.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الروائي العراقي علي عبد العال: إختصاصي أدب المنافي

د. حسين سرمك حسن

 

أنا السجين الحرّ في المنافي

في المنفى أصارع جدران زنزانتي كالمحكوم بالسجن المؤبد

الرجل المنفي مختل نفسيا ويعيش حالة ترقّب دائمة كحارس ليلي بلا سلاح

-------------------------------------------------------------------------

أجرى الحوارفي دمشق : حسين سرمك حسن

  

تمهيد: علي عبد العال قاص وروائي عراقي انطلق في مسيرة تيه عراقية "أنموذجية" من الديوانية - مدينتنا الصغيرة الطيبة- إلى السويد عبر تجربة مريرة في كردستان فدمشق وبيروت والجزائر وهنغاريا وغيرها . تخصص علي بأوجاع المنفى وعذابات إخوته المنفيين "رفاق الزورق الواحد" فأصدر حتى الآن ثمانية مؤلفات بين مجموعة قصصية ورواية . في دمشق التقيناه فكان معه هذا الحوار الشامل والبالغ الصراحة الذي يتحدث فيه عن معضلات الإبداع، وعوالم الإنجاز الروائي الشائكة، والتشابكات المميتة بين الثقافة والسياسة. 

 

س 1 - "اختصاصي أدب المنفى" هل هذا الوصف دقيق وينطبق على فعلك الإبداعي؟ هل قصدت هذا التخصص واعياً وبتخطيط قصدي مسبق؟ أم أن بيئة المنفى فرضت ذلك كاختيار وحيد؟ أم أن ذخيرتك الثقافية واللغوية كانت مقدمات مناسبة لهذا الجنس الإبداعي؟ البعض يقول كنت منفيا وأنا في وطني .. !!

ج:

هذا  المصطلح يعود إليك تحديدا؛ فأنت الناقد الذي أطلق عليّ وعلى أدبي هذا المصطلح ونحّته بعد قراءاتك النقدية الجادة لمجمل أعمالي. من الناحية الشخصية يروقني هذا الوصف النقدي، بل وربما يشعرني ببعض الفخر بعد هذا الجهد الكبير والمشوار الطويل الذي أنتجت فيه أعمالي القصصية والروائية. من ناحية الدقة في المصطلح هذا يعود أليك أيضا كناقد جاد وموضوعي ولا أستطيع البت فيه جزما، كما يعود للقارئ الذي يقرأ أعمالي المنشورة. أما شق السؤال المتعلق بالقصدية والتخطيط لكي أكون المتخصص بأدب المنفى فتلك حالة تحتاج للتوضيح والشرح، كون السؤال ينطوي على تركيب آخر يتعلق ببيئة المنفى التي ربما تفرض مثل هذا الخيار الوحيد أمام الكاتب.

الأديب والفنان، والمبدع بشكل عام، هو نتاج بيئته. كما الإنسان العادي. المبدع يصوغ أعماله من مكونات بيئته ويترجمها عبر صيغ أدبية أو فنية تعكس روح تلك البيئة ومن ثم روح المجتمع ورح الزمن ـ العصر. هذا ما يطلق عليه النقاد "الزمان والمكان" عند تناولهم النقدي للتجارب الأدبية والفنية المختلفة. المكان يلعب دورا هاما في الأعمال الإبداعية من دون شك. والزمان له التأثير الكبير كذلك على فحوى الإبداع. عندما يُجرد الكاتب أو الفنان من مكانه الأول قسرا، ومن زمانه الطبيعي، ويتم سلخه من واقعه ومن زمنه الطبيعي، يصبح كسمكة خارج الماء. أو كجمل في جبال من الجليد. أنا كاتب جُردت من بيئتي الطبيعية ومن عصري الطبيعي بشكل قسري. هذا الوضع يلحق بالفرد خسائر فادحة على جميع الأصعدة الروحية والمعنوية والفكرية. بيد أن المبدع الحقيقي، ذلك الذي يمتلك في روحه جذوة الخلق، سيجد الطرق المستحيلة كي لا يموت ولا تموت في روحه تلك الشعلة الصغيرة المليئة بالأمل. كما السجين في حكم مؤبد، يبقى يصارع جدران زنزانته لكي تنتصر الحياة الرحبة على مفهوم الجدران المغلقة. من هذا الباب، وكما مفهوم السجين الحر في المنفى، كرست أعمالي الأدبية في نطاق أي بيئة عشت فيها طوعا أو إجبارا. فكتبت عن تجربة حياتي وحياة آخرين في جبال كردستان وكتبت عن تجربتي في بيروت وفي دمشق ومن ثم في السويد والمغرب وغيرها من البلدان التي مررت فيها أو عشت طورا من الزمن فيها. لم أكن أقصد ذلك بالضبط، وإنما كنت في وضع المضطر. إذ يتحتم على الكاتب والمبدع صاحب الرسالة الإنسانية الاستمرار بفحص سلوك الناس في إي بيئة أو أي مجتمع تسنح له فرصة الإطلاع عليه أو التفاعل معه. ربما طغت الأعمال التي تعالج أوضاع المنفيين على غيرها من الأعمال الأدبية الأخرى، وهذا يعود إلى نتاج البيئة التي عشتها طوال ثلاثة عقود من الزمن.

س 2 ) هل تشعر أن هذا التخصص بأدب المنافي ضروري؟ ثم هل شهد الأدب العربي أو العالمي مبدعين تخصصوا بجنس إبداعي أو معضلة إنسانية معينة مثلك، وخصوصا في حقل تجربة المنفى غير ميلان كونديرا مثلا؟ وهل أنت - بلا خجل - صاحب الامتياز عربيا على الأقل؟

ج:

بالتأكيد يصبح مثل هذا الاختصاص الأدبي ضروريا عند الحاجة السيسيولوجية لدراسة تلك الظاهرة البشرية التي مرت بها الكثير من المجتمعات على مر التاريخ. فظاهرة النفي السياسي والديني لازمت سيرة الدول والمجتمعات منذ فجر التاريخ البشري. فكان لمفهوم "الإقصاء" الديني والفكري والسياسي أن يتزامن مع نشوء الدول القمعية والدكتاتوريات القبلية أو العسكرية. الفيلسوف الكبير سقراط تعرض للنفي والإبعاد والسجن حتى موته. والسيد المسيح تم نفيه وإقصاؤه حتى صلبه، وتعرّض تلامذته إلى ذات المصير كالقديس مار بطرس ومار بولص الرسول اللذين وصلا إلى روما عاصمة ألإمبراطورية الرومانية  هربا من بطش الحاكم الروماني والأكليروس الديني المتنفذ في أورشليم ـ فلسطين ـ ليقتلا هناك بعد أن كتبا ودونا صفحات الإنجيل. وكان بعض الشعراء العرب الفطاحل في العصر الجاهلي قبل الإسلام يتعرضون للنفي والإبعاد والإقصاء لخروجهم عن المألوف كما حدث مع الشاعر طرفة بن العبد  صاحب معلقة:

لخولة أطراف ببرقة ثهمد   تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

وقد تعرّض النبي الكريم محمد بن عبد الله إلى ذات المصير بعد تآمر قبيلته قريش مع القبائل الأخرى لتصفيته وقتله بسبب أفكاره الدينية الجديدة التي بدأ التبشير بها في مجتمعه المغلق الأفكار، ومن ثم لجوء بعض الصحابة إلى الحبشة هربا من بطش قريش. المفكر السياسي الإيطالي الكبير ميكافللي تعرض للنفي وفي المنفى أنجز كتابه ذائع الصيت "الأمير". هكذا نجد أن تجارب ظاهرة النفي في التاريخ البشري هي صنو لظاهرة تكّون ونشوء الدول والمجتمعات حتى التاريخ المعاصر الذي نحن بصدده الآن.

حسب إطلاعي المتواضع، وخصوصا في ما يتعلق بالتجارب الأدبية، فأن التاريخ المعاصر حافل بتجارب أدبية كثيرة وكبيرة عالميا وعربيا سجلت هذا العذاب الإنساني الفريد. وبلورت تلك التجارب فداحة عملية الإقصاء وقطع الجذور التي هي في جوهرها أبشع من التصفية الجسدية المباشرة. فكان هناك باسترناك وسولجستين الروسيين اللذان تم نفيهما وغيرهما من المفكرين والأدباء إلى سيبيريا صحراء الثلج ومن ثم خارج نطاق الإتحاد السوفيتي السابق برمته. وتجربة كتاب أمريكيا اللاتينية حافلة بالتجارب الكبيرة وأبرز نماذجها الكاتب الكولومبي الكبير غابريل غاريسيا ماركيز الذي كتب جل أعماله الكبيرة في المنفى.

أما على الصعيد العربي فنحن نعثر على شواهد كثيرة بهذا المعنى منذ جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وصولا إلى أدونيس والجواهري ومظفر النواب، على الرغم من كون بعض تلك المنافي كانت اختيارية بالنسبة للبنانيين، لكن المنفى هو المنفى في جميع الأحوال؛ ذلك الفضاء الرحب الكبير، الجدب روحيا في وجدان وكيان الفرد المبعد عن سماء وأرض موطنه الأصلي.

عراقيا، وهذا ما أستطيع تخمينه في طيات سؤالك المركب، فالأمر يزداد تعقيدا بسبب ظاهرة النفي الجمعية التي طالت أعدادا غفيرة من العراقيين بلغت عدة ملايين من البشر، لتشكل بالتالي أكبر الهجرات  القسرية في التاريخ البشري في العصر الحديث. ظاهرة حقيقية وواقعية لكنها تفوق الخيال بحجمها المأساوي الكبير، كما لو كنا نعيش كابوس مرعب لا يمكن تصديقه. الآن؛ وأنا أجيب على سؤالك الكريم لا أستطيع، حتى بمساعدة الخيال، تصور حجم هذه الظاهرة المأساوية وهي تلحق الضرر الكبير بأبناء وطني. كنا حفنة من السياسيين وثلة من الأدباء والفنانين والمفكرين ممن تم نفيهم أواسط الستينيات ونهاية السبعينيات، وإذا بهذه الظاهرة المرعبة تتضخم تضخما هائلا كورم سرطاني يصيب الجسم العراقي بشكل مخيف. لا يستطيع أي مبدع، أديبا كان أم فنانا غض النظر عن هذه الظاهرة، وإلا ما نفع أخو الدنيا بناظريه إذا تساوت عنده الأنوار بالظلم كما قال المتنبي العظيم. لكننا هنا بصدد التخصص في النوع الأدبي. لم يعد الأمر يتعلق بذات الأديب والمفكر والفنان فقط عند معالجة هذه الظاهرة الشاذة الكبيرة في حياة العراقيين الذين اشتهروا بحبهم للاستقرار الذي هو أهم شرط من شروط البناء الحضاري والإبداع الأدبي والتقدم البشري العلمي نحو الأمام. فقد كتب الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب قصيدته الرائعة غريب على الخليج في أمارة الكويت وهو في رحلة علاج لم تدم أكثر من بضعة أشهر. أما الآن، ونحن نعيش مطلع الألفية الثالثة، وفي هذا المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة البشرية علميا وتقنيا وإنسانيا، لازلنا نعيش مثل هذه الحملات الهمجية البربرية العنيفة وهي تضرب موجات كبيرة من البشر طيلة عقود بلغت الثلاثة لتكبر وتتضخم مثل كرة ثلج هائلة تتدحرج من قمة جبل، بل حتى ظاهرة طبيعية كونية مدمرة كظاهرة تسونامي تبدو أقل شأنا عند مقارنتها بما حدث ويحدث للعراقيين جراء أنظمة سياسية متخلفة ليس إلا. فهل شّرد تسونامي إندنوسيا أو زلزال هايتي ستة ملاين من البشر؟ وهل بلغ عدد ضحايا هذه الكوارث الطبيعية المدمرة أكثر من مليون قتيل ونصف مليون معاق ومشرد؟ هنا ندرك حجم الكارثة الحقيقي الذي تعرّض ويتعرّض له العراقيون حتى كتابة هذه الكلمات.

في هذا المفصل التاريخي تحولت الكتابة، على الأقل في تفكيري ومنهجي، من مجرد النحيب على الوطن واجترار الذكريات الحبيبة عنه، إلى الغوص في عمق الظاهرة ومحاولة كشف الحالات النفسية والهموم الكبيرة للمنفيين أنفسهم. في هذا المحور أستطيع الزعم، وبشهادة الكثيرين ممن تسنى لهم الإطلاع على نتاجي الأدبي من مجموعات قصصية وأعمال روائية، أنني "تخصصت" بهذا النوع من المعالجات أكثر من غيري من الكتاب العراقيين في المنفى.

 

س 3 ) من الملاحظات الهامة على إبداعك الروائي هو طول العناوين التي تختارها لنصوصك ، خذ مثلا:

 - في أزمان للمنافي - ثلاث حكايات:

عنوان الحكاية الأولى: (شباب في المنفى .. رجال في الوطن .. لأنك رجل صادق)

عنوان الحكاية الثانية: (رحلة بالباخرة ستوكهولم -  ريجا؛ كلنا في إجازة من الموت)

عنوان الحكاية الثالثة: (إذا أردت أن تصبح سياسيا في السويد، ابحث عن جميل كمّون)

- جمر عراقي على ثلج سويدي -  رواية

- أقمار عراقية سوداء في السويد - رواية                                                      

هل هناك "فلسفة " خاصة تقف وراء هذا الاختيار؟

ج:

العناوين المكثفة، القصيرة، والمبتسرة، تليق بالقصائد الشعرية من وجهة نظري. أما السرد، أو القصة والرواية فتليق بها العناوين الكاشفة لفحوى النص المكتوب. تلك العناوين الطويلة نسبيا تثير فضول القارئ المتردد وهو يهم باقتناء هذا الكتاب أو ذاك. إنها بمثابة توطئة لدخول عالم الكتاب إن صح التعبير. وفي الواقع أشعر بمتعة مبهمة وأنا أفكر بوضع مثل هذه العناوين البسيطة والطويلة لكن الموحية بعض الشيء، ولا أريد ولا أرغب بغش القارئ بأن أكتب عنوانا بعيدا عن واقع النص. يمكنني القول إن هذه العناوين هي بمثابة علامات دالة على طريق القراءة، كما العلامات الدالة على الطريق المجهول الذي يجتازه المرء للمرة الأولى.

