..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المشروع الفلسفيُّ اللادينيُّ في المجال العربيِّ والإسلاميّ

باسم الحسناوي

ما الذي جعل العقلانية العربية تخفق في مسعاها نحو تحديث العقل العربيِّ وجعله يفكِّر بالطريقة التي تجنِّبه العديد من الإخفاقات التأريخية المسؤولة عن صيرورته الحالية بوصفه كائناً يعيش خارج مجال التأريخ، أو أنه يعيش فيه لكن بوصفه منفعلاً بالأحداث لا فاعلاً لها، مستجيباً لما تمليه عليه الإرادات المتفوِّقة، لا مشاركاً معها في صناعة أيِّ حدثٍ عالميٍّ يمكن أن يُقال عنه إنه من الأحداث الرئيسية البارزة في الوقت الحاضر.

إنَّ المجتمعات العربية هي مجتمعاتٌ متدينةٌ بالإسلام في نهاية الأمر، ولقد اخترت صيغة اسم الفاعل من معنى التديُّن عن عمدٍ طبعاً، لأني أقصد أنَّ هذه المجتمعات لا تنظر إلى الإسلام من زاوية الإنتماء الحضاريِّ أو من زاوية أنه يمنحها بعض المعالم الرئيسية في تحديد الهوية فقط، كما شاء لنا العديد من مفكِّري العقلانية العربية المعاصرة أن نعتقد، بل إنَّ هذه المجتمعات تتماهى في النظر إلى الدين بوصفه منهجاً كاملاً للحياة على المستويات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية إلخ، وحتى عندما تفقد الفرص التأريخية لتطبيق الشريعة الإسلامية في الأبعاد التي تخصُّ مؤسَّسة الدولة، فإنها سرعان ما تتَّخذ من الإسلام إيديولوجيا اجتماعيةً عامةً تعيش في الوجدان الداخليِّ العامِّ للأفراد والطبقات، وتوظِّفها في العديد من مناطق الصراع المعلن أو المسكوت عنه مع السلطة التي تُعدُّ في نظر الجماهير غاصبةً للحكم في كلِّ الأحوال، لأنها لم تطبِّق أحكام الشريعة الإسلامية على الناس، ولم تنظِّم حياتهم وشؤونهم على هذا الأساس.

كما إنَّ هذه المجتمعات تعيش حالةً من الشيزوفرينيا آنذاك، وعلى الرغم من أنها متنبِّهةٌ إلى هذا المعنى في أغلب الحالات، إلا أنها لا تجد مفرّاً من هذا السلوك الشيزوفرينيِّ ما دام الإنسان مضطراً إلى التوفيق بين إرادتين كلتاهما تفرضان عليه  الإنصياع لأوامرهما وتعاليمهما المتضاربة، إحداهما نابعةٌ من الدين، ولا يمكن التضحية بها مهما كلَّف الأمر، لأنَّ المصير الأخرويَّ متعلِّقٌ بها بالكلية، والإرادة الثانية هي إرادة السلطان، ولا تتمتَّع في نظر الناس بأية شرعيةٍ لولا أنها قادرةٌ على فرض نفسها عليهم بالقوَّة المادِّية، ولو أنهم تُركوا وأنفسهم لاختاروا التمرُّد عليها راضين مطمئنين لأنهم يتقربون بذلك إلى الله سبحانه، ويحققون هدفاً تأريخياً مهمّاً يقع في طريق خدمة الغرض الدينيِّ المهمِّ في الفوز بنعيم الآخرة يوم الجزاء.

لم يتمكَّن العقلانيون العرب من النظر إلى السيكلوجيا الإجتماعية في المجال الإسلاميِّ عموماً، وفي المجال العربيِّ خصوصاً بعمقٍ يكشف عن أنهم استوعبوا هذه الحقيقة البسيطة للغاية، بل استمروا بإنجاز العديد من المشاريع الفكرية والفلسفية التي حاولوا فيها التأصيل لمفهوم العقلانية الغربية في المجال العربيِّ والإسلاميّ، فما الذي حصل في النهاية؟ لقد زادت المسافة الفاصلة بعداً بينهم وبين الشعوب العربية والإسلامية إلى حدِّ أنَّ العديد منهم عاش الصدمة النفسية في حياته فانكفأ على ذاته مكتئباً، معلناً أن لا مجال لعقلنة أنماط التفكير في البلدان العربية والإسلامية، وأنَّ القدر حاكمٌ على شعوبها بأن تعيش تحت وطأة التخلُّف الثقافيِّ والفلسفيِّ والسياسيِّ والتقنيِّ إلى الأبد، وأنَّ مئة عامٍ أو أكثر من جهود العقلانيين والداعين إلى تحديث هذه البلدان قد ذهبت سدىً في نهاية المطاف.

مما لا مراء فيه أنَّ جهود أولئك الكتّاب والمفكِّرين ذهبت سدىً، ولا نناقش في هذه النتيجة بالطبع، فإنَّ كلَّ الأحداث والوقائع في البلدان العربية والإسلامية تشير إلى هذا الإخفاق وضياع الجهود التي استهلكت قرناً من حياة الفكر والفلسفة والثقافة في المجال العربيِّ والإسلاميّ، ولا ينبغي أن يشكَّ في هذه النتيجة أحد.

