..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غدر بالجار وهدم للديار

الدكتور منذر الفضل

     في الذكرى 17 للعدوان على  دولة الكويت  

-1-

في عام 2001 ولمناسبة مرور 11 عشر عاما على خيمة صفوان دفعنا هذا أغلب فقرات هذا المقال الى النشر في العديد من الصحف والمواقع على الانترنيت دون الاكتراث لردود فعل النظام الصدامي المقبور و لا لشراسته المعهوده التي ارتفعت وتيرتها في الشهور الاخيرة من عمره ما بين ترغيب وترهيب ذقنا منها مرارتها وزادتنا صلابة في الموقف , وهذه الخواطر كنت شاهدا عليها وعاصرتها قبل ان اقرر الهروب الى الحرية والمغادرة من العراق عام 1991 بعد العدوان على دولة الكويت وتحريرها من قوات التحالف واندحار الطاغية وجيشه المهزوم , ولا نريد هنا ان نذكر كل التداعيات والاشكالات التي تعرضنا لها عام 1990 بعد الاحتلال بسبب موقفنا الرافض والصريح لهذه الجريمة البشعة انذاك حيث كانت الصدفة وحدها هي التي حفظت حياتي من اشرس نظام عرفته البشرية منذ سقوط النازية عام 1945 .  

وعلى الرغم من الضرر الجسيم الذي أصاب الشعب والدولة في الكويت من نظام عدواني غدر بالجيران وهدم الديار وجعل من العراقيين ثلاثة شعوب , واحد في العراق يرزح تحت سياط الجلاد وأخر في المنافي مابين مهجر ومسفر ولاجئ وهارب من الجحيم وثالث تحت الارض في المقابر الجماعية التي طالت العرب والكورد والتركمان والاشوريين والكلدان صغارا وكبارا , أقول على الرغم من كل هذه الجروح وقف الشعب الكويتي وحكومته مع شعب العراق في المحنه المشتركة وساهمت الكويت في التحرير والخلاص من هذا النظام البشع  وهو موقف مشرف يمد جسور الثقة والمستقبل المشرق القائم على احترام الخيارات والتعاون المثمر القائم على حكم القانون وعلاقات حسن الجوار بين الاشقاء .  

لقد زرت دولة الكويت الشقيقة قبل التحرير وبعده ولم نجد من الشعب والسلطات الكويتية الا الخير وكانت الحسرة والالم تؤرق كل انسان في العراق والكويت في ان لا تكون لآحداث الماضي اي ضلال على علاقات الاخوة والمحبة بين الشعبين لان صدام ونظامه البشع احتل العراق بنهجه العدواني المتخلف  قبل ان يحتل دولة الكويت ولا يخفى ان الاحتلال الداخلي هو اخطر من الاحتلال الخارجي بتفاصل كثيرة معروفة للقاصي والداني .

وفي شهر ايلول من عام 1998 في لاهاي - هولندا دعوت مع بعض الاخوة الافاضل في المعارضة العراقية الى انعقاد مؤتمر دولي للاعداد لمحاكمة صدام والمسؤولين العراقيين من خلال مؤتمر تحضره شخصيات عديدة ناشطة في حقوق الانسان والقضايا الانسانية رغم مخاطر عقد مثل هذا المؤتمر الذي جاءت الدعوة له في أوج شراسة نظام صدام , وقد عقد المؤتمر فعلا بدعم من حركة الوفاق العراقية و بحضور شخصيات عراقية معروفة    ( السيد الدكتور محمد بحر العلوم والسيد الدكتور اياد علاوي والشخصية المعروفة حسن النقيب والسيد نوري البدران - وزير الداخلية السابق والاستاذ الدكتور صلاح الشيخلي والسيدة رند رحيم والسيد بختيار أمين وغيرهم كثيرون ..) كما وجهت الدعوة الى الاخوة في الكويت ومنهم السيد السفير خالد الدويسان وحضر مندوب وكالة الانباء الكويتية ,  وكنا مع أخرين نسعى بجد الى    تفعيل ملف المحاكمة لمحاسبة صدام ونظامه  . ودعونا في محاضراتنا قبل سقوط النظام وبخاصة  في واشنطن وفي لاهاي الى  تشكيل محكمة جنائية وطنية عراقية داخل العراق من قضاة عراقيين لمحاكمة المتهمين بهذه الجرائم الدولية وفعلا تم تشكيل هذه المحكمة العراقية بقانون رقم 10 لسنة 2005 الصادر عن أول جمعية عراقية منتخبة من العراقيين .  

واليوم بعد ان سقط النظام وجرت محاكمته محاكمة عادلة من القضاء العراقي الذي أصدر حكمه العادل في إعدام الطاغية عن واحده من جرائمه أرتكبها في مدينة الدجيل   يحتاج العراق في هذه المحنة الكبيرة الى كل الدعم من الكويت وغيرها لبناء مقومات دولة القانون وترسيخ ثقافة الحوار والاعتراف بالاخر ونشر قيم المحبة والتسامح عدا المتهمين بجرائم دولية حيث لا يجوز قانونا ولا شرعا التسامح مع المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجرائم العمدية الخطيرة ضد دولة الكويت وضد العراقيين . كما يقع على كل القوى المحبة للسلام ان تقف بحزم ضد الارهاب وقوى التكفير وبقايا البعث  التي تهدد الامن والسلم في المنطقة ولا نشك ان هناك الملايين من العناصر الخيرة في العراق والكويت تريد بناء الجسور السليمة واواصر الصداقة والجوار القائم على المصالح المشتركة والروابط التاريخية والاخوية لتعزيز الامن والاستقرار وتحقيق الرخاء للمنطقة وهذا لن يتحقق الا بالسلام ونبذ العنف وهو مبدأ اساسي للحكم الجديد في العراق. وليس من الضير ان نعيد التذكير  لما حصل قبل وبعد احتلال دولة الكويت لغرض الاستفادة من هذه الدروس واعتماد اسس صحيحة في العلاقات مع الجيران قائمة على السلم والاحترام . 

