.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


فـي مسار التكنولوجيا والأيديولوجيا

عباس خلف علي

موقف الثقافة الغربية / تقادم أم تصادم

في نهاية الألفية الثانية ظهرت معايير كونية جديدة شأنها لا يقتصر على إقصاء الهوية والثقافة والحضارة ، بل امتدت لتشمل نواحي مختلفة من الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية إضافةً إلى السيادة والوطنية مكرسة جميعها للدمج في قالب واحد تحت تأثير فاعلية مزاعم أكثر قبولاً لدى شعوب الأرض مثل دحض الظلامية والاستبداد والتخلف وكذلك من أجل التنوير والعدالة والديمقراطية ، هذه المعايير وضعت جل اهتمامها القارة الأوربية كخطوة أولى ولم تكن القارة الأفريقية أو الآسيوية ، لماذا0 سؤال قائم ومشروع لا نريد أن نضع له وصفاً محدداً الآن قبل أن نفهم ما معنى هذا الاختبار ؟

وهل أوربا تنطبق عليها مواصفات الظلامية والاستبداد والتخلف قياساً إلى مناطق أخرى في العالم ، لم نجد في حياتها غير البؤس والحرمان والمرض والجهل وكأنها في منأى عن كوكبنا الأرضي ومعزولة عنـــه أم ثمـــــــة موجبات لا يمكـــن أن تغفلها وتتجاوزها في أوربا 0

وفي خضم هذه التساؤلات الملحة كان اهتمامنا ينصب بالدرجة الأساس على قطبين نعتبرهما مهمين ودرجت على أساسهما كل معايير الظاهرة إن جاز لنا تسميتها في هذه الدراسة ولذا نحاول من خلالهما أن نرى أوجه الاقتراب والاختلاف 0

القطب الأول :- مسار التكنولوجيا والأيديولوجيا وهذا يتطلب القدرات والمواقع والمواهب ، يقول برهان غليون في كتابه حوارات القرن الجديد ، أن التقنية والأيديولوجيا وجهين لحقيقة ثابتة ، أي أنهما يتصوران شكل العالم ومن ثم يقومان بإجراءاتهما فـــــوق هذا الشكل علــى وفق ما تتطلبـــه الإستراتيجيـــــة الغير معلنـــة ( مضمرة ) 0

فتقسيمات العالم على شكل مثلثات ومربعات وأدنى وأقصى له أيضاً ودوره ونصيبه من هذا التصور الذي يشبه إلى حد ما مختبر الأجنة في مجال تحديث البشر في ضوء مواصفات متميزة ينتقيها الأبوان في رسم ملامح أبنهما المستقبلي ، فتكون افتراضات الأيديولوجيا بمجملها تحمل هذا الأنموذج ضمن مفهومها الحركي للعالم ، ثم تقوم بوضع الخطط والبرامج متبعة بذلك مبدأ - الغاية تبرر الوسيلة - كنغمة تمارسها لتغطية الحدث ، أي حدث ينسجم مع تطلعاتها الآنية والمستقبلية 0 فلو أخذنا مثلاً تقنياً حديثاً كالانترنيت هذا الجهاز الذي كان حكراً على الصناعة العسكرية ، ثم لفظته لتحل محله أجيالاً أخرى أكثر تطوراً منه 000 00 هذا الجهاز الذي تتدفق عنه معلومات على مدار الساعة لتصل إلى أي نقطة على وجه هذا الكوكب بأقل من أجزاء الثانية 00 أيمكن أن يشك أحد في أنه  لم يوفر خدمات عامة ؟؛ طبعاً الجواب هنا قاطع ، بل يؤكد ذلك ، أذن فهم الأيديولوجيا يتحدد بنقطتين هما المركز ويستخدم لإنتاج المعلومات التي تدفع في اتجاه تكوين الصيغة المطلوبة ، والمحيط الذي يخضع لمنطوق تلك الصيغ من أجل خلق نمط من العلاقات الجديدة ، وهذين المحورين لا يعمل أحدهما بمعزل عن الآخر ، حيث تقودان بشكل مشترك السلوك العام