بيد أنَّ المؤسف أنهم لم يلقوا باللائمة على الماهية الحقيقية التي تتضمَّنها مشاريعهم الفكرية والفلسفية، بل ألقوا بها على المجتمعات الإسلامية ذاتها، فاعتبروها خارجةً عن حريم العقل، ومجبولةً على التعلُّق بالخرافة وبالتفكير بها ومن خلالها، وما ذاك إلا لأنَّ هذه المجتمعات تعبِّر عن اعتزازها بدينها وتتمسَّك به تمسُّكاً ينمُّ عن أنها لا يمكن أن تفرِّط به في القريب أو البعيد، وها هنا بالضبط مكمن الفشل والإخفاق في مشاريع التنوير أو العقلانية أو الحداثة في المحيط العربيِّ والإسلاميّ.

ليت هؤلاء الكتاب الحداثيبين والعقلانيين التزموا بمقتضى التفكير العمليِّ والبراغماتيِّ الذي يعتبر من المرتكزات الأساسية للعقلانية الغربية، فلم يصرِّحوا بعدائهم للإيمان بالدين، ولم يستخفوا بمشاعر المؤمنين، ولا جمهور يقرأ لهم في الحقيقة إلا هؤلاء، وإلا ثلةٌ قليلةٌ من المناوئين للدين لا يمكن أن يشكلوا ثقلاً معتداً به مهما قيل عنهم أنهم يمثلون الوجود النخبويَّ المميَّز في الأوساط الثقافية والفكرية، مضافاً إلى أنَّ هؤلاء لا يمثلون القسم الإجتماعيَّ الفاعل في الحياة الإجتماعية العامة وشؤونها المختلفة، إلا إذا قيل إنَّ الخطاب الثقافيَّ العقلانيَّ المستغرب كان موجَّهاً إلى هذه النخبة الثقافية والسياسية القليلة التي كانت تتألف منها ماكنة السياسة في العالم العربيِّ في الفترة التي شهدت وجود القبضة القوية لأنظمة الحكم التوليتارية، حيث لم يكن يسمح هؤلاء للدين بأن يوجد له فضاؤه المناسب في المجتمع، مضافاً إلى حرمانه من أن يكون له تأثيرٌ بالغ القوة في المؤسسات الرسمية التي تتشكَّل منها أجهزة الحكم في هذه البلدان، وآنذاك تكون المراهنة على استجابة هؤلاء وتفاعلهم صفقةً خاسرةً طبقاً لكلِّ المعايير، لأنَّ المفروض أن يكون الهدف العامُّ لتلك المشاريع العقلانية والحداثية هو المجتمع نفسه، وليس مجموعةً من الأفراد المتسلطين عليه بقوة الحديد والنار، فلو أنَّ الحياة اتخذت الصبغة السياسية المنسجمة مع تلك الخطابات التي يتبناها هؤلاء العقلانيون العرب، فإنَّ هذا لا يعني أنها تغلغلت في البنية العميقة للتفكير الإجتماعيّ، أو أنها أثَّرت فيه، بل إنَّ النقيض هو ما يحدث حتماً، أي إنَّ المجتمعات سوف يتضاعف نفورها يوماً بعد آخر من هذه الأطروحات التي شاءت لنفسها أن تكون الواجهة الإيديولوجية والتبريرية لأنظمة الحكم التوليتارية التي سامت شعوبها مختلف أنواع الخسف والظلم والعذاب.

لم يكن هؤلاء المفكرون العلمانيون أو العقلانيون أو الحداثيون أو ما شئت فعبِّر حاذقين جداً في قراءة المشهد، أو أنهم كانوا أشبه شيءٍ بمثل رأس النعامة والرمال كلما رأوا ما لا يعجبهم أو ما لا يتفق مع أمزجتهم التي تحبِّذ أن تكون هذه المجتمعات علمانيةً بالكامل، وإلا فإنَّ الأمل مفقودٌ بالكلية في أن يوجد نمطٌ من العقلانية التي تنسجم مع رؤية الإسلام والمسلمين في العالم، وها هنا بالضبط تكمن مشكلة هؤلاء، حيث سوَّدوا مئات الكتب التي وإن راجت مبيعاتها في الأسواق، إلا أنَّ تأثيرها لم يكن بموازاة هذا الرواج بطبيعة الحال، وإلا لرأيت الغالبية العظمى من هذه الشعوب قد تعقلنت بالعقلانية الغربية وتعلمنت بالفعل، بيد أنَّ نظرةً بسيطةً إلى واقع هذه المجتمعات كافيةٌ لأن تنفي حصول ذلك.

ومع ذلك، فإنَّ العاقل من يتبصَّر بالأمور جيداً، ويتمكن من إعادة القراءة مجدداً لواقع الأحداث عقب كلِّ مرحلة فشلٍ تكتنف مشاريعه، فلو أنَّ مئة عامٍ من الضياع الفكريِّ والتجوال العشوائيِّ بين الإيديولوجيات الغربية التي رُوِّج لها في تلك المشارع الفكرية والفلسفية المختلفة، قد ختمها هؤلاء الكتاب بانتباهةٍ إلى الأمور كما هي حاصلةٌ بالفعل على أرض الواقع، أو أنهم حاولوا تعديل مساراتهم الفكرية قليلاً بحيث تتجنَّب مناطق الصراع أو القطيعة مع الدين، وبحيث تكتسب شيئاً من المعقولية في نظر القارئ المسلم لكان سوء العاقبة أقلَّ وطأةً بالتأكيد، لكنَّ هذا لم يحصل أيضاً مع شديد الأسف.

لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يتعاطف مع هذه المشاريع، خاصةً إن كان من المؤمنين الراسخين في الإيمان، في حال أنَّ أيَّ قارئٍ بمجرَّد أن يكون حائزاً على القليل من الذكاء يدرك بألمعيته الغاية المسكوت عنها أو المصرَّح بها علناً في تلك المؤلفات الآرغونية أو التي يتحفنا بها علي حرب أو نصر حامد أبو زيد بين كلِّ فترةٍ وأخرى، وهم يحسبون أنهم أذكياء جداً بحيث أنهم نجحوا في التمويه على القراء فلم يعلنوا لهم الغاية الرئيسية التي هي الدعوة إلى الإلحاد مباشرةً، بل لفّوا وداروا طويلاً طويلاً وهم يحاولون إقناعه بقليلٍ من الجزئيات التي يعتقدون أنَّ فيها تناقضاً أو تضارباً مع حرية الإنسان أو مع حقوق الإنسان أو مع ما يقتضيه العصر والحضارة الحالية من الإتصاف بجملة أمورٍ ربما لم تكن البشرية قد أجمعت على أنها خاليةٌ مما يؤدي إلى إلحاق الضررالفادح بالإنسان، أو ربما لم يكن النصُّ الدينيُّ واقفاً ضدَّه من الأصل في حال أنه إيجابيٌّ بالفعل ونافعٌ للإنسان.

إنَّ من أكبرِ هرطقاتِ إنسان العصر الحديث، إنسانِ العلم والتكنلوجيا وعصر المعلومات وغزو الفضاء، هو هذا الربطُ غيرُ العلميِّ المتمرِّد على كلِّ قواعدِ التفكيرِ المنطقيِّ بكلِّ المقاييس، بين العلم بما هو معطىً وضعيٌّ تطبيقيٌّ وبين الإلحاد.

 تلك هي المشكلة التي سوف تتمحورُ عليها إشكالياتُنا المعرفيَّةُ في هذا البحث المختصر، دون أن نعد القارئَ ببحثٍ مستوفٍ لكلِّ المحاور التي يستثيرها الحديثُ حول هذا الموضوع الشائكِ والمعقَّد، مع أننا نعلمُ تماماً أنَّ عشراتِ الكتب تناولت هذا الموضوعَ بالذات بالبحثِ والدراسةِ والمعالجاتِ الموضوعيَّة، لكنَّ ما يبرِّر لنا الإنخراطَ المتجدِّدَ في هذا الميدان، هو ما نشاهده من إصرار الكثيرين من الباحثين وغيرهم على هذا الإستمرار بهذا الربطِ اللامنطقيِّ بين المسألتين، مع أنَّ قليلاً من التأمُّل يشير إلى أنه مجرَّدُ إجراءٍ سفسطائيٍّ يمارسه العقلُ غير المحكوم منطقياً بالقواعد العقليَّة الصحيحة التي تؤدِّي به إلى النتائج المنطقيَّة السليمة، بحيث يكونُ مطمئناً إلى أحكامِه العلميَّة في نهاية الأمر، وليس من المعقولِ إطلاقاً إهمالُ هذه الحجج السفسطائيَّة من قبل الباحثين الإسلاميين، بحجَّةِ أنها لا تستحقُّ النقاش، فمن الطبيعيِّ أن يتصوَّرَ العلمانيون الملحدون آنذاكَ أنَّ حججهم قادرةٌ على أن تخوضَ نزالاتِها مع حجج الإلهيين وتحقِّقَ عليها انتصاراً ساحقاً بأقلِّ الخسائر، وما أكثر ما يردِّدُ هؤلاء مثلَ هذه الإدِّعاءات في مختلف المناسبات، ولا يصوِّرون الأمرَ بصفته ابتعاداً عن ساحات الجدل العقيم، أو تنزُّهاً عن الإنخراط في سجالٍ كان من المفترض أن يعتبروه محسوماً منذ زمانٍ لم يعد قصيراً لصالح الإسلاميين، خاصَّةً مع حسم نتيجة الصراع بين الإسلاميين وغيرهم من مدارسِ العلمانيَّة على يد السيِّد الشهيد محمَّد باقر الصدر، والشهيد الشيخ مطهَّري، والسيِّد الشهيد محمَّد الصدر منذ السبعينيات من القرن العشرين المنصرم.

لن ندخل في سجالٍ طويلٍ بين الإلحاد والإيمان من الزاوية الخاصَّة بنظريَّة المعرفة، ولا من الزوايا التي تتعلَّقُ بالمباحث الأخرى التي تعتبرُ ذاتَ بعدٍ نظريٍّ أو فلسفيٍّ دقيق، لعلمنا أنَّ كتب هؤلاء العمالقة الثلاثة قد تكفَّلت ببيان الموقفِ من هذه المسائل، لكننا سنركِّزُ بحثنا على الزاوية الخاصَّة التي تتناول المشكلَ من طرف بيان العلاقة بين الإلحادِ وتقدُّم العلوم، ليتضحَ لنا الموقفُ السفسطائيُّ في هذا الربط المختلق، ولنكونَ قد فتحنا ملفات الصراع فيما يخصُّ هذه المسألة من جديد، ثقةً منا بموقف الإيمان من أنه قادرٌ ليس على الدِّفاع عن نفسه فقط، بل إنه قادرٌ على إدانة الموقف الإلحاديِّ بما لا يدع له مجالاً في تبرئة نفسه، من تهمٍ لا ينفكُّ يتَّهم بها الإيمان، كلَّما تعلَّق الأمرُ بالحديث عن العلومِ التطبيقيَّةِ المختلفةِ التي بات تطوُّرها ملحوظاً إلى درجةٍ لم يعد النقاشُ حولها معقولاً في العقودِ الأخيرة من حياةِ البشر.

