.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مذكرات من الصين/ 5- الدروس المستنبطة من أصالة الحضارة الصينية

أ د حاتم الربيعي

عندما تلتقي بالمسؤولين أو المواطنين الصينيين وتعرف نفسك بأنك عراقي أو عربي حتى يبدأوا بالحديث عن الحضارات وعن حضارتهم بشكل خاص وكيف أنها شقيقة لحضارة وادي الرافدين  وحضارة النيل وحضارات أخرى ، فهم يعتبرون  أن السمعة العالمية الطيبة لهذه البلدان هي بسبب وجود تلك الحضارات، وأن التقدم الحالي الذي تمر به دولتهم خاصة يعود الى تلك الحضارة  الصينية العريقة فهم من الشعوب التي ينطبق عليها القول:

  وخير الناس ذو حسب قديم     أقام لنفسه حسبا جديدا

  

تعد الحضارة الصينية من الحضارات القديمة إذ تمتد الى أكثر من 5000 سنة حيث أنشأت في وديان الأنهار الثلاثة، وهي النهر الأصفر ويسمى بالصيني (هوانج) والنهر الأزرق (يانغ تشي كانغ) والنهر الجنوبي (سي كيانغ)، حيث وجدت بقايا الإنسان القديم وتعود الى نحو000 400  سنة حيث كان يعيش على الصيد ثم الزراعة والصيد. وقد عثر علماء الآثار على آلاف الكشوف تعود لأشخاص وحيوانات تعيش في المنطقة التي ترجع إلى عصر يتراوح بين 8000-6000 قبل الميلاد. وحكمت الصين  أكثر من 20  أسرة حاكمة للفترة مابين 2070 قبل الميلاد حتى عام 1911 بعد الميلاد.

  

يمكن أيجاز أهم تطور للحضارة الصينية بالمراحل التأريخية بدأت بالاولى وكانت  في عهد سلالة شانغ Shang (2765-1122 ق. م.). قبل حوالي 5000 عام أستوعب الصينيون فن صهر البرونز وقبل أكثر من 3000 عام بدأوا يستخدمون الأدوات الحديدية، وفي مجال صناعة الفخار تم إنتاج أدوات الفخار الأبيض والفخار الملون، كما تطور نسيج الحرير فظهر أول فنون نسيج الجيكار في تاريخ العالم. إذ اكتشفوا صناعة الحرير في حدود سنة 3000 قبل الميلاد، وعرفوا في هذا الوقت المبكر فنوناً مبهرة لإتقان صنعته وتطريزه. وقد أذهلت هذه الصناعة عقول الناس قديماً التي بقت سرا، فسعوا لاقتناء الحرير بشتى السبل، حتى أنهم كانوا يحصلون عليه مقابل وزنه بالأحجار الكريمة.

 

أما المرحلة الثانية فتبدأ من غزو القبائل التي أتت من غرب الصين والتي إتخذت من هاو  Hao   عاصمة لها وحكموا مابين أعوام (1122-265 ق.م.) . وأعطوا الحكم لرؤساء في المقاطعات لأجل السيطرة وتأسيس نوع من الحكم الاقطاعي، وخلال هذه الفترة ظهرت بعض الإهتمامات الصناعية والثقافية وخاصة  في عصر الربيع والخريف (770-476 ق. م.) إذ ظهر فن صناعة الفولاذ وكان هنالك نهوض كبير لنشاطات ثقافية وبروز كثير من الفلاسفة مثل لاو تسي وكونفوشيوس ومنشيوس وسون وو الذين أثروا تاثيرا عميقا واسعا في الأجيال اللاحقة.

 

  حروب كثيرة

  

وتبدأ المرحلة الثالثة من منتصف القرن الثالث قبل الميلاد. إذ حصلت حروب كثيرة بين المقاطعات لأجل السيطرة فنجحت مقاطعة تشين بقيادة الأمبراطور تشين شي هوانغ بوضع حدا للنزاعات بين أمراء وحكام الممالك المتحاربة التي دامت أكثر من 250 عاما. وأسس أول دولة إقطاعية مركزية موحدة متعددة القوميات في تاريخ الصين  سماها على أسمه تشين Chin (221-207 ق. م.)   التي اعطت اسمها لبلاد الصين كلها.