وفي ضوء ذلك نرى أنه لا يمكن أن تنمو التقنية وتتسع إلى أقصى مداها ما لم تكن خططها موضوعة بدقة ضمن الضوابط التي حددتها الأيديولوجيا مسبقاً ورسمتها لها في الشكل والمضمون 0

وهنا يطرح السؤال نفسه : ما مدى مصالحة التقنية مع تلك الإستراتيجية ، أي البرامج والخطط المعدة سلفاً : يبدو السؤال أكثر وضوحاً إذا توخينا الدقة في الملاحظة وبحثنا في الأسباب حسب ما يلفت نظرنا : لوجدنا أن وضع المصالحة لم يكن وضعاً طارئاً وإنما له وزنه وثقله لتجسيد رغبة ما وخلق نموذج يعكس تبعيته من دون نفور ، وهذا أقصى ما تحتاج إليه الأيديولوجيا في تعميم التقنية التي أصبحت الجبهة الرئيسية في النفوذ والاجتياح 0

إذا كان هذا مسار التكنولوجيا والأيديولوجيا بصورة عامة ، ترى ما مدى تأثيرهما على القطب الثاني الذي هو: الثقافة الغربية .

 دائماً المثقف ينطلق من علاقته المعرفية والمرجعية وحتى مثاقفته في تحليل أغلب مكونات المعنى ، هذا من جانب ، والجانب الآخر 0 لديه القدرة على وصف السيناريوهات والتابو ومحاولات التضليل المنضوية في نسقها 00 فعندما يستدعي كل هذه الرموز ، فهو يحاول إعادة تقويم زمان الساعة الذي نوه عنه - توما الأكويتي - بوصفه عامل الوقت الذي لا يرتبط بالأفكار المراوغة والتحولات المفاجئة في أخيلة الذات ولا حتى بالمدارس والمناهج التي تكون مادتها عادة تعددية وموزعة حسب الرؤية والظاهرة ، وإنما يوثق الزمن بواسطة عامله 000 وعامله هنا هو الحدث الذي يهب معالمه ودرجة فعاليته غاية  واحدة  00 نابهة  إلى فضيلة التأمل ، ترى ما لذي حققه المثقف الغربي إزاء هذه التصورات 0 هل بقى تأملياً أم ناقداً وموجهاً ؟

          أن المنعطفات التي واجهتها الثقافة الغربية على مدى قرون ، كما تواجه أي حضارة أخرى تحاول أن تخرج من سلطة الاجترار التقليدي المتقوقع في ممارساته المتوارثة كنظام قسري له حدود وثوابت / يتعامل معها عبر  صفوة  خاصة  ، ولذ1 كان احتكاك الثقافة بها ، وعلى وجه الخصوص الفلسفة التي تؤثر تحليل المكونات المعرفية 00 كانت بمثابة الجذوة الأولى لمزيد من التضحيات التي قدمتها الثقافة كقرابين لأستمرر فاعليتها أمام صرامة الكنيسة وسلطتها القمعية التي كانت تمثل الطغيان والاستبداد على حد سواء 0 وشواهدها حاضرة في الأذهان على ما اقترفته يد السلطة بحق سقراط  حين حكمت عليه أثينا بشرب السم لأنه أراد إيقاظ العقل ضد السفسطة وحكمت روما على غاليلو بالسجن المؤبد لمخالفة آراء الأوائل في حركة الأرض و حكمت باريس على لافوازية واضع أساسات علم الكيمياء الحديثة بحز الرقبة بالمقصلة .

نستنتج مما تقدم بأن موقف الكنيسة حازم إزاء التجديد و الابتكار و مقوض لأي مساس يحاول أن يشكك في الاعتقاد السائد . بوصف النظر إلى الأشياء نظرة أسكولائية - مدرسية محددة بأطر ثابتة لا يمكن زحزحتها بأي مفهوم يتعارض مع تلك النظرة حتى و أن اثبت فاعليته .