 

س 4 ) في أغلب نصوصك، قصة قصيرة ورواية، تطرح تأملات وتحليلات نفسية ثاقبة، هل هي من عطايا احتراق وجودك الشخصي بجحيم المنافي؟ أم من قراءات سابقة في علم النفس؟ وإلى أي حد تشعر أن الثقافة النفسية - وخصوصا معطيات التحليل النفسي - ضرورية للروائي؟

ج:

الرواية بشكل عام، والقصة القصيرة على نحو أقل، هما عبارة عن جنس أدبي يرتكز بالدرجة الأولى على البشر أفرادا ومجتمعات. وبالتالي يُعنى هذا الجنس الأدبي بحياة الفرد وما يحيط به من مؤسسات عامة وخاصة، تبدأ من الأسرة الصغيرة وصولا لرحاب الجامعات والبارات والحدائق وميادين التنافس البشري في عمليات الحب والغرام والرياضة والغيرة والحسد والنجاح والإخفاق. الحياة العادية هي عبارة عن صراع دائم من أجل البقاء. هذا البقاء تطور نوعيا عند الجنس البشري، بينما حافظت مملكة الحيوان حسب تطورها على مفهوم "البقاء للأقوى" تطور البشر إلى مفهوم "البقاء للأذكى".

من غير الاعتماد على الشروط العلمية والطبيعية والنفسية التي تسم الخاصية البشرية في كل زمان ومكان لا يمكن كتابة رواية ناجحة. أكثر الروايات خلودا تلك التي تناولت الطباع البشرية وسجلتها بعفوية أو عن دراية مسبقة، كأعمال شكسبير المسرحية الخالدة وأعمال غوتة وأعمال دستيوفسكي و أدغار ألن بو وفرجينا وولف وهمنغواي وغيرهم من الكتاب الكبار الذين لا يتسع المجال لذكرهم. ولكن لا يمكنني في هذا السياق نسيان الرواية العظيمة موبي ديك لهرمان ملفل، ولا أنسى أعمال الألماني الخطير هرمان هيسة. أعود وأقول من دون معرفة شمولية بشؤون وأحوال الناس وتراكيبهم النفسية لا يمكن كتابة رواية مكتملة. الرواية هي جنس أدبس علمي ويستند إلى جميع العلوم البشرية وما توصلت إليه العلوم في كل عصر. والرواية جنس أدبي شامل حتى لو تناولت حيزا ضيقا من مفاصل الحياة الكبيرة، في هذه الحالة، أي عندما تفتقد الرواية لهذه العناصر المعرفية الشاملة، فأنها تتحول إلى تسجيل تاريخي في أسوأ شروطها الفنية. كلما كان الكاتب الروائي يتمتع بتحصيل دراسي أكاديمي جيد وكلما كان الروائي ملما بالعلوم والمعرفة فأن مداه السردي سيكون رحبا وشاسعا ويتوفر على مساحات واسعة لكي يقدم التفسير والحلول للناس الذين لم يتعرضوا إلى ذات التجارب الإنسانية. الرواية ميدان واسع من حياة البشر والمجتمع، وعندما يشعر الكاتب الروائي بهذه الحقيقة يشعر بمسؤولية أكبر وهو يعّبر عن جيله وعن عصره وعن تجربته الذاتية التي تستشرف آفاق المستقبل.

في ما يتعلق بتجربتي الروائية والقصصية فأنني أفدتُ الفائدة الكبرى من تعليمي الدراسي الأكاديمي ومن عملي الطويل في ميدان الصحافة، فضلا عن قراءاتي الحرة والمتنوعة في مجال تخصصي وفي مجال هواياتي الأدبية. أنا واحد من الأشخاص المولعين بداروين ومندل وباستور وهلمنغ وفرويد وبافلوف وبيكون وراسل والنبي محمد وعلي بن أبي طالب والفارابي وأبن سينا ومحي الدين بن عربي والمتنبي وغيرهم الكثير. أزعم أنني متأثر بالتحليل الكلاسيكي لعلم النفس الفرويدي على الرغم من عتقه. إذ أنه علم مفيد وفتح عقل البشرية على آفاق واسعة لم تكن موجودة من قبل. هذا الكم الكبير من المعلومات ربما لا ينتج سوى عن عبارة واحدة أكتبها في سطر واحد في رواية تتألف من آلاف الأسطر. لكن المعرفة فيما أكتبه يجب أن تكون صحيحة قدر الإمكان وموضوعية حتى لو شذت عن القاعدة. الروائي الذي يرغب بالشذوذ عن القاعدة يجب أن يتسلح بالمعرفة العلمية والمنطقية لكي يستطيع تجاوزوهما إلى أفق أرحب من المعرفة والكشف البشري الذي لا تنقطع أوتاره طالما بقي الإنسان سيدا على وجه لأرض.

عندما تختلط المعرفة الجادة بالمشاعر الصادقة يمتلك الكاتب عجينة جيدة ومطواعة لكتابة ما يشاء بثقة تامة. عدا ذلك يبقى العمل الروائي والقصصي مزعزعا وقليل الجدوى وقليل الخبرة ولا يمكن أن يقدم شيئا مفيدا سوى التدوين في أحسن الأحوال. هنا لا أقصد على الإطلاق أن يضع الكاتب الروائي معرفته العلمية والفلسفية نصب عينيه وهو يكتب فصول روايته، وإنما أقصد التشرب الحقيقي للمعرفة التي ستنعكس على مجمل عالمه الروائي وهو يكتب صفحات بسيطة عن الحياة المعقدة. الرواية هي عالم من المعرفة. هي إعادة للحياة من جديد وفق شروط أكثر إنسانية وأكثر تحملا للمصاعب.

 

س 5 ) في قصصك الطويلة - المهاجر مثلا - ورواياتك - ميلاد حزين كمثال آخر- هناك إدانات أيديولوجية شديدة الجرأة، خصوصا للتنظيم الذي كنت تنتمي إليه، وقدمت تضحيات جسيمة في سبيله، أتساءل: ما هي التأثيرات السلبية للموقف الأيديولوجي على الإبداع عموما، والرواية خصوصا؟ وكم عطّل هذا الموقف من مسيرة الأدب العراقي؟ وكيف استطعت تطوير هذا الموقف النقدي المستقل بالغ الخطورة؟

ج:

من أبشع الأمور في هذه الدنيا أن يخضع المبدع الحر لأيديولوجية محددة. سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية. "الأيديولوجية" تعني بالعربي "العقيدة" والعقيدة عبارة عن أصفاد فكرية تكبل الفكر الحر. الخضوع إلى عقيدة محددة، بغض النظر إذا كانت جيدة أو سيئة، متحضرة أو متخلفة، هو نوع بشري متجدد فكريا مأخوذا في الأصل من الجذر الحيواني للبشر مؤسس في أصله على فكرة "القطيع".

 العقيدة تعتني بالجمع ولا تُعنى بالفرد؛ الأيديولوجية هي نوع من أنواع المعتقد بنظرية طقسية ما. المعتقد الديني شكّل أسوأ أنواع هذه المعتقدات نظرا إلى اعتماده فكرة "الغيب" و"المافوق" و "نظافة السماء" حيث الملائكة وعرش الرب. الأيديولوجية الوضعية كالعقيدة الماركسية على سبيل المثال سيطرت على العالم كدين رابع فأين انتهى بها الأمر في القرن الواحد والعشرين؟

على العموم أرى الجموع من البشر البسطاء ينحون منحى القطيع في غياب الحريات الفردية الجوهرية؛ لذا لازالت الأديان من البوذية والهندوسية واليهودية والمسيحية والإسلامية والماركسية تسيطر على جموع البشرية بمجرد فكرة "القطيع". الفكرة الذهبية التي يمكن للمبدع الحر بلورتها هي كيفية التخلص من فكرة ومن عقيدة "القطيع". يمكن للقطيع أن يوفر بعض الأمان للأفراد، لكنه لا يمنحك الحرية. من هذا المفصل الجوهري نأيت بنفسي عن القطيع، وبالتالي عن الحزب ذي العقيدة المؤدلجة والراسخة التي لا تتزحزح أركانها الثابتة كتعاليم مقدسة. كل هذا في نظري عبارة عن هباء في معترك الحياة الحقيقية وإرهاصاتها المتجددة. لذا لا أتردد في إدانة الأخطاء التي يرتكبها الأشخاص المسؤولون عن التطبيق الرمزي لتلك النظريات المكتوبة على الورق. كلنا يكتب على الورق،  تاريخ البشرية برمته مكتوب على الورق واللوائح الطينية. فلست أخشى من الكتابة ومن الإدانة ومن الرصد والتدوين. أنا إنسان حر بقدر معقول، ويجب عليّ استثمار هذا القدر القليل من الحرية طالما أنا على قيد الحياة. إذا لم أفعل ذلك سوف لا ينفعني الندم.

 

     س 6 ) وارتباطا بهذا الموقف الأيديولوجي المتفرّد والموضوعي، ما هي الضريبة التي تحملتها بسبب هذه الروح التعرضية الجسور، التي لا تمر عادة دون حساب من قبل المرجعيات التنظيمية الحزبية العربية، التي صفّت الكثير من رفاقها وأبنائها الذين خرجوا عن إرادتها؟ وهل تعتقد أنه كان سببا لجانب كبير من الإهمال النقدي الذي تعرضت له نتاجاتك الأدبية؟ 

ج:

كابدت الكثير جراء هذا الموقف وجراء بعض كتاباتي وأخص منها رواية "مقتل علي بن ظاهر ومتاهته" التي كادت أن ترديني برصاص ومدي جماعتي. وتم فرزي من الحزب كالبعير المعبدِ على حد تعبير طرفة بن العبد. وهي رواية بسيطة سجلتُ فيها تاريخ الموت المجاني تحت راية الحزب الطليعي في كردستان تحت قيادة رجل لوطي. نصحني الكثير من الأصدقاء عدم نشرها عام 1984 أي بعد نجاتي من الموت المحتم بأعجوبة. قالوا لي هنا في دمشق: "سيقتلونك لا محالة". العجب أن يُقتل الثائر بسلاح رفاقه. هذا هو مفهوم العقيدة ليس إلا. مجال الحرية أضيق مما هو عليه في ظل الأحزاب الشمولية. العجيب أنهم أرادوا تصفيتي الجسدية لكنهم لم يطردوني من الحزب لكي لا تثبت عليهم الجريمة. هكذا بقيت أعيش حرا قدر الإمكان وتجنبت طلب الحاجة بكافة أشكالها من التنظيم الذي أهديت له دمي بطواعية مراهقة وروح من الشباب الثوري الحيوي.

من المعروف والمشهور والمشهود أن المؤسسات الحزبية العقائدية في البلدان العربية وبلدان العالم الثالث، بما فيها المؤسسات الرسمية الحاكمة، سوّقت الكثير من الكتاب والمفكرين المزيفين وأنصاف المثقفين عبر أدبياتها ومنشوراتها السرية والعلنية وسيدتهم على واقع القطيع. مثل العلف الذي تجتره النعاج والأغنام والبقر النائم في الحظائر المرفهة من شقق في أوروبا وجوازات سفر دبلوماسية مزورة.

مثل هذا المشهد معروف ومدروس ومكتوب، وكل من لا يعلم ذلك له أن يدفن رقبته الطويلة المزيفة في الرمال. 90% من مثقفي الأحزاب كما من مثقفي السلطة رؤوسهم في التراب. نحن من يعلو رأسنا عليهم؛ نحن الذين لم نرضخ لأوامرهم التافهة ولم نخضع لرغباتهم المشوهة ولم ننصاع لكتابة مقالات يضعون تواقيعهم عليها نهاية المطاف.

في هذا الباب من الجراح المجانية التي يشفيها  الزمن بقليل من الصبر والتروي أنتجتُ خمس روايات وأربع مجموعات قصصية لم تلق من المؤسسة الحزبية التي تبرعت لها بدمي وبحياتي طوعا سوى الإهمال التام والمطلق، بينما يتم التطبيل والتزمير لقصة أو رواية يكتبها كاتب من المؤسسة الحزبية. لكن الحقيقة تنتصر في الأخير وأنا على يقين من ذلك.

 

 س 7 ) وارتباطا بالسؤال السابق، سمعت من رفاق قاتلوا معك في شمال العراق أن الثيمة المركزية لرواية ( مقتل علي بن ظاهر ومتاهته ) تأسست على حادثة حقيقية، وأنك قمت بموقف مشرّف وغيور لفضح وإدانة "المجرم" الذي اغتال "علي بن ظاهر"، حتى أنك إلى الآن مستميت في إحالته إلى محكمة دولية؟

ج:

أخبرتك في أجوبة سابقة عن هذا العمل الذي أعتبره من أعزّ الأعمال إلى نفسي كونه عملا فطريا مبنيا على وقائع مأساوية دامغة. وهو تجربتي الروائية الأولى. أن تؤرخ لمرحلة صعبة وغامضة وغير متبلورة، هذا يجعلك تدخل عالم السحر والفانتازيا لكي تصوغ مثل هذه المادة المقروءة. الشهيد البطل علي بن ظاهر، قديس الرفاق، أُردي قتيلا على يد صبي مغرر به من قبل قائد ذي مركز حزبي قيادي رفيع المستوى مشكوك في وضعه الجنسي بين اللواط والشهوات المنفلتة. كتبتُ هذه التفاصيل بأقل قدر من الفضيحة لكن بمستوى عال من الجرأة. وحاولت في العمل الروائي اللجوء إلى الترميز الذي لا يخفى على القارئ اللبيب.

