..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كل شيء قد تغيَّر

وائل مهدي محمد

لو كانت روح  والدي تُحَلّق بين عراجين هذه النخيل ، لَشَهدَت معي أن كل شيء هنا تَغيَّر.

المدينة واصلت انبعاثها سنين غيابي ولم يعد مجدياً نبشي في طَمير الذاكرة لصور فَتَتها الزَمَن و أحال عليها الفراق تَراكم النسيان .

تخيلتني أُلَملِم شتات نفسي من تحت أنقاض التناقض ، مبهوراً بالمشاهد والزِحام . تلوكني شوارع الكَرخ وتتقيّأني أزِقَّة الرصافَة .. أتسكّع  جنب أخي كالحالم المُستيقظ  .

 

_ المَدينة تغيَّرت كثيراً .. آه لو تدري كم تمَنّـ .. يـ ..

 

قاطعني ضَجِراً ، مُتَحَفِّزاً ..  كصوفيٍّ تَجرأتُ عليه و أربَكت خلوته الربّانية  ..

 

_ سَتعتاد الأمور .. سَتعتادها .

 

كل شيء قد تغيَّر . بيتنا . محلَّتنا . حتى بنت جارنا تغيَّرت !. البنت التي رأيت كيف ينهار في لحظة ضعف تحت قدميها الرجال ، تّغَيَّرت .. نعم .. تلك التي نسجت مُخَيَّلة المَسحورين جمالها قصائد فَضَحَت شجونهم ، جنونَهم وشَهواتهم .. تَبَشَّعَت .

البارحة أدهشتني حقا سطوة الأيام على المَلامِح  والجسد .. كيف يا الهي تتمكن السنين من دَك الجمال  وسحقه هكذا بالتَغَضُّن  والقبح ؟! . الشيب  الكارثي عَصَف بشعرها  دون رحمة  .. أمآن ، أمآن يا الهي  .. النهدان الشامخان أصبحا كجرابين وإمتدَ بهما الإمتطاط  إلى أسفل السُرَّة !. لقد رُزِقَت بأربعة أطفال كالورود و زوج مقيئ  ذو رأس ضخم . شاربه القُنفُذي الكث غير المُشَذَّب  يكاد يُدَغدِغ أرنبة أُذنه اليسرى إذ أبتسم و كشَّر .أمّا الكلمات فتخرج من جوفه ثقيلة .. بوء .. بوء .. تخيلته الفَزّاعة  وتمنيت لو أسمل عينيه . أهكذا يُصان الجمال بين أيديكم  كدت أقول  .. كفّه هائل و قدمه مفلطحة ذو كعب ناتيء .. ماذا ؟! .. هل ترى اصابت هذه المسكينة يوما رفسة من هكذا بغل حرون ؟ .

 وجدتني في الأمس أجامله ، قليل الوجدان .. بينما داخلي يتآكَل .

 

مُدارياً عدوانية أخي الذي لا تُبَشِّرني سحنته مذ رأيته بالخير أواصل المَسير . لقد تغيَّر أخي هو الآخر كثيراً . أكتسحه سيل الشيخوخة مسرَّباً إليه الهَرم .. غارزاً في عظامه الوَهن وفي سلوكه الانفعال ، لذا تحوَّل مشوارنا إلى فُسحَة لا تخلو من متعة ولكن ينقصها الانسجام ويشوبها بعض القَلق .

 

حياتي لم تكن اختياري ولم يكن أمامي غير هذا الدَرب الذي وضعني قَدَري العجيب عليه . الدرب الوعر أحيانا والمنبسط  أحيانا ، المُتَخّلِّع الحجارة دائما .. أوصَلَني مُدناً لامعة وعواصم غير مألوفة  جميلة ، ولكنه  أبعَدَني  كثيراً عن كل شيء أحببت ووددت أن لا أفارق .

أنا الذي تمنّى أن يعانق جميع الفصول بين أهله  لم أجد سوى رحيل مستديم  و إرث شقاء يُقرّبني حباً لنعيم فصل واحد مُصفَرَّة أوراق الطبيعة  فيه كما الوجوه .

