الحل الأخير ، عندما تلجأ الأطراف المتصارعة إلى حسم تناقضاتها المتجذرة بالأداة العسكرية ، بعد أن تعجز عن حلها بالوسائل السلمية() .

 عن مصاحبة الصراع للحياة الإنسانية منذ مبتداها ، يتحدث القرآن الكريم عن الصراع الذي نشب نتيجة لحسدٍ مصلحي ، و آل إلى القتل ، حيث يقول { و اتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتُقبل من احدهما و لم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ......)()

 و بطبيعة الحال ، فإن صحبة الصراع للإنسانية ، لم تكُ من دون التأثير على مستويات التعقل الإنساني ، حتى أن الكثير من المنظرين ، عمدوا إلى تبرير الحالة التصارعية ، التي تبرز على الساحة الإنسانية بين الفينة و الأخرى ، جاعلين منها قضية طبيعية ، تمثل حالة عضوية _ بايلوجية _ لنمو الإنسانية و تقدمها نحو مستقبل سعيد كما سنرى ، و ليس هذا فحسب ، بل أن البعض يعتقد أنها السبب الموجد للمجتمع المدني على سطح الأرض ، و لعل أبرز من ذهب هذا المذهب ، المنظر الانكليزي توماس هوبز ، الذي ذهب ايضاً ، إلى أن المجتمع البشري هو في حالة صراع و حرب مستمرة ، فالقوي دائماً يسلب حقوق الضعيف ، و الأخير يبدأ يضعف فيقدم عليه آخر أقوى منه فيسلبه أمواله و حقوقه ، و قد دعمت النظرية الداروينية رؤية هوبز ، و أضافت عليها ، أن من الضروري أن يكون البقاء للأقوى و الأصلح ، و الصراع الذي يخوضه الجنس البشري ما هو إلا حالة طبيعية يمارسها بصورة مستمرة من أجل البقاء() .

 و قد قام ( سيغموند فرويد ) بإثبات أن السلوك العدواني الذي يقود إلى الحرب _ أعلى مراحل الصراع _ هو نتاج طاقة عدوانية كامنة و غير واعية في أعماق النفس البشرية ، و أن هذه الطاقة تتحرك ضمن ضوابط إجتماعية في أوقات السلم تحول دون إنفجارها ، إلا إنها ، و في أوقات الحروب ، تكون مهيأة لتظهر في أكثر صورها عنفاً و تطرفاً ، و يركز فرويد على ما يسميه ( غريزة الموت ) كعامل دافع للحرب ، فيقول (( إذا لم تكن الدولة في حالة حرب ، و إذا لم تتوفر أمامها بدائل ملائمة تغنيها عن الحرب ، فان غريزة الموت الكامنة فيها إذا لم تجد مجالاً للتنفيس عنها بتوجيهها نحو خصومها ، فإنها ستتحرك لتعمل على قتلها ذاتياً ))()   

 و كلام فرويد هذا ، سليم إذا ما نُظر إليه على أنه تفسير علمي للنفسية البشرية ، في حال مرورها بظروف معينة ، و ليس في مطلق الظروف و الاحوال ، لكن فرويد أراد به تبرير الحالة التصارعية بين الدول _ التي تعبر عن كيانات معنوية للبشر _ معتبراً إياها طبيعية ، و انها إستجابة لغريزة الموت الكامنة في ذواتها ، و أن عدم الإستجابة إليها يعني إنعكاس المردودات الإيجابية إلى سلبية ، فلا بد إذن من الإقرار و التسليم لهذه الغريزة و السعي الحثيث لإشباعها .