  

-2-

الوضع قبل العدوان على  دولة الكويت

في إحدى الأمسيات البغدادية التي خيم عليها الظلام الدامس بسبب متطلبات الحرب ضد إيران  ووجوب التعتيم وعدم فتح الإنارة لكي لا تكون هدفا للطائرات المغيرة فوجئ الشعب العراقي بظهور صدام وهو يبكي من على شاشات التلفزيون في العراق - قبل نهاية الحرب العراقية / الإيرانية بشهور -  ويذرف دموع التماسيح بسبب استمرار الحرب مع إيران وللخسائر البليغة في الجيش العراقي والأرواح والأموال والطاقات ويدعو إلى الصبر والدعاء إلى الله لإنهاء الحرب الضروس التي أشعل فتيلها. ولاشك أن هذه حالة غير مسبوقة إذ لم يسبق لرئيس دولة أو ملك أو حاكم أن يظهر بالصورة التي كان عليها. وليست هذه هي المرة الأولى التي ظهر فيها صدام وهو يبكي بهذا الشكل فقد سبق أن ذرف دموع التماسيح مع البعض من رفاقه في قاعة الخلد ببغداد عام 1979 إبان ادعائه في اكتشاف المؤامرة عليه من رفاقه في البعث و الذين اعدمهم فيما بعد بمحاكمات صورية بعيدة عن أي ضمانات قانونية لينفرد بعدها في السلطة ويهدر الدار ويعلن الحرب على الكورد والشيعة وعلى دول المنطقة والعالم مدعيا انه باني العراق والبطل القومي المخلص والمنقذ للامة والناشر للفكر الإنساني..!  

ثم أخيرا وضعت الحرب العراقية - الإيرانية أوزارها في الثامن من آب 1988 بينما  كانت بيوت العراقيين مثخنة بالجراح من حرب دامية بدأها نظام صدام واستمرت 8 سنوات لم تترك غير الدمار والخراب في كل مناحي الحياة في العراق , سواء أكان ذلك أثناء الحرب الضروس التي استخدمت فيها كل صنوف الأسلحة التقليدية وغير التقليدية مثل السلاح الكيماوي والغازات السامة ضد الكورد في حلبجه وجرائم الانفال وضد البارزانيين وضد الشيعة وضد القوى الوطنية العراقية  , أم ما تبع ذلك من أثار مدمرة هي الأقسى من وقائع العمليات العسكرية  ذاتها التي دارت رحاها خلال فترة الحرب.

فمن المعلوم للجميع أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعسكرية والإنسانية لمرحلة ما  بعد الحرب هي الأخطر  من الحرب والعمليات العسكرية ذاتها وبسبب هذه الخطورة  لا يمكن تجاوزها أو حلها بسهولة أو إنهاء نتائجها بين ليلة وضحاها  فما يزال العراقيون يعانون من نتائج هذه الحرب حتى ألان وأن جروح العراقيين لم تندمل بعد سواء من حيث قضية الأسرى أم المفقودين في الحرب أم في  مئات الآلاف من العوائل  الثكلى أم من المعوقين الذين فقدوا شبابهم وطاقاتهم في الحرب أم في  الطاقات البشرية التي سئمت الحروب وتركت الوطن وركبت المخاطر والموت بحثا عن الأمان والحرية أم في الثروات التي أهدرت في شراء السلاح من التجار ومن السوق السوداء الدولية عبر الوسطاء وتجار الحروب.  

وبالرغم من هذه المأساة وأثارها البليغة على كل العراقيين وشعوب المنطقة والعالم فان صدام كان يخطط سرا لموضوع كارثي هو الغدر بالجار الجنوبي بعد أن غدر بالجار الشرقي وكان هو الأخطر فعلا من الحرب التي سبقتها حيث لا يعلم أي شخص  بهذا الزلزال المنتظر أو الكارثة سوى عدد محدود جدا من القيادة العراقية في مجلس قيادة الثورة المقبور وهي عملية التخطيط لاحتلال دولة الكويت و  ( بعض دول الخليج العربية ) للسيطرة على منابع البترول وتنفيذا للأحلام التوسعية والسيطرة المطلقة وللنفس المريضة للطاغية وتطبيقا لسياسة الغدر والنهب للجار والتخريب للديار.  

ومن مقدمات هذه الخطة التي كانت تهدف للتمويه أو الخداع  وصرف الأنظار عن خطة الغدر بالجار السرية هي قيام  النظام آنذاك في عمليات التمويه ومنها ممارسه عمليات الإخلاء للسكان المدنيين من بغداد. وقد أشاع النظام في حينها  باحتمالات قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية مفاجئة إلى بغداد وتارة أخرى باحتمال فيضان نهر دجلة وحصول غرق لمناطق بغداد ولذلك نشطت الأجهزة الحزبية والأمنية في عمليات تدريب السكان المدنيين على الإخلاء وعلى عمليات الدفاع المدني وعلى اللجوء إلى الملاجئ التي كانت معدة أصلا لعوائل نخبة النظام كحماية من الضربات الجوية المحتملة أو للتحصين مما كان يزعم من الفيضان لنهر دجلة أو الضربة العسكرية من إسرائيل. كما صنفت هذه الملاجئ حسب أهمية البشر ومدى صلتهم بالنظام فالبشر على درجات وأصناف في معايير النظام واعدت هويات خاصة لبعض المسؤولين وعائلاتهم  للتحصين في الملاجئ المذكورة عند حصول الخطر المزعوم. كما قام النظام بتكليف المدراء العامين والمسؤولين وعمداء الكليات والقادة الحزبين والأمنيين وغيرهم بتولي مهام إخفاء أو الحفاظ على الوثائق والسجلات المهمة في بيوتهم أو مزارعهم أو منتجعاتهم أو في أي مكان أخر يرونه مناسبا وأمينا من الخطر القادم من نهري دجلة والفرات !! أو من إسرائيل وضربتها الجوية المنتظرة على العراق!  

