..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قــراءة نقـدية في قصيدة بحشاشتي سهـمك مضى للشاعر عبد الحسين صبره الحــلي

د. خير الله سعيد

 "الوجـد المـذبوح بسـيف الفــراق"

قــراءة نقـدية في ... 

  

قصيدة

 " بحشاشتي سهـمك مضى" 

   للشاعر عبد الحسين صبره الحــلي

 

 1900 - 1942

د. خـيرالله سـعيـد  

  

*     *     *

  

بحشـاشتي سـهمـك مضــى                "آ"

وعـگبك علي ضاگ الفـضا

اللـّي حضى بوصلك حضـى

والما حضى لا ول الحـــــظ

*     *     *

حظـّه ردي وعـمره اخسره              " ب"

اللـّي لشـخصـك مايـــــــــره

جـفني مـعـيّ مـن الكـــــرى

ما استلـذ عگبـك واغـمـض

*     *     *

مـاغـمض جـفني ولا نشـف               "ج"

دمعـي روى جـمـع السـلـف

ما چِـلـّـني غــير الأســــــف

متسـلـّي بهـــــــامي أعـــض

*     *     *

عـضــّي على حـبـّك فــــرض            " د"

والـلاّمني شـنهـــــو الغـرض

لـو نـوّخــــت نــــوگ الأرض

ما ضـن بهــــمـّي تنـهــــــض

*     *     *

مـاتنـــهـض ولا  شـالـــــتــه            "هـ"

مـاعرفــت دهــري شـرادتــه

فـضــّت الصيف من الشــــته

هـم هـالشـّكل حبنـا انفــــــض

*     *     *

فـضـّـت وحـگ مـكــّة ومـنــى           "و"

وظـلـّـت الــروح امــدوهـنــــه

آنـــا العـــلى راســــه بـنــــــى

عـــش الـغــــراب وبـيـّــــــض 

  

*     *     *

فَـــضَّت ينـــــــاهي خُـــــــوِّتي        " ز"       

 ونْسِيتـــــِني يــامُــــنيِــــــــتي

اتــــــــدارَك يَوِلفـــــي عِـلِّــــتي                    

 گــــــبلا  تُطـــــــول وتُعـــرض

*     *     *

عُـــرضَت يناهــي واتِّسَـــــــــع      " ح "            

 جَرحي ودُوه بــي  مـــانِـفَـــــع

ماصـــــــاب أيّــــوب الوِجــــــع                    

  ِمثلي ،وجِسمـــه اتـمـــــــرَّض

*     *     *

بالمــرض مَــرمي والبــــَشــــر      "ط"

يـــاهـــو الــيِصـــِد لَيَّه ابـتِــشر

رَضّ الزِجـــاج اعلـــــه الصَخر 

 ضِلـعــي يـــــمــدلـول انـــرَض

*     *     *

مـَرضــوض ضِلعــي وانشِچَل     "ي"

لْســاني ودِنَــــه مِنّي الأجَــــل

مِنـّــــك فـــــلا أگــــطَع أمَــــل                       

 لُـمِــــَن يِـلـفـــني الأبـيـــــض

*      *     *

لــــو الابيض يـلِفْـني وطـــره    "ك "               

ذچـرَك اوِن  تَـحـــت الثــــَره

خـــلّيت حـــــوبَـتــــنــــه وَره                 

وكِـلمـن عَلــى اهْـــوانَه شَــظ

*     *     *

شَــظَّــــت يــناهي بـلا أصــــل  " ل"             

چِـي گُـطــع حَـبــل المِتّـِصِــــل

روحـي اخْـلُصَــت سـاعَه گَبـل

 سَعــفـة بهــبـــوب وتِخْـتِــض

*     *     *

تختض وحَگ مَــكـّـه ومِنــــَه  " س"

وأمـســت الــروح امْــدوهِـنـه

آنــــه العـــــله راســـه بِنــــه                        

عِــشَّــه الـغــــراب وبــيَّـــض

*     *     *

              

  

  

رض الــزجــاج اعلـى الصخـر         "ف "

ضـلعـــي يـمـدلـول انــــــرض

اللـّـي حضـى بـوصـلك حضـى

والـمــا حـضى  لا  ول الحــظ

*     *     *

آ-  تنطلق مفردات هذه القصيدة الخــالدة من بيئتي الجـنوب والفـرات الأوسط من مناطق العراق،حيث تتداخل لهجـتي المنطقـتـيــن في صياغـة التراكـيــــب الشعرية، ذات الجــرس المترادف في موسيــقاه، والمحمول بشحــنة تعبيريـــة عـالية، تشـكـّل  "الكـشكشة والشـنشنـة" عوامل مساعدة في تجاوز الأشكالات اللغـوية والتي