رغم ذلك لم يتوقف الجهد الإنساني الخلاق في رفد الحضارة سلسلة متناسقة  من المظاهر المعرفية , وفي كل مظهر جزئي يوجد ما يسميه سارتر بالإشارة إلى العلاقات بين الظواهر , فمن الصعب مثلا أن تتجاوز إسهامات الغنوصية , و الغنوصية في تعريف مختزل لها : هي مجموعة دينية مزجت اللاهوت المسيحي بديانات الشرق القديم ، قامت بزحزحة الكثير من التعاليم الخاطئة  التي ظلت إلى حد ما لم يحيا الإنسان بدونها, إذ طرحت مفاهيمها بقوة إلى درجة من وصفها بأنها منافس خطير للمسيحية في القرون الأولى , حيث راحت تعبر عن عصور الأنبياء العبرانيين عاموس و هوشع و أشيعا وأرميا حتى عصر أنبياء المنفى و دون أن تهمل أيضا عصورا فائتة مثل عصر كونفوشيوس وولادتي في الصين و عصر زرادشت في إيران و عصر الاوبنشاد ثم بوذا في الهند .. يقول القس جون ماكوري في كتابه- دروب في الروحانية -   إن الخلاص عند الغنوصي يعتمد على الوصول إلى الغنوص الحق - أي المعرفة الحقة. و هذا بمعنى ما . هو كل ما يحتاج المرء إلى معرفته من التاريخ , أي الانتقال من الحقيقة الوجودية إلى الظاهرة التاريخية الجمعية التي أفرغت فيها تلك الحقيقة مما فيها من قوة .

أدى هذا التطور إلى حدوث منازعات و انشقاقات داخل السلطة الدينية مما مهد إلى نوع من الأسلوب الذي يصاحب قراءة نظم عقلية حديثة و لنأخذ مثالا على ذلك , مصطلح موناد و هو يطلق على الإنسان ذو الحجم الصغير بالنسبة إلى العالم الواسع و يرافق هذا المصطلح تعريفات أخر مفادها بأنها , أي الموناد ذرة روحية نابعة من الارتباط بالذات و تتصور الوجود البشري يسير في طريقه بوصفه شخصا فريدا قد بلغ كمال نموه ونضوجه و بذلك يدعي أنة إنسان أصيل حاصل على تلك الذرة الروحية من سياق اهتمامه بالكنيسة أما الآخرون لم تحل تلك الذرة في أبدانهم فما زالوا بعيدين عن الموناد . فهذا بحد ذاته ينطوي على مفارقة و هي نوع من العلاقة التي تجمع بين الحب و الكراهية و التي تتشابك فيها عناصر الإيمان و عدم الإيمان , فنتأمل من خلالها لحظة موقف كير كجور حينما قال : كل مسيحية تمد جذورها في المفارق سواء قبلها المرء أو رفضها بسبب هذا الطابع المفارق ذاته , هي بحد ذاتها فشل في مراعاة حقيقة هامة, هي إن الأصالة نوع من الادعاء و عندما نواصل الاستنتاج نجد وجود هذا الإنسان زائف لا يتعدى أن يكون لصا أو محترفا أو طاغيا.

و هناك أمثلة أخرى تعزز ما ذهبنا إليه في هذا السياق و منها اعتبرت الكنيسة العواطف المتقلبة و الأمزجة و المشاعر التي تظهر في الذهن البشري لا يناسب مهامها , في حين وجد نيتشه و كير كجور إلى هيد جر و هوسرل و كانط من خلال تحليلات مشرقة لحالات وجدانية كالقلق والملل والغثيان و حاولوا أن يبينو تصوراتهم حولها على اعتبار إن  هذه الحالات ليست غير مغزى فلسفي .