 طالبت الحزب بشكل رسمي بكتاب إلى المكتب السياسي مؤلف من ستة عشر صفحة بخط اليد بأن تتم محاكمة المجرم الصغير الذي لم يكن سوى أداة استخدمها "القائد" لتصفية هذا الرفيق الذي وقعت عينيه على الحقيقة عن طريق الصدفة. وكنت سألوذ بالصمت لو أن الحزب سمع هذه النصيحة البسيطة والعادلة. لكنهم بدل ذلك انتصروا للقاتل وللمجرم وأهملوا القتيل. وللناس أهل وأخوة وأخوات وأمهات عظيمات. لم ينسوا القاتل وتكبدوا عنا الوصول إلى تلك الجبال النائية لكي يلموا رفات أبنهم في كيس من الخيش لكي يواروه الثرى بالقرب من ديارهم في مناطق الفرات الأوسط. بيد أن الحزب الشيوعي "العظيم" رفض الطلب البسيط اعتباره شهيدا. لم أتحمل ثقل هذه المأساة. بشكل وآخر تخيلت نفسي علي بن ظاهر وأنا أرى المشهد الواضح أمامي بعد الممات.

ظهر في ألمانيا رجل حقوقي عراقي يدرّس مادة القانون الدولي في جامعة بون، تولى القضية بعد قراءته رواية مقتل علي بن ظاهر ورفع قضية ضد المجرم. خضع الطلب للقانون الدولي وتم الإبلاغ رسميا عن كون القضايا الجرمية يُنظر إليها حسب المكان الذي تقع فيه الجرائم. والجريمة وقعت بلا مكان يخضع لقانون دولة. لذلك طويت القضية والمحاولة جارية لمطاردة المجرم الذي يقول الحزب أنه "نفّذ فيه حكم العدالة بسجنه أربعة أعوام" وأنا أشك بذلك.

 

س 8 ) إذا انتقلنا إلى التوظيف الفني لهذه الحالة الواقعية، أقول: إلى حد الصفحة (42) تحديدا من روايتك القصيرة هذه، كنت أقول أننا سنحصل على نص يوازي أية رواية عظيمة من روايات الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، لكن بعد هذه الصفحة ضعتَ، وضعتُ، وضاعت الرواية وسارت في مسار مختلف.. ما الذي حصل؟؟ وهل أنا مخطئ؟ أرجو أن تبرر للقارئ طبيعة المخطط الذي تصوغ وقائع رواياتك على ضوئه، وخصوصا في مجال بناء النهايات؟

 ج:

رواية "مقتل علي بن ظاهر" التي كتبتها عام 1984 كأول محاولة روائية لي، كأول أطول نص نثري كتبته هي في محصلتها رواية سياسية "احتجاجية"؛ هي عبارة عن صرخة مكبوتة كانت تتفجر في روحي وتؤذيني. هي عبارة عن أحداث واقعية حقيقية مؤلمة حدثت أمام ناظري، بل وكنت أحد عناصرها الدرامية الفاعلة والمؤثرة. وقبل أن أتناول الجانب الأدبي ومقدار القيمة الفنية في هذا العمل، أود التعريج على الجانب الفكري والسياسي والقيمة المعنوية التي تمثلها تلك الرواية.

قلت في موضع ما من هذا الحوار أنني عرضت هذه الرواية قبل نشرها على أصدقاء منهم من شاركني التجربة ذاتها، أقصد تجربة الكفاح المسلح في كردستان العراق، ومنهم من هو أديب وكاتب له آراء أحترمها. كانت مجمل الآراء مرحبة وطيبة، واقعية وغير مجاملة. حيث دخلنا بأدق التفاصيل الفنية والفكرية واللغوية. من الناحية الفنية، وكأول عمل روائي كتبته، لم تُطرح آراء تعترض على جودة العمل من الناحية الفنية. ولا أزعم أن جميع  الآراء كانت تعتبرها رواية "متكاملة"، وأصعب الآراء اعتبرتها رواية من "الأدب السياسي" وهي كذلك بشكل من الأشكال. الغريب في الأمر أن معظم الآراء نصحت بتأجيل نشرها آنذاك لأسباب متباينة منها أن التجربة المسلحة في جبال كردستان لازالت مستمرة وكنت قد تنبأت في الرواية بفشلها وانهيارها، وقد حدث ذلك بعد أربعة أعوام على كتابة الرواية. ومن الآراء الأكثر غرابة وخطورة تجسد في تنبيهي من الخطر الذي ربما يتهدد حياتي في نشرها في ذلك الوقت بسبب كشف الرواية لبعض الحقائق الغامضة لحياة سرية تجري بعيدا عن الأنظار. وكنت من الثورية والتهور، تلك العناصر الطبيعية التي ترافق المراهقة السياسية كأمرٍ لامناص منه، بحيث لم آبه بمثل هذا التهديد الجدي والخطير. لكنني أحجمت أخيرا عن نشرها احتراما لمسيرة التجربة الكفاحية التي خضت بعض فصولها المأساوية. عندما تطلق صرخة مكتومة ومؤلمة من أعماق روحك فأنت لا تفكر كثيرا بكيفية خروج هذه الصرخة من أعماقك السحيقة. هل هي بكاء وعويل، هل هي نحيب، هل هي زئير، هل هي ثغاء، هل هي عواء، هل هي نباح، هل هي غناء، هل هي شتائم، هل هي نداء. هل هي كل هذه العناصر مجتمعة؟

أظن أنني كتبت العمل ضمن سياق نفسي ولغوي واحد؛ متوازن وغير مختلف أو متباين. وهذا أول رأي نقدي أسمعه منك وأحترمه أيضا؛ كون أن الرواية وبعد الصفحة الثانية والأربعين نحت الرواية منحى آخر لم تحدده في السؤال. لا أدري ذلك حقا؛ لكن يمكن لي القول أنني لم أشعر بذلك.

العمل الروائي حسب اعتقادي يبدأ عندما تنتهي الأحداث الواقعية لمادة الرواية. من هنا يجب أن تكون الفصول ذات ملامح متكاملة الأحداث ومترابطة الزمن التصاعدي ولا يمكنني، بل ربما أريد القول أنني لا أفضل صناعة النهايات وفبركتها لكي تصلح كنهاية "سعيدة" للأحداث التي تجري في الرواية. بل شكل النهاية يجب أن يكون واضحا وحاسما في تفكيري وذهني. بل ربما تعرف أنت أكثر من أي ناقد آخر أنني أبدأ بالرواية من الحدث النهائي. وهاهو البطل "علي بن ظاهر" يُغتال في الأسطر الأولى من الرواية ثم تتوالى الأحداث وشرح الملابسات المكملة لهذا الحدث المأساوي المؤلم.

س 9 ) مراهنتك على تأجيج وتفجير محتويات "صندوق الذاكرة الأسود" الذي يحاول المنفي العراقي تغييبه، وهو ما يشكل كوجيتا وجوديا هو "أنا أتذكر، إذن أنا موجود"، تعيدنا إلى الدور الاجتماعي للأدب الذي محقته تيارات ما بعد الحداثة، إلى أين تريد أن تعيدنا في هذا المجال؟ وما هو الدور الذي يترتب على أي مبدع تجاه مجتمعه خصوصا حين يتعرض للغزو والاحتلال؟ 

ج:

سيدي الكريم؛ أنت تخلط الأدب بالسياسة؛ لا اعترض على ذلك مطلقا. ما علاقة الغزو والاحتلال بـ "صندوق الذاكرة الأسود" بالنسبة لمواطن عراقي منفي عن بلده قبل ثلاثين عاما؟ مع ذلك دعني أخبرك على نحو جلي أنني مواطن عراقي حر وأصيل، وأعتز بوطني وبوطنيتي أينما حللت وفي أي مكان بت فيه ليلة أو ليلتين، سنة أو سنتين، عقد أو عقدين. الزمن يتشابه كثيرا عندما يعيش الفرد يومه وهو يقتات على الذاكرة. لكن الحياة تسير قدما وتتطور وفق أنظمة جديدة ربما لا نفهما جيدا، لذلك نحاربها بطرق خجولة، أو نتجاهلها في أحسن الأحوال. أنا أبن العراق الطيب الكبير. أبن حضارة وادي الرافدين وأحد ورثتها المخلصين، وأنا أبن الفراتين، وأبن الجنوب وأبن الديوانية وأبن بغداد. كيف لهذا الرأس المليء بكل هذا التراث وبكل هذه الحضارة وبكل هذا الطيب أن يغفل أو يتغافل عن إحلال خزينه الروحي والوجداني الثري في صلب كتاباته؟

الأدب حالة إنسانية فريدة هي أجمل وأعمق وأرقى من السياسة ومن جميع الأحزاب والمنظمات الخيرية وغير الخيرية. الأدب هو حالة الرقي الحقيقية الوحيدة للإنسان على وجه الكرة الأرضية. حتى أكبر العلماء هم من الأدباء في الأصل. والأدب حالة كونية بقدر ما هو تجربة محلية. لا وجود لأديب كوني من دون جذور محلية. فكيف إذا كانت الجذور نابعة من بلاد النهرين ومن حضارة سومر وبابل وآشور و البصرة والكوفة وبغداد؟ ذلك تراث وروح حي يسكنني أينما حللت، وفي أي  منفى وطأت، وفي أي أرض  أويت. والأدب في المحصلة موقف أخلاقي كبير يتعارض مع الشواذ والتأويلات والتبريرات غير المنطقية وغير الإنسانية بشكل مطلق.

أكره الغزاة وأكره المحتلين، واعدُ شرف وطني وأرضي من شرفي الشخصي؛ مثل شرف أمي وأخياتي وشرف زوجتي وابنتي وأبنائي. لا مجال للمساومة في هذا المجال. لا شرف حقيقي للإنسان من غير شرف الأوطان.

هذا الموقف ليس سياسيا بقدر ما هو إنساني وأخلاقي؛ كل أعمالي الروائية والقصصية وجميع مقالاتي في الشأن السياسي تدور في هذا العالم الذي أرغب فيه أن يحتل وطني وشعبي موقعه الحقيقي اللائق بين الأمم والشعوب المتحضرة.

 

س10 ) فنّيا أيضا: لفتت انتباهي ظاهرة انفعال المكان .. انفعال الأثاث مع انفعال شخوص النص، وهو أمر باهر أعتقد أنك ممن وظفوه باقتدار في السردية العراقية.. كم هي أهمية مواشجة انفعالات المكان بانفعالات الشخصيات؟ وكم تعوّل عليها في توصيل الاحتدام النفسي الذي يجتاحك ويجتاح شخوصك وهم قطع من روحك المعذّبة؟ 

ج:

يعتمد السرد بالدرجة الأولى على توصيف المكان وتفاصيله الصغيرة والكبيرة؛ حركة الشخصيات الروائية، وحركة النص تعتمد بدرجة أساسية على المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية. المكان في أعمالي بشكل عام هو "المنفى". ذلك الجمال الأخرس، الأصم، الأعمى الذي لا يمت بصلة عضوية لوجدان الفرد المنفي. فيبدو الأمر كما أنك تجلس أمام آنية ورد جميلة لكن الزهور الرائعة التي تتأملها بعاطفة صادقة مصنوعة من مادة البلاستيك الميتة. تفعيل هذه المواد "الميتة" روحيا ووجدانيا يتطلب انفعالا من طراز آخر. انفعالٌ مركب يعكس مقدار الوحشة والغربة التي تضج بها روح الفرد المنفي. أن تكتب نصا قصصيا أو روائيا بعيدا عن أرضك الأولى ومدينتك الأولى يتطلب ردما كبيرا لفجوات واسعة مجهولة وغريبة على الكاتب تجاوزها وتلافي الوقوع في دوامتها الغامضة. على الأخص عندما يتمحور العمل على شخصيات من ذلك العالم، أقصد من عالم المنفى. هذه العملية تتطلب زاوية نظر مجهرية على نحو ما، وتتطلب شراكة معقدة. وأحسن أنواع هذه الشراكة والنظرة المجهرية هي الشراكة "الانفعالية" إذا جاز التعبير. يُخال لي أحيانا أن بيت المنفي في المدن الغربية والمدن الغريبة عموما هو عبارة عن حقيبة سفر كبيرة. بمعنى إمكانية تحّول هذا البيت وهذا الأثاث وهذا الركام من الحاجات والأغراض، إمكانية تحوّل كل هذه الأشياء والأغراض إلى حقيبة مرة أخرى كما كانت عبارة عن حقيبة رافقت المنفي قبل السكن هنا. يحدث هذا الأمر أحيانا بسرعة خاطفة ومذهلة وبعيدة عن التنبؤ والتوقع. لماذا يحدث مثل هذا الأمر المربك والمحزن بكل هذه السرعة؟ الجواب غاية في البساطة: "لا وجود للجذور". الفرد المنفي كائن "طائر" بمعنى من المعاني. موقعه في الهواء أكثر من إحساسه بالثبات على الأرض. إنه تعبير مجازي، لكنه يعّبر عن الحياة الواقعية التي يعيشها الفرد المنفي على مضض. فليس غريبا أن تجد الشخص المنفي هو عبارة عن كتلة من الألم والعذاب المتبخر كما السحب في الهواء،على الرغم من السرور العابر الذي يحدث له بين طيات الزمن. المنفى هو بئر عميق من الخواء والحرمان.

 

 س 11 ) هناك ظاهرة هامة ومميزة لديك، وهي إطلاق "حِكَم" وخلاصات "فلسفية" وجمالية ونفسية في نهاية مقاطع سردية في قصصك ورواياتك. سأقدم مثلا من إحدى قصصك القصيرة، وليس رواياتك التي تحفل بشواهد أكثر وأعم:

 - إن هذه الحياة ليست حياتنا، ولا نملك سوى تقليدها في أحسن الأحوا                                          

- لا أعرف لماذا أتخيل الانتحار أشبه بحالة حب من طرف واحد، ربما لأنه موت من طرف واحد ..                                                                                                   

- الانتحار الحقيقي عمل لا يقدم عليه سوى الرجال الشجعان ..                                                                  

- الوحدة هي كنز الحرية الوحيد، الذي شقيت في جمعه طوال هذا الزمن                                        

- أن يعيش الإنسان وحيدا إلى الأبد، هو نوع من أنواع العبقرية ..                                           

- لو كان هناك مكان نرمي به الأشياء التي ننساها، لكان حتما أكبر من البحر .. 

