.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ظاهرة المكان في النص / الظاهرة والتخليق

عباس خلف علي

المعنى دائما يكتسب قيمته من المدلول / فالمكان اول مانستدل علية هو بوعينا ولولاهذا الوعي لما استقر أي معنى او قيمة او مدلول عبر الزمن .

هذه البديهية اسميها رئة النص . . أي ان النص الذي يتشكل من خميرة المكان لايمكن ان يكون ابنا او وليدا لهذه الظاهرة من غير ان يكتسب المعنى والقيمة والدلاله كعلامات جامعة مدمجة مع رموز المكان وماهيته .

قبل ان ندخل في هذا الموضوع علينا ان نعرف اولآ

ما هو المكان ؟

هل هو ذلك الجزء الموصول بحياتنا المحصن بذاكرتنا او هو ذلك الجزء الذي تبلور عبر تبادل رسائله معنا من حين الى حين , او هل يتمثل في الاصل شكلا ومضمونا ام يتكون من الملامح , أي من الحقيقة او من الخيال ام من الواقع او هو تعبير عن رؤيا تتخلق منها يوتوبيا منسوجة مادتها من الحلم او ان المكان فضاء دلالي ورمز يوحي دائما لنا بانه يمنحنا السكينه الروحية التي تسرقها منا الحياة العصرية لتصبح مقولة المتنبي شاهدا على ان اعز مكان في الدنى سرج سابح ام قول شاعرا اخر كم منزل في الارض يألفه الفتى وحنينه ابدا لأول منزل . .ليتحول المنزل هنا إلى مكان ذكروي تحاصره ملامح الصبا والنزق الطفولي و اشياء تسيطر عليها موضوعات الجن والخرافه ليصبح لدينا شكل المكان ذهنيا يتجسد في لوحة يمكن ان نصفها برومانسية الطفولة التي تشدنا الى اوصالها كلما قادتنا الحياة وابعدتنا عنها , فاذا كان المكان يتنقل مابين الحقيقة والخيال والحلم والذاكرة والواقع فكيف يمكن النظر إلى هذه العلاقة من زاوية استثمارها في النص .

وقبل ان اسوق امثله على هذه العلائق لابد ان انوه الى ان الادب ملتصق بشكل مطلق بهذه الظاهرة واكثر الاداب وضوحا هي الرواية والقصة من  حيث ارتباطيهما بخاصية المكان وكان المولد و المنتج له على نحو ملفت في تعزيز هذه الرؤيا كما سنرى ذلك لاحقا في تأويل مستوى المكان في النص الروائي بوصفه الوعاء القابل للتبادل مع الأشياء.

وهذا لايعني ان الاجناس الاخرى لم توظف او تستثمر المكان في الرؤيا والتعبير عنه بل نعتقد ان النصوص السردية كانت اكثر الأجناس الأدبية كثافة في التبادل المعرفي والمرجعي مع ظاهرة المكان بأعتباره المصدر الاساسي للحبكة التي لايمكن ان يستغني عنها السرد .. ومع ذلك نأتي الان الى تساؤلنا السابق لنقول كيف نعرف المكان ؟

وإن كان  هذا السؤال يبدو لأي متطلع إنه في متاهة لايستطيع فيها الأمساك بحقيقة ثابتة أو واقع جامد أوساكن غير قابل للحراك ومن هذا المنطلق سأعتبر هذا السؤال المخادع فيه نوع من الأفتراض الواقعي الذي يمكن أن  يتيح لنا أن نتعقبه ولوبلمحة تأريخة  بسيطة  .  لقد عرفه الاقدمون باسرار والغاز مبهمة , نأخذ مثلا ان الاغريق وصفوه بالمكان المقدس اذ كل شئ كان يوحي به المنجمون او الفلكيون بخصوص الامكنه تصبح من وجهة النظرالعامة  ذا اهميه فائقة وعلى هذا الاساس يتم بناء المعبد او موضع النصب او فتح شارع وتمتد حتى تصل الى حد الاناث اللائي يتعمدن فيه , ومنها اعتبر  إن المكان الذي يمارس فيه التمثيل بالمقدس ايضا كما اشار الى ذلك ميرسيا الياد في كتابه المقدس و الدينوي ثم اخذت هذه المقدسات تشكل تأثيرها المثيولوجي في الكثير من عادات وتقاليد الشعوب لتمارس كطقوس  لها قدسية روحية اذ يمكن ان نشير هنا الى حالة الفناها منذ القدم وهي العتبه لأي منزل لايمكن تجاوزها بدون البسملة اذن ثمة عتبة وباب لهما قدسيه روحية توحي الى زائرها بهيبة ووقار المكان الذي يهم بدخوله .