ولقد كنا نستغرب من سلوك السلطة آنذاك ونتسأل بهمس هو انه إذا كان هناك خطر قادم من هجوم إسرائيلي مرتقب أو من فيضان مزعوم فلماذا يوزع النظام هويات أو بطاقات الدخول للملاجئ للبعض دون البعض الأخر لكي يتحصنوا فيها  ؟ لماذا لم أحصل عليها أنا مع عائلتي وآخرين مثلي من هذه الهويات  ؟ أسئلة كثيرة محيرة لم نفهم دوافعها حينذاك.

  

-3-

نكث العهود و إهدار القيم

في  منتصف فبراير ( شباط ) من عام 1989 أجبرت الأجهزة الأمنية العراقية المندسة تحت غطاء الحزب عشرات الآلاف من الطلبة والموظفين  وأساتذة الجامعات إلى ساحة الاحتفالات الكبرى في بغداد وقد سيقوا مثل قطيع الأغنام تحت القوة والسياط للتجمهر هناك وللحضور وسماع خطاب القائد الضرورة ولما سيدلي به من أقوال تاريخية للامة في تحديد ورسم معالم طريقها للمستقبل الزاهر...!
 ولم يتمكن أحد من هذا ( القطيع ) الغياب أو الاعتذار عن الحضور فالنتائج معروفة لمن يعصي أمر النظام لا سيما وان المخبرين منتشرون بين القطيع
..!. وحين وصل الجمهور إلى الساحة الكبرى للاحتفالات في وسط بغداد انتظروا فترة من الزمن حتى ظهر أربعة من الرؤساء العرب هم الرئيس محمد حسني مبارك والرئيس على عبد الله صالح و الملك المرحوم الحسين بن طلال و صدام الذي كان يرتدي ( السدارة الفيصيلية نسبة للمرحوم فيصل الأول -  ملك العراق ومؤسس الدولة العراقية ).  

وقبل الدخول للساحة المذكورة  خضع كل فرد للتفتيش الدقيق كما لم يسلم حتى أحد عمداء الكليات من جامعة بغداد ( الدكتور نزار العنبكي عميد كلية القانون )  وهو من الكوادر( العفلقية ) من التفتيش والإهانة حيث قام أحد جنود الانضباط العسكري بتفتيشه  من خلال عصا كان يحملها بيده بطريقة تكشف عن مدى الاستهانة بالبشر , ثم ألقى صدام خطابا مطولا كانت فحواه تدور حول بنود مجلس التعاون العربي للدول الأربع وقد جاء من بينها      ( عدم جواز استخدام القوة  بين الدول العربية  لحل أي مشكلة قد تنشا فيما بينها )  وعلى أساس أن هذا المجلس هو نواة لقوة عربية مشتركة تسمح بالتعاون في جميع المجالات من خلال تزاوج الخبرات والثروات والطاقات العربية وكذلك تضمن الميثاق عدم جواز حل المشكلات بين العرب بالقوة وعدم جواز التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية وغيرها من البنود التي تشبع فكر المواطن العربي بها منذ اكثر من نصف قرن.

ولم تمض إلا  فترة  قصيرة على إنشاء المجلس حتى قام أمير دولة الكويت انذاك  بزيارة العراق في شهر  نيسان ( أبريل ) من عام 1989 وقد حظي بتكريم كبير من القيادة العراقية وقام صدام بتكريمه بوسام الرافدين من الدرجة الأولى عرفانا له  وتقديرا لدور دولة الكويت الشقيقة في وقفتها مع العراق في الحرب ضد إيران خلال فترة 8 سنوات ( 1980- 1988 ) سواء للدعم المادي أو العسكري أو السياسي وحتى للدعم الإعلامي والشعبي. وقد كان هذا  التكريم تتويجا للعلاقات الطيبة وترسيخا للثقة وتمتينا للعهود بين البلدين الجارين.
وحين سأل أمير دولة الكويت الرئيس صدام عن موعد زيارته القادمة للكويت ,
أجابة صدام ( زيارتي للكويت ستكون مفاجئة لكم !! ). ثم ذكر ... صدام انه أمر أولاده وأسرته باللجوء إلى عمهم سمو الأمير إذا حصل ما لا يحمد عقباه من تغيير في العراق ليكونوا في رعاية  عمهم سمو أمير دولة الكويت !  

وفي شباط من عام 1990 زار صدام الملك الحسين لمناسبة مرور عام على تأسيس مجلس التعاون العربي وصرح صدام في زيارته  بضرورة الاعتراف بدور العراق في الخليج كقوة عظمى لا ينافسها أحد وهذا يتطلب دعم العراق ماليا وهو ما أثار غضب العديد من الدول العربية وغير العربية , ويبدو أن هدف الزيارة كان ابتزاز دول الخليج , وبخاصة  السعودية والكويت , لكي تلعب القوة الصدامية دورها في المنطقة الملتهبة بالبترول ويبدو أن هذا الاجتماع لمجلس التعاون كان بمثابة الشرارة الأولى للزلزال ... أو للكوارث اللاحقة.

  

-4-

( الضوء الأخضر أم الضوء الأحمر ) من السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي ؟

بتاريخ 25 تموز من عام 1990 وبينما كانت المفاوضات بين الجانبين العراقي والكويتي بين مد وجزر , تهديد ووعيد , وبينما كانت الأنباء تتناقل عن حشود عسكرية ضخمة على الحدود العراقية - الكويتية وما كنا نشاهده من تحرك كبير للقطعات العسكرية العراقية من مناطق كردستان والموصل وغيرها إلى الجنوب ( منذ عودة صدام من عمان في شباط 1990) , كان صدام قد استدعى السفيرة الأمريكية السيدة غلا سبي للاجتماع بها في ذات الساحة الكبرى للاحتفالات ببغداد القريبة من القصر الجمهوري في اليوم المذكور للوقوف على موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية الخلاف مع دولة  الكويت.  