تفترضـها القـافية في السياق البـنائي للجمل الشعرية، هــذ أولا، وثانيا، يشكـّل

التـداخـل والامتزاج اللـّهجوي- لتلك المنطقـتين- عاملا آخرآ مساعدا أيضا في

صرح البـناء الشعري، من حيث التشكيل في العـبارة، وتأديـــة الغــرض فــي المعنى، وبالتـالي يصبح بناء الجملة الشعريـــة أكــثر موسـقـة وأشــدّ تــماسكا

وأغـزر في المعنى، وأثـبت في السـماع، وأوجـع في النفـس، فاذا صادف مـؤدّ

حـاذق- لهـذا اللـون من الشـعر،، كما أدّاه الفـنان الراحـل ريـاض أحـمد- فـــان لـبّ المـستمع، الصـافي القريحـة، منخـلع لامحـالة من تلابيب النفـس.

 

ب- يعتمـد - حـرف الضـاد- اذا استخدم كقافية ارتكازية في أي قصيدة شـعريـة،

على قدرة واعية من لدن" الشـاعر" لتوظيف دلالة الكلمات الحاوية لهذا الحرف الصعب، ونادرة هي القصائد  في الأدب العربي، عموما، التي استخدمت الضـاد

كحرف روي في بناءاتها الشعرية، وتلك مـــيزة لهـــذا الحرف الأصيل، والذي يحسن توظيف" المفردات الضـادية" فانه ، لامحالة، سـيخلـّد قصيدتـه التي رام

بنائها على هذا الحرف، كما فعـل الشاعر" حـطـّان بن المعـلاّ" في قصيدتــــــه الرائعة ، التي يقول في مطلعهـا:

 

أنـزلني الـدهـر على حكـمه......من شامخ عال الى خـفـض

" تراجع القصيدة في ديوان الحما سة لأبي تمـّام".

وعلى هذا الأساس، بنى هذا الشاعر"  الحلي "قصيدته تلك على ذاك الحــرف

ليدلـل عل فرادة في الأختيار، من ناحية حرف الروي،وعلى خـاصية أخــــرى تعتمد على " اللغـة العـامية الـدارجة"في مناطق الـعراق ، الوسطى والجـنوبية

كي يكون مصدر الألهام يستجيب لمؤثــّر البيـئة ويـؤثــّر فيه،بنفـس الـوقـــــت،

بـل أضاف الشـاعر بعـدا آخـر، تمثــّل في اختيار نـوع الـوزن الشعري- حـيث

عـمد الى نظـم القصيدة على وزن " الخـفيف" ذوالجـرس الخـاص بـموسيقـــاه المنسجمـة والمقام الموسيقي المـودّى بـه هذا  اللـون من الغنـاء.

كل ذلك لتحقيق غرض القصيـدة- كما يراهــا هـو- والمتمـثـّل ببــث شــكــــواه

الى المسـتمع، لخلـــق حالة من التجـاوب الـوجداني/بالأحـاسيس والمشاعر/مع

المعاناة التي يشعر بها.

 

ج- لـغــــــة القـصــيدة: شكـّلها الشاعر من أحاسيس وجـدانــية مشتركة ، بينه وبين الجمهورالذي يعي محمولات لغـة القصيدة. فكما أشرنـــا، انطلــق الشاعرمن لهجة لجنوب والفــرات الأوسـط " ومعـجـم"هاتين المنطقتــين ذا خصوصية متفرّدة ومتميـّزة عن بقية لهجات العراق، حيث هناك جزالة في

اللفظ الفطري، ذو الدلالة الصادقة في الأحساس، والتي تكشف عـن سريرة

قائلها دون تورية، فهي واضحة جدا ، رغـم اشتمالها- أي هذه اللهجة- على

عناصر ايحائية ذات عمق معنوي يفهـمه أهل تلك البقـاع اسـمه" الحسچِـة"

وهو لفظ بلاغي مكثـّف العبارة،مؤد للمعنى بأوجز لفظ وأعمق دلالة، حـيث مضمـّرات" الحسـچِـة"هي أقـدرللتعبيرعن حالة الموجـوع المتأوّه بها، وهي أقرب الى أحاسيس المتلقي ، حيث أنه بمجرد "السماع"قد تنتقـل اليه عدوى الآه .