نائل حنون في كتابه عقائد ما بعد الموت يؤكد على ان الانسان العراقي القديم كان يهتم بشكل خاص بالطلاسم والريازة والرسوم لاشباع المكان بسر لايعرفة سوى الكهنة وذلك لاعطاء انطباع بان هذا المكان لم يخل من الحقيقة المفقودة الراكزة في ذهنية الصفوه الذين هم وحدهم أعلم من غيرهم بقيمته ودلالته .

وفي فلسفة بعض القبائل الهندية مفارقة كبيرة إذ تعتبر إن طائر السنونو هوالرسالة الوحيدة التي تثبت أو تعتقد إن من مات بقي ذكره خالدا إذا ما  رفرف هذا الطائر فوق القبر وإن لم يأت يظل ذويه إلى جوار القبر فترات طويلة وربما يصل الأمر إلى تضاءل العدد أويتناقص بسبب الأحباط ولكن إلى جانب ذلك يبقى باب الأمل مفتوحا حيث تغرس أنواع من النباتات التي يمكن أن تغري هذا الطائر حتى لو بعد حين وإذا بقي الحال على ماهو عليه ينقل الى مقبرة أخرى أى إلى مكان آخر لارجاء فيه .

وفي عقائد البشر  واعرافه  الكثير من هذه النماذج التي قد تخرجنا عن الموضوع الأساسي المتصل بالمكان ولكن لابد من إشارة سريعة اليها بوصفها جزء من مثلوجيا تساهم بشكل أو بآخر في رسم  دوافع  اجتماعية لها أثر واضح في تجسير موضوعة المكان مع الظاهرة  ، صفوة مانريد أن نقوله  في هذا الشأن إن المثلوجيا لها القدرة أيضا  على صنع مثل هذه الألغاز والأسرار لخلق نوع من التمايز بين هذا المكان أو ذاك وإن كان هذا لايهمنا مؤقتا أزاء مايمكن ان تضيفه رؤية كتابنا الأقدمين بعيدا عن التجليات التي تثيرها المثلوجيا ، حسبنا في ذلك إن قيمة الظاهرة وأثرها الخلاق في إعادة تشكيل النص هي الأهم .

لقد ذكر ابن خلدون ، إن الأمكنة لاتصنعها الازمنة بل يولدها الوجدان لأنها سر من أسراره وخاصية من خواصه ومتعة من متعه الحسية و النفسية والأجتماعية والأخلاقية  .

كما ذكر الجرجاني في أكثر من موضع إن مايبعثه المكان من تصور في الذهن يشدنا إلى الماضي وكلما اقتربنا منه جعلنا أسرى له فلا يمكننا عندئذ من استعارته أو نقله إلى المجاز الذي هو أقوى في المعنى من أي شيء دون ذلك .

 أي إن في ذلك ما يؤكد على إن المكان  مواز لجوهر النص وقيمته وثراه  ودلالتة دائما هي تلك الخصوصية التي تسحرنا وتجذبنا إلى لعبة ذهنية تتمدد فيها الأخيلة والأحلام في فضاء من العوالم الماكرة والحميدة  فكلما كانت  متماهية ومتوارية أحيانا في نظم السرد تمنحنا فرصة أكبر في أن  نستعير منها مانشاء من  الصور المختلفة أوتحثنا إلى إدراكها أو التقاطها بشكل يوفر لنا قراءة مفتوحة تتجاوز حجاب الحقيقة   .

فأذن المكان لم يكن فقط بحث عن الذات / الأنا أو انتماء وهوية وما شابه ذلك أو مايثيره أو ما يوحيه في ظل إرتباطاتنا به من باب الماضوية أو الأنغلاق داخل تلافيف الذاكرة كما يقول باشلار بل تجربة وخبرة ومعرفة تمهد إلى صياغة جديدة تبني على ضوئها مايسميه جابر عصفور فاعلية الفكرة .