يقول الجابري: لم نستثن أي فيلسوف عاصر زمن الكنيسة لاينظر بعين الريبة إلى الأخطاء التي تمركزت في استغلال الدين سياسيا و الاستفادة من وجود هذا الهدف فيما يتعلق بإطالة أمد السلطة .

و من ضمن تلك الأخطاء مسالة الأسطورة إذ اعتمدت عند رجل الكنيسة على نشر التعاليم و كان يرمز لها بالأشباح القادرة على خلاص الإنسان من ظلمته و ألمه ووحدته وان الكنيسة وحدها تعرف ما لا يعرفه الغير ( المقصود هنا من هم خارج الكنيسة أو من هم يقومون بأعمال منفصلة عن رغبتها ) و لم يكن لديهم تميز بين الاعتقاد الميثولوجي و علم تفسير الأساطير الذي أخذ على عاتقة وظيفة التعليل لتفسير الأصول السببية للإحداث على وفق مبدأ ما يعرف بـ( كسمولوجيا ) المرجع أساسا في تحليل الظواهر كما نصت على ذلك بحوث شلينح وشتراوس ويونج وبلتمان والياد وكثيرون غيرهم التي ساهمت على قدر كبير في توضيح الغموض الذي يكتنف وجود الإنسان فيها مثلا 0 التناهي والإثم والموت والأمل والمعنى وهي ثورة شاملة على الصور التقليدية وإعادة تقويم العلوم العقلية التي لا يمكن أن تحدث إلا بعد الإنكار الشامل للمعتقدات والمعايير المتعارف عليها وتعريتها من أثواب القداسة التي ألبستها لها بفعل ملابسات وعوامل معروفة 0

هذا التقويم للعلوم مارس دوراً كبيراً في عصر النهضة والتنوير عما كانت علية التيارات التي أعقبت ظهور الغنوصية ولم يعد مقتصراً على معرفة بعينها دون منهج أو فكر قد شب عن الطوق وأصبح من حقه أن يعرف الإنسان ما يدور من حوله في العالم من اتجاهات ومواقف فكرية ويمكن تشخيص ذلك من خلال تعارضين أثنين فتحا الباب على مصراعيه 0 التعارض الأول : أعيدت سلسلة من الظواهر الكونية التي أقيمت على أساس أعمال كوبرنيكس  وغاليلو وكيلر ونيوتن ، وكانت محاولات مارتن لوثر في هذا الاتجاه تعطي ثمارها لسببين أيضا أولهما : إن استثمار تلك الأعمال كان مبنياً على الطرق الاستدلالية والعلمية التي من شانها أن تعمق الوعي الفكري والإنساني 0

وثانيا : مناظرات مارتن الشهيرة أراد أن ينبــــه من خلالــــها  بأن الماضـــي لم يكن اعزل أبدا 0

ولذا كانت سعادته غامرة عندما بدا الناس يستيقظون ، إن صح التعبير ، من عالم الأسطورة الذي يشبه الحلم إلى الفكر التحليلي وإثارة الشكوك الجذرية شيئاً واقعاً بالفعل ، فبدل ظن الإنسان بأنه يحتل مركز الكون اهتزت هذه الثقة لتعود إلى الوراء ويكشف أنها مجرد هراء بعيدة عن الواقع وكذلك عن الحقيقة العلمية وكان هذا التعارض يعتمد على وعي الجماهير أكثر من اعتماده على النخبة في اعتناق هذه الآراء 0

التعارض الثاني : ظهر موقف من داخل الكنيسة وقاده الفيلسوف الألماني كريستان فوت فولف حيث قام بتغير حدود النزعة الاسكولائية المدرسية المحنطة بقراءات ثابتة وفتح منافذ علمية تعتمد على الاستنباط العقلي الذي يتم بواسطته الكشف عن الحقائق الفلسفية ثم قام بتحويل حقائق الدين وصاغها رياضياً وتبعه في ذلك العديد من الفلاسفة مثل مارتن هيدجر وفردريك نيتشه وسدت كير كجور وأغلب هؤلاء كانوا ينحدرون من خلفية دينية ومع ذلك قد ظهرت أطروحاتهم ونظرياتهم حول الإنسان الأعلى أي الإنسان الذي يتجاوز ذاته ويعلو عليها بمفهوم السمة المتطـــورة المختلفة عن الطباع التقليدية ضيقة الأغراض 0