 أما ( فردريك نيتشة ) فانه إنتقد المسيحية في دعواتها لإنكار الحرب ، معتبراً هذه الدعوة عدواً للحوافز الخلاقة في الإنسان ، و أنها دين يحول دون وجود الـ(SUPER MAN ) ، أو الشخص الذي يتمتع بمزايا خارقة ، و الحرب في نظره تلعب دوراً لا جدال فيه لتجديد الحضارات ، و من قبيل هذا ما أشار إليه ( فردريك فون بيرنهاردي ) المتأثر بالأفكار الداروينية حول ( البقاء لأصلح ) بقوله (( إن العوامل الفكرية و المعنوية التي تدعم التفوق في الحرب هي ذاتها التي تجعل من التطور ممكناً بين الأمم ، و إذا كان الانتصار في الحرب بين الأمم هو نتاج مقومات القوة بكل عناصرها ، فان الأمم التي تملك هذه المقومات هي الأصلح لان تبقى و تقود دون غيرها )) أما ( فردريك راتزل ) ، المنظر الألماني ، فإن نظريته للوحدة الألمانية بقدر ما عكست فلسفة القوة و التفوق الجرماني ، بقدر ما طوعت من فروض التطور لمصلحتها ، و أبرزت فكرة ( الدولة كائن حي ) بإعتبارها الأساس النظري لما عُرف بنظرية الجيوبولتكية العضوية ، و هي التي تبرر الصراع و التوسع في إطار مقولة ( البقاء للأصلح )()  .

 بدوره يذهب عالم الانثروبولوجيا ( ليفي بريل)  ، مبلوراً مصطلح العقلية البدائية ، لكي يبرر الاستعمار بشكل غير مباشر ، ففي رأيه أن الغرب هو وحده الذي توصل إلى الفكر العقلائي أو المنطقي ، و أما بقية الشعوب فلا تزال تعيش في مرحلة العقلية ما قبل المنطقية ، و بالتالي ، فما عليها إلا أن تمر بنفس المراحل التطورية ، لكي تلحق بالغرب ، و بما أنها لا تستطيع أن تفعل ذلك لوحدها فإنه ينبغي على الغرب أن يساعدها() !!!

 إن التمحيص في آراء العلماء الغربيين المذكورة سلفاً ، يحدو الباحث إلى استخلاص جملة من النتائج ، أبرزها إثنين :

النتيجة الأولى : إنه ليس بالإمكان القيام بممارسة فصلية ما بين التنظير الذي يُقدمه العالِم ، و بين الواقع الذي عاش فيه ، و الذي من موازينه و أُطره نظر إبان تحليله القضايا التي إختص بها ، و لمثل هذا أشار محمد خاتمي قائلاً (( ينبغي عند دراسة الأفكار التي ظهرت في التاريخ ، عدم إهمال مسألة مهمة ، و ضرورية ، هي العلاقة بين الفكر من جهة ، و الأوضاع الاجتماعية _ الاقتصادية المحيطة بفكر المفكر و ظروف حياته من جهة أخرى ))() ، و قد عمد الباحث إلى عدم التعرض لدراسة الظروف الحياتية للمفكرين ، و ملازماتها الواقعية و تأثير هذه الظروف و الملازمات على إتساع الأفق التنظيرية و ضيقها لدى المفكر ، كونه _ الباحث _ يبغي الاختصار في هذا المطلب لعدم إرتكازية موضوعة الدراسة عليه ، و إنما جلَّ ما رام إليه الباحث هو التدليل على الصلة الترابطية بين الفكر و الواقع الذي نشأ فيه .

النتيجة الثانية : و ترتبط هذه النتيجة أيما إرتباط بالأولى ، و هي أن الكثير من المنظرين ، لا سيما السياسيين منهم ، أو لنقل الذين نظّروا لامور ترتبط بالسياسة من قريب أو بعيد ، كانوا و لا زالوا ، يضعون المصالح القومية لبدانهم نصب أعينهم قبل أن يقوموا بأية ممارسة تنظيرية ، و بالتالي الابتعاد عن الموضوعية العلمية ، و التي تنطوي ، من جملة ما تنطوي عليه ، على عدم إعطاء أية أجوبة مسبقة حول الموضوعات البحثية ، و إنما إيكال أمرها إلى ما تنتجه الدراسة العلمية من نتائج علمية بحتة ، فإننا عندما نطّلع على ما قدمه فردريك فون بيرنهاردي و كارل هاوس هوفر و ماكندر و كلاوزفيتز و فرانسيس فوكوياما و صموئيل هنتنغتون ، سنعي أن كل هؤلاء نظّروا خدمة لاستراتيجيات بلدانهم .

  و عموماً فللحرب جملة من الأسباب التي تحدو بني البشر للتقاتل ما بينهم ، يُجملها ( هارالد موللر )  بالاتي :

أولاً : النزاعات الإقليمية .

ثانياً : التنافس على موارد محدودة .

ثالثاً : التسابق على أسواق مرغوب فيها .

رابعاً : الغارات .