إن التحرر من عقدة التحديد والتأطير لايعني الأنسلاخ أبدا ولايعني إنتهاك خصوصية المكان الأليف أو المكان القومي كما يسميه غالب هلسا لملامح باتت أكثر حميمية لمشاعرنا وفيها يعود بنا الود إلى الجذور الأولى بملكوت سحري لايمكن أن ننساه ولكن لابد أن لانخشاه كما يقول القاص أحمد خلف في معرض كلامه عن رواية الخيمياء للكاتب البرازيلي باولو كويلو ، أي إن الأختراق المعرفي لمنظومة الظواهر الذكروية التي يتشكل في أنساق منها المكان تحمل النسق معان تتجاوز السائد والتقليدي المتكلس وتعطي أهمية جمالية وفنية تضاف بكل أبعادها إلى الصورة التي تتمخض عنها في النص المولد أولا كرؤيا ومن ثم إنتقالها إلى القاريء اللبيب كذهنية  للتلقي  .

إذن هذا الأختراق عالج مسألة في غاية الأهمية ألا  وهي زحزحة القراءة من ساكنيتها الناقلة أو الواصفة  أزاء المكان الذي يمكن أن نسميه بالنسبي في تحول إلى المكان الزئبقي المتغير مانحا لنا أبعادا تلقي بظلالها على ذهنية أي قاريء للنص سواء كانت له صلة بهذا المكان أو لم يراه إطلاقا  فتحرك أحاسيسه ومشاعره في أن يستعيد ويستعير ويتأمل ويؤثث عبر فضاء من الرؤيا مكانه المثالي .

وهذا يعود بنا الى مفهوم الأستدعاء الذي أثاره النقد الحديث وعلى الأخص البنيويون في وجه النصوص التي تزاول نشاط غير عادي عبر ما تطرحه من أسئلة فيقول محمد خضير مثل هذا الأستدعاء يعتمد على تجربة النص في الأستيهام والاستلهام والتأمل كي يمنح التلقي فرصة الخروج إلى الحلم .

لانريد أن ندخل في تفاصيل هذا المفهوم الذي قد يقودنا إلى موضوعة الغياب والحضور وطريقة إستحضار الرمز الطوطمي الذي تخلقه رحلة البحث عن كينونة الكائن ، فقط هنا أردنا أن نشير في هذه الورقة  إلى  أن الأستدعاء الذهني للمؤلف في لحظة إتصاله ببنية زمنية سابقة يصبح هذا الأستدعاء نقطة الوصل أومثلث التقاء بين المنشيء والنص والتلقي ومن خلاله أيضا نكتشف مراحل التحول في القراءة فليس بالضرورة أن يلتقي المعنى هنا على وجه واحد أو يحمل مفهوما واحدا بل إننا كمتلقين يمكن أن ننظر إلى النص ليس من نفس الزاوية التي تحركت بها تجربة التأليف  ، وفي هذا السياق يمكن أن أنقل تجربة المخرج  الفرنسي (جان رينيه) بوصف السينما أهتمت منذ نشأتها بمفهوم الزمان والمكان وهي أقرب الفنون إلى النص الروائي في التشاكل الجمالي والهندسي مع بيئة المكان ، يقول هذا المخرج ما معناه  : إن أفلام الموجة الجديدة ليس كما شاع عنها  بأنها أفلام خرجت عن ثوب عصرها وعن حكمة عقلاء السينما في أنتزاعها تقاليد وأنظمة الشريط السينمائي ، وإنما نحن كموجة لانريد سوى أن تكون للصورة الفنية محطة انطلاق مأخوذة من فكرة دينامية الخيال ..  وأننا لانرفض تجربة الزمكانية كمفهوم بل هذا المفهوم يعتبر بالنسبة لنا شريك أساسي في طرح أفكارنا ولكن الأختلاف إننا لانفسره  بطريقة فوتغرافية عاكسة طبيعته وفهمه بشكل تقليدي بل نأخذ منه مايدل أوما ينسج تخيلا ضروريا لبعض العلائق القائمة بين وسائل التعبير واصفا على راهنية هذا الفهم أو التصور بمثاله التالي :

إن من يرى فيلم قطار أوربا السريع الذي كتبه آلان روب غرييه الذي تظهر فيه باريس كما لو انها هونك كونغ أو ميونخ أو مدريد أو أي مدينة منحوتة في  ذهنية المشاهد من الممكن أن يثيره لغز التشابه أي إن المدينة تناسلت في المعاني كي تخلق أفقها البعيد ولم تظل محنطة ببرج إيفل .