دار الحديث بينهما بحضور المترجم وطارق عزيز -  رغم أن السفيرة كانت تجيد التحدث بالعربية - وقد فهم صدام من السفيرة أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لن تتدخل في قضايا النزاعات أو الخلافات بين الدول العربية باعتبارها شأنا داخليا عربيا بين البلدين العربين المتجاورين , كما فهم صدام آنذاك أن أمريكا ستبقى على الحياد إذا ما اقدم على الاحتلال العسكري لدولة الكويت خاصة وانه قدم ( خدمات جليلة ) إلى أمريكا ولدول الخليج العربية في الوقوف بوجه تصدير الثورة الإيرانية - الإسلامية إلى المنطقة.  

وأيا كان الفهم الذي ترشح من هذا اللقاء الذي دار بين الطاغية والسفيرة الأمريكية فان قرار احتلال الكويت ( ومنابع البترول في بعض دول الخليج العربية ) كان مرسوما في ذاكرة عدد محدود جدا من القيادة في العراق استنادا لعدد من المعطيات الداخلية والظروف الخارجية وأمور عديدة كانت تجري آنذاك في العراق نابعة من طبيعة نظام الحكم الفردي وهوس أحلام السلطة المطلقة والقوة  وعبادة الشخصية القائم على الإرهاب المتميز وإنكار وجود الأخر والغدر ونكث العهود حيث تأكد ذلك بخطاب عضو مجلس قيادة الثورة  سعدي مهدي صالح التكريتي مع عدد محدود من أساتذة الجامعات العراقية في بغداد في شهر سبتمبر 1990 أي بعد تنفيذ جريمة العدوان على  للكويت.  

وعلى آية حال انتهت المقابلة مع السفيرة (( غلا سبي )) بقولها أن الخلافات الحدودية بين العراق والكويت ليست قضيتنا وهو أمر لا يعنينا بحد ذاته ...!؟. فهل كان هذا هو الضوء الأخضر أم الضوء الأحمر للزلزال؟ أم كان فخا كبيرا اكتشفه الكثير من المسؤولين العرب والمحللين ومنهم الدكتور مروان القاسم ( مستشار الملك الحسين ) الذي طلب من طارق عزيز مرات متعددة بضرورة الانسحاب من الكويت وعدم الوقوع في الفخ الخطير المنصوب للعراق ولكن لا حياة لمن تنادي.

  

-5-

مغامرة فردية طائشة لاحتلال دولة الكويت

على اثر انهيار مفاوضات الفرصة الأخيرة  بين الوفدين العراقي والكويتي في جده والتي عقدت في نهاية شهر تموز من عام 1990 وانهارت في 1 أب 1990 , حيث كانت التعليمات الى الوفد العراقي المفاوض برئاسة المجرم عزة ابراهيم الدوري  إفشال المفاوضات بكل صورة لان قرار الاجتياح كان مخططا له أصلا منذ انتهاء الحرب مع إيران عام 1988 حيث لم تنجح وساطة الحكومة السعودية في نزع فتيل الأزمة بين الطرفيين بسبب النية السيئة للوفد العراقي المفاوض , وكان لابد من حصول الاجتياح للقوات العراقية ودخولها الكويت بالنظر لتأزم المواقف بين الطرفين وسياسة الابتزاز وتنامي القوة العسكرية العراقية وبخاصة القوه الصاروخية بعيدة المدى ولعوامل عديدة داخلية  وعربية ودولية معروفة للجميع. بل ان القطعات العسكرية العراقية كانت قد تحركت فعلا منذ شباط 1990 على الحدود مع الكويت مما يدلل على النية المبيتة مسبقا على الاحتلال والحاق دولة الكويت بالعراق وهو ما يكرر طرحه الان من بقايا أزلام البعث المقبور من العرب السنة وكأنهم يريدون إعادة إنتاج الماضي ومأسايه  رغم مرور 17 عاما على هذه الجريمة  .

وفي هذا السياق كان  صدام حسين قد اصدر أوامره السرية للغاية منذ شباط 1990  ( أي بعد عودته من عمان ) إلى 200 عنصر من القوات الانتحارية العراقية ( العمليات الخاصة ) بدخول دولة الكويت على شكل وجبات حيث استكملت وجودها في تموز من عام 1990 وهي تنتظر الأوامر بالهجوم الانتحاري على بعض الأهداف الأساسية في دولة الكويت ومنها قصر أمير دولة الكويت والعائلة الحاكمة والإذاعة وبعض الأهداف الحيوية والمهمة لتشكل بذلك رأس الرمح في الهجوم المباغت على المؤسسات الكويتية وبخاصة السيطرة على الحكومة والعائلة المالكة  الكويتية ومحاولة إلقاء القبض عليها وذلك قبل أن تدخل القطعات العسكرية العراقية وقد حصلت هذه المجموعة على الأسلحة من السفارة العراقية في دولة الكويت و من بعض الأشخاص المقيمين في الكويت ممن يحصلون على الدعم من النظام آنذاك وبخاصة عملاء النظام المقبور من العراقيين والفلسطينين المقيمين في دولة الكويت.  

وقد كان من بين هؤلاء العناصر الانتحارية المدعو العميد محمد فارس كاظم كامل الذي عمل فيما بعد مستشارا ثقافيا في السفارة العراقية في لبنان وقاد عملية اغتيال المرحوم الشيخ طالب سهيل التميمي في بيروت عام 1994 وهو من فرق الإعدام ومنسوب للعمليات الخاصة وسبق أن زار الأردن متخفيا اكثر من مرة قبل وبعد عملية الاغتيال للشيخ التميمي . وقد القي القبض عليه في نوفمبر 2003 في منطقة الحبانية لقيادته عمليات التخريب وارتكابه العمليات الاجرامية ضد العراقيين بعد التحرير.  

ومع بزوغ فجر يوم الخميس 2 أب من عام 1990 اندفعت القطعات العسكرية  العراقية التي كانت  على الحدود على محاور ثلاث. وقد جاء الهجوم على دولة الكويت بصورة مفاجئة للجميع , أي للعراقيين وللبلدان العربية ولحكوماتها وللعالم. بل أن هذا الهجوم جاء مباغتا ومفاجئا حتى لبعض الأعضاء في القيادة العراقية ومجلس قيادة الثورة المنحل .  