الوجه الآن ليس سوى وجه الموت المُنقذ لشقاء المولودين في عصر الأخطاء وهذا الفصل الغبي فصلي . إنه يستفحل بإصرار، يُحَدِّق  في عينيّ  بخبث العفاريت .

تخيلت عمري خائن تواطأ مع كُرَة السنين المتدحرِجَة بيَّ من شاهق الولادة . كَبَّلني إليها بعد الفِطام  ثم بدأ بالتناقص مُنساباً فوق أشواك الأيام ورُخامها المُتَصَدِّع . دحرجته المُنفَلتة  لم تترك نتوء بؤس إلاّ ونصيبي منه صدمة دامية .. ولا بئر حزن إلاّ وفيه  ارتماءة.

لقد تحوَّلت حياتي إلى تِكرار مُخَيّبات يا عمري الغادِر .

لا أنكر أنه أخطأ مرة فساقني لكرمة سعادة ظليلة ! .. لا أنكر .. انتشيت حينها . لكنه لئيم بالتاكيد و يَستَكثر سعادتي ..

مضت الأعوام وخطابه يتردد .. الصبر ثم الصبر . صبرتُ . أحياناً كاظماً احتجاجي وأحياناً متذمراً لاعِناً .. لكن دَفَّة النصر تميل لصالحه أبدا وومجدتني الخاسر المهزوم .

لقد تمادى كثيراً في واقع الأمر عمري ، عابثاً بمقدراتي كيفما شاء ومتى ما طاب له . أضنه سيبقى عاوياً حتى لحظة نطحتي المُدَوّية لجدار الموت آخِر المطاف !.. حينها سيكف عنّي شَرَّه  بلا أدنى شك ، كونه سيرى وبأُم عينيه نَزَّ الصَبر من مسامِ  .. يراه كيف يسيل من  فمي، أُذني، وكل مكان بالجسد وأنا أتهاوى قلباً و قالباً، جسداً وشعوراً أو بلا شعور في قاع حفرة مُظلِمة حيث تنتظرني فيها النهايات .. تمضغني أفواهها وتمتصني ، لتذيب خلاياي أمعاء النمل و الدود ، بينما تُحَلِّق روحي مبتهجة  إلى سماء الله  . لقد كَرِهتُ الصبر يا رب تصرخ .

 

ليست هذه المدينة التي رأيت أبي يَغرف حفنة تراب منها يوم الرحيل . لَم أزَل أجهل غايته . هل كان ينوي تسميد غربتنا بها ؟.. أم ليعجنها ويكورها حبيبات يدسَّها أفواه أبناءه ساعة المرض ؟ . لا أدري، ولا يهمّ لو دريت مادام  كل شيء فات أوانه .

 

جسرٌ يتراءى يسارنا كأنني رأيته يوماً ..

 

_ ما اسم  ذاك الجسر؟

 

_ جسر الجمهورية . 

 

_  لكن الجسر كان أكبر؟! . بلى .. الجسر كان أكبر . لقد تضائل حجمه ! .. الشوارع المحيطة بالجسر كانت أكثر وسعاً لو تتذكر، ما هذا الكلام ! . لابد أنها ضاقت وضاقت فأغلَقَت خياشيمه  لتتركه ضامراً مُحتضراً بهذا الشكل .. هذه  قنطَرَة أم أجسر الجمهورية تقول ؟! .. مُستحيل .

 

بدأ يَحدجني  بمقلةِ مَن لا يَدَّخر في رئتيه الهواء .. توقف قليلا قبل أن يستنكر ..

 

_ ( ولك ) .. الجسر بحجمه هنا مذ بنوه . كذلك الشوارع والمدينة . كل الأشياء مُستقرَّة  مكانها منذ الأزل .. أتفهم ؟! .. صدعت رأسي بهذيانك فمتى تنوي السكوت محبَّة لله ؟! .

 

أخي يرغب في سماع ما يحبه و يرتاح اليه اذن ، ومن الافضل أن اتركه لذوقه كي لا يكرهني أكثَر . داريت إحراجي بسيجارة وأقنَعت نفسي بأن روح رياضيَّة عالية يحتاجها البعض لمسايرة البعض  و سوء طالعي أخرجني معه في يوم عصيب كهذا !.