 لقد وحد الأمبراطور تشين شي هوانغ اللغة المكتوبة والمقاييس والمكاييل والنقد وأقام نظام المحافظات والولايات، وكلف أكثرمن 300000  شخص لمدة أكثر من عشرة أعوام للبدء ببناء سور الصين العظيم الذي أصبح لاحقا يمتد لأكثر من 5000 كيلومتر في شمالي الصين، كما بدأ ببناء مقبرة ضخمة الحجم وهو على قيد الحياة تضم تماثيل الجنود والخيول والعربات لحراسة مقبرة الأمبراطور والتي أكتشفت في عام 1974 وهزت العالم أعلاميا ولقبت ال 8000 تمثال من الجنود والخيول والعربات الحربية الصلصالية بالحجم الواقعي، وعدت الأعجوبة الثامنة في العالم.

  

  تغيرات جذرية

  

والمرحلة الرابعة تأسست من خلال أسرة هان (206  ق. م. - 220 ميلادي ). إذ أسس ليوبانغ أسرة هان القوية وتطورت خلال حكمها الزراعة والحرف اليدوية والتجارة تطورا كبيرا وبلغ تعداد السكان 50 مليون نسمة. وفي عام 105 ميلادي أخترع تساي لون فن صناعة الورق بعد تلخيص التجربة الشعبية في هذا الصدد فطرأت تغيرات جذرية على مواد الكتابة. وأمتدت مناطق السيطرة المركزية من السهول الوسطى إلى المناطق الغربية (منطقة شينجيانغ و آسيا الوسطى الحالية). وأرسل الأمبراطور تشانغ تشيان رسولا لزيارة المناطق الغربية مرتين، مما فتح الطريق الذي يربط بين تشانغان (مدينة شيان الحالية بمقاطعة شنسي) وبين الساحل الشرقي للبحر البيض المتوسط مارا بشينجيانغ وآسيا الوسطى. لقد عرف هذا الطريق بأسم طريق الحرير الذي انتقلت عبره المنسوجات الحريرية الزاهية الصينية إلى دول أوربا وآسيا وأفريقيا مما قدم أسهاما هاما في التبادلات التجارية والحضارية بين الشرق والغرب.  ويعد الحرير رمزا للصين بشكل عام إذ أن الغربيين بدأوا التعرف على الصين من الحرير وسموا هذا البلد البعيد في الشرق (بلد الحرير).

  

طريق الحرير

 

وقد انتظمت مسارات طريق الحرير ( الخط الأحمر المنقط في الصورة أعلاه ) ، وظلت منتظمةً لألف وخمسمائة سنة تالية، وكان طريق الحرير خلالها معبراً ثقافياً واجتماعياً  وأثر كثيرا في المناطق التي يمر بها. ولم يتوقف شأن طريق الحرير على كونه سبيل تجارة بين الأمم والشعوب القديمة، وإنما تجاوز (الاقتصاد العالمي ) إلى آفاق إنسانية أخرى، فانتقلت عبره (الديانات) فعرف العالم البوذية التي انتقلت من الهند إلى الصين في القرن الأول الميلادي وعرفت آسيا الإسلام، وانتقل عبره (البارود) فعرفت الأمم الحروب المحتدمة المدمرة، وانتقل عبره (الورق) من الصين فحدثت طفرة كبرى في تراث الإنسانية مع النشاط التدويني الواسع الذي سَهَّل الورقُ أمره، وانتقلت عبره أنماط من (النظم الاجتماعية) التي كانت ستظل، لولاه، مدفونة في حواضر وسط آسيا . غير أن النشاط الاقتصادي، ظل دوماً هو العاملُ الأهم. ويكفى لبيان أثره وأهميته، أن طريق الحرير أدَّى إلى تراكم المخزون العالمي للذهب، في الصين، حتى أنه بحلول القرن العاشر الميلادي، صارت الصين وحدها، تمتلك من مخزون الذهب قدراً أكبر مما تمتلكه الدول الأوروبية مجتمعة.