هزيمةُ الإلحادِ في الجانبِ النظريِّ بلا إشكال

 

يلاحظ المراقب في الحياة الإجتماعيَّة داخل أوساط من يعتبرون أنفسَهم ملحدين ومنكرين لوجودِ اللهِ عزَّ وجلّ، أنَّهم متناقضون جدّاً في هذا الجانب، إلى درجةِ أنَّ المرءَ لَيفاجأ حقاً بأنَّهم في أقصى درجات الحماسة للدِّفاع عن العقائدِ الإيمانيَّةِ عندما يكون السجالُ محتدماً حول الإيمانِ والإلحادِ بشكلٍ جادٍّ، فما الذي يدعوهم إذن إلى أن يتخذوا موقفَ التصريح بالإلحاد أحياناً، مع أنهم مؤمنون ومدافعون عن الأديان وعن وجود الله والنبوات وسائر المعتقدات التي يتنكَّرون لها في بعض الأحيان؟

للإجابةِ على هذا السؤال نذكرُ عدَّة أطروحاتٍ تبيِّنُ هذا الموقفَ المتناقضَ لهؤلاء من خلال تبويبهم إلى فئاتٍ أربع:

الفئة الأولى: إنَّ عدداً كبيراً من هؤلاء منبهرٌ بالعلوم الحديثة في بعديها النظريِّ والتطبيقيّ، وهم يتنفسون هواء ثقافةٍ تتحرَّك في خطِّ تمجيد هذه العلوم، ليس تمجيداً بريئاً من النوايا بالطبع، بل هو تمجيدٌ ملازمٌ عندهم للإيحاء أو التصريح المباشر بأنَّ الدين كان ضرورةً للناس فقط عندما كانت البشريَّةُ غير قادرةٍ على تفسير الكثير من الظواهر الطبيعيَّةِ الغامضةِ التي يتكرَّر حدوثها كلَّ آن، وإذ تطوَّر العلمُ الحديث وأصبح متكفِّلاً بحلِّ الكثير من هذه المشاكل، وأصبح قادراً على تفسيرها وتغيير مساراتها واتجاهاتها بالكيفيات المعلومةِ من إنزال المطر إلى علاج مختلف الأمراض، وحتى استنساخ الكائنِ البشريِّ وإيجاد مختلف الغرائب في الهندسة الوراثيَّة للكائن الحيّ، فإنَّ الحاجةَ إلى اللهِ والدين أصبحت منتفيةً بالمرَّة، فلا ينبغي بحسب رأي هؤلاء للبشريَّة أن تبقى على احترامها وتقديسها للدين أو للإعتقاد بأنَّ للكونِ خالقاً، فهذا برأيهم مما يناقض احترامَ العلم التطبيقيِّ ولا ينسجم أو يتعايش مع تطوُّر العلومِ الإنسانيَّة كذلك، لأنها كلَّها تمجِّد العلمَ الحديث، وتفترض أنَّ بينه وبين الإيمانِ صراعاً يجب أن يُحسمَ لمصلحةِ الإلحاد في نهاية المطاف.

فمثل هذا القسم من المثقفين، لم يبلغ درجةً من النضج المعرفيِّ والثقافيِّ تؤهِّلُه للتفكير المستقلّ، أو لاتخاذ موقفٍ وجوديٍّ لا يتأثَّر بالسائد من الأفكار في أوساط العالم الذي تقدَّم في جوانب العلم التطبيقيّ، ونحن من المعترفين اعترافاً مطلقاً بذلك، لكنه متخلِّفٌ جدّاً في الجانب الروحيّ، وهذا ليس ادعاءاً كاذباً أو شعاراً، بل هو حقيقةٌ شكَّلت محوراً للعديدِ من البحوث والدراسات الجادَّة في أوساط الفلسفةِ الغربيَّة، من شبنجلر إلى برغسون إلى عشرات الأسماء التي لا يتَّسعُ المقامُ هاهنا لاستقصائها وذكرها في هذه المساحة الضيِّقة المخصَّصة لبحثنا في مجلَّة ((الموسوعة)).

الفئة الثانية: إنَّ القسمَ الآخر من الذين يعلنون أنَّهم ملحدون أحياناً وهم في أعماقهم مؤمنون بالله عزَّ وجلّ، ليسوا كالقسم الأوَّل، لأنهم لا يعنيهم الموقفُ النظريُّ والفلسفيُّ من القضيَّةِ مطلقاً، فهم يعلنون أنَّهم ملحدون لهدفين:

الهدف الأوَّل: أن يتفاخروا بالموقف الإلحاديّ، فيقال عنهم إنَّهم عاشوا تجاربَ فكريَّةً أو فلسفيَّةً جعلتهم يعتقدون بالإلحاد، ومن هذا القبيل الكثيرُ من الناس الذين كانوا يُعَدُّون من الشيوعيين، وهم لا يعلمون عن مبادئ الشيوعيَّة وفلسفتها شيئاً، فهم يشعرون بالزهو والفخر كلَّما نسبهم الناسُ إلى الماركسيَّةِ والشيوعيَّةِ وهم ليسوا من الماركسيَّة والشيوعيَّةِ في شيء.