هل تعتقد أن من واجب المبدع أن يكون "واعظا" أو يقدم "كوجيتات  فلسفية"؟

هل هذه خلاصات تجربة وجودية عشتها، وتريد أن تسلّح بها المتلقي رغم شعورك بالخيبة؟

ثم كيف تنسج هذه الـ "الحِكَم" من خيوط النص الأصلية بصورة تذكرنا ببروست وستندال ودستويفسكي مثلا؟

ج:

الكتابة الرصينة، المسؤولة، المؤسسة على المعرفة، من شانها أن تنتج الحِكم. لم أكن أفكر بكتابة الحِكم وأنا منهمك في عالم القص أو الروي؛ وإنما تأتي تلك الأقوال والأفكار على لسان، أو في تفكير شخصيات الأعمال نتيجة منطقية لتراكم الأحداث الجديدة وغير العادية التي تعصف بحياة أولئك الأشخاص. وبالتالي هي نتيجة لتراكم المعرفة الثقافية بشكل عام، والهموم الإنسانية بشكل خاص.

الكاتب الجاد يشبه المعّلم بشكل من الأشكال؛ إنه ينتج نصا مكتوبا يحتوي على مادة إبداعية معينة. النص المكتوب له مقدرة على التأثير في فكر ومشاعر الآخرين. يتفاوت مستوى هذا التأثير بين شخص وآخر تبعا لمستوى النص الفكري وتبعا لمستوى القارئ الثقافي. من هنا يمتلك النص المكتوب، عندما يدخل حيّز التداول، خطورته وأهميته. في النصوص الإبداعية الحقيقية يقود الكاتب قارئه نحو محطات جديدة وأفكار جديدة ومشاعر انعكاسية جديدة.

 تقود بعض الأعمال الإبداعية القارئ نحو آفاق جديدة وتفتح أبوابا كانت مغلقة إلى حين. هنا نحن أمام فسحة جديدة من الأمل. بينما تقود بعض الأعمال الإبداعية القارئ نحو التشاؤم كما في الأعمال الوجودية لبودلير وكامو والإيراني الفذ صادق هدايات وغيرهم الكثير. على نحو ما كنت أعني بفتح نوافذ جديدة من الضوء في عالم العتمة الذي يغرق فيه الكائن الغريب المنفي المحاصر بثقافة عالم جديد يختلف جذريا عن ثقافة ذلك الكائن. وحدث على سبيل التوضيح أن أتصل بي بعض القراء الذين كانوا يغرقون بهذه العتمة الثقافية بعد أن نقلتهم الأعمال الأدبية التي كتبتها إلى ضفاف أخرى اقل قسوة وأرحب فضاء. النص الجيد يفرز تلقائيا مثل هذه الأفكار ومثل هذه الحِكم التي تضع القارئ أمام حالة من التفكير والتأمل، وبالتالي محاولة استيعاب تلك الأفكار وتمثلها كما يتمثل الجسم نوع الغذاء الجيد الذي يتناوله.

س 12 ) الأمر الذي يرتبط بالحِكَم والرؤى "الفلسفية" هو ما أسميته بـ "الفسح السردية" التي برع بها دستويفسكي مثلا، والتي قمت أنت بتوظيفها بصورة رائعة، لكنك كنت مختصِرا وموجزا ولمّاحا سريعا.. هل وظفت هذه الركيزة وفق رؤية ذاتية مسبقة؟ أم تأثرا بقراءات روائية غربية سابقة؟ وكم كنت تراهن عليها في توصيل رؤاك الإبداعية؟

ج:

تطور النص الروائي كثيرا عن زمن دستويفسكي، والقارئ تطور هو الآخر كما تطور المجتمع بجميع تقنياته وأساليب عيشه. بات الوقت أكثر قصرا ولم يعد الوقت كافيا للجلوس طويلا لقراءة رواية من مئات الصفحات تقارب الألف أحيانا. وإذا أضفنا إلى ذلك التقنيات الحديثة التي يتم من خلالها تبادل المعلومات بكل هذه السرعة المذهلة، حيث نعيش حقا عصر السرعة فأن الإطالة في النص الروائي تبدو غير ضرورية إذا ما تم تعويضها بأساليب سردية جديدة. القارئ في هذا الزمن ليس هو ذاته في القرن التاسع عشر. وفرة المعلومات التقنية والثقافية جعلت من القارئ أكثر فهما وأسرع تجاوبا. بحيث تُصاغ المادة السردية على نحو أكثر اختزالا معتمدة على عنصر الإلماح والمفاجئة والمباغتة. هذا بشكل عام؛ أما عندما ندخل في حرفية النص السردي فأننا نقف أمام ضرورات وأمام محظورات تفرضها تقنيات السرد نفسها. وحين نعود للمثل العربي الذكي القائل: "خير الكلام ما قل ودل" فسوف يتحتم على الكاتب التفكير بعدم أهدار وقت القارئ من دون جدوى. وإذا كانت جملة مختزلة ومكثفة المعاني تفي بنقل الفكرة الأساسية فلم الإطالة والاستطالة عبر صفحات من الشرح والتوضيح وكأن القارئ لا يستوعب النص جيدا. أراهن دوما على مستوى القارئ الجيد والملم، ولست معنيا كثيرا بالقارئ البطران الذي يرغب أن يقدم له النص الروائي أو القصصي المادة اللذيذة السهلة كما لو أنه يتناول وجبة طعام دسمة.

"الفسح السردية" كما أسميتها حضرتك هي مساحات تأملية يفرضها سياق النص ذاته؛ وهي ضرورية بالقدر الذي يتطلبه النص. كل زيادة وأطناب يثقل كاهل النص بعدد من الصفحات في محاولة لنفخ حجم الكتاب، وهذا في نظري عديم الجدوى ولا يصب في مصلحة الكاتب ولا في مصلحة النص. ولعلك لاحظت من خلال أعمالي التي بحوزتك أنني أجنح لكتابة القصة الطويلة التي هي عبارة عن رواية قصيرة. والكثير من الأصدقاء والقراء يقولون عن هذا النوع من القصص الطويلة "هذا مشروع رواية". كثيرا ما سمعت مثل هذه الملاحظات الذكية، لكنني أعتقد أن العصر الذي نعيشه هو عصر السرعة والاختزال. أن أكتب قصة طويلة تعّبر عن الحدث وتقدم الخلاصة النهائية من دون أن اتعب نفسي واتعب القارئ هو خير من كتابة رواية طويلة تبعث الملل عند القراءة. أعود للقول إن تقنية السرد تفرض نفسها على أدوات الكاتب. فالعمل الروائي الذي يغطي مراحل زمنية واسعة، ويتناول أكثر من جيل من الشخصيات تفرض تلك الأدوات تغطية تفاصيل الأحداث بأسلوب روائي له إيقاعه الخاص.

 

         س 13 ) عندما كتبتُ - أنا كناقد - عن قصتك الهامة "رسائل ميتة إلى الفردوس المفقود" شعرت فورا - ولا أعرف لماذا، رغم أن تخصصي العلمي يتيح لي فرصة التعرف -!! - أن موظف المكتبة الذي يوفّر الكتب لمستعيريها هو أنت!! .. ثم التقينا بعد فراق ثلاثين عاما تقريبا، وإذا بك تقول لي أنك تعمل في مكتبة عامة، وتعيش مفارقة موجعة تتمثل في أنك تقدّم رواياتك، للمنفيين المعذّبين الذين يطلبونها من المكتبة التي تعمل فيها في السويد، ولا يعرفون أنك المؤلف الفذ لهذه الروايات، التي يقرأونها بشغف، هنا يجب أن نتوقف عند:

أولا: تقصيرك الشخصي في تأمين منافذ دعائية لذاتك الإبداعية، وهو حق مشروع؟

ثانيا: هل طيبة وخجل المبدع العراقي كما يقول المبدع "أحمد خلف" هي التي ضيعت فرص انتشاره الإبداعية عربيا، لأن هناك دولا تعرف كيف تصنع نجومها؟

ج:

عندما يُتيح الزمن المجحف، أو الكريم، حسب الظروف، أن تلقى كتبي ناقدا جادا يتمتع بالحياد والوعي والثقافة الواسعة، أو حتى قارئ جيد، يفهم الرسالة التي رغبت بإيصالها له، فأنني أكتفي بهذا القدر من المكافأة المتزنة والصادقة. أعتقد أنك تقصد "أضواء الشهرة"، ذلك أمر آخر مخالف تماما لمستوى الإبداع الحقيقي. ربما لم أحقق الشهرة الكبيرة وتسليط الأضواء على شخصي وعلى مؤلفاتي. أنا على يقين كامل أن الأدب الحقيقي يجد طريقه الشرعي في الوجود طالما كان أدبا مفيدا ويستحق القراءة. لازلت أعتبر نفسي تحت هذا الاختبار الصعب والذي لا تظهر نتائجه، كما الأدب المكتوب نفسه إلا بعد مرور فترة كافية من الزمن. الأضواء غالبا ما تُسلط على الغوغاء. الأدب الرصين ينأى بعيدا عن جذب الأضواء وكسب الشهرة الإعلامية المجانية. يموت الكتاب الجادون ويظهر للعيان كم كانت أعمالهم تستحق التقدير والاحترام. من الجيد والمنصف أن يتم اكتشاف قيمة الكاتب وقيمة ما ينتجه في خضّم العملية الحياتية والحيوية الموضوعية التي ترافق صدور كتب وأعمال هذا الكاتب أو ذاك. تلك هي المعادلة الصحيحة في العمل وفي الحياة. لكن في المخاض الأدبي يختلف الأمر عندما لا تتدخل عناصر غريبة أخرى. أصبح لدينا أحزاب ودول ومؤسسات تّخرج كتاب وفنانين ومطربين وتضعهم في مصاف النجوم. هوليود صنعت الكثير من الممثلين والفنانين المزيفين ووضعتهم في موضع النجوم. لكن هذا الأمر لا ينطلي على الناس. سيعرف الناس بعد حين مقدار الزيف والرخص والكذب في هذه الأعمال. بينما تبقى الأسماء والنجوم الحقيقية خالدة إلى الأبد.

أقول لك بصراحة وبساطة أن أضواء الشهرة لا تهم سلوكي الطبيعي في الحياة لا من بعيد ولا من قريب. في المحصلة الوجدانية أنا لا اكتب لكي أصبح شهيرا، بل أكتب لكي أكون حقيقيا وصادقا. حظيت ببعض أجواء الشهرة لكنها لم تسل لعابي كجائع على مائدة عامرة. أنا كتبت الكتب وتعبت عليها وضحيت بأجمل أوقات حياتي من اجل صدورها ونشرها ووضعها بين أيدي القراء. انتهت مهمتي عند هذا الحد، والباقي يعود للزمن. أرثي للكتاب الذين يستجدون الشهرة المجانية. يكفي أنك جالس معي وتسألني وتحترم نصوصي ورؤيتي الأدبية، وإلا لما جمعني الزمان بناقد جدير بالثقة مثلك. الأدب الحقيقي يصل إلى القارئ ويصل إلى الناس إن لم اليوم فغدا.

أما في ما يتعلق بالخجل العراقي من الشهرة فتلك حالة لا أؤمن بها كثيرا؛ أنا على دراية واقعية بما يمكن أن تفعله الأحزاب السلطوية والمؤسسات الرسمية الفاشلة إلا من رأس المال الخيالي عندما يتم تكليفها بصناعة أديب ما لا يبخل بكيل المديح الفج للطغاة. وأنا على دراية جيدة كيف تبحث هذه الأحزاب والمؤسسات الرسمية عن جثث أدبية ميتة لكي تتاجر بها. الأمر معلوم ومفهوم إليك وللكثير من الناس. شعراء تافهون وأدباء ملفقون تبؤوا الصدارة في وسائل الإعلام لكن الكثير من الناس تعرف مقدار قيمتهم الأدبية والإبداعية الحقيقية، أقصد بالتحديد قيمتهم المزيفة. إنهم عبارة عن أبواق وطبول فارغة لا قيمة حقيقية لديهم، لا نصوص ولا كتب ولا منجز لديهم. هم مجرد يافطات مكتوبة بخط عريض تزول ويكنسها الكناسون بعد زوال الظروف التي جاءت بهم ليحل محلهم آخرون جدد. الأديب الأصيل لا يقبل كتابة اسمه على هذه اليافطات العريضة الزائلة. إنه يحفر أسمه على صخر الواقع القاسي، وفي ذاكرة القارئ. إنه يكتب حروف أسمه بالوجع والألم والمعاناة التي هي أثمن من الذهب الخالص.

 س 14 ) أستطيع أن أعد أسماء كثيرة لمجايلين لك يدّعون الإبداع، ويكتبون عن بطولات زائفة بعد احتلال بغداد المحروسة من قبل الأمريكان الغزاة، يكتبون عن بطولات لا تصل عشر معشار ما بذلته أنت من تضحيات قرضت سنوات عمرك، أي بشاعة باهظة تلك التي تجعلك لا ترى أمك العظيمة إلا بعد (26) سنة ؟!! ما الذي يمنعك من أن تكشف البعد النضالي في حياتك، وتسطّره إبداعيا وهو حق مشروع؟

ج:

لا أفضّل المقارنة بمستوى العذاب ومستويات الألم التي لحقت بالجميع جراء مواقف سياسية هوجاء ارتكبها النظام الدكتاتوري السابق بحق المواطن العراقي. لا مزايدة في مقدار الألم. وعند الخوض بالتفاصيل يمكنني القول بوضوح متوخيا الدقة والتحليل العلمي لهذه الملابسات التي تنطوي على بعض العناصر المعقدة وغير المفهومة، إن الفوارق متماهية في مستويات الألم ومستويات العذاب. وفي الأخير الكاتب الأديب والإنسان هو الذي يحدد موقعه في هذه المستويات من العذاب البشري الذي يجسد بالتالي مقدار التضحية والأخلاق العظيمة لهذا الكاتب أو ذاك. كما قلتُ قبل قليل الكاتب الجاد هو عبارة عن موقف إنساني شامل وموقف أخلاقي. عندما يفتقد الكاتب لأي من هذين العنصرين العضويين يجب علينا النظر إليه وإلى نتاجه نظرة أخرى مركبة ومؤّلة. لا أستطيع تفضيل تلك التأويلات على الحقائق الواضحة.