 

   تناغم إجتماعي

وكان ملوك وأمراء الصين يكرمون الحكماء بهدف إثراء ممالكهم وتعزيز قواتهم حتى ان بعض موظفي البلاط أو النبلاء قربوا اليهم الأفاضل والحكماء ليناقشوهم في شؤون الدولة دون تعيينهم في مناصب رسمية ، فازداد عدد المثقفين الذين أخذوا يؤلفون الكتب ويطرحون النظريات  ويعلمون غيرهم،  لذا شهدت الافكار والثقافة تطورا لم يسبق له مثيل. أعطت الحضارة الصينية دائما الأولوية للتناغم الاجتماعي والوحدة والمساعدة المتبادلة كما يعد حب السلام وحسن الجوار هما قيم تقليدية للحضارة الصينية. ويعود الفضل بالتقدم الحضاري الذي تشهده البشرية الى الصينيين الذين اكتشفوا أربعة ركائز أساسية هي صناعة الورق والطباعة والبارود والإبرة المغناطيسية (البوصلة)، إذ انتقلت هذه العلوم إلى العرب وانتشرت من خلالهم إلى قارة أوربا، بعد أن شهدت الحضارتان الصينية والعربية التمازج والإستفادة المتبادلة بحيث دعمت حضارة الإنسان سويا  وبنت نموذجا للتبادل السلمي بين البشرية وقدمت مساهمة هائلة بتمازج الحضارتين الشرقية والغربية.

                                           

  شحذ همم

إن العلاقة بين الحضارات والهزائم علاقة عجيبة . تفني بعض الحضارات بعد الهزائم وتقوى حضارات أخرى بعد الهزائم أيضاً؟ ومن الحضارات التي لم تفنها الهزائم الحضارة الصينية، إذ  أن الهزائم كانت مصدراً لشحذ همم الأفراد والقادة لكي تعود الحضارة أكثر ازدهاراً وقوة. وفي المقابل اختفت حضارات أخرى كان لها من القوة والمدنية والتقدم التقني والحضاري ومع ذلك لم تستطع البقاء والصمود في وجه

الزمن وأحداث التاريخ، ومثال ذلك الحضارة الرومانية واليونانية.

إن الرصيد الداخلي للحضارة لا يرتبط بالضرورة بالعوامل المادية والإقتصادية، وإنما يرتبط بشكل أكبر بمنظومة القيم والأخلاق التي تحملها الحضارة من ناحية، وبين الصفات الشخصية والعرقية التي تميز أبناء هذه الحضارة، وهى عوامل قد لا تظهر بشكل واضح عند ازدهار الحضارات، ولكنها تشكل صمام الأمان اللازم لأستمرار الحضارات بعد الهزائم. وهذا ما يميز الحضارة الصينية التي  اختفت إلى حد كبير من الساحة العالمية خلال القرون الماضية ، أما اليوم فإنها تخطو بخطى واضحة وثابتة نحو التأثير مرة أخرى في مجريات أحداث العالم. إن متابعة عودة الصين إلى الساحة العالمية كقوة عظمى يمكن أن يفيد أبناء الأمة العربية وهى تتلمس طريق العودة إلى

المكان اللائق بها حضارياً وإنسانياً.

  

  قوة عظمى

  