فقد سبق أن وعد صدام العديد من الملوك والرؤساء العرب وغيرهم من المبعوثين انه لن يدخل الكويت ولن يقع في الفخ المنصوب له ولن يحل المشكلة بالقوة وفقا لبنود ميثاق مجلس التعاون العربي ذاكرا لهم أن الأمر لن   يتعدى عن كونه أزمة لابد أن تحل ضمن إطار البيت العربي حيث ذكر هذا للرئيس المصري حسني مبارك شخصيا وللملك الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية .

في صباح يوم الخميس 2 أب وفي تمام الساعة الثامنة صباحا أذاع راديو بغداد خبر دخول القوات العراقية إلى دولة الكويت. ومن الطبيعي أن عملية احتلال الكويت لم يكن يعرف بها إلا عدد محدود من القيادة العراقية لا يتجاوز عددها أصابع اليد. وهذا يعني أن عملية التخطيط والإعداد والتنفيذ لم تحصل إلا من صدام , بل أن رئيس أركان الجيش الفريق نزار الخزرجي وبعض الأعضاء المسؤولين في الدولة العراقية عرفوا بخبر الدخول إلى دولة الكويت من المذياع. ولم تنجح جميع الوساطات العربية والأجنبية لإقناع الرئيس العراقي في الانسحاب من الكويت. فأعطى الإنذار المعروف من مجلس الأمن للانسحاب وإلا تعرض العراق إلى العمل العسكري وطرد القوات العسكرية بالقوة من الكويت ( القرارات 660 في 2 أب 1990 و 661 و663 و664 و665 و666 و667 و669 و670 و674 و677 و678 و686 و687 لسنه 1991 ).  

ولما لم يستجب صدام لقرارات مجلس الجامعة العربية المنعقد في 10 أب 1990 و لا لقرارات  مجلس الأمن  في الانسحاب من الكويت , تعرض العراق إلى كارثة الحرب في اضخم معركة دفع الشعب العراقي ثمنها حيث ما تزال أثارها الى الآن يعاني منها جميع العراقيين .
ففي فجر يوم 17 من كانون الثاني 1991 تعرض العراق للهجوم المدمر واستمرت الحرب حتى 28 شباط حيث قبل صدام بقرار وقف إطلاق النار وجلس ممثلي النظام في خيمة صفوان الشهيرة التي فرط فيها النظام بالسيادة الوطنية وفرضت الشروط العلنية والسرية على طرف غدر بالجار وخرب الدار لقاء بقائه في الحكم على بغداد وضواحيها.

  

-6-

انهيار أحلام بناء دولة المؤسسات الدستورية


في صبيحة يوم العدوان على دولة الكويت وقفت صامتا منتظرا نتائج الغدر بالجار والهدر لثروات الدار وأبعاد المغامرة الجديدة  متطلعا في وجوه البشر الذين أثقلتهم الحروب واكتشفت أن الناس وهي تستمع إلى المذياع غير مصدقة لما يجري. إذ ما زالت بنود ميثاق مجلس التعاون لم يجف حبرها على الورق وان  الجروح التي تركتها الحرب العراقية - الإيرانية لم تندمل بعد , هذا وأن الناس صارت تكره الحروب و الخدمة الطويلة في الجيش بالإضافة إلى ما يتعرض المواطن من عذاب و إذلال في الخدمة العسكرية التي أصبحت بعيدة عن خدمة الوطن والأهداف السامية. إذ يعرف المواطن العراقي أن الخدمة في الجيش العراقي
وقت المقبور صدام  لم تعد هي الخدمة العسكرية الإلزامية المعروفة في الكثير من بلدان العالم في معانيها ومضامينها النبيلة وإنما صارت خدمة مذلة للطاغية وللنظام ورموزه الذي ادخل العراق في حروب خاسرة ليس لها طعم ولا لون سوى الكوارث , فلم تعد الخدمة العسكرية هي خدمة العلم ضمن المعاني السامية العليا والتربية الوطنية التي تنمي روح الانتماء بالمواطنة لاسيما بعد ترسخ قيم التمييز الإقليمي والطائفي والمذهبي والديني وهي سياسة خطيرة ومخربة للوحدة الوطنية حرص النظام على ترسيخها فقد كنا نسمع - أثناء الحرب العراقية - الإيرانية - عبارة حاربوهم بكلابهم !! وكان خال الطاغية ( خير الله طلفاح ) أول من أطلق هذه الدعوة والتي يقصد بها (( حاربوا الفرس المجوس بكلابهم من الشيعة في العراق..! )).

إنها سياسة افتعال الأخطار وإطلاق الشعارات التي غادرها  الزمن  للبقاء في السلطة بأي ثمن  فالأحلام التي كنا نتخيلها ونتحدث عنها في الاستفادة من الدروس والعبر من الحرب مع الجارة إيران وفي بناء دولة القانون والمؤسسات الدستورية والدستور الدائم واحترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء وتحسين المستوى المعيشي للبشر في ظل مجتمع مدني متعدد ومتسامح  وغيرها من الأحلام المشروعة للناس ذهبت أدراج الرياح فقد انهارت هذه كلها ولن تعود , فالحرب هذه المرة ستكون غير الحرب التي جرت مع إيران.
 ثم دارت في رأسي أسئلة كثيرة منها , هل أن الأمريكان أعطوا الكويت إلى الرئيس صدام مكافئة على حربة ضد إيران؟ .. أم هو مجرد قرار فردي طائش مثل باقي القرارات التي تعود عليها الشعب العراقي؟.. وكيف يمكن معالجة هذا الجرح الجديد  بينما لم يندمل بعد جرحنا القديم؟ وهل أن صدام قادر على ابتلاع دولة الكويت وأحكام السيطرة على 10% من نفط العالم؟ وهل يا ترى أن العراق بحاجة إلى المزيد من أبار النفط لكي ينعم
(الرئيس القائد..! ) بالخير والمكارم على شعبة كما وعدهم بذلك قبل عملية الاحتلال؟ وغيرها من الأسئلة التي رحت مثل غيري من المواطنين الذين يحلمون بدولة لا حروب فيها ولا تعرف غير السلام والتسامح وبناء الإنسان واحترام حقوقه وأسئلة أخرى كثرة يعجز الإنسان عن فك رموزها.  