 سافرَت ذكرياتي بعيدا ، مُتذكَّراً سنيننا الخوالي . لقد كان يعاملني بطيب لا يوصَف . يجيب أسئلتي بشروح مطوَّلة حدَّ المَلَل . أيامي معه بهجة كانت قبل أن يشيخ .. قبل أن تُحلل آفة السنين أعصابه  وتحيلها باروداً  ليأتي نُحسي بعد كل هذا الغياب  بأسئلتي كالوقيدة .

 أتَذكَّر هدوءه العجيب الذي لم يكن حتى لغروب الجمعة الخانق سلطانا عليه . أتَذكَّر أمي تضاحِكَني حين يُبكيني غيابه و يتفاقم بؤسي، أن تأكّدَ  بُنَيَّ عودتَه مادام رأسك الجميل  رهينة عندنا . يزداد لشوقه نحيبي فلا أسكت . تَدُس بين كفيَّ قطعة  نقود من فئة الدينار لشراء ما أرجو . أترشيني بهذا الثمن ؟! .. يَشتاط  صراخي فتضاعفها إلى فئة الخمسة  وهي تشير بطرف عينها إلى فردة نعال أبي العظيمة  المركونة  كحل أخيٍر ستلتجئ إليه  إذا لم تتم المساومة و الاتفاق بسرعة .. فأرضخ .. مَطعون الكرامة أرضخ، قابضاً داعكا على النقود .

 الآن تَجَسَّد أخي لغماً  يسير جنبي وأخشى انفجاره .. أحترس شظاياه التي تُثقب مناطيد كبريائي بعد كل سؤال ! . كم هو مرير مُسايرة ( إنسان _ قنبلة )! . انه يعني العجز بعينه  .. انه الخطأ الذي يجب تصحيحه أو الفِرار منه .

اختلست نظرة للجسر المُتَغَيّر وواصلت المسير أنفث الدخان بينما واجهات المتاجر تعكس ابتسامة مني  بليدة .

 

 طال بنا الصمت .. طال أكثر . أمتدَّ  حتى أشار إلى المقهى الكبير نهاية الشارع المزدحم . أمسكني من معصمي كأنه يرتجيني أن أتَشّرَّب كلماته المعجزة  جيداً وهو يغتَصب الحروف ببطءٍ مشحون بالنذيرِ ..

 

_ لنستريح  قليلاً . المقهى هذا ولله الحمد تراه لأول مرَّة .. لا تُخزِنِ أمام الناس! .. مفهوم ؟!.

 

أجابته جوارحي كلها  بالقبول . ودار لساني  أن  .. نعم ، نعم  ، كما تحب .

قلبي الوحيد كان بين الضلوع يدوي ، ما أجمل الابتعاد عن شدَّة بهيئة أخ في ضهيرة عَصيبَة  كهذه ! .

 

أبرَقَت فأرعَدَت سماءها بمحبة الحاضرين . أمطرونا بـ ( الله بالخير ) غزيراً من كل جانب بعد جلوسنا مباشرة . يبدو انه  يعرف الجميع هنا . راقبت ردود أفعاله حيال التحية الفلكلورية .. يتهزهز في مجلسه قليلاً ثم ينثني  فيستقيم لاطماً بعدها صدره وهو يُلَوِّح للمُحيّين مُعيداً  ( الله بالخير ) عليهم . أمّا الرؤوس فتُميلَها رِقابها وتردَّها  بعد حين إلى حيث كانت وهم يتباسمون  . رائع وجدت تبادل الأدوار بهذا الشكل الدقيق .

بادرتهم بالتلويح أولاً ، لكن جماليَّة التحيّة تُغريني و لا أعتقد بأنني أستطيع الالتزام بالمواثيق . استَشعَرت بأن الوضع سيُفلتني من براثن تَعَسّفه بعد ثوان لا محال متناسياً كل النصائح .   

 تجتاحني نشوة خفيَّة وأنا أُراقب الحركات و التَمَوِّجات . الوجوه التي أرى الآن يَشدَني إليها حب جارف مجهول الأسباب . لعمري أن هذا الدفء هو ما ينقصني بالضبط  . فيتامين الصفاء الطبيعي والمشاعر الجيّاشة الغير مُزَوَّدة بالمواد الحافظة لحين انتهاء مفعول الاستخدام هو ما يحتاجه جسمي وتستكين إليه  روحي .