كانت الصين في بداية القرن العشرين وحتى منتصفه كياناً هزيلاً ضعيفاً يعاني من تفشي الجهل والفقر وتعرض إلى مجاعات ونقص التقنية وضعف الهوية القومية والهزيمة النفسية وسيادة القوى الأجنبية حتى أنها كانت محتلة من قبل اليابان حتى عام 1945. أن هذه العوامل كانت تكفي لتحطيم أي كيان أو دولة، وهى نفس الأمراض التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية في بداية القرن الحادي والعشرين. ولكن في خلال 50 عاماً استفادت الصين مرة أخرى من حضارتها لتصبح قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة على سيادة العالم. وتعتبر اليوم أهم دولة في العالم اقتصادياً وسكانياً وسياسياً، ومع كل ذلك فقد حافظت الصين على هويتها التأريخية، وشخصيتها القومية إلى حد يثير الإعجاب والتأمل.                .      
يرجع البعض كل ذلك إلى شخصية الزعيم ماوتسي تونغ (1893-1976) . ولا شك أنها كانت شخصية تأريخية في حياة الصين المعاصرة، ولكن من يتابع الواقع الحالي للصين يجد أنها بلا شك قد إستفادت من تعاليم ماوتسي تونغ وقيادته للصين، ولكنها قد تجاوزت ذلك اليوم في طريق نهضتها الحالية، وساهمت عوامل أخرى متعددة في استعادة الصين لدورها كقوة حضارية عالمية. فبعد وفاة الزعيم الصيني ماوتسي تونغ في عام 1976 ووفاة رئيس وزرائه شوان لاي في العام نفسه، وبعد عامين من الصراع على السلطة وصلت الى الحكم ،ومن حسن حظهم، قيادة تمتلك رؤية مختلفة  جسدها الرئيس دينج شياو بينج (1904-1997) ليتصدر أولوياتها هدف تطوير الإقتصاد والإنفتاح على العالم وتحقيق مستوى من العيش الكريم للمواطن الصيني. إذ تعد الصين للفترة 1949-1978 دولة فقيرة إقتصاديا حيث إن دخل الفرد متدني جدا وكذلك ضعف مجمل ناتجها المحلي ومعدل نموها الأقتصادي، أما الإستثمار الأجنبي فلم يكن له وجود في الصين قبل عام 1978 ولكنها استفيدت من أصالة حضارتها.

 

 

  دروس وعبر

  

السؤال المهم هنا هو كيف يمكن الإستفادة من الرصيد الحضاري للأمم؟


يمكن إجمال عوامل 'الرصيد الحضاري' للأمة المستمدة من تجربة الصين في الأمور التالية والتي قد تفيد أمتنا لتستعيد دورها ونهضتها في عالم القرن الحادي والعشرين.
أولا القيادة الفكرية:

لا تستطيع الأمم من التقدم  بإستعمال  التقنية والمدنية والتصنيع فقط، ولكن لابد أن يمتزج كل ذلك من خلال قيادة فكرية تدفع الأمة للأمام وتحافظ على هويتها، وتنجح في تطويع الأفكار العالمية لخدمة القضايا المحلية للأمة، وهو ما نجح فيه ماوتسي

 تونغ على سبيل المثال في الصين. فرغم أنه اقتنع بالفكر الماركسي إلا أنه لم يقبل بنقل التجربة الروسية إلى الصين، وإنما قام بتطويع الفكر الماركسي ليتناسب مع طبيعة الشعب الصيني. وليست أمتنا في حاجه لإستيراد أفكار غربية أو ماركسية للنهوض الحضاري، وإنما هى في حاجه إلى إيجاد صيغ عملية واقعية لتجديد الفكر العربي الإسلامي ليتناسب مع احتياجات الأمة وطبيعتها  الخاصة في القرن الحالي وهذا دور القيادة الفكرية للأمة.

  

 ثانيا إحياء الشخصية القومية:

 إن الأعتزاز بالهوية الخاصة بالأمة يعد  أحد أهم عوامل الرصيد الحضاري اللازم للحفاظ على الحضارة. ولذلك فإن إحياء الإعتزاز بالهوية الإسلامية للأمة هو أهم الخطوات إلى عودتها إلى مكانتها الحضارية اللائقة، ولا يعني الاعتزاز بالهوية الإسلامية التمييز العرقي أو الإضطهاد الديني للأعراق أو أبناء الديانات والشعوب الأخرى، وإنما يعني الحفاظ على مقومات الشخصية الإسلامية والاعتزاز بها وتربية الأجيال الناشئة عليها دون غلو أو تفريط.