وفي ضوء ذلك نرى إن عموم الفلسفة ، قامت وباتجاهات مختلفة بتحليل أهم المشكلات التي حاولت إقصاء هذا الإنسان وتهميشه عن ذات القيم المعرفية والجمالية الجديدة من اجل دمجه في التصور الجديد ما دامت عملية بناء المعرفة في حوار دائم  التطلع إلى الكون والتي كانت في تقديرنا الدافع الأساسي لبلورة قراءة جديدة لمناهج الفكر الإنساني ، مناهج تكونت بفعل عوامل التفاعل الفكري مع منطق التاريخ ومجريات الأحداث فيه ، منطق يتصف بتجديد مواضع الهوة وتجاوز صرامة الكنيسة التي كادت أن تخل بالجهود العلمية في إصدارها وتماديها على قوانين التمدن والحياة ورغم كل ذلك أستطاع هذا الفكر أن يتجاوز التيارات المعاكسة لينطلق إلى آفاق رحبة 0

إن الوجود الفكري والحضاري الذي أستمر كل هذه الحقب الطويلة معبراً عن ماهية الإنسان ، هل يظل إلى ما لا نهاية يشغله البحث والسؤال أو يكون خالق ومتجدد ومتجذر 00 هذا ما سنحاول أن نراه في السطور القادمة 0

قبل الإجابة عن أي شيء يلوح بالأفق عن التحليل والمعالجة ، لابد لنا أن نقف قليلاً عند ظاهرة المعايير الكونية كي نتعرف عليها ولو باختصار شديد 00 نجد من المفيد أن نشخصها بالأيديولوجيا القادمة من وراء البحار 000 ثم نتساءل بشكل  مشروع ماذا تبغي من وراء ذلك ؟

يقول مارشال ماكلوهان : تسعى بحرص شديد على وجود قرية كونية تحرك ساكنيها عن بعد عصا سحرية 0

فالقرية التي أشار لها بوضوح ماكلوهان لم تكن سوى ميديا مبهرة أو كنموذج مستقبلي ينتظر الجميع على سطح هذا الكوكب حلوله أما السؤال الآخر ، لما أوربا بالذات أو ما  معنى أن يكون العالم بأسره يسير على إيقاع العصا السحرية كما هو واضح من مغزى القرية الكونية هل نزوة؟! أم عتو 0 يقول البرتو مورافيا بشكل صريح : بأن أمريكا مسئولة عن كل شيء يحدث في هذا العالم ، لا تنظر إلى أوربا بحضارتها الإغريقية ولا الشرقية بحضارتها البابلية والسومرية 00 وباستطاعتها بيع نصف تقدمها العلمي مقابل جزء من حضارة روما في حين أبدى الروائي الألماني - غونتر غراس - جملة من الأفكار حول البعديات المثيرة للجدل قائلاً :  أغلق بالأمس نيتشه موت الرب بصمت في حين تحاول أمريكا أن تقتل التاريخ الذي هو في عروقنا  فهل يسمح لنا أن نغتال أسطورتها في شجرة البرقوق وشجرة التفاح 0

في إشارة إلى الحكاية  الأمريكية التي ترى في شجرة البرقوق خصوبتها وما يشدها إلى شجرة التفاح قوتها وعمق جذورها ، وسيكون من الخطأ القول أن ما يهم في هذه الإشارة هو مفهوم شجرة فحسب 0