ومن هــذه الخصوصيات اللهجوية، بنى الشاعـرقصيدته تلك، ليبثّ شكـواه

ويعبـّر عمـّا نزل به من" ملمّـة" عاطفية، كثـّفها تعبيريـّا بتلك القصيدة .

 

د- طابع القصيدة: هذا الطابع يوشـّيه الحزن المطلق، فهو الرداء الكامل

بل هـو الآه المأسورة في خبايا الروح وفضاء الحالة الأجتماعية ، ضمــن محمولاتها  الفولكلوريـــة. ومن هنا، يكون الايــقاع الفولكلوري هـو أحـد الفضاءات الناظمة والممركــزة للحوامل المعنويــة في تركيب القصيــدة ،

 وبالتالي تكون حالة الانسجام في" الحزن الشخصي" تتواشـج وتتــلائـــم

مع " الحزن العـام". ومن هنا- أيضا- تكون هذه القصيدة واحدة من أشهـر القصائد التي عبـّرت عــن الحس الجمعي، متجاوزة الحـالة الفرديــة التي

 كتبت من أجلها ومشخـّصة لحالةاسمها" الحزن العراقي" بسيماء الجنوب

والوسط الفــراتي.

هـ- الانشـاد لهـذه القصيدة: كما أوضحنا، بــأن" الحـزن" هـوطـابـع

 القصيدة السائد، لذلك فرض هذا الحزن انشاادا خاصا بهــا,أدّاه المرحـوم

ريـاض أحمد بطورجنوبي يسمـّى" الـركباني" وهو فــرع مـــن - الطـور

المحمـّداوي- وهذا الطوريستخدم عادة للتعبير عن الفجيعة، حيث تكثر فيه

أصوات مثل" الترعـيد والترجيع"مـع بحـّة حــزن واضحـــة في الصـوت

تشعر المتلقي بحالة من البكـائية المضطردة، تهـيمن على الأداء الغـــنـائي

الأمر الذي جعلها- أي القصيدة- أعلق بالذاكرة لسـنين طويلة.

وهذا اللون من الأداء صعب للغـاية، حيث يحتاج المؤدّي فـيه الى طبقـــة

صوت عالية، ومساحة واسعة، ونغـمة خاصة" مرخــّمة"مع احساس مـن

لدن المنشد بمضمون القصيدة، بمعنى آخر أن هذا اللون من الشعر يحتاج

الى نوع خاص من الغناء، كي تتحقــّق الوحدة العضويــة والمعنويـة بيـن

الأداء الفنـّي للموسيقى والغرض الشعري للقصيدة لذلك كان رياض أحمد

أقـدر من غيره من المنشدين  لتحقيق هذه الوحـدة العضوية . أقـول هــــذا

لأني سمعتها منه ولم أسمعها من آخــرين.بالرغم من أنـّـه حذف كثير من المقاطع - بحدود 4 مقاطع- منها، كي يتمكـّن من أداءها بالشكل الذي أداّه بأبــــــداع متمـّـيز.

 

و- أهـميـة القصيدة: مثـّلت هذه القصيدة، نشيــدا جماعيـا لكـل عاشـق

ولهـان، آسرته فطرة الهـوى، والتلـذذ بحالتـه المعـذّبــة، على اعــتبار أن

الهـوى- في تلك الربوع- يخضع لمفهوم " العرف والعـادة" وبالتالي هــو

 أشبه بحالة- الحـبّ العـذري- لذلك تبقى مكنونات هذا الهوى دفــينـــة في

الروح، تحتاج الى " عامل" يفجـّرها في لحظة ما وهذه اللحظة قـد تكـون

حدث اجتماعي، ذا صلة نفسية واجتماعيةعندالعـاشق، أنثـى كان أم ذكرا،

كقـول احـداهـنّ:

        " ومـچــلبـــه بالنســـــوان..... گـــوّه ابـچِــــــن ابــچِـــن"

        " آنه اعلى ولفي الضـاع...... وانتــن لـهـلــــچِــــــــــــن"

ومن هـنا، نرى هذه القصيدة في صدور الشيوخ، قد رافقـتهـم منـذ أيـــّام

الصبا، وهي حديثهم في كل مجلس، ونشيدهم المحفوظ غيبا،بل والبعض

يتفاخر على أقرانه بكونه يحفظ جميع أبياتها،وشكل أدائهـا الغـنائي ومـن

أشهر وأوّل من غنــّاها.