 ثم تسألت عن مصير مشروع الدستور الدائم الذي شاركنا فيه وجرت مناقشات حوله  عام 1988 وحول التعددية السياسية والأحلام في دولة القانون والمؤسسات الدستورية في العراق التي كنا نسمع عنها وننتظر ولادتها إلى النور  ؟ هذه الأحلام التي كنا نطالب بها مع غيرنا من الناس منذ مناقشات إصلاح النظام القانوني التي جرت بحضور صدام عام 1976 في بغداد .
كان
العراقيون - الأغلبية الساحقة -  ينتظر من القيادة العراقية المزيد من الإيضاحات عن الدواعي والنتائج والحسابات , وقد ظهر  سعدون لولاح حمادي ( رئيس المجلس الوطني آنذاك ) ذاكرا من على شاشة التلفزيون العراقي قائلا ( ألان وقد اصبح تحت سيطرة العراق 10% من نفط العالم وبذلك سيكون لنا دورنا وسيكون بإمكاننا تسديد ديوننا الناتجة من الحرب مع إيران خلال 5 سنوات بدلا من 10 سنوات ).  

وبعد أيام من ذلك  صرح عضو مجلس قيادة الثورة سعدي مهدي صالح في اجتماع اجبر على حضوره أساتذة الجامعات العراقية في بغداد قائلا: ( الكويت هي لقمة سائغة وما علينا إلا أن نشرب عليها الماء لكي نبلعها , وان هذه اللقمة سوف تتبعها لقمات أخرى  وما عليكم إلا الصبر والانتظار ). 
 وبينما تعالت الهتافات والتصفيق في القاعة من البعض , شعرت -  وكذلك بعض الحضور -  بأننا في عالم أخر , ولا ادري لماذا تذكرت فورا إحدى المسرحيات الهزلية التي شاهدتها في أواخر الستينات في بغداد حين كنا نفرح ونصفق للمشهد الهزلي الذي  كان يؤديه الفنان وجيه عبد الغني. كما استشعرت من بعض زملائي الأساتذة  مشاعر الحزن والألم لما جرى وسيجري وكنا نتحدث بلغة المشاعر الحذرة دون أن ننطق بكلمة واحدة خوفا من الوشاية ثم الموت. ومما يتعلق بذلك ما قاله عضو مجلس قيادة الثورة في الاجتماع المذكور ( نحن لا نثق بكم يا من تفكرون بعقولكم لآن الثورة تريد من يؤمن بها بقلبه ويعطيها عواطفه  دون حدود وانتم لا تعطون العواطف لأنكم من أصحاب العقول فالثورة ليست بحاجة لكم و إنما للجماهير !!). 

وفي أيلول من عام 1990 أمر الطاغية على جميع العراقيين ومنهم الأساتذة الجامعيين تسجيل أسمائهم كقوات انتحارية للكويت وكان الهدف من ذلك مايلي :
1.   اكتشاف الأشخاص الرافضين لعودة ( الفرع إلى الأصل ! ) أي احتلال دولة الكويت وضمها إلى العراق وإنزال أقسى العقاب بهم. لآن من لا يؤيد ذلك يعصي أمرا من القيادة العليا في مواجهة الخطر الخارجي وعندئذ يوصفون بالمتخاذلين أو الخونة ثم إنزال العقاب بمن يتحدى الأوامر والوضع الجديد.
2.   ترسيخ قواعد الطاعة العمياء  للنظام وهي إحدى أسس الدكتاتورية للقبض على السلطة وديمومتها من خلال ممارسة إرهاب الدولة.
3.   توجيه تفكير الشعب نحو الوضع الجديد بدلا من التفكير بالجروح البليغة التي خلفتها الحرب مع إيران. فالنظام يحرص دائما على افتعال الخطر الخارجي أو الخطر الداخلي لغرض إحكام القبضة على السلطة وهي جزء من سياسة الطغيان عبر مختلف مراحل التاريخ. وهي ذات السياسة التي انتهجت بعيد احتلال الفاو عام 1986 حيث أمر صدام تجنيد أساتذة  وطلبة الجامعات العراقية  كقوات انتحارية للقتال في الفاو واستعادتها من المحتل ( المجوسي ! ).

وعلى اثر احتلال دولة الكويت حددت لبعض الأشخاص  في أيلول من عام 1990 مهام  من القيادة لتنفيذ وإعداد اكبر حملة ( لمسرحية التطوع للجيش الشعبي ) للدخول إلى دولة الكويت لدعم القطعات العسكرية العراقية المتمركزة في الكويت تحت تسمية (( القوات الانتحارية )) , وذلك كمحاولة لغرض زج البشر في طاحونة جديدة يكون الشعب رغما عن إرادته هو الدرع للنظام. وفي المقابل كلف بعض الأشخاص بالقيام بنهب المؤسسات الكويتية بالتعاون مع العراقيين العاملين في الكويت قبل الاحتلال وقد جرت هذه العمليات بصورة مخزية تدل على إنعدام القيم الاخلاقية ..  