 

رحت انتصب لا إرادياً مُنسجماً مع الجو مُتَجاهلاً انفجار أخي المحتمل . رأيتني لاطماً صدري .. أُحيي  الجميع  .. معيداً إليهم الله بخيرهم  بالله بالخيرات مني سَخيَّة مفتوحَة الحِساب .. ملوحاً .. مُبتسماً .. متمنياً عدم انقطاع تيار التهاني بخيرات الرب الهاطلة بهذه العَفَوية إلى يوم أُبعَث و يُبعَثون .

 يا لروعة الناس هنا . البعض يشدّ على يدي بقوة  تجعلني اشعر بان لقدميّ جذور بدأت  تَتَشكَّل .. فتنمو .. فتغوص مخترقة طبقات الأرض الحميمة  لتمنحني التوازن ، مُستكشفا  أجزءاً من ذاتي المبعثرة ، المُتَقَزَّمة بين ناطحات السحاب  .. فأزداد مقتاً لحياة المُعلَّبات والضياع .. أزداد  كُرهاً للتهاني الخَشَبيَّة عبر الـ ( أس . أم . أس ) في الأعياد والمناسبات ! .. للمواعيد التي أأخذها لزيارة صديق أو طريح مرض عبر الهاتف الجوال .. والجوال يرد بصوت أنثوي ، آليّ لا روح فيه أن ( ليف يور مَسِج ) ليغيضني و يتبعها بكلمة  ( بليس ) ليخرِّب أعصابي تماماً .  

 الناس يقهقهون هنا و يتكلّمون بصوت عالٍ خابطين جميع البروتوكولات الاجتماعية المصطنعة بالجدار . عيونهم  يُثقِلَها الحبّ واشتياقهم على أهدابهم كالندى المُتكاثِف صبيحات الربيع  ينثرونه على بعضهم ببراءة لا يخالِطُها زيف أو تَصَنُّع .

 أصحابه تَحَلَّقوا حولنا ولم يراودني للحظة  إي إحساس بأنني مسلوب بينهم . لا، بالعكس .. لقد تلاشى بين أكفهم خوفي . شعوري بالتجَذّر راح يمنحني قوة سبع أولياء صالحين لدرجة اليقين من قدرتي إعلان العصيان على أخي لو حاول تعكير فرحتي المُتنامية .

 التَفَتُ مستطلعاً أنواء مزاجه فوجدتها صافية وفاجأته يبتسم . أخي لم يزل يعرف  الإبتسام ؟! .. يا للغرابة ! ..

 

عجوز يقترب منّا يتوكأ عكّازه الغليظ . قدَّموني اليه ، فشَرد لسماع أسمي خياله لحظات ثم عاد جاحظا . عيناه تُنقبان وجهي في حيرة و ذهول .. كأنني أعرفه هكذا أحسست !.

الأستاذ سعدي عرَّفني نفسه . تصافحنا ..

الرجل لا يكف يتَفحَّصني فاغراً فاه ، كاشفاً  للجميع عن فم  أدرَد مُتكَوِّر ودَّع أسنانه منذ عقدين أو أكثر .

دعوته للجلوس تَهَرُّباً من نظراته المُنصَبَّة على رأسي شلال  فضول . لا أدري لمَ  يَتَمَلَّكَني شعور غريب نحوه ! . قد يكون أحد أقاربي ؟! .. ملامحه ليست بغريبة  ولا اسمه .. سعدي،  سعدي .. أسمٌ ليس عليَّ ببعيد ! ..

التَجَأتُ نظراتي  نحو أخي لألمح بصيص أملٍ مُسعِف للخروج من عتمة  هذا الإحراج الجديد .. لكنني وجدته مُتلذذاً حيرتي و ابتسامته محايدة رأيتها  في برود .

 هل أنا في شوط  كونكاين  وأسقط  العجوز الجوكر من يدي محيله الى اللا شيء ؟!.

 

_ عرفتني ؟ .. أنا استاذ سعدي  !..