                              
ثالثا البناء الداخلي للفرد والأمة:

إذا أرادت حضارة ما أن تستعيد مكانتها بين الأمم والحضارات، فهى في حاجة  إلى مرحلة بناء داخلي تستعيد فيه الحضارة قدراتها على الإبداع الحضاري والإكتفاء الإقتصادي والقوة السياسية والعسكرية. وقد تستفيد الأمة في هذه المرحلة من الحضارات والقوى السياسية والإقتصادية الأخرى لمساعدتها على النهوض دون أن تفرض هذه الحضارات هيمنتها الفكرية أو السياسية على الأمة.
إن هذا التوازن بين الإستفادة من الآخر مع الحفاظ على الإستقلالية الفكرية توازن شاق ويحتاج إلى القيادة الحكيمة والمثابرة. وبما أن البناء الداخلي يحتاج إلى وقت وجهد، ولا يثمر نتائج عاجلة فورية، فلابد من إهمال عامل الزمن عند إعادة البناء، ويعني ذلك التركيز على قوة البناء الداخلي، وليس الوقت اللازم لتحقيق ذلك، ومن المهم تحمل المشكلات الآنية التي تطرأ إلى أن يتم العلاج التام لأمراض الأمة في المستقبل.


رابعا: تضحية جيل:

 تستعيد الحضارات ذات الرصيد الحضاري مكانتها عندما يتقبل أحد أجيال الأمة مسؤولية إعادة الأمة إلى سلم الحضارة، والتضحية تكون في الغالب باهظة الثمن، ولذلك فليس من السهل أن يجبر جيل ما على القيام بهذه التضحية، وإنما تجتمع الظروف والعوامل الأخرى لتكون هذا الجيل وتقدمه ثمناً لاستعادة الحضارة لمكانتها. إن هذا ما حدث في الصين التي فقدت الملايين من جيل ماوتسي تونغ والجيل الذي تلاه، وتحصد الصين اليوم نتائج تضحيات   ذلك الجيل.

                                                                                           
خامسا : قبول التحدي:

 الرصيد الحضاري الكامن لدى الأمم لا يتحول إلى قوة دفع إلا عندما تقبل الأمة أفراداً ومجتمعات تحدي مواجهه الواقع وتحدي التغلب على المعوقات والخصوم. فلا تستعيد الحضارات مكانتها بأن تفسح لها الأمم الأخرى مكاناً، ولكنها تستعيد مكانتها بفرض نفسها على الحضارات الأخرى، وتحدي الخصوم من أجل الفوز بإحترام العالم وثقة الشعوب. إن العودة الحضارية تفقد الأمة الكثير من الأصدقاء في مرحلة التحدي، ولكنها تعيد إلى الأمة الاحترام العالمي وهو خيار لا يحسم إلا بقبول التحدي. ولا يعني قبول التحدي إساءة معاملة الخصوم، وإنما يعني اكتساب الخصوم إلى صف الأمة بناء على التوافق في المواقف وقبول التضحية من أجل المبادىء.           

  

والسؤال الآخر المهم هنا: هو كيف تعود أمتنا إلى مكانتها؟

  
إن المجتمعات العربية والأسلامية لها من 'الرصيد الحضاري' ما يكفي لأن تعود إلى قمة الأمم المتحضرة فكرياً وتقنياً وأقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، ولكن الأمة في حاجة إلى اتباع العوامل السابقة لكي يتم تحويل الرصيد الحضاري إلى واقع جديد ينقل الأمة من مأساتها الحالية وينهض بها من كبوتها التي طالت، وكما قال الشاعر الرصافي قبل حوالي 75 عاما :

  

تقدم أيهاالعربي شوطا            فإن أمامك العيش الرغيدا

 وأسس في بنائك كل مجد         طريف واترك المجد التليدا

 فشر العالمين ذوو خمول         إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

 وخير الناس ذو حسب قديم       أقام لنفسه حسبا جديدا

  

 ولن تجتمع هذه العوامل إلا بالأهتمام بالشباب والأجيال القادمة وتكاتف طليعة المثقفين والمفكرين وقيادات الأمة من أجل نبذ الطائفية والعنصرية، والتضحية من أجل مستقبل أفضل للأمة على حساب تضحية جيل لن ينعم بالرخاء أو بالراحة، ولكنه سيكون جيل نهضة تذكره الأجيال القادمة ويفوز بالنجاح والنجاة في الدنيا والأخرة.