بينما كانت آراء غار ودي سليل عقلانية ديكارت  وعصر الأنوار واضحة بمزاياها العقلانية والمعرفية ، حينما أكد على أن عامل الوقت واختيار المكان قطبان مهمان تندفع من خلالهما الأيديولوجيا والتكنولوجيا الأمريكية باتجاه أهدافها وهذا وحده ما يدعوا الغرب إلى التعامل بحذر شديد حتى لا تندمج مع منطوقها الاستعماري الجديد الذي لايمت بأي صلة إلى الهوية الأوروبية وجذرها التاريخي و الإنساني 0

وإن كانت إشارة - غار ودي - غير معنية بالتفاصيل فأنها كافية لدق ناقوس الخطر ولفت الأنظار لما تلوح به تلك الأيديولوجيا تجاه قضايا الإنسان الأوربي بالذات النواحي السياسية والنفسية والاقتصادية لتجعله محكوماً على وفق هذه المنظومة التي صاغت مفرداتها بخصوصية شديدة وحساسية حديثة تتهيأ من خلالها إلى الانتشار والتوسع 0

وفي هذا السياق لابد لنا أن نذكر بعض الأحداث التي كانت النواة الأولى لحركة مناهضة لهذا الغزو غير المعلن على يد مبدعين مرموقين ومنها الاضطرابات الطلابية التي قادها - ميشيل فوكو - واضع أهم كتابين في المنهج البنيوي هما - حفريات المعرفة والكلمات والأشياء - في الجامعات الفرنسية التي ألبت مشاعر قاعدة عريضة من المثقفين والمنظمات والجمعيات ضد من وصفوهم بالسلحفاة الزاحفة تحت رقرقة المياه الساخنة 0

والحادثة الأخرى خرجت إلى السطح أبان ظهور المنهج التفكيكي الذي وضع أسسه الفيلسوف والمفكر الفرنسي - جاك دريدا - والذي أعتبره المنظرون الأمريكيون ومنهم باول دي مان وهارولد بلوم وجيفري هارتمان وهللس ميلر ، طريقه مثلى في تدمير آليات المركز ، سلطة القرار ، بعد أن طال التعسف والظلم إنهاكا بالمواطنين ، دافعي الضرائب الذين تحملوا عبأ نفقات الخطط والبرامج مهما طال أو قصر مداها.

نحن ندرك مساعي آليات التفكيك في البحث عن المعنى المتواري خلف المعنى ذاته وهكذا يبدو البحث مستمراً في جدل لا يتوقف أبداً 0

هذا المبدأ طور على يد الأمريكان بمناهج نستخلص منها : بأن هؤلاء المفكرين قاموا على فصل سيميائية التفكيك والتحول إلى المقترب التشريحي الذي يتيح لهم تحليل الخطاب السياسي المضمر ويفهم على هذا التحول 0 كما ذكره الناقد الجزائري - عبد الملك مرتاض - بقدر ما ينطوي عليه من أثر أيديولوجي فأنه يعطينا الصورة الدقيقة للهدف والغاية اللذين يصبان في النهاية داخل قالب واحد هو الظفر من خلال الأيديولوجيا  بتكنولوجيا تنظر بعتو وبعدوانية لبقاع العالم لاستيطانها ، ثم أكد الناقد د0 صبري حافظ ما ذهب إليه زميله عبد الملك  ، من أن أثر التقنية أشد مراوغة من أن تظل على أفق الحداثة على هيئة موضوع من موضوعات استقصاءاتها المتعددة وإنما يتحول إلى صيغة من صيغ صراعاتها الفنية فتشتت معها الإرادة الإنسانية 0

أما الخصوصية الأخرى المناهضة انتقلت إلى الشعوب بمختلف أطيافها بعد أن لسعتها حمى الحرمان من قوميتها ووطنيتها 0