ولعل اكثر ما تألمنا له أن يقوم بهذه الجريمة البعض من الأكاديميين  وبالتعاون مع الأكاديميين العاملين في جامعة الكويت بعملية سرقة محتويات الجامعة وقيام آخرين بأعمال يندى لها الجبين وليست من أخلاق العراقيين ولا حتى البدو في غزواتهم العربية , في حين أفتى بعض الناس بحرمة التعامل بهذه المسروقات ومنهم العديد من رجال  الفقه وغيرهم , بل أن بعض الناس كان ينادي بحرمة قراءة كتاب مغصوب أو مسروق.
ومن المعلوم أن حزب البعث في العراق تحول من تنظيم عقائدي قومي إلى ذيل تابع إلى الأجهزة الأمنية ثم إلى جهاز أمني يخدم عائله ومن ثم إلى تحول فيما بعد إلى أداه في خدمة شخص واحد. فالكادر الحزبي والكادر المتقدم كان همهما الأول كسب الامتيازات المادية وتنفيذ الأوامر بدقة لصالح هذه الأجهزة , وقد كان الهاجس الأساس لهذه الكوادر جلب اكبر عدد من الأشخاص ومهما كانت مواقعهم الوظيفية والعلمية لزجهم في أفواج ما يسمى بالجيش الشعبي ثم الادعاء أن هؤلاء هم من المتطوعين في قواطع الجيش الشعبي الذين قبلوا التطوع لمسك الأرض في الكويت والتضحية من اجل هذا الهدف الذي تحدد من القيادة وبخاصة من الطاغية.
 

ولهذا فان من يجلب اكبر عدد من قطيع البشر سيحقق اكبر حظوة أمام هذه الأجهزة الأمنية وينال من الامتيازات ومن المكاسب الكثير لأنة أنجز أو نفذ ما تريده القيادة للوصول إلى أهدافها. بل أن بعضا من الأشخاص حتى ممن يحمل شهادة عليا ذهب إلى اكثر من ذلك حين قبل تنفيذ أوامر مخالفة حتى للقواعد الإنسانية وللقانون وشارك في حملات التفتيش للبيوت الآمنة في بعض المدن العراقية الرافضة لعبادة الصنم وفي حملات الإعدام الفوري دون محاكمة للرافضين لمثل هذه الحملات ولما يسمى بالتطوع للجيش الشعبي وكذلك في عمليات التعذيب والضرب والوشاية.  

ولاشك أن في مثل هذا العمل يتنافى مع كل القيم الإنسانية والقانونية مما افقد كل احترام لمن نفذ مثل هذه الأعمال غير الشريفة والمخالفة للدستور والقانون لاسيما إذا كان المنفذ لها ممن يحمل شهادات عالية. حيث لا يعقل أن يتداخل العمل الأكاديمي والعمل السياسي أو العمل الأكاديمي والعمل الأمني الفني. كما أن هؤلاء لا يمكن أن يفلتوا من العقاب ومحاسبة القانون ولا نؤمن بالمصالحة او التسامح مع هؤلاء المجرمين وهم معروفون وفي المقدمة منهم الدكتور محمد عبد اللة الدوري عميد كلية القانون وممثل العراق في الامم المتحدة  سابقا والذي ألف كتابا جديدا تحت عنوان ( انتهت اللعبة )..

أن أحد أسباب انهيار التعليم في العراق هو هذا التداخل الخطير وغير المبرر مطلقا. كما أن من الصعب على كاتب هذه السطور أن ينسى ما تعرض له من إذلال وضغط وتعذيب نفسي من لجان التحقيق المختلفة لمجرد رفضه التطوع في ما يسمى بـ الجيش الشعبي لدعم ( أم المعارك ) ولولا عون ودعم بعض العناصر الخيرة آنذاك والذين سبق أن نجوا من عقوبة الموت أيضا عام 1979  لكان الإعدام هو المصير المحتوم. فالإعدام في العراق من العقوبات المألوفة حتى عن حالات الشك ولا حاجة إلى نص قانوني لغرض ايقاعها على أي شخص.وللتاريخ نسجل شكرنا للاستاذ الدكتور سلطان الشاوي - رئيس جامعة بغداد سابقا - لموقفه النبيل والانساني  في أنقاذ حياتي من الموت بسبب مواقفي ضد حكم الطاغية وسياسته الهوجاء.

  

-7-

الحسابات الخاطئة وسياسة الغزو  

كانت الحيرة تلف كل العراقيين بعد الغدر بالجار الثاني وأمام تعنت صدام بعدم الانسحاب من الكويت اخذ العديد من المسؤولين العراقيين  يصرح - بصورة غير رسمية - أن الحرب لن تقع مطلقا. غير أن ما  كان يراه الكثير من المختصين والمهتمين آنذاك هو غير هذا  إلا أن من ينظر للحقيقة ويعرفها لا يستطيع قولها.
 
جمع عميد كلية الحقوق محمد
عبد اللة الدوري  العديد من الأساتذة في شهر كانون الثاني من عام 1991 , لغرض استطلاع الآراء أو لمعرفة اتجاهات التفكير والتوقعات والتثبت من الولاءات وربما قراءة الوجوه لحالة ما بعد العدوان على الكويت , إلا أن الجميع لم يعط الرأي الواقعي والمنطقي  ولاذوا بالصمت الذي يشير الى ورطة كبيرة مرفوضة من النظام عدا شخص واحد قال (( العراق سيدخل حربا غير متكافئة وسوف يدمر تدميرا كاملا وان نتيجة ذلك هو تقسيم العراق إلى أجزاء وان الدليل هو الحشود الكبيرة أولا في الخليج ولان الدول التي تخوض حروبا ضروس لابد أن تتجزأ والدليل على ذلك ما حصل مع  ألمانيا وكوريا )). فكان وقع  الكلام هذا مثل القنبلة التي كسرت حاجز  الصمت والخوف حيث كان الحديث وكأنه عرض لمسلسل كتاب بفصول واضحة .