السؤال يخلط بوضوح بين السياسي والثقافي على الساحة العراقية التي تميزت بالعشوائية وعدم الوضوح حتى اليوم. التحالف الدولي الذي نظمته الأمم المتحدة بقيادة أمريكا لقلب نظام الحكم بالعراق بواسطة العمل العسكري المسلح تطلب وضع الكثير من المخططات والآليات من قبل جميع الدول المشاركة بهذا العمل العسكري الكبير. من بين هذه المخططات، وهذا أمر مفروغ منه، التنسيق مع القوى السياسية العراقية المعارضة بمختلف توجهاتها العقائدية والفكرية والقومية. وتم ذلك علنا وفي السر، وأيضا على مستوى التنظيمات والكيانات الحزبية وعلى مستوى الأفراد. الكثير من الأفراد انسلخوا من تنظيماتهم الحزبية بسبب عدم تلبية تلك الأحزاب لطموحات أولئك الأعضاء. وهذا حق مشروع في العرف السياسي والمفهوم الديمقراطي. هؤلاء الأفراد ظلوا يسبحون في فضاءات حرة نوعا ما. لم يغفل الأمريكان هذا الأمر الواقع، وحسب علمي تم الاتصال بهؤلاء الأفراد بطرق شتى وعُرض عليهم العمل في التحضيرات الشاملة للإطاحة بنظام صدام حسين الدكتاتوري. من الناحية السياسية الحرفية ليس في ذلك المبدأ من عنصر غريب. فقد حدث هذا الأمر وسوف يحدث على مر التاريخ وفي الكثير من التجارب المماثلة. لكن يبقى التفصيل المهم، وهو تفصيل شخصي ويتعلق بهؤلاء الأفراد أنفسهم. وعندما أقول يتعلق بالأفراد أنفسهم، أعني بذلك تحديدا مقدار الحماس ومستوى الاستعداد الفكري والجسدي لخوض غمار هذه التجربة. وهذا يختلف من شخص إلى آخر. ذهب البعض من هؤلاء الأشخاص إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل منظم من الدوائر الأمريكية المختصة وفي مقدمتها جهاز الـ CIA  . وقد تم الاتصال بي من قبل أحد الأصدقاء من نيويورك وعرض عليّ المشاركة في هذا العمل لكنني رفضت العرض ولدي أسبابي الشخصية الكثيرة. ولكي لا أقع في شرك المزايدة المجانية أقول كان لهم في أن يختاروا ما يختاروا ولي الحق في أن أختار ما أختار. وهكذا تم خوض تلك التجربة كلا على سراطه الخاص. يبقى حساب النتائج والمنافع والمكاسب مختلفا بين الحالين. فكل واحد تكبد الخسائر بطرق مختلفة. الذي شارك حصل على مكسب مادي وله الحق في ذلك لأنه عرّض حياته للخطر المباشر وسط تلك الفوضى العسكرية وحصل على أجر مادي ووظائف كبيرة في الدولة الجديدة. والذي لم يشارك حافظ على كرامته بطريقة ما ولم يفد من التغيير المنتظر، ثم طواه النسيان. المستقبل والتاريخ هو الذي سوف يحدد قيمة هذه المواقف المختلفة والمتباينة وليس أنا من له الحق بإصدار الأحكام على هذه الحالة الملتبسة والمعقدة. وبالتالي هؤلاء الأشخاص الذين عرضوا خدماتهم من منطلق سياسي مبدئي أو من منطلق نفعي لمن لا يمتلك مثل هذه الخلفية السياسية، هم أشخاص راشدون، وفيهم من المبدعين المعروفين على الساحة العراقية فضلا عن السياسيين المعروفين بمختلف أنواعهم.هم من يستطيع وضع التبريرات والتوضيحات لمواقفهم تلك، وقد فعل البعض منهم مثل تلك المواقف، وسيفعل آخرون مثل هذه المواقف لاحقا. هم المعنيون بهذا الأمر وليس أنا.

زرت وطني العراق للمرة الأولى بعد التغيير لكي أكسر طوق عزلة ودائرة عذاب مغلقة جاوزت الربع قرن، لكي أرى أمي الحبيبة وما تبقى لي من أهل. فعلت ذلك بشكل فردي ومجرد كأي مواطن عادي يركب حافلة من حي السيدة زينب في الشام إلى بغداد ومن هناك إلى الديوانية المطمورة بركام الخراب والنسيان. لقد كتبت عن هذا الأمر عدة ريبورتاجات مطولة نشرتها في الصحافة العراقية والمواقع الالكترونية المختلفة، واشتغل منذ مدة على عمل روائي يتناول هذه التجربة تحت عنوان أولي هو :"في طريق العودة إلى الرحم".

س 15 ) تقول في إحدى قصصك "لدي ربع قرن خدمة في المنفى"، وهناك من أمضوا - مقابل ذلك - خدمة ربع قرن في الحروب والحصارات في الداخل، كيف توازن بين "خدمة" الداخل و "خدمة" الخارج؟ ومن أي زاوية تنظر إلى معضلة تقسيم المثقفين العراقيين إلى مثقفي داخل ومثقفي خارج؟

ج:

أجبت في معرض السؤال السابق عن مستويات العذاب والألم؛ وقلت أن الأمر غير قابل للمزايدات ولا يخضع لمبدأ الأفضلية. الجميع ذاق مرارة الألم ولسعات العذاب ونال نصيبه كفرد وكحزب وكجندي وكمبدع في الداخل وفي الخارج. فالنظام الدكتاتوري البشع قاد العراق والعراقيين نحو الهاوية التي ينزلق فيها العراق والعراقيين حتى الآن. وتقاسمنا حصص العذاب كل حسب موقعه وحسب دوره قتلا وتصفية وتعذيبا وسجنا وكفاحا مسلحا ونفيا وملاحقة وقمعا وتكميما للأفواه وقطعا للألسنة والآذان وجدعا للأنوف وتسميما واغتيالا في المنافي. هذه هي معالم الأنظمة الدكتاتورية التي يعرفها التاريخ البشري على مر العصور، بغض النظر إذا كان الدكتاتور هو نيرون أو ستالين أو فرانكو أو هتلر أو موسوليني أو صدام حسين. لا مزايدة في مستوى الألم ومقدار العذاب. يوم واحد على جبهات القتال يعادل عاما في المنفى، ويوم واحد من الذل في المنفى يعادل شرف السجن عشرات الأعوام في أقبية الأمن والمخابرات والسجون السرية في الوطن. بالتالي لماذا حدث ذلك؟ هذا هو السؤال المهم. لماذا تحتم علينا تقديم هذه "الخدمات" المذلة والقاتلة التي تخلو من أي بعد إنساني أو أخلاقي؟ وهل سوف نتنافس بيننا على مستويات الألم والعذاب ونغفل العلة والسبب؟ إذا أردنا المضي بحياتنا المتبقية نحو مشارف الأمل والحرية والعيش الكريم كباقي الشعوب المتحضرة، آخذين بأيدي أطفالنا وأجيالنا القادمة إلى طريق الأمل الصحيح، علينا طوي صفحات الماضي السوداء والإفادة منها بعدم تكرارها من قبل أي شخص ومن قبل أي جهة تنوي أعادة عجلة التاريخ للوراء.

أدب الداخل وأدب الخارج، موضوع، أو مقولة، أو مصطلح طُرح على الساحة الثقافية العراقية بعد التغيير وليس قبله، وهذه مفارقة تدلنا على الحيف الكبير الذي لحق بالأدباء والمبدعين العراقيين في الخارج، وهم شريحة كبيرة وواسعة ومهمة ممن وجدوا أنفسهم في المنافي المذلة وعانوا شظف العيش، لأن النظام السابق والمطبلين والمزمرين له من الأدباء في الداخل لم يعترفوا بوجود ظاهرة ثقافية عراقية كبيرة خارج العراق. كان العراق بمؤسساته الثقافية وبصحفه الداخلية البائسة والخارجية المأجورة، وكتبه ومجلاته وإعلامه المسموع والمنظور ومؤتمراته الثقافية ومرابده هو لهم وحدهم. فجأة، وبعد التغيير السياسي الكبير، ظهر هذا المصطلح الذي يُراد من خلاله التمييز بين أبناء الوطن الواحد تحت اعتبارات مشبوهة من شأنها أن تدخل الجميع في نفق مظلم جديد.

 شخصيا لا أميل إلى التعاطي مع هذا المصطلح التفريقي غير الدقيق؛ وأعتبر أن جسم الثقافة العراقية هو جسم واحد كون أن الوجع العراقي هو عنصر واحد. وقد كتبت هذا الموقف في ورقة قدمتها في المهرجان الرابع الذي تنظمه مؤسسة المدى في أربيل عام 2006 ونشرت هذه الورقة في عدة صحف عراقية والكثير من المواقع على الويب. لكن عند الرغبة بفحص هذا الواقع الثقافي والأدبي المتشرذم على الصعيد الإبداعي فهذا أمر مختلف تماما. وأنا من أكثر المتحمسين للمقارنة بين ما يُنتج من إبداع في ظل نظام دكتاتوري مباشر في الداخل، وبين ما يُنتج من إبداع تحت هامش من الحريات التي يوفرها المنفى بعيدا عن آلة البطش وأدوات القمع والرقابة الصارمة التي تعرّض لها أدباء الداخل.

 

س 16 ) "يتمتع الرجال مهما كبروا، وكبرت حكمتهم في الحياة بميزة فريدة: العودة المباغتة إلى المراهقة. تحدث هذه العودة بسهولة تامة وفي أي لحظة. الرجال أطفال مجانين. قليل منهم يتمتع بالحكمة الحقيقية. لا يقطع لسانهم ومفاخرتهم الفارغة وبطولاتهم الزائفة سوى سيف الموت الباتر" .. هذا ما تقوله في رواية "جيسيكا؛ جمر عراقي على ثلج سويدي"، لكنك لم تصحُ في الرواية حتى مع صدمة رؤية بقع الدم على حذائك بعد حصول الجريمة!! .. هل هذه رسالة في أن الإنسان المنفي لا يصحو إلا بعد فوات الأوان، أو على حافته تقريبا؟؟؟

ج:

  هذا المقطع المختار من الرواية يتعلق بجميع الرجال في العالم وليس مقتصرا على الرجال في المنفى؛ إنه رصد لرغبة الرجل الدائمة لأن يكون فاعلا جنسيا حتى وهو يقطع أشواطا طويلة من العمر. بهذا المعنى هناك بعض الرجال لا يستحون ولا يحترمون أعمارهم الحقيقية. وتلك معضلة نفسية عامة ولا تقتصر على الرجال في المنفى أو في أوطانهم، وإنما تنطبق على جميع الرجال في أنحاء العالم. فليس من السهل على الرجل إعلان عجزه الجنسي أمام الآخرين. هذا يشبه الإعلان عن موته المعنوي. ربط هذا المقطع بحادثة حدثت في الرواية للبطل الرئيس في العمل ليس لها دلالة فلسفية محددة. عمر البطل في الرواية لم يبلغ عتيا. هو رجل حيوي في الأربعينات من العمر وأمامه مشوار جنسي حافل فيما إذا أختار تنفيذ مثل تلك المتطلبات الجنسية وإشباع الحاجة الغريزية الطبيعية. لا يتعلق هذا الأمر بـ "الصحوة" المتأخرة لدى الرجال في المنفى. الرجل المنفي في الغالب كائن حساس إلى أبعد الحدود، وهو مختل نفسيا بطريقة ما، وصاحي إلى أبعد الحدود كونه يعيش حالة ترقب دائمة كحارس ليلي في منطقة خطرة وليس لديه سلاح فعّال. درجة الانتباه تأخذ زاوية حادة عند المثقف المنفي؛ لذلك هو كائن صاحي على الدوام ومتابع جيد لمعظم الأحداث التي تقع في وطنه، فضلا عن الأحداث التي تقع في محيطه الجديد والغريب.

س 17 ) من "جيسيكا" أو "جمر عراقي على ثلج سويدي" أيضا، وبعد أن قرأت قولك: "لكم أبدو مندهشا وضعيفا كنملة سوداء في حشر جيش من النمل يسحقه قدم فيل .. لا أفغر فاهي عندما يجتاحني الشعور الحقيقي بالنهاية المفزعة .. كما أني لو مت أمس أو متّ غدا .. أو سأموت عند هذه الكلمة فقط .. الذين أعرفهم انتحروا ورحلوا، إذ يقول القانون الطبيعي: العذاب للأقوى .. عفوا البقاء للأقوى .. لكن قيمة البقاء تكمن في قيمة العذاب .. البقاء = العذاب .. هل تريد إقناعنا أن الإبداع ممكن أن يخفّف - كطريق علاجية - من قيمة العذاب تلك؟

ج:

جوابي هو نعم وبكل تأكيد؛ الإبداع بكل أشكاله وأنواعه من موسيقى وفن تشكيلي وآداب إنسانية من شعر ومسرح وقصة ورواية، هو أفضل طرق العلاج النفسي التي تعين البشر على تخطي محنتهم ومشاكلهم النفسية لكي يمارسوا الحياة من جديد كناس طبيعيين. هذا العلاج "الإبداعي" قديم قدم الإنسان. فكانت طرق السحر والشعوذة، وهي أساليب بدائية من خلق البشر تحاول تصحيح المسار النفسي لبعض المرضى النفسانيين من البشر. حتى هذه الأيام تُمارس مثل تلك الطقوس في أصقاع المعمورة، بغض النظر عن حالة التقدم والتأخر العلمي والتقني التي بلغها العالم المتحضر. وهناك مرضى من أوروبا يقصدون بعض القرى القصية في الصين وفي أفريقيا للعلاج على أيدي أشخاص مشعوذين يتمتعون بطاقات إبداعية تتداخل فيها عناصر الموسيقى والكلمات السحرية وغيرها من العناصر المرافقة كالألوان والطقوس الممسرحة الخاصة. المريض يبحث عن العلاج حتى لو كان في المريخ. وهذه غريزة بشرية محمودة تمّيز الإنسان عن الحيوان.