  

لذلك عليها أن تدرس وتستفيد من الحضارات العريقة التي ظهرت  في القرون الماضية وأن تتجاوز الهزائم التي مرت بها. إذ إتصفت حضاراتها  بالأصالة فقادت الأنسانية نحو المجد في الوقت الذي كانت أوروبا غارقة في ظلماته، ولنستمع جيدا ولنطبق قول الله سبحانه وتعالى في حياتنا :

بسم الله الرحمن الرحيم

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ. .(آل عمران110 ).

 

 

 

 

* مستشار ثقافي/الملحقية الثقافية /سفارة جمهورية العراق في الصين

 

أ د حاتم الربيعي


التعليقات

الاسم: ali
التاريخ: 22/01/2015 19:40:30
نفس الكلام موجود للدكتور باسم خفاجي منذ 2005 مع العلم أنه لم يشر إليه!!!!

الاسم: ابوعلي
التاريخ: 06/05/2010 05:17:52
دروس وعبر
حقائق ومعلومات
دقه وزخرفة لغوية رائعه
اسلوب جميل ورائع
دعوه للاستفادة من التجربه الصينيه ولو بالقليل لغزاره محتواها من قيم انسانية
حقيقه تستحق الثناء
تقبل مروري

الاسم: د. عبدالباسط سلمان- جامعة بغداد
التاريخ: 05/05/2010 21:39:53
افكارك ذات افق واسع
اذ كانت كتاباتك باكثر من مغزى للانفتاح والثقافة والاستكشاف
من هنا نجد المتعة في التعلم
ونجد الرغبة في التطلع
اعجابا وتقديرا للمعلم د. حاتم نقول كنت ولا زلت عذبا في كل شيء
تحياتي اين ما تكون

الاسم: د.علي فؤاد
التاريخ: 05/05/2010 19:05:13
اهنيك بشكل خاص على هذا المقال الرائع ..قرأته اكثر من مرة وقرأته مرة اخرى حين وصلني عبر بريدكم الشخصي وسأقرأه مرات ومرات كلما اتيحت الفرصة.. ادهشني حقاً هذا المقال .. فلا هو بمجرد وثيقة تضمّنت معلومات دقيقة بالأرقام وبالتواريخ ولا هو بدراسة تأملت تلك المعلومات وقارنتها وقاربت بين الماضي منها والحاضر وبين حضارتهم وحضارتنا ولا هو بمجرد مقال ادبي جاء من نسج الخيال .. بل هو كل هذا معاً.. واكثر .. فهو يمثل قطعة فنية فريدة من نوعها تثري من يطلّع عليها.. فتحية كبيرة للجهد المبذول في هذا المقال وتحية اكبر لما به من إبداع ..ونرتقب في اشّد الشوق مقالكم القادم

الاسم: سامي جاسم محمد
التاريخ: 04/05/2010 20:12:04
الاخ دكتور حاتم المحترم
معلومات كبيرة عن حضارة وتاريخ مهم في حياة الشعوب اتمنى ان نستلهم منه الدروس لبناء الوطن.بوركت جهودكم اخي ابو احمد ووفقكم الله لما فيه الخير

الاسم: جلال عمران
التاريخ: 04/05/2010 16:09:47
الاخ الدكتور حاتم المحترم
مقالتكم دائما جديرة بالقراءة حيث تحوي معلومات مهمة ومفيدة وقيمة

الاسم: علي حسين الخباز
التاريخ: 30/04/2010 10:27:02
عزيزي الدكتور حاتم الربيع سلاما ايها الرائع الحقيقة انا تعودت ان انقل مواضيعك لاقراءدئها في البيت
فدائما اقضي السهرة مع هذه الر حلة الممتعة والعوالم الجميلة وخاصة حين تصاغ بيراع مثقف شاعر اديب




5000