و من المعلوم أن انهيار القيم الأخلاقية وقواعد الفضيلة  وإهدار حقوق الإنسان هي من أول نتائج الحروب ولذلك فان النهب والسلب والاغتصاب والسرقة والغش والأنانية وارتكاب الجرائم تزداد وقت الحروب عنها في وقت السلم وفي ظل مجتمع مدني ,ولهذا ليس غريبا أن يشجع النظام عمليات السلب والنهب والسرقة والجريمة أثناء الاحتلال أو أثناء الانسحاب من دولة الكويت , غير أن مما كان يلفت الانتباه ويثير الاشمئزاز هو ما ارتكبه بعض أساتذة الجامعات من جرائم تتنافى والقيم الدينية والأخلاقية والقانون وشهادة العلم العالية , بل أن بعضهم كان يعمل في الكويت سنوات طوال ولا ندري كيف استطاع أن يوجه سهام الغدر ويمارس ابشع صور الخيانة والأعمال اللاأخلاقية حين مارس السلب و النهب بحجة إنها غنائم حرب ونذكر منهم الدكتور ابراهيم طة الفياض ؟  

-8-

ما هي النتائج و الدروس من عاصفة الصحراء ؟

أن من أهم النتائج التي تركت أثارها على العراقيين استمرار الحصار الذي انتهى مع تحرير العراق من حكم الطاغية في 9 نيسان 2003 . وكذلك تدمير البنية التحتية وانعدام الخدمات للمواطنين والتفريط بالسيادة الوطنية و إهدار الثروة الوطنية. وكذلك كسر حاجز الخوف وقيام الكورد في كردستان العراق وأبناء الجنوب والوسط في الانتفاضة الباسلة ضد الطغيان في آذار 1991 أي بعد وقف إطلاق النار مباشرة.
كما
ان من نتائج عاصفة الصحراء هروب عشرات الآلاف من العقول العراقية والطاقات الشابة بحثا عن الحرية والأمان والاستقرار وهو خسارة كبيرة للعراق يتحمل النظام المقبور المسؤولية عن إهدار هذه الثروة الوطنية . فضلا عن شيوع الجريمة وهدر مبدأ استقلال القضاء وانعدام المساواة بين المواطنين وازدياد انتهاكات حقوق الإنسان بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلا وفقا لتقارير المنظمات غير الحكومية والمحايدة.
 
وإذا كان ليس من السهل حصر نتائج ودروس عاصفة الصحراء في نقاط محددة , ذلك لان ما حصل للعراق هو كارثة لم يعرف شعب من الشعوب نظيرا لها إذ ما تزال آثار هذه الكارثة غير معروفة حتى ألان , إلا أن من المؤكد أن حكم الفرد ونظام عبادة الشخصية والاستبداد يقود حتما إلى الكوارث وان بناء الديمقراطية وحكم القانون هو الضمانه للعيش بسلام
..ولا سلام بلا إحترام للقانون الدولي وللاتفاقيات الدولية ومعايير حقوق الانسان كما لا يمكن بناء السلام والاستقرار مع وجود أعداد من الارهابيين والتكفيرين والصداميين  وأزدياد ثقافة العنف والتطرف فقد شاهدنا - مع الاسف الشديد- مؤخرا برنامج العين الثالثة من قناة العربية الفضائية يذكر فيها احد الارهابيين ان حكوماتنا لا تسمح لنا بالجهاد ..! الا في بلدان غير البلدان التي نقيم فيها وان هذه الحكومات تطلب منا ممارسة اعمالنا خارج حدودها كالذهاب للعراق مثلا بدلا من الكويت او اليمن او السعودية وكان هذا التصريح صدمة كبيرة لنا ولغيرنا .  

أن انتهاء سلطة القانون تعني حتما بداية الطغيان وإلحاق الأذى بالآخرين. ولعل أهم الدروس المستقاة من عاصفة الصحراء هي أن انعدام وجود المؤسسات الدستورية وشيوع الخوف وإهدار حقوق الإنسان وإرهاب الدولة وشيوع الظلم يقود إلى الكوارث على الشعوب وان المسؤولين عن هذه الكوارث لابد أن يحاسبوا أمام محكمة جنائية عن الجرائم الدولية التي ارتكبوها طبقا لمحاكمة عادلة ووفقا للأدلة القانونية والوثائق الثابتة بهذا الخصوص. فالعراق ليس ملكا لشخص أو لعائلة أو جماعة و لن يكون و إنما هو ملك للعراقيين بكل قومياتهم ومذاهبهم وأطيافهم ودياناتهم  في الحاضر والمستقبل.
ونعتقد أن من الحكمة والعقل التمييز في الخطاب الإعلامي بين نظام الطاغية
المقبور  الذي يتحمل المسؤولية عن هذه المأساة الإنسانية وبين العراقيين الذي لا ذنب له فيها تحت سياط الدكتاتورية المعروفة بقسوتها .
ومن الدروس المستقاة أيضا , أن استخدام القوة في حل المشاكل والأزمات بين الدول هو خطأ بليغ سواء أكان القائم بهذا العمل دولة واحدة أم اكثر إذ لا يجوز تعريض الأمن والسلم الدوليين من خلال النزاعات المسلحة والحروب التي يدفع ثمنها المدنيون والأبرياء وان هناك وسا
ئل عديدة لمحاسبة المجرمين الدوليين والأنظمة السياسية التي ارتكبت الأخطاء وهناك عقوبات ذكية تقوض الأنظمة التي تنتهك القانون ولا تؤذي الشعوب المغلوبة على أمرها وتسهم في عملية التغيير.  

أن من أولى الواجبات القانونية والأخلاقية على المجتمع الدولي هو مساعدة العراقيين للتخلص من اثار حكم  النازية العربية وبناء المستقبل القائم على حكم القانون والديمقراطية والتعددية والمؤسسات المدنية الدستورية ونبذ الحروب بجعل العراق دولة محايدة من اجل أن ينعم العراقيون وشعوب المنطقة بالسلام والأمن والاستقرار. وان من كان  يتوهم سابقا ان نظام صدام قابل للتأهيل عريبا ودوليا وبأنه سيستفيد من الأخطاء ( الجرائم التي ارتكبها ) فقد كان جاهلا او متجاهلا سيحاسبه التاريخ أولا وكثير من العراقيين ثانيا.  

وبعد مرور 17 عاما على الغدر بالجار وهدم الديار وبعد سقوط النظام الدكتاتوري ومحاسبة أركانه من محكمة جنائية عراقية مختصة وكفؤه عن الجرائم المرتكبة فهل يتعظ الجميع من اخطار الحروب ؟ وهل أن بقايا النظام المقبور قادرون على إعادة إنتاج الماضي ؟

 

الدكتور منذر الفضل


التعليقات




5000