أذكر من التراث العربي أن أبا من الأثرياء ينازع ولده سكرات الموت، فأحضر الطبيب والموسيقي الفارابي، فعزف على آلة العود فاستفاق الصبي وصحا لدقائق وبدا كما لو أنه لم يمرض. وبعد توقف العزف مات الصبي. فقال الفارابي: "تلك هي جذوة الروح الباقية في الجسد". والناس تقرأ آيات من كتاب الله العزيز ترتيلا بالقرب من المرضى، وللتخفيف عن الأحزان والكآبة في نفوس الآخرين عند موت أحد مقربيهم أو عزيز لهم. وتلك العملية هي في الأخير موسيقى وألحان ونصوص مقدسة. النصوص الإبداعية لها المقدرة الكبيرة والعجيبة على التأثير في النفوس البشرية. وإذا كنت قد اخترعتُ تلك المعادلة المعدّلة من القانون الطبيعي لداروين الذي قال "البقاء للأقوى" فالقوي هو الذي يتحمل القدر الأكبر من العذاب، وإلا ليس من الممكن أطلاق هذا الصفة عليه، صفة القوة. والقوة تأتي من الخلق والإبداع والنصوص والمدونات الفلسفية والأدبية والقانونية.

علم النفس الحديث يقوم بالدرجة الأساس على الكلام والإفصاح والمقدرة على التعبير؛ ويقوم على تحليل النصوص المكتوبة منذ بواكير الدراسات النفسية للمسرحيات الخالدة لشكسبير والتراث الإنساني المكتوب لكي يتوصل إلى حل المشكلات النفسية التي يعانيها البعض من الأفراد المرضى. الكتابة بشكل عام هي نوع من أنواع العلاج النفسي؛ حتى كتابة الرسائل ومواد الخواطر والقصائد البسيطة والقصص الساذجة. الإنسان كائن صعب المراس، وهو يميل إلى صنع الحلول عند الضرورة أكثر من ميله نحو النكوص والانزواء. الأعمال الأدبية تمثل في جوهرها حالة من التعويض حسب نظرية الفيلسوف الألماني "إدلر". والنص الإبداعي، مهما بلغت درجة قيمته الإبداعية صعودا أو هبوطا، هو عبارة عن مادة فكرية وذهنية تشبه الطعام الروحي والنفسي أو الأدوية الكيميائية التي يمكن لها تعويض الخسائر الروحية التي ألمت بشخصيات العمل لكي يتم تجاوزها من قبل الأشخاص الذين لم يتعرضوا لمثل تلك المطبات الخطيرة في الحياة. عندما تّطلع من خلال القراءة على حالات مدمرة فأنت لا تفضل الوقوع بمثلها. هنا يمكن الحكم على الفرد كونه مثقفا ويستطيع تجاوز الكثير من المشاكل الحياتية نتيجة ثقافته. الفرد غير المثقف يسقط بسهولة في المعاناة النفسية لفراغ خزينته الفكرية والذهنية من التجارب الأدبية التي مر بمثلها السابقون.

أما عملية الكتابة ذاتها؛ عملية الخلق والإبداع، فهي من دون ريب توفر طاقة فريدة لتجاوز السقوط في ظلمات الكآبة النفسية. الفرد المبدع يتجاوز المصير السهل.  قيل في لغة العرب: "مَن يزداد معرفة يزداد ألما". الإحساس بالألم هو المؤشر الجيد للخلاص منه. فما قيمة الحواس والجملة العصبية إذا لم تنبهك عن المرض قبل فوات الأوان؟ تستطيع القول إن صحة المجتمع العامة تقاس بنسبة ثقافته الأدبية والإبداعية ومستوى وعي أفراده في حقول الثقافة بجميع أشكالها وأنواعها. حتى الطب بجميع صنوفه هو حالة من الإبداع الأدبي والفلسفي والعلمي. تبقى الكتابة، لمن يقدر على ممارستها أفضل علاج للأمراض النفسية المزمنة. هذه ليست أحكام إطلاقية ونهائية؛ بل هي أحكام تخضع في مقدار صحتها للمبدأ النسبي.

  س 18 ) من أهم علماء النفس الذين تخصصوا بأمراض الهجرة والمنافي قوله "المنفيون هم رفاق الزورق الواحد"، المهدد بالغرق طبعا .. هل شعرت بمصداقية هذه المقولة .. أم كان المنفيون العراقيون يأكل بعضهم بعضا؟؟ كيف استثمرت هذه الحالة الصراعية إبداعيا؟

ج:

كتبتُ هذا العنوان بالتحديد في الصحافة السويدية عندما عملت فيها فترة من الزمن؛ وبالتحديد كتبت هذا العنوان للمقال: "نحن في زورق واحد". ولم أكن قد قرأت أو أطلعت على مقولة عالم النفس الذي لم تذكر أسمه. المنفيون الغرباء هم حقا في قارب واحد بنظر المجتمع المضيف. عندما تقارن شكلنا بشكل السويديين أهل البلاد الأصليين فأننا نبدو متشابهين إلى أبعد الحدود من ناحية الشكل. ومن الصعب عليهم تمييز أحدنا عن الآخر. وهذه معضلة كبيرة نعاني منها بشكل واقعي. وهم بالتالي، كأفراد وكمؤسسات يجنحون لاعتبارنا "حالة متشابهة". عند رجوعهم لأصولنا وبلداننا الأصلية. فالعراقي له ذات الخلفيات الاجتماعية العامة الموروثة من وطنه، بغض النظر عن الدين والقومية. والصيني له ذات السمات والأصول الثقافية التي تتبع جذوره الأولى، وهكذا دواليك. من الناحية العلمية العامة هذا الحكم الصادر من المؤسسات الاجتماعية الرسمية والطبية يتمتع بقدر كبير من الصحة والحقيقة. فهنالك أمراض يتميز بها اللاجئون الصينيون، وهنالك عادات يتميز بها الشرق أوسطيون، وقس على هذا المنوال. لكن عند الفحص والتدقيق لا يشبه صيني أي صيني آخر، كما لا يشبه عراقي أي عراقي آخر، كما لا يمكن أن تتطابق بصمات الإبهام بين شخص وآخر. لا يتشابه الأفراد في الوعي والمستوى العلمي وغير ذلك من التفاصيل. لكن لا يقدم طبيب صيني أو مثقف عراقي على ارتكاب عمليات السطو والنشل والعراك في الشوارع في حالة من السكر والعربدة. في الوقت ذاته يمكن لأي لاجئ صيني أو عراقي أن يرتكب مثل هذه الحماقات كونهم أفرادا عاديين. نظرة المجتمع والصحافة الحرة بشكل عام ستقول في اليوم التالي: لاجئ من أصل شرق أوسطي أرتكب عملية سطو، أو قام بعملية اغتصاب فتاة قاصر، أو قام بتعذيب زوجته أو ابنته. هنا نختلط جميعا بهذه الأحكام وهذه المفاهيم في نظر العامة والجمهور الهلامي. لذا نعاني الكثير جراء هذه التصرفات والسلوكيات الشاذة التي يرتكبها بعض الحمقى. لكن بوجود القانون والعدالة يتم حسم الأمور ونيل الجزاء لمن يرتكب هذه الجرائم والجنح كما يمكن أن يرتكبها أي مواطن سويدي.

من الطبيعي جدا في مجتمعات المنفى أن تبرز للعيان ظواهر الحسد والتنافس المشروع وغير المشروع بين أبناء الجالية الواحدة. ولأن الحالة مكثفة، بل وشديدة التكثيف خارج الوطن، فإن الأحقاد تنمو بشكل سرطاني بين المنفيين. في ربوع الوطن تضيع مثل هذه المقاييس تبعا لمكانة الأفراد العلمية والاجتماعية والاقتصادية وصلة القربى، لكن في المنفى تتضخم هذه الحالة إلى حدود قصوى ومن دون مبررات لذلك سوى الغيرة والحسد، ذلك عندما يتساوى جميع المنفيين في منزلة واحدة خصوصا في البدايات عندما تجمعهم معسكرات اللجوء. لا يبقى للطبيب أو الأديب من منزلة في نظر الحمال وعامل التنظيف طالما هو يتمتع بوضع اقتصادي ربما يفوق مستوى دخل الأديب أو الطبيب الذي لم يحصل على الفرصة المناسبة للعمل.

استطعت رصد مثل تلك الحالات في أعمالي الأدبية وقدمت مشاهد ساخرة ومبكية عن تلك الظواهر الجديدة والغريبة التي تحدث للمهاجرين والمنفيين. تم الثناء على أعمالي الأدبية التي تناولت هذه الظواهر الاجتماعية في عالم المنفيين من قبل نقاد سويديين طالب البعض منهم بترجمة أعمالي الأدبية ونشرها في المدارس والمعاهد والمؤسسات المختصة من دوائر الشرطة واللجان الاجتماعية المشرفة على سلوك اللاجئين. أعمالي على مقربة من الترجمة في سبيل خدمة المجتمع السويدي وفي خدمة المنفيين الذين يستطيعون تجاوز مشاكلهم إذا ما تمتعوا وتسلحوا بقليل من الحكمة والمعرفة التي توفرها لهم تجارب الآخرين عبر عملية الكتابة والإبداع التي تقدم لهم الحلول وكشف تجارب الآخرين ممن مروا بمثل هذه العذابات. لا يتطلب الأمر سوى الذهاب للمكتبات العامة واقتناء مثل تلك الكتب التي تعالج مشاكلهم السهلة أو الصعبة.

س 19 ) تقول أيضا: "أجثو على الطريق الغريبة تحت ظل لهذه السماء الفسيحة. بنات نعش يقدن خطوتي من سطح بيتنا في "الديوانية" بالعراق إلى تخوم بعيدة أجهلها تقع شمال كرة الأرض.. بالقرب من عرش الرب.. الأحلام القديمة كانت تواسيني، غابت تلك الأحلام، نسيتها ونسيتني، تركت الأحلام موقعها في كياني وأعماق روحي، أفرغته للكوابيس، هكذا أهدي للعام الجديد متاهتي الجديدة.. وفي كل يوم يصبح شرب استكان الشاي في مقهى رث في بغداد أشبه بالمستحيل.. ومشاهدة قبور أجداد أمي العلوية "زهرة" الموسوية؛ الشهداء العظماء.. الحسين بن علي والعباس أبو رأس الحار.. وضريح أبيهم الجليل.. خليفة الله على الأرض الزاهد العظيم علي بن أبي طالب.. هل صار كل هذا من المحال؟ .... )

    تقول أنت معلقا على ذلك: لم أكن أفكر بمثل هذه الأفكار عندما قدمتُ إلى هذه البلاد قبل خمسة عشر عاماً. كان يكفيني ظل شجرة في شارع قرب معسكر اللاجئين؛ أو ضياء القناديل الجميلة المنتشرة في شوارع المعسكر عند المساء. كنت أشعر بالفرح حين يهطل الثلج مبكرا أيام الشتاء الأولى. أما الآن فأنا أكره الثلج؛ واسخر من الأفلام التي تزيف أيام أعياد الميلاد في الكون، وتربطها بسقوط الثلوج في دلالة على اكتمال فرحة العيد. كل هذا كذب. الإنسان يحب أن يكذب على الدوام؛ بل إن أفضل وسيلة تساعده على المضي في هذه الحياة هو الكذب. لا توجد حياة بدون كذب، وكل مَنْ يقول لك عكس ذلك قلْ له: أنتَ كّذاب. ذلكم بالضبط نوع من أنواع "خداع النفس" من أجل العيش كيفما أتفق. يمارسه الإنسان مع نفسه، أو مع الآخرين، لا فرق، كي يصبح معنى العيش مقبولا. أقول ذلك من كثرة ما امتلكت من حكمة في الحياة؛ بالأحرى من كثرة ما تعرضتُ فيه للكذب والغش والخداع في الحياة. ومع ذلك يبدو الكذب جميلاً ، والحياة ذاتها تبدو جميلة كذلك. فماذا بوسع امرأة فقيرة ضائعة مجبرة على ممارسة البغاء، لأنه المهنة الوحيدة المتوفرة لها، غير أن تقول لرجل أحبته بصدق: "أقسم بكل المقدسات أنني مخلصة لكَ"؟
على هذا المنوال يحدّث "معروف البصري" نفسه أكثر مما يتحدث مع أي إنسان آخر عندما يباشر مونولوجه .. دعني أتساءل: هذا القدر من المحلية هل سيتيح لك الوصول إلى العالمية ناهيك عن العربية؟ وهل هو وصول يسير دون ترجمة ودون تنازلات؟ ما الذي قمت به من فعل لترجمة أعمالك وتحقيق الانتشار المطلوب؟ هل فكرت بتقديم أعمالك لجوائز هامة كجائزة سلطان العويس مثلا؟؟

ج:

الفرد المنفي هو كائن حالم بطبيعته الغريزية؛ لا يترك الإنسان موطنه الأول إلا تحت ضغوطات معينة. سياسية أو اقتصادية أو نفسية. لكنه يظل على الدوام، ومهما تنوعت الأسباب يحلم بالمكان الأول والسماء الأولى والسرير الأول والحضن الأول والماء الأول. الأمر الغريب جدا لا تشمل هذه الغريزة جيل الرواد الأوائل من المنفيين فقط، بل تلاحق جيلهم الثاني والثالث أحيانا. تلك ما يمكن أن تفعله الجذور القوية للبشر. البشر،سلوكيا، مكون من مواد معقدة أغلبها ذهنية ونفسية، يضاف لها العامل الجسدي والعنصر الروحي. البشر يشبه النبات عندما تقطعه من الجذور، لكنه يقاوم العوامل الطبيعية أكثر مما يمكن أن يفعله النبات، لأن النبات يفتقد للمخيلة ربما. وكذلك القياس على الحيوان. البشر يستطيع العيش قسريا مع بقية البشر من غير جنسه، لكن الحيوان لا يستطيع فعل ذلك إلا عندما يُرغم على العيش في حدائق الحيوانات. للبشر مخيلة وأدوات عقلية تجعله يعيش على أية بقعة من بقع الأرض. لكن الأمر لا يخلو من التضحيات الجسيمة على الإطلاق.