إن تجربة النص مع خصوصية المكان تنطلق بأعتقادي من سر خفي إنه اللازماني واللامكاني إنه التحول نحو المخيلة في بعد حدسي تجسد فيه  الرؤيا  مخطوطة تنتمي في روحها إلى المكان المخلق لم يكن هذا  استقصاء لهندسة المكان أو أزاحته كما يتصور أو يرى البعض  بل إنه يساعد ويساند التلقي على تكوين الملامح كما رأينا ذلك في بعض قصص مجموعة  الصلاة خارج نطاق الأوقات الخمسة للروائي الليبي ابراهيم كوني  ، هو ينتمي إلى قبيلة  الطوارق ،  الطوارق كلمة تطلق على مجموعة من القبائل البدو الرحل واللغة التي يتكلمون بها اسمها التماحق وهي لهجة بربرية محدودة مغلقة عليهم تماما  ويفضلون المخيمات  المنزوية البعيدة عن المدن وبحكم هذا الانعزال اكتسبوا عادات وتقاليد قديمة متوارثة فالذي فعله ابراهيم انه جمع الخامات الآولية لهذا الموروث وأعتبرها مرتكزات أساسية لفلسفته  إلى درجة إن الكاتب والناقد الروسي ايسموف كنب عنه دراسة موسعة قائلا : ابطال الكوني يعيشون جو اسطوري وملحمي يغلي بالحوادث ومن خلالهم يرشح الماضي ويعيده على ايديهم بمبنى حكائي ليزج بهم في دوامة الأسطورة  وتركهم ليخلقوا ملحمتهم وكأنهم نموذج للعنقاء الخرافي الملتهب بالوجود والفناء .

إن ما فعله الكوني بهذا الأرث ،يحتاج إلى دراسة وافية وواسعة تلم بطريقة المعالجة وأسلوبها الراقي في البناء الفني الذي جسد لنا الصورة  المخلقة  التي نتحدث عنها ولكن لسنا هنا  بصدد تحليلها نقديا .

نأخذ مثال قصصي له ، أسوف بطل قصة نزيف الحجر قبل أن تتحول الى رواية ، الفكرة الأساسية بين العملين لم تتغير ولكن البعد الرمزي في الرواية كان يتنقل على مساحات أوسع ، المهم  أسوف محاصر بهالة من الأساطير التي ورثها عن الطوارق ، الكاهن الأكبر الذي كتب نبوءته عن الصحراء ، الأعتقاد ببعض الأشجار التي تسكنها الأرواح ، لم يكن الحجر من طينة واحدة ، وغيرها من الأشياء التي يتكلمون بها الطوارق وأغلبها يتعلق بالغيبيات والمعجزات ، ففي الوقت الذي سمع فيه اسوف صوت السيارة قادمة اليه شرع بالتيمم لأداء فريضة الصلاة .. وحين أتم صلاته أدرك بأنه لم يتوجه للقبلة بل إلى صخرة الكاهن أي إن هناك سر خفي يتعلق بتركبته النفسية أزاء إفرازات المكان نفسه وهنا تنفتح شهية الرؤيا (رؤية المنشىء ) لضخ عوالم نصية نجد فيها  الأسطورة والخرافة وما شابه ذلك وهكذا يتنامى السرد و يتوهج في حوار أخر مع امه ، قالت أمه بشكل عفوي سكان الكهوف أجدادنا الأولون هم من قطع الحجر فيرد عليها وهل كان أجدادنا من الجن ؟ فيدخل البعد الغيبي والخرافي إلى جوار الخوف والعطش والتعاويذ والتصوف التي تقابلها الغيبة ، الكرامة ، الدهشة ، التقديس . وعبر هذه اللوحات نقول إن الكوني منحنا التعرف على اسلوبه الخاص الذي دخل فيه بئة الصحراء أو ما أخذه من أنطلوجيا ( الولادة ، الموت ، التجدد ) لعالم الطوارق ليبشر بحكاياتهم من خلال أكثر من عشرين لغة أوربية وآسيوية كما يقول ديمتري ميكولسكي محولا العالم إلى طوارق والطوارق إلى عالم  .