كما أن هذه القصيدة صارت واحدة من الاخـوانيات في التراسل وحفظتها

مدونات التراث الشعبي والفولكــلوري. كما أنـّها أصبحــت" وحدة قياس غنائية"لكبار المطربين في العراق، ذوي الشهرة والصيت، والأغـلبيـــة

منهم تتردّد في أدائها، نظرا لصعوبتها البالغة في الانشــاد.

 

ز- تحلـيل القصـيدة: ثمـّة عبارات وألفاظ يطلقها البعض، وتنتــقل الى

سواهـم ،حافرة أخـاديد في الذاكــرة وحاضرة في تماثـل الحالة المعاشـة، باعتبار" أن المعـاني في مقاصــد الكلمات"لا في رسم حروفـــها، أي أن

هناك" حـالة"في تطابق الحس والعقل والحدس،للتعبير عن الـحقيقـة ، أو

 كما يقول أبن عربي في- الفتوحات" الحقيقة في الكلمة أن تـكون كلمـة الـروح روح الكلمة" وبغية خلق هذه الروح في الكـلمة لابـد مـن اخـتيــار

حـرف الكلمة الذي سيبنى عليه صرح الكـلمـة بكامــل روحهــا، باعــتبـار

"أن الحروف أئـمـّة الكلمات"ضمن منظورات- الشيخ الأكـــبر-.

وشاعرنا- محور الحديث- لم يكن يعرف على الأطلاق آفــاق التصــــوف

ولا معنى فلسفة الأحرف، لكنه كان يعي مايحسّ به من لوعة الفراق، وما

تريد الروح من البوح به، من منظور التعايش الانسـاني في الحياة، لذلك

عمد الى" روح الكلمة" بفطريـة الاحساس الصادق للتعــبير عـن"كـلمــة الروح" فهو يقول ، في المقطع الأوّل: " أ"

بحشـاشتي .. سهمـك مضى

هنا، يستوقفنا هذا الشاعرمع روح جريحة ،أدماهـا سـهم ماض، حاد النبل

مصدره- الحبيب- ومصدر الجرح، هاهنا،الـعين- بمعنى أن سهام لحظـك

قد نفذت في أعماق الروح، وبان أثـرها، ورمّ الجـرح على هذا السهم، بل

أصبح هذا السهم " بلسم الروح" الذي لاغنى عنه.وهـذا الطرح أوالتحليل

يؤيده -البيت الثاني من المقطع الأول- حيث يقول:

وعـگبك علي ضاگ الفـضا

اذن:حال ابتعـادك عني" بلفظ الشاعر"ليس فـقط جـرح الروح، بل نزول- القضاء الأكبر- وهـو، ضيق الحياة وانحسار فضاءهــا دون حـدقـة العـين

بمعنى آخر،هناك حالة اقتراب من الموت المحتـّم، ليس روحـيا فـحسـب ،

بل، وجسديـّا كذلك،حيث أن معنى البيت الثاني- بعد فراقــك عني، ضاقت

 علي الأرض بما رحبت. والتحليل النفسي،لهذا المعنى،هـو سيطرة الكآبة

والسوداوية على كاهل هذا الشخص، فلم يـر غير السواد، واحـولـّت رؤى

روحه عن بقية الألوان. وهـنا  حدث - بعد الفراق- استبــدالا بالجــرح في

بقية مطارح الحياة، وستبقى هــذه السوداوية تحكم تصرفـات العـقل وفـــق لونها، وصبغتها الخاصة، وهو ماسيظهر في بقـية صرح بنـاء القصـيدة ،

حيث شكـّل هذا الاتجاه الناظم الأرأس في مسار القصيدة، وأوّل ظهــورله

 كان في البيت الثالث من المقطع الأول، حيث يقول:

الـلّي حضى بوصلك حضى

اذ تشير" العبارة" الناقصة المعنى- هنا- الى سعـادة الانسان الـذي ســوف

يسعــد بـ" وصالك" باعتبار أن من- حضى بالوصل- فـقــد كــسب الـمنى

ومن لم ينل هذا - الوصل- فقد ساء طالعه وجافــاه الحظ، وهـو مايـؤكـّـده

البيت الربع، أو مايعرف بـ" القفلـة" حيث سيكتمل المعنى وتظهر حقـيقـة الصورة وبلاغـة القصـد:

ول المـاحضى ...لا ول الحـــظ

وعموم أهـل العراق ينطقون بعبارة" لا ول  الحظ" عند ندب حظوظهم في

مسألة أو نائبـة تحل بهم،على الصعيد الشخصي أو على الصعيد العام حتى

ومن هنا ، ندرك- الحس الجمعي- في العبارة ضمن المقطع الأول.