خامساً : الحماس الديني .

سادساً : إختلاف الآراء الايديولوجي .

سابعاً : معضلة الأمن التي تثيرها سباقات التسلح ، التي يمكن أن تكون عاملاً يدفع إلى حروب وقائية.

ثامناً : مصالح السيطرة للنخبة و القادة في الدول غير الديمقراطية() .

 و بقدر ما أشار إليه موللر من أسباب واقعية و موضوعية ، فانه لم يستطع الخروج من قوقعة الايديولوجية ، مدعياً أن من جملة الأسباب القائدة للحرب بين الدول ، هي مصالح السيطرة للنخبة و القادة في الدول غير الديمقراطية ، ما يعني أنه نزّه الدول الديمقراطية عن السعي الحثيث وراء المصالح النخبوية ، و هذا واضح البطلان جلاء الشمس .

 كما أنه أغفل الجانب السايكلوجي و قيادته للحروب ، فكثير من العلماء ، و على رأسهم ( لفي ورنر ) يرون أن العوامل السايكلوجية التي تدفع باتجاه الحرب ، تتمثل بالنزاعات العدوانية و المشاعر العدائية ، التعطش إلى الثأر و الانتقام ، الحاجة إلى التغيير و البحث عن المكانة ، الشعور بأداء رسالة ، و يشير ( إريك فروم ) إلى أن هنالك عوامل قوية تتحرك باتجاه الرغبة في إلحاق الأذى بالغير() .....

  يعتقد ( روجيه غارودي ) أن الحروب التي يشهدها العالم حالياً هي حروب دينية ، لكنها من نسق آخر ، لا بين الكاثوليك و البروتستانت ، و لا بين المسلمين و المسيحيين ، و إنما بين هذا الذي لا يجرؤ أن يعلن إسمه ، و الذي يحكم بالفعل ، اليوم ، جميع العلاقات الاجتماعية و جميع العلاقات الدولية على حد سواء ، وحدانية السوق التي تغطي جميع الوثنيات() .



 ) كُتِبَت هذه الدراسة في عام 2007 ، عندما إنتهت المرحلة الثالثة من دراستي لنيل البكالوريوس ( علوم سياسية / جامعة بغداد ) ، و ربما لو كُتبَتْ الآن لكانت أشمل و أدق ، بيد أن الانشغال بغيرها من جهة ، و كونها  تنطوي على مقدار معين من الفائدة للقارئ من جهةٍ أخرى ، هو ما جعلني أقدمُ على نشرها . ) للإطلاع على هذا الموضوع مراجعة : محمد حسنين هيكل ( الإمبراطورية الأمريكية و الإغارة على العراق ) .

 ) دنكن ميشيل ( معجم علم الاجتماع ) ترجمة إحسان محمد الحسن ، بغداد 1400هـ / 1980 م ، دار الحرية للطباعة ، ص 78 .

 ) عبد القادر محمد فهمي ( المدخل إلى دراسة الإستراتيجية ) نشر كلية العلم السياسية _ جامعة بغداد ، ت.ط. بلا ، ص 124 .

 ) المصدر السابق ص 125 .

 ) سورة المائدة - آية 27 و ما بعدها إلى الآية 31 . ) دنكن ميشيل ، مصدر سابق ، ص 77

 ) عبد القادر محمد فهمي ، مصدر سابق ، ص 134_135 ) المصدر السابق ص 59_ 60

 ) هاشم صالح ( هل حوار الحضارات ممكن ؟ و كيف؟ ) _ صحيفة الشرق الأوسط 22 مارس / آذار 2005 .

 ) محمد خاتمي ( مدينة السياسة ) نشر دار الجديد _ بيروت ص 32 .

 ) هارالد موللر ( تعايش الثقافات ... مشروع مضاد لهنتنغتون ) ترجمة : إبراهيم أبو هشهش ، الطبعة الأولى 2005، دار أويا للطباعة و النشر _ طرابلس ص 103_104 .

 ) عبد القدر محمد فهمي ، مصدر سابق ، ص 134_ 135

 ) روجيه غارودي ( نحو حرب دينية ) ترجمة : صياح الجهيم ، الطبعة الثانية 1997 ، دار عطية للطباعة و النشر _ بيروت ص 16_17 .

محمد هاشم البطاط


التعليقات




5000