وننتقل إلى محطة آخرى في تجربة النص المكاني التي وفرها لنا كاتب البحر حنا مينا في روايته حكاية بحار إنه إعتاد الوصف الحكائي في أغلب رواياته وهذه ليست سبه  أو عيب سردي كما يتوقع البعض وإنما طريقة فنية لها أصولها وجذورها وتقاليدها في التوريد الحكائي  للنص وفيها كانت دربته وحرفته حاضرة إبتداء من المصابيح الزرق ومرورا بالياطر وبقايا صور وغيرها من رواياته العديدة  ولكن في حكاية بحار لم يكن اعتناءه بالمكان قاصرا على الوصف كما عودنا على ذلك بل اشتغل على ذهنية مختلفة يتحرك فيها البحر والمقهى  بلقطات سينمائية ثاقبة تعتمد على جمالية التقطيع الصوري / الذهني أي إن اللغة لم تعد مخصصة لنقل ما يريده سعيد حزوم أو صالح حزوم بطلا الرواية أحدهما حاضر والآخر غائب فمن خلال هاتين الصورتين يتشكل رمز المقهى الى جوار البحر والبحر يكون رمزا للحكايات وعلى الأخص حكايات البحارة الوافدين الى المرفأ ،فأحيانا تجد المقهى فارغا ولكن من الممكن أن تتوقع أن  أغلب مدن العالم تسكن هذا الفراغ ، أي ان المكان الهندسي الذي نعتاد رؤيته لم يكن سوى المكان الأشاري بالنسبة لنا أو هو المكان المستثمر في دلالته المتحركة كما يصفه صبري حافظ  وعلى ضوءه ترسم ملامح الحكايات صور أماكنها المولده في أذهاننا  ، وهنا يمكن أن نشيرإلى  علامات المقهى الساحلي في الحكاية التي منحها لنا النص عبر عالمه وفضاءه  إلى مسأ هذا الأفق الممزوج بلمسة الفن الذي ساهم في تفعيل دلالة تحول المقهى من صيغته الهندسية المجردة ليجعلنا نحتفي به على وفق معطيات الصورة الفنية التي تجسد ت من خلال اللعبة الجدلية بين المكان واللامكان وبين الحقيقة واللاحقيقة فتصبح هوية المكان جزء من الظرف والزمان الذي يحدثه التخليق .

الظاهرة والموضوع :

قراءة موجزة في الواقعية أزاء مفهوم هندسة المكان .

 إن ما أوردناه في ظاهرة التخليق أو التأويل  ندرك مسبقا إنه لم يفى بالغرض الذي نطمح إليه ولكن جل اهتمامنا كان ينصب على التمييز بين خصوصية المكان ومورثاته كنص منتج أو مولد من داخل النسق وأنظمته على سبيل أقتفاء الأثر وبين ذهنية التلقي .

اما في ظاهرة الموضوع المكاني فأننا نحاول أن نستشف طرائق الصناعة الواقعية النصية وما يمكن أن تضعه في مكوناتها .

وبحكم حواسنا وإدراكنا نتساءل : هل المكان خال من الأفكار ، أو خال من التفسير أو خال من الروابط الأخرى التي يسميها باشلار بيت المعنى أو يسميها الطاهر بن جلون صور المسكن أي لكل صورة لحظتها وزمنها ومغزاها .

إننا نقدر بحكم ظاهرة الموضوع الواقعي إن النص فيه لم يتجاوز حدود التجربة المحضة ، أى الذاتية ومن أجل ذلك كانت الفكرة وفية ومخلصة وأمينة إلى الواقع الذي تنتمي إليه ومنها يتمخض السرد الواصف لما يمكن أن يحدث أو ماحدث في إطار بنياته الناقلة ، كما نرى ذلك في ثلاثية نجيب محفوظ   زقاق المدق والسكرية وقصر الشوك  التي أكتسبت شهرة واسعة في عالمنا العربي هذه الشهرة توفرت لها في الحقيقة عدة عوامل لانريد أن ندخل في تفاصيلها ولكن يمكن أن نؤشر بعضها وهي تعرف الشعب العربي على اللهجة المصرية من خلال الفيلم ومساهمة الدراما في أنتا ج الأدب المصري ، صحيح إن العمل يحمل مقومات نضوجه الواقعية وإبراز جانب مهم من حياة وتاريخ مصر السياسي وبحكم كتابته للسيناريو كان يعرف كيف ومتى يستخدم هذا الفن ولذا كانت هذه الثلاثية لا تخلو  من بعض اللمسات الفنية فيها وعلى الرغم من ذلك بقت هذه الثلاثية وفية  لمعايير هندسة المكان أي إن الموضوع كما يقول فاضل ثامر يكاد أن ينحصر في شد التلقي إلى الأحداث التي تدور فيها ، إن هذا الأسلوب قد ينجح إلى حد ما في الكشف عن عالم الشخصيات وعن الحركة الدرامية للأحداث لأنه يوازي ما يجري لها في الحقيقة وهذا لا يتطلب منا قارىء نموذجي حسب توصيفات نظرية التلقي إذ لم يدخل عامل المنظور من زاوية التأليف في معالجة الواقع أو المكان الذي انبثقت عنه .