الهدف الثاني: أن يتحرَّروا من الأعباء الخلقيَّة والدينيَّة التي تفرض عليهم الإجتناب عن المحرَّماتِ من الزنى والخمرِ وغير ذلك، كما تفرض عليهم أداءَ الفرائضِ والعباداتِ التي يسأمون منها، ويضيقون بها وبأعبائها وبتكرارِها اليوميِّ والسنويِّ طيلة الحياة.

 

الفئة الثالثة: هناك فئةٌ ثالثةٌ من العلماءِ الإختصاصيين بالعلوم التطبيقيَّة، كالطبِّ والفيزياء والهندسةِ الميكانيكيَّة وغيرها من العلوم والإختصاصات، جنحوا نحو الإلحاد دون أن يحسموا موقفهم من الإيمان، فهم خائفون متردِّدون من أن تكونَ الحقيقة على عكس ما تصوَّروه، لأنهم لم يرتكزوا إلى مبانٍ فلسفيَّةٍ أو عقليَّةٍ في إلحادهم المتردِّد هذا، لكنهم عرفوا أنَّ الكون منظَّمٌ طبقاً لقوانين لا تتخلَّف، ففرضوا من عندهم أنَّ هناك ملازمةً ما بين هذه المعرفة بقوانين العالم وبين الإلحاد، فسمحوا لأنفسهم أن يأخذوا دورَ الفيلسوف بشكلٍ مرتجل، وهذا هو حال الكثير من العلماء الغربيين، فضلاً عن العلماء العرب والمسلمين، فهم لا يقفون عند حدود المعطيات التجريبيَّة والتطبيقيَّة لعلومهم، بل يخطونَ خطوةً أخرى نحو تفسيرها وتحليلها واستخراج نتائجِها المنطقيَّةِ والفلسفيَّةِ بدون أن يكونوا مؤهلين أساساً لمثل هذه الخطوة التي هي من اختصاص المشتغلين في حقلِ الفلسفةِ حصراً، فلو أنَّهم تركوا الأمرَ للفلاسفة لكان الموقفُ مختلفاً جذرياً، لأنَّ النظامَ المحكمَ للعالم وسلسلة الأسباب التي تحكمه لا يمكن تعقُّلها إلا على أساسِ إسنادِها إلى السبب الأوَّلِ العاقلِ الحكيمِ المدبِّرِ وهو الله سبحانه وتعالى، فالملازمة بين النظام في العالم وبين الإلحاد ملازمةٌ عكسيَّةٌ في واقع الأمر، فكلَّما زاد النظامُ زاد تعلُّقنا بأنَّ للعالمِ خالقاً حكيماً جداً ومدبِّراً إلى حدِّ أننا لا نستطيع أن نتصوَّرَ المدياتِ الواقعيَّةَ لهذا العلم وحكمته وإتقانه لهذا العالم الذي لم يكشف العلمُ الحديثُ رغم كلِّ البراعة فيه إلا جانباً بسيطاً من طلاسمِهِ وألغازِه.

الفئة الرابعة: للسياسةِ دورُها أيضاً في التأثير على الجوِّ العامِّ لاعتقاداتِ الناس، فكلَّما كانَ المسارُ العامُّ لنظام حكمٍ في دولةٍ ما متجهاً نحو الإيمان وتعزيزه كان أغلبُ الناس مرتاحين لفلسفة الإيمان، وكلَّما كان حالُ نظام الحكم على العكس من ذلك كان الناس متجهين باتجاهها، أي إنَّ النزعات الإلحاديَّة سوف تجد لنفسها ملاذاً وفضاءاً مناسبين توفرهما لها التوجهات السياسيَّة الحاكمة في تلك البلدان، وهذا ما حصل فعلاً في الإتحاد السوفيتيِّ مثلاً، فقد كثر الملحدون هناك بعد أن كان الإيمان بالديانة المسيحيَّة والمذهب الكاثوليكيِّ سائداً في روسيا قبل الثورة الشيوعيَّة، أما بعد تفكُّك الإتحاد السوفيتيِّ وانتهاء حكم الشيوعيَّة فقد عاد الإيمان بالديانةِ المسيحيَّةِ إلى روسيا مجدَّداً، ولم يعد الإلحاد هو السائد كما كان عليه الحالُ إبان الشيوعيَّة.

ولا يختلفُ الحالُ في العالم الإسلاميِّ عن هذه الحال أيضاً، فعندما كانت الحكوماتُ العلمانيَّةُ متطرِّفةً في علمانيتها في الكثير من بلدان الشرق الأوسط، بما فيها العراقُ طبعاً، فقد كان مستغرباً جدّاً في نظر المجتمع أن توجدَ طائفةٌ من الناس تقيم الصلاة أو تصوم أو تؤدي ما عليها من الحقوقِ الماليَّة التي يفرضها الشرع، لأنَّ كلَّ هذه الأمور ستكون من عمل العجائز فقط، أما الشباب العصريون فعليهم أن يحدثوا القطيعةَ مع الدين فيقبلون على عمل المنكرات وشرب الخمر بلا أيِّ ندمٍ أو توبة، لكنَّ الأمر تغيَّرَ طبعاً عندما انتشرت الصحواتُ الإسلاميَّة في ربوع عالمنا الإسلاميِّ منذ الثمانينات إلى الآن، فقد انقلب الأمرُ إلى النقيضِ تماماً، حيث أصبح تاركو الصلاة وغير المتدينين هم الطبقة الأقلُّ التي يستنكر أفعالها المجتمع، ولا ينظر إلى أقوالهم وتصرُّفاتهم إلا بكثيرٍ من الإستهانةِ والإزدراء.