 

في المقطع الثاني" ب" وضمن الموشور النفسي الصاعد في لجاجة الروح

يعمد الشاعرالى توكيد- جفاء الحظ- من حياض روحه، في المعنى العـــام

للقصيدة، وبنفس الوقت، يربط- فنيـّا- اكتمال المعنى والصورة، ضمن هذا اللون الشعري  والذي يعرف بـ" المـربـّع" نظما وليس غناءا"حيث يجري

التمازج الفني- ابداعيـّا- مع الوعي الشعوري- نفـسيـّا- في وحـدة المعنى .

فاستكمال وربط معاني المقطع الأول مع المقطع الثاني في المعنى والقافية

يسمـّى بـ" التحـوير". وهذا التحوير، يكون عادة امـّا بين مقطع ومقطع، أو

بين البيت الأول والثاني أو بين الثالث والرابع، وهو في الأبـوذية العراقية

أظهر وأوضح، ويظهر- أحيانا بالعتابا ، حيث أنها من نفس البحرالشعري،

والذي يعرف بـ" الـوافـر" .

ومن هنا ندرك" فحولة الشاعر" في التقـيـّد بمضامين الشعر والشعراء في

مجال" الشعر الشعبي" . فهو يقول في المقطع الثاني :

حظــّـه ردي وعـمره اخـسره

الـلـّـي لشخــصـك مايــــــــرى

اذن: هنا، ربط ترحيل المعنى في المقطع الأول مع معاني المقطع الثـاني،

يل والتزم ،التـحوير- فيما بين البيت 5 و 6 ،حيث المعنى في الثاني يكمل

معنى الأول، هذا على صعيد صنعة الشعر، أمـّا على صعيد- كلمةالروح،

أو- المضمون- فان الشاعر ظلّ محافظا على ايقاع المعاني المعبرة عــن

معاناة الـروح .

فالحظوظ، في الحضوة واللقاء،وحظ الحياة، وحظ المعاش، تتداعى سوية

وتتراكم على كيان وحس الشاعر، فتربط رؤاه، وتخلط مزاجه، فـيلجأ الى

الفرار من أسر الحالة الى تفجيرسـرّ الحرف في التعبير، فيحـوّل أحاسيس

المعاناة الى ابـداع تستهويه النفوس المعذبـة، وتعيده بتلـذاذ ممزوج بعـتاب

موحى، يسـتفزذاكرة الحبيب،  فكل البوح فيه لذة ، لأنـــه يخاطب شخصـا

بعينه، يكون حاضرا في الوعي ومتجسـّدا في الأحاسيس، أو على حدّ قول

القشيري المتصوّف- في الرسالة القشيرية:

  

بني الحـبّ على القـهـر فلــــــو..... عـدل المحبوب يومـا لــسمج

ليس يستحـسن في حكم الهـوى.... عاشق يطلـب تـأليف الحـجـج

                      

 ومن هذه الزاوية، أي زاوية - عذر الحبيب- يكو ثمن هذا العـذرهـو شدّة

المأساة على الشاعر/ المحب/ وبغية نقل هذا الأحساس الى الحبيب الغائب

يكون في تحميل الخطاب معنى العتاب ولذلك جاءت معاني البيتــين5 و 6

لتؤديان هذا الافصـاح المطلوب، فيما كانت الأبيات 7 و 8 مـن المقطـــــع الثاني، تتضمـّن معنى العتاب، وبلغـة التـــذلل الصوفي:

جـفـني معـيّ مـن الكــــــرى

ما اســــتلذ عگبك واغـمض

فـالتـدوير،واضح في البيتين، والقافية الأخــيرة عادت على روي الضــاد  كحرف، ترتكز عليه المقاطع، فيما كانت المعاني تكشف خـبايـــا الــروح الـولهانـة وتدين صمت الحبيب، من الجهـة الأخرى، اضافـة الى اظهــار حالة القـلق العذبة في الروح، والتي يظهرها جليـّا" الجفن الساهر"حيث

العلاقة بين الروح والعين، فالثانية مرآة للأولى،وللتوكيد على هذه الحالة

يصرخ الشاعربالمحبوب بأن" جفنه"ما استلذ عگبـــك واغمض" أي لـم

 يذق طعم النوم، والتي جاءت المفردة" عگبك"تؤكد ذلك وتديــن جـفـــاء الحبيب .