تعرف جيدا، وأنت الناقد المحترف، والمثقف واسع الإطلاع، أن عالمية الأديب تنبع بالدرجة الأولى من قيمته المحلية ومقدار تعبيره عن عصره وعصر مجتمعه لكي يجسد نموذجا إنسانيا يتطابق، بل ويعبّر عن معاناة الإنسان في كل مكان. التاريخ الأدبي حافلٌ بنماذج كثيرة غُبنت في حياتها ولحق بها الفقر والعوز والتجاهل الكامل من قبل المجتمع والدوائر المعنية. لكن نتاجهم الأدبي الرفيع المستوى تفوق على جميع العناصر المتخلفة والأحكام الجاهلة وأنتصر في نهاية المطاف. وبوسعي سوق عشرات الأمثلة على ذلك وأنت تعرف منها الكثير. الطموح مشروع لأي كاتب جاد أن يطمح للعالمية؛ أشعر نفسي قريبا من هذه الحدود من دون مبالغة. نتيجة التقييم الذي خضعت له أعمالي الأدبية في الخارج. لكن هويتي المحلية باهتة إلى حدٍ ما مما يجعل بعض القراء والنقاد لا يميزون بيني وبين أي كاتب يحمل الهوية الانكليزية أو الفرنسية أو الأمريكية. كتب أحد النقاد السويديين عن بعض نصوصي الروائية والقصصية هذه العبارة: "هذا كاتب عالمي، يمكن لأي قارئ عدم تميزه عن أي كاتب انكليزي أو سويدي". أقول ذلك بكل تواضع وخجل وعندي الوثيقة الرسمية التي تثبت هذا الكلام بالتاريخ والرقم المقدم لوزارة الثقافة السويدية عندما تقدمت لنيل عضوية إتحاد الكتاب السويديين. وطالب هذا الناقد والمقّيم بترجمة أعمالي للسويدية. لذا أقول إنني اشعر بأنني على مقربة من نيل حقي وحق أعمالي الأدبية التي لاقت عدم الاهتمام عراقيا ردحا كافيا من الزمان، وهذا ناتج عن تقصير شخصي يتلخص بعدم بذلي الجهود اللازمة لإيصال أعمالي إلى العراق على مدى ربع قرن. لكن كن على ثقة أنني لست مستاءً كثيرا من هذا الوضع الذي أنا فيه. أركن للحقيقة وأؤمن بها. الأعمال الأدبية الجيدة تأخذ مجراها الطبيعي في الحياة شئتُ ذلك أم أبيت. شاء الآخرون أم أبوا. عدا ذلك فلتذهب أعمالي للجحيم.

التقدم للترشيح لنيل الجوائز الأدبية العربية والعالمية لا يتم بطرق فردية أو شخصية؛ وإنما يتم عبر ترشيح دور نشر ومؤسسات ثقافية تعني بها الدول المتحضرة التي ترعى أدباءها ومنتجي المعرفة فيها. ليست لي دولة تطالب بمثل هذا الأمر، ولا أمتلك مؤسسات ثقافية ترعاني في السويد وأنا أكتب بلغتي العربية. وبالتالي تقع المهمة على دور النشر التي طبعت كتبي. دار المدى رشحت روايتي "أقمار عراقية في السويد" لمنظمة اليونسكو كأفضل عمل لمهاجر عربي في أوروبا، كما أخبرني المدير العام للدار آنذاك الأستاذ الشاعر بندر عبد الحميد. لكنه أخبرني بعد حين أنه لم يقدم الرواية المذكورة لعدم قناعته بجدوى مشروع اليونسكو. كنت أنتظر مثل هذه الفرصة الذهبية بشغف، لكنني لا أستطيع التدخل بعمل الآخرين بشكل سافر.

    س 20 ) أتوقف الآن عند جزئية فنية تتعلق بالأسماء.. أسماء الشخصيات التي أقرأها في قصصك ورواياتك.. أسماء أشعر أنها حقيقية.. هل شعوري هذا صحيح، أم أنه مجرد تخمين نفسي مُسقط من قبلي؟

ج:

تشخيصك الذكي يقترب من الواقع كثيرا؛ أستطيع لصق أسماء وهمية كثيرة بشخصيات العمل والأبطال في القصص والروايات التي أكتبها؛ بيد أن الأسماء الحقيقية تظل تدور في ذهني حين انهمك بأطوار الكتابة وملاحقة تطور تلك الشخصيات الواقعية. فيراودني شعور بالبعد عن الحقيقة عندما تكون الأسماء التي أستخدمها ليست هي الأسماء الحقيقية. فأعمل على خلق وتوليف أسماء تقرب للأسماء الحقيقية. بحيث كل واحد يعرف اسمه جيدا لكنه لا يستطيع الجهر بذلك، ومن ثم لا يستطيع محاكمتي في القضاء كوني أعنيه هو بالذات. في الوقت نفسه أترك له الفرصة بتصحيح أخطائه وحرية التنصل من كونه هو الشخص المعني بالرغم من تقارب الأسماء. الناس تعرف ذلك جيدا، وها أنت عرفت ذلك بنظرتك النقدية الفاحصة وحس قراءتك المرهف. الاسم عبارة عن العنوان العام الأول للشخص، أيا كان هذا الشخص. لذلك يقول النحاة "اسم علم". فالاسم علم بغض النظر عن حامله. فتجد من أسمه "صادق" هو من عتاة الكذابين. ومن أسمه "كريم" هو من أعتى البخلاء. ومن أسمه جميل وهو لا يمت للجمال بصلة لا من قريب ولا من بعيد. لذا أعتني جيدا بالأسماء الحقيقية ومقارباتها لكي أصل بالنص إلى درجة معقولة من الواقعية والسخرية والتهكم الذي يبتغي الوصول إلى بلورة صورة واضحة للقارئ عن جوهر تلك الشخصيات.

 س21 ) صدّقني "علي"، لقد شهقت، بعد أن قرأت هذا المقطع من روايتك (أزمان للمنافي) - خصوصا حين أشاركك كقارئ محنة المنفى - حيث تقول:

( .. وعلى الرغم من المعارف الجديدة التي قد يحصل عليها الإنسان من تجارب المنفى المؤلمة ومطبات دروبه الوعرة، يظل يجسد حالة من الاختلال العاطفي الدائم. حكمته الوحيدة في هذه الحياة غير المتوازنة هي: الاختلال المنظّم، إذا وُفقت في ابتكار هذا المفهوم العجيب. ينضج الناس بصورة طبيعية كما الفاكهة التي تنضج بأرضها وتحت شمسها، إلا الإنسان المنفي، فهو يبقى مرّاً لاذع الطعم كحنظل البراري) .. كم ينسرب من ذاتك كمنفي في نسيج إبداعك؟ وهل هذا من دلائل نقض أطروحة "موت المؤلف" البنيوية؟

ج:

أنت يا دكتور حسين سرمك تتمتع، بالإضافة إلى إحساسك النقدي العلمي المؤسس على أصول التحليل النفسي، تتمتع برهافة الشعور الأدبي الذي هو خصلة جميلة من خصالك الأصيلة والجميلة. دعنا نجامل بعضنا بالحق. المنفى موجع يا أبو علي، أكثر وجعا مما تتصور. أنت تعيش الآن تجربة المنفى في دولة عربية. لكن الأمر مختلف تماما عندما تعيش هذه التجربة في المنافي البعيدة. تلك التي لا تتقن لغتها ولا تعرف طبيعة ناسها، في الوقت الذي يتحتم عليك العمل فيها كأجير وليس كعابر سبيل. لم أشعر بذاتي الحقيقية سوى كمنفي عن بلدي الأول. طالما حاولت التأقلم بالمحيط الجديد، وكم من محيط مررت فيه من المغرب العربي وصولا إلى الغرب. لم أستطع التأقلم الحقيقي على الرغم من أنني عملت ودرست وعشت بما يناسب تلك المجتمعات المختلفة. عملت في المغرب أستاذا في مركز تكوين المعلمين في مدينة "تطوان" الشهيرة. وقبلها عملت في الصحافة ردحا طويلا في دمشق في صحافة المقاومة الفلسطينية. وفي السويد عملت في التعليم ودرست الصحافة على نفقتي الخاصة، وعملت في المجال الصحفي السويدي، ومن ثم حصلت على وظيفة لائقة في المكتبة العامة التابعة للبلدية التي أقطن فيها. كل هذه الأعمال والتجارب لم تسد الفراغ الحقيقي الذي كنت أشعر به كإنسان غريب. ذلك الفراغ الروحي الذي لا تردمه الأموال ولا النجاحات الطارئة. كيف لا ينعكس كل هذا العذاب في كتاباتي وفي وجدان شخصياتي القصصية والروائية؟ فوق كل ذلك أجدني أدمنت المنفى كما يدمن الشخص على المخدرات. فلست قادرا على العيش في وطني المؤمل الذي وجدته كومة من الزبائل والخراب الدامي بعد ما ينيف على الثلاثة عقود من الزمن ومن النفي؟ ربما نعيت نفسي في الكثير من الأعمال التي كتبتها لكنني كنت على الدوام أحتفظ بقوة الأمل والقدرة على الإيمان بالمستقبل. صدقني، وبكل بساطة لو كنت أقتني مسدسا لكنت انتحرت من زمان. هكذا أظن، وهو شعور راودني فترات من الزمن على كل حال، كما تراود فكرة الانتحار بعض الأفراد عند بلوغهم مرتبة اليأس والقنوط. لكن عدم توفر مثل هذه الآلة الخطيرة بحوزتي جعلني أنظر للمستقبل نظرة جديدة وجدية أخرى. أنا على يقين الآن أن المستقبل أفضل من الماضي فيما يتعلق بالتجربة العراقية الشاقة والمأساوية.

   س22 ) أرجو أن تجيبني بصراحة الآن: هل تشعر أنك مظلوم نقديا؟؟ وهل لك دور في هذا الظلم الواقع على منجزك الإبداعي؟؟ هل نستطيع إعلان تقصير النقاد العراقيين بحقك بصورة صارخة ومؤثرة؟

ج:

أشكرك على هذا السؤال المنطقي الذي تحفّ به عاطفة نبيلة؛ المفارقة العجيبة تكمن في أني لم أوفق تماما بإيصال منجزي الأدبي للنقاد العرب أو العراقيين، وما وصل من كتبي إليك بكل خجل وحياء جاء عن طريق صديق عابر بيني وبينك شاءت الصدف التي أؤمن بها كحتمية عندما يتعلق الأمر بالحقائق وليس كما يلعب الناس لعبة اللوتو والمراهنات الخاسرة. لم اسع لإيصال كتبي إلى النقاد، بل حتى إلى الصحف لمجرد الإعلان. تطوع بعض الصحفيين الشرفاء بالكتابة عن بعض رواياتي ومجموعاتي القصصية، وكتبوا ما يليق بها. أشعر بالتقصير في هذا المجال لكنني بالوقت نفسه لا أضع اللوم على أحد. أنت أول ناقد جاد يقرأ منجزي الأدبي وقد رحبت به أجمل الترحيب. ربما أكتفي بهذا القدر الواقعي الصادق من التحليل الجاد والعميق لأعمالي. ماذا أبغي أكثر من ذلك. هل ستكون سعيدا وأنت تراني أملأ شاشات التلفزة وتدبج عني المقالات في الصحف؟ أتنمى أن يحدث ذلك الأمر الذي أستحقه عن جدارة، لكنني عاجز عن صناعته. بل وأحتقر تدخلي بهذا الشأن الذي أظن أنه يعود للمهتمين الجادين بمتابعة ما يكتب عربيا وعراقيا وعالميا. تحفل الصحف العراقية بمتابعات نقدية وقراءات لروايات وكتب أجنبية مترجمة من لغات أخرى. لماذا لا يُبذل مثل هذا الجهد لمتابعة الجهد الإبداعي لمثقفين عراقيين يعيشون في المنفى؟

الأمر ملقى على عاتق المؤسسات الثقافية العراقية؛ هل تعتقد أن الدولة العراقية الجديدة آهلة لإنجاز مثل هذه المهام الكبيرة؟ وزارة الثقافة العراقية ليست لديها آليات ولا توجهات ولا برامج لمتابعة أعمال الأدباء لا في الداخل ولا في الخارج. وزارة ورثت جميع مساوئ النظام الدكتاتوري السابق. وبدل الرقابة التي كان يفرضها النظام الحديدي السابق تحولت الوزارة إلى حسينيات للطم والبكاء على الشهيد الأمام الحسين. واستطالت اللحى كبديل عن الزي الزيتوني وحملة المسدسات من المثقفين الرخيصين. وحافظ اتحاد الأدباء العراقيين على هيئته الإدارية الهامشية والمهمشة في عهد الدكتاتورية حتى العهد الجديد الذي ليس لديه الوقت ولا الرغبة الجادة بالنظر إلى تلك المرافق الهامة في حياة كل مجتمع وكل دولة حضارية.