أما في العراق، فالأمرُ أوضحُ من ذلك بكثير، فقد كان التديُّن نادراً في العراق حتى بزوغ مرجعيَّة السيِّد الشهيد الصدر قُدِّس سرُّه وصلاة الجمعة، ثمَّ إذ أحدث السيِّد الشهيد هذه الصحوةَ الدينيَّةَ الكبرى من خلال صلاة الجمعة، فقد أقبل المجتمع بلهفة الظامئ على الدين، حتى بلغ الأمرُ مستوياتٍ عجيبةً من الإخلاص والتفاني في الحقائق الدينيَّة التي دعا إليها السيِّد الشهيد الصدر قدِّس سرُّه.

ربما لا يبدو أنَّ لهذه النقطة علاقةً بتفسير الإلحاد عند بعض الطبقات من جهة الإتصال بالعلوم التطبيقيَّة، لكنَّ التأمُّل يشير إلى عكس ذلك، لأنَّ ذوي الإختصاصات العلميَّة التطبيقيَّة والمنبهرين بنتائج العلوم من المثقفين الآخرين موجودون في المجتمع، وهم متأثرون بالتفسيرات الإلحاديَّة لنتائج العلوم التي يسمعونها من الغرب،ومؤثرون بالمجتمع طبعاً، لكنَّ السياسة وتوجُّهاتها توفِّرُ الفضاءَ المناسبَ لهذا التأثر والتأثير، أو تحجب هذا الفضاء، وهذا ما جعلنا نذكرُ هذه النقطةَ في البحث، لما لها من تفسيرٍ من جهة هذه العلاقة، وإن كان اكتشافُها إنَّما يحصل بالنظر والتأمُّل من بعيد.

  

كلُّ هذه الأسباب التي استعرضناها لوجودِ ظاهرة الإلحاد عند بعض المشتغلين في الحقولِ العلميَّةِ التطبيقيَّةِ سواءٌ في الغرب أم في العالم الإسلاميِّ تشير إلى حقيقةٍ مفادُها أنَّ الإلحادَ ليس ظاهرةً نظريَّةً فلسفيَّةً أصيلةً عند هؤلاء، بل هو طارئٌ وعرضيٌّ، نتج عن عوامل من القصور الإجتماعيِّ أو القصور على مستوى اتخاذ القرارات العقلانيَّة المفلسفة عند الشخص، وهذا يسحبنا إلى منطقةٍ أخرى من البحث هي:

نقطة الشروع في الإلحاد

 

من المنطقيِّ أن نركِّز حول النقاط التالية التي تحاول أن تبلور وجهاتِ النظر الرئيسيَّةَ التي يرتكز عليها أنصارُ العلم بصفته مناقضاً للإيمانِ ضمن ما يلي:

التخلي عن الإلوهيَّة من منطلق الإلحاد

إنَّ أكثرَ ملاحدة العالم يدَّعون أنَّهم لا يتقبَّلون فكرة الألوهيَّة، فهم بزعمهم يرفضونها من الأساس، لأنَّهم لا يعتبرون فكرة الألوهيَّة فكرةً معقولة، باعتبار أنها تستلزم ضدَّها وهو العبوديَّة، وهم يتنزهون عن أن يكونوا عبيداً لأحدٍ مهما كان، حتى لو كان هذا الأحد هو الله عزَّ وجلّ.

ونحن نناقشهم في هذا، ليس على مستوى الإشكال الفلسفيِّ المعلوم عند الإسلاميين، من أنَّ العبوديَّة لله الواحدِ الأحد هي محضُ الحريَّةِ للإنسان، لأنها تخلصه من كافَّة العبودياتِ الأخرى التي توجب النقصَ له وللعالم من حوله، فليس مبتغانا هو هذا، خاصَّةً بعد أن اخترنا لدراستنا زاويةَ البحث حول الإلحاد بما هو ذو علاقةٍ بالعلم، لذلك فسوف نتخذ لبحثنا وجهةً أخرى.

إنَّ هؤلاء المنحازين للعلم ضدَّ الدين، لا ينتبهون إلى المفارقة العجيبة في مدَّعاهم، فبينما يعلنون أنَّهم ضائقون ذرعاً بمفهوم الألوهيَّة يكشف البحثُ وتتبُّع كلماتهم أنَّهم ذوو خلافٍ لفظيٍّ فقط فيما يتعلَّق بهذه القضيَّة، وحتى هذا الخلافُ اللفظيُّ المفترض يزول في الكثير من مواطن كلماتهم، فالشعراءُ الملحدون مثلاً يكررون كثيراً كلماتِ الألوهيَّة كلَّما تعلَّق الأمرُ بالتعبير عن جمال المرأة أو جمال الطبيعة، أو كلَّما تعلَّق الأمرُ بالحديث عن أنفسهم، فهم متعلِّقون بمفهوم الألوهيَّة إذن وليسوا نابذين له كما يعلنون في مواقفهم النظريَّة، هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ موقفَ هؤلاء يتضمَّنُ تناقضاً صارخاً آخر، وهو أنَّهم عندما يتخلون عن فكرة الألوهيَّة بالنسبة إلى المبدأ الأوَّل للوجود وهو الله سبحانه وتعالى، يتمسَّكون بفكرة الألوهيَّة بالنسبة إلى العلم، وهذا موقفٌ متهافتٌ عجيبٌ، فهم يضفون على العلم الذي هو نسبيٌّ في نهاية الأمر وليس مطلقاً في كلِّ الأحوال، كلَّ سمات وصفات الله عزَّ وجلّ، فما الذي فعلوه إذن سوى أنَّهم انتقلوا من عبوديَّة الله المطلق، إلى عبوديَّةٍ جديدةٍ لا يمكن تبريرها فلسفياً وهي العبوديَّة للعلم النسبيِّ الذي هو من خلق الإنسان، فالإنسان يعبد مخلوقاته إذن، وهذا موقفٌ مشابهٌ تماماً للوثنيين إذ يعبدون منحوتاتهم ومخلوقاتهم، مهما قيل عن الفرق بين الحالين، فالأساس النظريُّ الفلسفيُّ لكليهما واحدٌ كما هو واضح.