 

حَشرَجتُ بكلمات تعمَّدت ضَبابيَّتها وشموليَّتها كي أستلَّ من الموقف برُمَتَه دون إزعاج هذا البلاء المُنتَصب ..

  سمعتني أتكلم عن ضعف الذاكرة مرَّة .. ومرَّة  بأن اسمه على طرف لساني لو انتظرَ قليلاً ، مُعطياً  لوجهي ملامح التفكير العميق! . مُعتذراً مرَّة .. ثم أبتسم وأنا أطيل التمَعّن للوجه السَمِح الذي يتكئ عكازه كالوتد الراسخ في مضيف شيخ العشيرة .

 

ماطلت ُ .. ماطلت كثيراً  حتى ملَّ العجوز . أعتقد بأنه تَعب  أو أشفق على حالي .. ربما ؟ .. العجوز الآن يائس مني تماماً لكنه أشبعني  ولله الشهادة خجلاً واتخمني احمرارا ..  

 

_ نسيتني وقد علَّمتَكَ كيف تُمسِك بالقلم ؟!.. هل نسيت سعدي المُعَلِّم ؟! ..

 

هذا معلمي في الصف الأول إذن ! . سعدي المعلِّم  .. أي مفاجئة عظيمة  هذه !  .. عانقته بحرارة مُحتضنا إياه بين ذراعيَّ كدمية أرَّق إيجادها طفلاً أسابيع .. كم تغيَّر الأستاذ سعدي ! .. يا الله  كم تغيَّر !! .

لقد أعادت رؤاه  لروحي رهبة يوم المدرسة  الأوَّل وتلك الرائحة الغريبة التي تتسَرَّب من جدرانها  مَشام سريرتي كأنها طبول الدخول في حرب الجدّ و مُعترك  الالتزام اللعين .  تلك الرائحة التي تَفيح  أحيانا من بعض الكتب القديمة، أرجَعَت إليَ  ذلك يوم الفجيع  لمفارقة الأم على بوابة المدرسة و النظر إليها خلال الدموع  بالاصطفاف و رغبة الرجوع والتشبّث بباب الدار  الى الأبد .

 تناسَلَت صور الأمس البعيد  فاشتقت طفولتي، أصدقائي .. كرة القدم .. اشتقت إلى كل هدف سجلته  لفريق المدرسة  و المَحلَّة .

 اشتقت قصصي .. مجلاتي .. ( دعابلي ) .. أقلام الحِبر .. عربات العيد التي تجرها الحمير و إنا جالس بيدي قطعة جُمّار خليط  بالتراب وأبي يخشى سقوطي  فيعدو خلف العربة شاتماً سائسها .

 

 أمّا الأستاذ فلا أدري بماذا كان يفكِّر ! .. لكنه ربت على كتفي  وهو يخاطب الأصحاب قبل الجلوس  

 

_ هل ترون سباق السنين يا جماعة ؟! .. من كان يتوقّع أن التقي ذلك الطفل المُشاكس بشعره الطويل وقد أصبح صعلوكاً أصلعا مثل هذا ( وأشار إليَّ ) . كم تغيَّرت يا بني .. كم تغيَّرت !..

 

 

Wael. M. Mohammed

O5-  04 - 2010

Sydney

 

 


 

وائل مهدي محمد


التعليقات

الاسم: مريم
التاريخ: 02/03/2016 22:31:33
اسلوبك في الكتابه جميل ومشوق ويشد القاري اتمنئ لك التوفيق

الاسم: احمد هاشم محمد
التاريخ: 25/06/2012 00:04:12
كلام الغربة لا يفهمة الا الغريب

الاسم: فاطمة الفلاحي
التاريخ: 01/11/2010 06:26:29
الشاعر الاديب وائل مهدي

نص متين المبنى ووارف المعنى ، وبلغته الثرية ..
استوقفتني الكثير من الجمل الجميلة والمكتنزة ، فلم أعد افرق ايهما اجمل من الاخرى ، بسردك للذكريات واحلامنا المستحيلة.