وعلى هذا الأساس بدأ فهم أشمل بكل ما تقوم به الأيديولوجيا الأمريكية وأخذ يتنامى الحس الشعبي لتاريخ طارئ على البشرية يعود إلى إستراتيجية بعيدة وضعت مشاريعها وخططها منذ عام - 1865 - أي بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية ، أخذت هذه الإدارة على عاتقها تفكر بشكل جدي وبأي وسيلة متاحة لديها إلى الإعلان عن تاريخ جديد ، يتشكل في ضوء مفاهيم يدعون إليها ويبشرون بها لاحتواء العالم حتى لو كان ذلك بعيداً عن مايسمى بحركة العصا السحرية 0

 

 

مصادر البحث

•1-  الوجودية : جون ماكوري - ترجمة - د0أمام عبد الفتاح / عالم المعرفة 1982

•2- مغامرة العقل الأولى : فراس السواح - مطبعة الكلمة - بيروت / 1985 0

•3- معجم المصطلحات الأدبية : د0 سعيد علوش / دار الكتاب - بيروت / 1985 0

•4- مارتن لوثر - 1483 - 1546.  كان يسعى إلى أن تستعيد المسيحية ما أعتقد صورتها النقية 0

•5- كريستان فون فولف - 1679-1754 0 فيلسوف ألماني أسس منهجه على الاستنباط العقلي 0

•6- أمراض الأدب القاتلة : ترجمة أبو بكر عزت / الموسوعة الصغيرة / إصدار الشؤون الثقافية بغداد 1990 0

•7- صراع القوى العظمى حول القرن الأفريقي :صلاح الدين حافظ / عالم المعرفة /1982

•8- البرتومورافيا : موضحا ً الخطر من خلال محاضرة له في جامعة ميلانو/ آفاق عربية /1994 العدد الأول ص82 0

•9- روجيه غارودي : مفكر فرنسي أسلم بعد أن خلف وراءه ماركسيته ووجوديته 0

•10-   انحطاط أمريكا : محمود عبد الواحد / حول روجيه غار ودي / مجلة الحكمة العدد 13- 2000م 0

•11-    القصة العربية والحداثة : د0 صبري حافظ / الموسوعة الصغيرة / الشؤون الثقافية العامة 1991 0

•12-    قال جرانت قائد جيوش الشمال في منتصف عام 1864م (( سأحسم الحرب في هذه الجبهة ولو انتظرنا الصيف كله ولكن الحرب الأهلية انتهت عام 1865م ساحقا ً بذلك أعدادا ً هائلة من بشر الجنوب السود والهنود الحمر السكان الأصليين ليستلم بعدها السلطة ومن على رؤوس الجماجم يؤشر السياسة العسكرية المستقبلية للولايات المتحدة الأمريكية 0

•13-    الفكر الأمريكي بين الواقع والأسطورة : د0 مصطفى أحمد جلال / مجلة أفكار ص36 العدد 114 / 2000م

قس ليبرالي : أنا على يقين من أن البابا قد تذوق الشكولاتة جيداً ، لكني أستغرب كيف لم يفرق فقراء ساتياغو بين التراب والشوكلاته 0 الجنرال نصفه من أسمنت والآخر من شكولاته 0

 

 

 

عباس خلف علي


التعليقات

الاسم: أبو بكر العيادي
التاريخ: 18/04/2019 10:23:08
أمراض الأدب القاتلة المشار إليها في هوامش المقالة هي من ترجمتي وليست من ترجمة الممثل المصري الراحل أبو بكر عزت.

الاسم: عباس خلف علي
التاريخ: 09/06/2010 20:11:19
في زحمة الحياة ياصديقي العتيد (علي )نحاول أن نجد منفذا لتسلية أعمارنا التي اسمرأت الخوف المجهول ، لك محبتي الدائمة

الاسم: علي حسين الخباز
التاريخ: 09/06/2010 11:24:31
صديقي الرائع عباس خلف علي استاذي الرائع جميل ان اراك تواضب على التواجد في النور اهلا وسهلا بك
وتقبل محبتي وسلامي




5000