في إشكالية الموضوع المكاني ثمة وهم تقع فيه الكثير من القصص والروايات تهيىء للبعض إعتقاد  بأنها أسست على وفق ظاهرة المكان ومنها إن الموضوع الذي  يتحدث عن البئر أو عن الهور أو عن النهر أوالصحراء أوالسرداب أوالمزارات وغيرها من التسميات ، لاننكر أنها جوهر الأمكنة ومادتها الأساسية ,وإنها تعبر عن الخصوصية بدون شك ولكن هل هذا التعبير كاف لتوهج صورة الموضوع وإذا كان التلقي الذي نعتبره الطرف الآخر في هذه المعادلة أو إنه بالمقابل يجهل هذه الصورة أصلا ويريد أن يتعرف ، فكيف يتم تعريف هذه الأمكنة التي هي بعيدة عنه وغير مسبوقة به ، أي عملية التعرية المكانية  وإستقصاء دلالاته الموحية هي الألية المعنية بالتحديد .

أنا هنا لاأريد أن أتجاوز الحقيقة فهناك روايات وقصص رائعة استثمرت في واقعيتها الموضوع وحولته من تكوين طللي ( ذكروي ) إلى صورة نجد في إيحاءاتها رؤى متعددة تحمل شفرات الخلق بعد فك احتجاز المكان من طابع محليته ليعكس لنا كيف يتعامل النص وبأي أسلوب كان عندما يخضع الموضوع إلى المنظور أو إلى  أستراتيجية تكون فيها الرؤيا محلقة في عوا لمه ، ربما يتبادر الى الذهن إني ألمح إلى بورخس وماركيز في الواقعية السحرية ومع ذلك كان تاريخنا العربي والشرقي مشبع بحكايات الأساطير والسحر من ملحمة كلكامش إلى ألف ليلة وليلة ولكن ما أردت تأكيده في هذا الصدد إن المكان له مفهوم أوسع وأشمل من المفهوم الجغرافي وإن الأستدلال يأتي من الجوهر الذي يكتب في نطاق المحتوى ، وعند ذاك تكون عملية رصد المكان عملية إنقاذ من الجفاف والشحوب  كما ذكرها صبري حافظ أو خلق نوع من ردة فعل تضاهي الدهشة أو ما يسميها ولتمان الإثارة العقلية أي افساح المجال للخيال لإعادة صياغة الصورة الواقعية كما هو الحال في الكناية والأستعارة التي يلعب فيها صائغ الإستعارة ومتلقيها دورا فاعلا في تكوين الرؤيا  .

في قصة ساعات كالخيول  احدى قصص مجموعة في درجة  45مئوية  للكاتب محمد خضير نجد الصحراء والوجوه البدوية والمقهى الشعبي والزقاق والنهر والمرأة المتعبة التي يسميها أمرأة العالم السفلي .

يقول في إحدى المقابلات : بالرغم انني ابن مدينة البصرة التي أكتب عنها ، شعرت بصعوبة اختراقها ومع ذلك استفدت كثيرا من الطريقة التي يكتب فيها الرحالة الأجانب عن مدننا الشرقية ، استفدت من كتب الرحلات من الخاصية التي تتمتع بها العين الغربية حين تنزع عن الأشياء رداء المألوف الذي ترتديه .

وهكذا نجده في ساعات كالخيول يستخدم هذا القناع في وصف رحلة البطل إلى الفاو لإصلاح ساعته القديمة التي ورثها من أحد أقرباءه البحاره وعبر حكايات الساعاتي يعرف شيئا عما كان يدور في هذه المنطقة وعن حياة البحارة كما لو أنك أمام لوحة من الفسيفساء يتم نقشها بالكلمات .

وفي نفس هذا الإتجاه قرأنا سرود عراقية لها حضور متميز في استثمار موضوعة المكان منها رواية ذلك الصيف في الأسكندرية للروائي برهان الخطيب  وقصة وارد بدر السالم  اشجار البرغش من مجموعته الرائعة المعدان وهي تتحدث عن الهور  وقصة جاسم عاصي من مجموعة مساقط الضوء وكانت مادتها الصحراء وقصة الحبل لفهد اسماعيل فهد وموضوعيها يدور في السجن وأربعاء الصحو المأخوذة من نفس عنوان المجموعة  للكاتب عبد الإله أحمد .

أملنا أن نجد في المستقبل فرص سانحة لمناقشة حرفية هذه السرود في تناول موضوعة المكان .

 

عباس خلف علي


التعليقات




5000