دمت بألق وابداع دائمين

الاسم: وائل مهدي
التاريخ: 24/08/2010 21:57:16
شاعرنا الكبير .. استاذي سامي العامري المحترم ..
انا الذي يجب ان يعتذر من سيادتك يا أخي ..
فأنت من أجمل الأشخاص الذي اشكر الله دوما بأن تعرفت عليهم ... شهادتك حول قصتي المتواضعة اعتز بها وأقول : منك تعلمت الكثير ..
دمت لي .

الاسم: وائل مهدي محمد
التاريخ: 24/08/2010 21:51:11
الاستاذة المحترمة ايمان الوائلي .. الف تحية لك
اشكر مرورك الكريم وكلماتكِ السخية بالطيب ..
ممنون منك .. ورمضان كريم عليكم .

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 23/08/2010 14:47:22
تخيلتني أُلَملِم شتات نفسي من تحت أنقاض التناقض ، مبهوراً بالمشاهد والزِحام . تلوكني شوارع الكَرخ وتتقيّأني أزِقَّة الرصافَة .. أتسكّع جنب أخي كالحالم المُستيقظ .
---
شقيق الروح وائل مهدي
نص فاخر ومترع بالشجا ولا بد أن أعيد قراءته على مهل
غير أني دخلتُ الآن لأكتب لك معتذراً عن تأخري في المرور وهو تأخر كما تعرف غير مقصود
فهلا غفرت لصديق يودك ؟
محبتي وأمنياتي بالصحة

الاسم: التشكيلية ايمان الوائلي
التاريخ: 22/08/2010 22:48:17
الاخ والاستاذ القدير
وائل مهدي ..

انهمار باذخ لرؤى مهيبة حاولت ابجديتك الباذخة ان تستنطق خلجاتها بذكاء مبدع اهنئك عليك كثيرا.
دامت حروفك نقية ورائعة
تقديري واحترامي

الاسم: وائل مهدي
التاريخ: 21/08/2010 16:05:11
الاستاذ علي سليمان مهدي المحترم ..
اسعدتني كلماتك الطيبة ..
حقيقة انه وكما تفضلت زمن عجيب هذا الذي نحن فيه .
أحياناً أشعر بأن كل ما تركته خلفي من جمال ورعب ، يتقدّمني أو يحاصرني .
كن بخير ايها الغالي و رمضان كريم عليك .

الاسم: وائل مهدي
التاريخ: 21/08/2010 15:57:50
استاذتي رؤى زهير شكرالمحترمة ... تحياتي
سعيد انا بكلماتكِ الطيبة ..
منه تعالى اتمنى لكم التوفيق و النجاح ..
كوني بخير دائماً .. و رمضان كريم عليكِ سيدتي .

الاسم: وائل مهدي محمد
التاريخ: 21/08/2010 15:52:38
الطاهر الحبيب .. تحياتي اليك
تقبل شكري الدائم و محبتي ...
كم مشتاق لسماع صوتك .
اتمنى لسيادتكم دوام الصحة .. وكل رمضان و انت بالف خير .

الاسم: علي سليمان مهدي
التاريخ: 21/08/2010 15:31:47
الزمن الذي نخاف منه أن ينسانا...
أو أن يتركنا مجرد صور معلقة على وجهه...
لذلك لا بد من أن نكون مبدعين كي لا نبقى صورة على وجه الزمن ...
لأن الزمن غدار ...
علينا أ، نكون صفحة بيضاء في هذا الزمن ...
لأن الصفحة البيضاء لا تنطفئ ...
دمت يا شاعرنا وأديبنا صفحة بيضاء ناصعة في هذا الزمن الأسود .....
مع خالص محبتي ودعائي .
أخوك علي مهدي _ لبنان .

الاسم: رؤى زهير شكــر
التاريخ: 21/08/2010 12:58:04
لاشئ يبقى معلقا على جدار الزمن
إلا الذكرى الطيبة..
دُمتَ سيدي مبدعا ..
رؤى زهير شكــر

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 21/08/2010 03:03:33
كم انت رائع مبدعنا وائل
نص رائع عشنا معه في نشوة الذكرى
شدنا اليه كثيرا
دمت يا صديقي الحبيب لهذا القلم المبدع
احترامي مع تقديري
دمت بخير




5000