هـذا الولوج المؤلم في داخل الروح،والمفصح عنه باللغة الشعريـة العالية

تدليل على سرمدية العشق في النفوس، وافصاح صادق باالفطرة لأولئـك

الأقـوام ذوي الجذور السـومرية.

ولغرض ادانة- الحبيب- رمزيـّا لا شخصيا،يعـرّج الشاعرالى كشف حاله

، ليس للحبيب وحده، بل الى -الحـيّ- والساكنـــين فيـــه، لفضح الشكـوى

واشهارها، عـلّ أحد ما ، ينقل هذه الشكوى الى مسامع الحبيب، حتّى وان

كان الناقل واشيا، لأن البوح - أحيانا- يخفف المعاناة عـن النفس، لـذلــك

جاء المقطع-ج- متضمنا لهذا البعـد، وكاشفا بعض أسرارالهوى ولوعـــة

المشتاق، لأن - الحالة- لم تعـــد في وضع السكــون، ولا القــبول، ومــن

علائمها، الـدمع الفـاضح، والعضّ على الابهـــام، والنحـول في الجــسد

والذبل في العيون، والحـمرة في المآقي، وثرثـرة اللسان، وغـيرها.

وهي " حـالات من الـوجـد" لايعرفها الاّ من قـاساها . لذلك كـان الشاعـر

يومئ بتلك- الحـال- افصاحا وترميزا، لعـل شكواه تصل لمسامع الحبيب،

يقول في البيت-9- من المقطع  ج :

مـاغـمض جـفني ولا نـشـف

هذه الشكوى المتعالية، هي صرخة وجد كامنة، طفح بها الكــيل، وفاضت

 بها مآقي الشاعر في ناحيتين:

الأولى،في الكلمتين الأوليـّتين" ماغمـض جـفني" للتــدلـــيل على تــوتـــّر الأحاسيس واشتداد القلق المرهق للنفس.

والثانية، انـدماج الشكوى، بتجلياتها من الجـفن الى الـدمع،والــذي تظهرة فـنيـّة" الـتدوير" في بداية - البيت 10- من المقطع ج - حـيث ترابــــــط المعنى بين كلمة" نشف  ودمـع"وبروز فنيـّة عـــالية في النظــم، حـيــث

انسيابيـّة المعنى جاءت متراصـّة وسـلسـة في بقية البيت-11- من المقطـع المذكور:  " دمعـي روى جـمع السـلف"

فحالة الدمع أو البكاء لاتجف في مرآى الشاعر، بل تحفـر أنهـارا في خـدّه

يشاهدها الناس في " السـلف" أوالقرية، بمعناها الضيـّق  والمدينة بمعناها العام. وبعبارة أفصح،انتقال- الحالــة- من الخاص الى العـام، في حـــدوده الضيـّقة . وهـذا البيت- رقم 11- فيه معـادل موضوعي ، تجسـّد في رســم

" الدمع" للنهـر الذي يسقي زرع الناس، والأشارة هنا واضحة الى مجتمع القرية، لأن كلمة"سـلف" لاتستخدم الاّ في الجنوب العراقي .

ومن هنا ، تكون "الفضيحة" أكثر ايلاما على الفرد،ضمن علاقاته في ذلك

الوسط الأجتماعي المحكوم بالعادات والتقـالــيد. بمعنى  آخــر أن حــــالــة الافصاح هذه  ، هي كسر لذلك العـرف وخروج عليه، لأن هذا "الخروج"

في الهـوى، يتضامن معه الناس- أحيانا- لاسيما عندما يبلــغ الـوجـد أشــدّه.