هذا هو ما يؤدي إليه النظرُ الدقيق في المسألة، وهذا هو ما يجعل هؤلاء لا يحبذون النقاشاتِ الفلسفيَّةَ المعمَّقة، وهذا أيضاً هو ما يجعلهم يتذرَّعون بأنَّهم متمرِّدون على منطق أرسطو مع أنه ليس منطقاً خاصّاً بأرسطو في نهاية المطاف، بل هو قواعدُ بديهيَّةٌ عامَّةٌ تحكم سيرَ العمليات الفكريَّة عند البشر قبل أرسطو وفي عهده، وستبقى عاملةً ومؤثرةً إلى نهاية وجود الإنسان المنطقيِّ العاقل على الأرض إلا أن يصاب على أيدي هؤلاء بالجنون.

نقولُ هذا مع علمنا التامِّ بوجاهةِ ما يقال من أنَّ المنطق الأرسطيَّ لم يعد كافياً لتلبية حاجة العلوم، لكننا نختلف مع هؤلاءِ في أنه لم يفقد مشروعيَّة وجوده جنباً إلى جنب أنواع المنطق الأخرى التي هي من بناته في كلِّ الأحوال، مهما قيل عن الإختلاف الجذريِّ بينه وبينها أثناء البحث في هذا الميدان.

إذن يمكن لنا الآنَ أن نتكلَّم عن نقطة شروعهم في الإلحاد بناءً على هذا التمهيدِ المتقدِّم، فنقول:

أوَّلاً: إنَّ الإلحاد عندما يكون موقفاً فلسفياً، فلنا معه كلامٌ آخر يختلف عن الكلام مع هؤلاء، لأنَّ مساراتِ التفكير ستكون مختلفةً من جهة أنَّ طرقنا في البرهنة والإستدلال ستكون واحدة، ولكننا نختلفُ في اختبار مقولاتنا وبديهياتنا وخطوات تفكيرنا في الإنتقال من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، أما مع هؤلاء فلا يمكن الوصول إلى نتيجةٍ فلسفيَّةٍ حاسمةٍ، لأنهم إنَّما يعبرون عن موقفٍ مزاجيٍّ وعاطفيٍّ وشعاراتيٍّ لا يحتكم إلى العقل والفلسفةِ والمنطقِ في أغلب الحالات، فكلَّما حدَّثك أحدٌ من هؤلاء، فتفحَّص كلماته وعباراته، لتجدَ أنَّ نصفها عبارةٌ عن مقولاتٍ تهكميَّةٍ ساخرة، والنصف الآخر ليس إلا استناداً إلى بهرجة الإنبهار بإنجازات العلم، دون أن يبيِّنَ لك وجهَ العلاقة من جهةٍ فلسفيَّةٍ بين ما أنجزه العلمُ وبين الإلحاد، وهذا موقفٌ طفوليٌّ ساذجٌ من قضيَّةٍ ليست سهلةً، تتعلَّقُ بالوجود المعنويِّ للإنسان كلِّه، دون أن يكونَ وجوده الماديُّ في منجىً من التأثر السلبيِّ أو الإيجابيِّ بمنعكساتِ ذلك الموقف.

ثانياً: غالباً ما تكون نقطة الشروع في الإلحاد عند هؤلاء من منطقة الفراغ الفلسفيّ، بمعنى أنَّ العجزَ عن الخوض المعرفيِّ والإنخراط في المغامرة التأمليَّة والفلسفيَّة هو الذي يدفعهم إلى التخلِّي عن حمل عبء التفكير بالمشكل الوجوديّ، فليس من الصحيح إطلاقاً تصوُّر أنَّ الإلحاد يعبِّر عن موقف اكتنازٍ معرفيّ، بل الأمرُ على العكس من ذلك تماماً، فالإلحاد هو نقطة البدء في الحقيقة، رغم أنَّ الإنسان في بداية وجوده يكون مزوَّداً بجهاز الفطرة التي ستقوده إلى الإيمان باللهِ عزَّ وجلّ، لكن ليس من المعقول أن تعمل تلك الفطرةُ من تلقاء نفسها، دون أن يكون للإنسان جهدٌ في استثارة طاقاتها واستخراج ما فيها من المواهب من حيِّز القوَّة إلى الفعل، بل للإنسان دورٌ في ذلك، والناس يتفاوتون في مدى قدرة كلٍّ منهم في استثارة هذه الفطرة لتأخذ طريقها إلى معرفة الله سبحانه، بينما لو ترك الإنسان فطرته دون استثارةٍ أو رعايةٍ لمواهبها وطاقاتها، فإنها ستكون بليدةً للغاية، وستبدو كما لو أنها لم تكن موجودةً من الأصل، وهذا بالضبط ما يكون عليه الموقف الإلحاديُّ لهؤلاء، أي إنَّ الإيمان هو خطوةٌ إلى الأمام في طريق تطوُّر الفكر البشريّ، وليس نكوصاً إلى الخلف كما يحاول هؤلاءِ أن يوحوه من خلال ما يعبِّرون.