 س 23 ) كلما تعمقت في قراءة وتحليل رواياتك شعرت أن ثمة "فلسفة" عميقة تقف وراء منجزك الإبداعي.. هناك عشرات الشواهد.. دعني أقدم للقاريء شاهدا بسيطا. في قصتك أو روايتك القصيرة - وهذا الالتباس من بين أخطائك الفنية - (إذا أردت أن تصبح سياسيا في السويد، أبحث عن جميل كمّون) تقول متذمرا من لعنة الثقافة والقراءة، لعنة تشملنا نحن المتشدقين بالنقد والإبداع:

(العيش بشرف كدب قطبي ينام ثلاثة شهور، ويصحو نصف نهار لتناول سمكة سلمون، خير من كل ما يفعله الإنسان، من غسل الصحون إلى اختراع آخر نظريات الاستنساخ المخيفة، وتطوير أسلحة الدمار الحضاري الشامل. لكن ماذا نفعل؟ الإنسان كائن سافل مع الأسف. يقول الفلاسفة إن الإنسان حيوان عاقل. ربما قال هذا الكلام أحد فلاسفة الإغريق في فجر التاريخ، وهو يتطلع إلى شكله البهي المنعكس على سطح ماء ساكن لبحيرة جميلة بين جبال الأوليمب. الأحرى، وفي مطلع القرن الواحد والعشرين يستطيعون أن يقولوا إن الإنسان "حيوان سافل").

أحلتنا إلى تعريف جديد للإنسان يُضاف إلى التعريفات الأرسطية - نسبة إلى أرسطو - مثل "حيوان اجتماعي" و"حيوان ناطق" و"حيوان سياسي"... إلخ. أتساءل أولا عن حدة إدراكك لأهمية هذه التأملات التي تؤسسها على شعار مقتضب كدرس وركيزة في إشادة معمار الرواية؟ ثم أسألك ثانيا عن كثرة هذه الفسح التأملية الرائعة، ومقدار ارتباطها بثقافة الكاتب الموسوعية؟وهل تؤكد هذه الانتباهات ما قلناه من أن القصة فن، والرواية علم، إذا جاز الوصف؟؟

ج:

أظن أننا عرجنا على الموضوع في ما سبق أو ما شابهه ربما؛ لكن السؤال ينطوي على بعض التفاصيل، خصوصا وقد أقرنته بمقاطع من أحد الأعمال. أعود للقول مجددا إن الرواية هي عبارة عن معمار هندسي يستند على العلم وعلى المعرفة بالدرجة الأولى، وأضيف إلى ذلك على التحصيل الأكاديمي للروائي صاحب العمل كتحصيل حاصل. الروايات الخالدة والباقية حتى الآن في ذهن النقاد والقراء الجيدين هي تلك الروايات التي قدمت معايير اجتماعية جديدة مستندة إلى استشراف الواقع القادم وعلى مقدار تقبل الذهن البشري للتجديد، بل مستندة إلى ذلك الطموح البشري المكبوت الذي يعتلج في ضمير الكاتب لبلوغ مرتبة الحرية العظيمة والإنعتاق من القيم الاجتماعية البالية. كان الحديث عن الأديان ونقدها ونقد رجالها يُعد من الجرائم التي تستحق الإعدام والشنق والحرق والتعذيب حتى الموت. لكن الكتاب كتبوا وأحرقوا هذه المسلمات وتلك المفاهيم السلطوية الجائرة بنار أقلامهم الجسورة المبدعة، فضلا عن تضحياتهم الجسدية ومعاناتهم جراء النفي والإقصاء. لكنهم انتصروا أخيرا، وفتحوا الأبواب مشرعة أمام مجتمعاتهم لكي تتقدم نحو المستقبل بثقة وخطى جريئة. الآن يقولون عن علي عبد العال إنه يكب في المحظور، وهو أديب فاحش، وربما ملحد. كل ذلك من أجل مقتضبات عن حياة جنسية فاشلة بين زوج وزوجته. الجرأة في طرح المشاكل الاجتماعية هي الفاتحة لخوض غمار الحرب على المعتقدات البالية التي يحرص على الحفاظ على قدسيتها المزيفة رجال الدين ورؤساء القبائل الحزبية المتخلفون، الذين يقضون معظم أوقاتهم بين أفخاذ الغانيات والراقصات لكنهم يقطعون رأس كل فتاة بجريرة ارتكابها لجريمة الحب. نحن نعيش في عالم متناقض يحل فيه للبعض فعل ما يشاء، ويُحرم على القطيع محاولة فهم الحياة بصورة واقعية.

الفن القصصي يحاول رصد اللقطات السريعة في خضم هذه الحياة المتناقضة والمتضاربة، بينما العمل الروائي يتناول مراحل متدرجة من الواقع عبر شخصيات تغطي شرائح واسعة من المجتمع في عصر وزمن يمر بتحولات جذرية وهو يتطور بغفلة من الوعي البشري. الرواية كما تقول هي علم يستند إلى معرفة الكاتب وسعة مداركه العلمية والثقافية، فضلا عن مداركه اللغوية وأساليبه الفنية المتطورة. الرواية الجيدة تشكل خطوة إلى الأمام في حياة كل مجتمع بشري حيوي.

   س24 ) هناك جانب مركزي في منجزك الإبداعي منذ مجموعة "العنكبوت" يتمثل في ما يمكن أن نسميه "عقدة الأدب السياسي"، فقد وقع كثيرون قبلك في فخ النبرة التعبوية والانحياز الأيديولوجي .. ما هي شروط كتابة الأدب السياسي الناجحة من وجهة نظرك؟

ج:

عندما أصدرت مجموعتي القصصية الأولى "المشي في الحلم" في بيروت عام 1987كتب عنها احد النقاد، وهو في الأصل قاص فلسطيني أحترم نتاجه الأدبي كثيرا وأسمه "حسن حميد" في جريدة تشرين السورية: "هذا قاص يتناول الأوضاع السياسية بعيدا عن الشعارات". لطالما أفرحني هذا التقييم الذكي والبسيط. اكتب أدبا تدخل فيه السياسة عبر شخوص ورموز خاضت تلك التجارب السياسية وليس كنقد مباشر لأيدلوجية محددة. أن أكتب عن شخصية شيوعية لا يعني ذلك أنني أروج للفكر الشيوعي أو للعقيدة الماركسية. كذلك الأمر عندما أتناول في الأعمال شخصية بعثية أو قومية، الأمر ينطبق على المسار الأول. ليس لي عقدة سياسية في الأدب، أكتب عن الإنسان وجوهره الحقيقي بغض النظر عن معتقده أو معتقدي السياسي. أدين الأفكار المتطرفة كلما سنحت لي الفرصة على لسان شخصياتي وعلى لساني المباشر. شروط كتابة الأدب السياسي الناجحة، وهذا الأمر صعب جدا، أن يتمتع الكاتب بالحرية التامة، وهذا ضرب من المستحيل في ظل الارتهان لجهة سياسية معينة.

تناول الحياة السياسية في الأعمال الأدبية يجب أن تتم بحياد كامل وتجرد يفضي إلى كشف الحالة التي هي موضع الكتابة والتحليل والوصول إلى النتائج المنطقية التي تخدم العمل الأدبي وبالتالي تصلح لأن تكون عبرة للآخرين.

    

س 25 ) من ميزاتك الأسلوبية هي أن لغتك لغة سرد "عملية" لم تسرف في اللغة الشعرية التي أفرط فيها الكثير من روائيي الموجات التي تبعت روائيي الواقعية السحرية إلى درجة خلطت حتى الأجناس الإبداعية.. هل يعود ذلك إلى روحك الواقعية أولا وبساطة شخصياتك ثانيا؟ وكيف توازن بين الطرفين؟، متى تشعر بضرورات التعبير الشعري وهو موجود في نصوصك رغم محدوديته؟

ج:

الكتابة بشكل عام، جميع صنوف الكتابة الإبداعية هي كتابة شعرية بمعنى من المعاني؛ طالما تناولت الكتابة هموم الفرد وهموم المجتمع ومحنة الإنسان في هذا الكون الغامض الغريب الذي نحاول سبر أغواره المجهولة العميقة فنحن نتحدث عن مشاعر الناس وعن ألغاز هذه المشاعر البشرية سواء كان ذلك نثرا أو شعرا. لكن بالمعنى الحرفي لا يمكن خلط الأجناس الأدبية إلا بما تسمح به الضرورات. الشاعر روائي في أعماقه الروحية، والروائي شاعر في بعده التراجيدي والدرامي. العمل الروائي يكون جديرا بالقراءة عندما يجعل القارئ يبكي أو يضحك آو يفكر بعمق، بالضبط كما يمكن أن يفعله الشعر وأن تفعله القصائد الشعرية العظيمة.

كتابة النص الروائي تتطلب حرفية عالية لكي تكون رواية مقروءة من دون أخطاء جسيمة لا تغتفر. تقنيات السرد تختلف بطبيعة الحال عن تقنيات الشعر. بيد أن الإسراف بالشعرية على حساب تقنية النص السردي تؤدي إلى نتائج معاكسة من شأنها إلغاء هوية النص السردي. بالنسبة لمقارنة "روحي الواقعية، وبساطة شخصياتي" فذلك أمر لا أستطيع إبعاده أو التنصل منه، حيث قالوا قديما "الأسلوب الأدبي هو الرجل نفسه".

ضرورة الشعر قائمة على الدوام في تفكيري وأنا أكتب الأعمال القصصية والروائية؛ أحتاج دوما لقراءة الشعر وأنا أكتب الأعمال القصصية والروائية. الشعر الجيد يمدني بطاقة إضافية لكي أتواصل مع ظروف وحياة وواقع عملي النثري. لا يخلو عمل لي من الاستشهاد بقصيدة أو بشاعر أو مثل أو حكمة جرت على لسان شاعر. يجب بالضرورة مراعاة هذا الميزان الدقيق بين العمل السردي وبين العمل الشعري بحيث لا يطغى أي عنصر على الآخر من دون مبررات تثقل كاهل النص السردي.

 

أخي علي عبد العال .. في الختام، أجد لزاما علي أن أحييك على جهدك الإبداعي الهائل هذا، وأقول أنك من مفاخر الإبداع العراقي .. فتحية لك ..

بدوري أحييك من القلب والوجدان كونك الناقد العراقي الصبور والمجد والنبيل الذي يلاحق الأدباء العراقيين البعيدين عن الساحة من أمثالي. شكرا لك وأعتذر عن أي خطأ غير مقصود ربما ارتكبته في معمعة هذا الحوار الطويل. وأعتذر للقارئ الكريم عن أي ملل أصابه جراء الإجابات الطويلة.   

 

 

 

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات

الاسم: فرعون قوج
التاريخ: 05/09/2011 11:21:12
تحيات للمبدع الناقدالدكتور حسن سرمك الذي يضيئ من خلال نوعية الاسئلة لتكون مادة ادبية بحد ذاتها كمن يضيف للوحات الفنية اطر تناسب اللوحة او تفوقها وما يبهرني صراحة الكم والتنوع في المواضيع الادبية نتمنى لكم دوام الصحة

الاسم: سعاد رشيد
التاريخ: 24/05/2010 12:32:54
المبدع الأستاذ حسين سرمك
أشكرجهودك في ابراز كنوز العراق الثقافيةفي كتاباتك ودراساتك التي تقدمهالقراءك,لنا الفخربك وبأدبائنا.

الاسم: رحيم الغالبي
التاريخ: 23/05/2010 02:36:14
الناقد المبدع دكتور حسن سرمك
حقا نقلتنا الى عالم لذيذ في الابداع الادبي
حوار فيه كل الجد والجديد
تحياتي لكما


هنا حوار الاستاذ عبد العال مع صديقي رياض النعماني
http://m1.ankido.net/index.php?action=idx&start=20&page=2

رحيم الغالبي
رئيس تحرير مجلة انكيدو

الاسم: حسين سرمك حسن
التاريخ: 21/05/2010 20:38:08
شكرا لأخي الأستاذ عبد الرزاق العيساوي على مشاعره النبيلة .. ولأخي حامد فاضل هذا أقل شيء أقدمه للإبداع العراقي المظلوم والمغبون من أهله للأسف .. وقد أرسلت إليك رسالة عبر الإيميل وعذرا عن التأخير أخي

الاسم: الدكتور عبدالرزاق فليح العيساوي
التاريخ: 13/05/2010 16:23:09
الفاضل المبدع الاستاذ حسين سرمك
تحية ومحبه جهدكم الهادف عطاء ثر ودراسة جاده
نفخر بكم لاخلاصكم وجديتكم

الاسم: حامد فاضل
التاريخ: 13/05/2010 12:44:18
استاذي الناقد القدير حسين سرمك حسن المحترم
يطيب لي أن أطلق عليك لقب الباحث عن المنسين من المبدعن الذين لم يأخذواحقهم بالكامل من انتباه النقاد العراقيين برغم انتباه بعض النقاد العرب الى ثلة منهم وما هذه الحوارية مع المبدع علي عبد العال الا دليل على ذلك .. وكذلك ما تفضلت به في مقالتك الحبيبة عن مجموعتي المفعاة لقد أنصفتني وجعلتني أرفل بها مزهوا كغصن ربيعي .. لقد أرسلت اليك كتابي ( ما ترويه الشمس ، ما يرويه القمر ) مع أخي يحيى السماوي ، وكنت أظن أنه وصل اليك وانه تحت نصاعة نقدك الآن الى أن أخبرني يحيى برسالة قبل أيام بأنه لم يمر بدمشق حيث سافر مباشرة الى استراليا، ولكنه وعدني بأنه سوف يرسله اليك عن طريق الأصدقاء الذين يأتون الى دمشق .. كما أنني أرسلت اليك رسالة على ايميلك المثبت في مركز النور ويبدو انها لم تصل اليك لأني لم أتلق الجواب
أرجو أن ترسل لي أميلك على أميلي هذا اذا لم يكن لديك مانع من التواصل ..
تقبل تحياتي وأمنياتي أستاذي العزيز
حامد فاضل

hamidfadil@yahoo.com




5000