ثالثاً: إنَّهم في المرحلة التي يقررون فيها احترام العقل، فيميلون إلى تأصيل إلحادهم فلسفياً، فإنَّهم يستندون إلى معطياتٍ تجريبيَّةٍ من العلم الحديث لا تكون نتيجتها الحتميَّة هي الإلحاد، بل العكس هو الصحيح، فكلُّ ما يستندون إليه من الحجج يؤدِّي إلى النتيجة التي تشمئزُّ منها نفوسهم وهي الإيمان بالطبع، لكنهم مع ذلك لا يهمُّهم كثيراً أن يحقِّقوا أيَّةَ نسبةٍ من الإنسجام المنطقيِّ بين معطياتهم العلميَّة التجريبيَّة أو التطبيقيَّة وبين ما يرتبونه من تلك النتائج التي تجعلهم يتخذون قرارَ الإلحاد.

لكي لا يتحوَّل العلم إلى أفيون

من المعروف أنَّ ماركس وصف الدين عموماً بأنه أفيونٌ للشعوب، ولم يكن ماركس محقاً بالطبع، إلا أن يقيِّدَ عبارته بأن يقول مثلاً: "الدين الذي يحرِّف مقولاته المستغلون لمصلحة استغلالهم وجشعهم واستبدادهم أفيونٌ للشعوب" ولن يجد آنذاك من يختلف معه من الحريصين على نقاء أهداف الدين في هذا الإستنتاج لو أنه فعل ذلك، لكنه لم يقيِّد عبارته، فكان أن أصبح بإمكاننا أن نوفِّرَ عشرات القرائن من التأريخ الطويل للبشريَّة على أنَّ الدينَ كان عاملاً في ترقِّي البشريَّة والتفاتها إلى حقوقها على مرِّ الزمان، ولن ينكرَ ما للدين من فضلٍ على الإنسان في تخليصه من أغلال عبودياته المختلفة إلا مكابر.

لكننا سنحذر من أن نقع في الخطأ الفادح الذي اكتنف عبارة ماركس، فلا نرتكبُ مجزرةً فلسفيَّةً بحقِّ العلم الحديث، وليس لنا الحقُّ في أن نفعلَ ذلك بالتأكيد، بل سنكونُ منصفين جداً ودقيقين للغاية في هذه المسألة، فنقول: إنَّ العلم الذي يراد منه أن يتخلى الإنسان عن بداهة عقله ومنطق تفكيره لينكر وجود الله سبحانه بلا دليلٍ أو برهانٍ عقليٍّ أو فلسفيٍّ لهو أفيونٌ للشعوب. وهذا الكلام دقيقٌ للغايةِ في رأينا، لأنا نستطيعُ أن نستندَ إلى عشرات الحجج والبراهين العقليَّةِ والفلسفيَّةِ التي تثبت لنا هذه النتيجة، ليس أقلها أنَّ العلم الذي يتخلّى عن سيطرة المعطى الدينيِّ والإلهيِّ عليه يرتكب بحقِّ الإنسانيَّة المضطهدة المجازرَ التأريخيَّةَ التي تبلغ مستوى الإباداتِ الجماعيَّةِ للشعوب، كما حصل مثلاً في مدينتي هورشيما وكازانتزاكي اليابانيتين أثناء الحرب العالميَّة الثانية، وكما حصلَ في العراق كذلك أثناءَ الإحتلالِ الأمريكيِّ وحتى الآن، إذ يُستغلُّ التفوُّق التكنلوجيُّ والتقنيُّ في استعباد شعبٍ هو من أعرق شعوب الله في التأريخ البشريّ، ولا حجَّة منطقيَّةً للإحتلال الأميركيِّ في ذلك إلا تفوُّقُه التكنلوجيُّ والعلميُّ الذي يستغلُّه في ارتكاب مجازره اللاإنسانيَّة المتكرِّرة.

إنَّ العلم التقنيَّ والتكنلوجيَّ وأيَّ علمٍ وضعيٍّ آخر إنَّما هو من خلق الإنسان، فهو لو كان يصحُّ أن يوجد معبودٌ غير الله عبدٌ لهذا الإنسان، فكيف يكون معقولاً أن يعبدَ الإنسان ما يخلقه، تماماً كما كان يفعل الإنسان الوثنيُّ في بعض المراحل التأريخيَّة التي تثير استغرابنا الآن لفرط ما وجد فيها من العقائد الضالَّة المنحرفة.

هل أصبح الإنسان الآن مع العلم أكثر سعادةً من ذي قبل، أم أنه زادت نسب شقائه، فصار يتمنى الرجوع إلى عصر الإلتقاط من شدَّة مأساته بهذا العلم الذي تخلّى عن إنسانيته ومكانته في مقام العبوديَّة لله ليعلن نفسه كفرعون إلهاً؟.

  

  

  

 

باسم الحسناوي


التعليقات




5000