بعد- هذا التصريح- يفصح الشاعرعن سلوك فاضح آخر هـو: العـضّ على

الابهـام،من خشية ضياع الحبيب لأن أهـل الفتـاة اذا شعروا أن هنـاك نوعا

من " النسيب" قد قيل في " بنتهم"يعمدون الى تزويجـها سريعــا مـن أحــد الأقــارب، وهذا "العـرف" يدركه الشاعربوضوح، لذلك يـقـول في البيتـيـن

11 و 12 من ذات المقطع:

مـا ـچِـلـّني غـيـر الأسـف

متسـلـّي بـهـامي أعـض

بمعنى ، أن هذا الأمر- زواج البنت من أحد الأقارب- قد طغى على تفكيره وأحكم حالة الحصار على رؤاه وأفـقـــده بوصلة التفكيرالهــادئ،حيــث أن العض على الأبهام،هي من حالات التأنيب النفسي على الذات، نتيجة خطأ

مرتكب من قبل الفاعل، لذلك يبرز هذا السلوك في حركـة الانـسان بشــكل فاضح ومعيوب، ومع ذلك فان الشاعر صرّح به،لأن الوازع الأخلاقي في

كينونته الأجتماعية جافى الحالة ولم يتضامن معها ايجابيـّا، لــذلك كــــــان خروج الشاعرعلى التقاليد والأعراف ، بهذ السلوك،يعني سلوة التعـــذيب،

بالعضّ على الأبهام، وفضح حالته، وجعل هذا النوع من التعذيب"تسليــة"

وهـذه التسلية، في ديمومة الحالــة الراهـنة تتحـوّل الى فـعـل لازم، ضــمن حالات" الأنعكاس الشرطي" لمفهومات- بـافلـوف- في زمن محــدّد وتحت تأثيرعامل ما، لذلك يعبـّرعن هذه الحالة بشكل واضح في المقطع د،لاسيما

البيت رقم-13- حيث يقول:

عـضـّي على حـبـّـك فــــــــرض

ومتعلق - حالة العض على الأبهام، في هذا البيت،لتوكيـد الأصرار الـذاتي

على الندم  بحيث أن حالة العض العارضة، تصبح بحالة ديمومة ثابتـة، بـل

الشاعر يرفعها الى مصاف  الفرض،ضمن قناعة مطلقة، تولـّدت لديه بعـد

أن شعرأنه أذنب بحق محبوبه، وما توكيده" لفرض العض على الأبهـــام"

الاّ كشفا لذاك الذنب" الغير معلن"في لحظة منفلتة من الزمن كان قـد وقــع فيها الشاعر ويرفض البوح بها، ومن هنا يأتي البـيت اللاّحق-14 -والـذي يرفض بشكل مطلق الأجابة حتى على مجرد السؤال عـن حالتـه الصحيــة

والوجدانية، ضمن علاقات المجتمع ، فيقول:

والـلاّمني شـنهــو الغـــرض؟

أي انـّه يحسب السؤال ملامة، بل ويشكـّك بغرض السائل. وهـنا نلمس حالة

تـــوازن وانسجام بين طقس الحالـــة وضجيج القصيدة، ضمن الهارمـونيــة السائدة في توصيف الحالة السوداويـّة التي يمـر بها الشاعروثـوب القصيـدة الحزين.

وبغية الأفلات من تساؤلات الناس عن حالته الوجـدية فأنـه يصرخ بغضـب

ملحوظ، كي يستريح من السؤال، وذلك في البيت -16- حيث يقول:

لـو نـوّخـت نــــــوگ الأرض

مــاضـن بهــمـّي تـنهــــــض

مقاربــة الحالة التي تطبـق على الشاعر، ضمن مدلــول الصورة الجمالـيـة للمعادل الموضوعي،تتجلّـى في تشابه حالته الشخصية، في الصبر وثـقـــل المعاناة، مقارنة مع أصبرالحيوانات وأكثرها حنينا، أي النوق،بل أنـّه يؤكد

تفوقـه عليها في الحمل والصبروالحنيــن،على اعـتبار أن الأنـسان أشــرف المخلوقات، ومن هنا كان تأكيده بــأن جميع النياق في الأرض، لاتستطيــع

حمل ماهو فيه من ألـم وهـمّ. وهذا التشبيه الفريد، حالة نادرة قلـّما تـبـرزفي

الشعر، الاّ عند الفحـول من الشعراء.

وبغية اثبات تحديـه لهذه النيـاق، فـانـّه يكررها في المقطع هـ ، ضمن مبــدأ التحـوير،لاكمال المعنى ، في البيت رقم 17 - الذي يقول:

مـاتـنـهـض ولا شــالـتـــه

أي أن كل- النياق- عـيـّت عن حملــه. ويحـيل السبـب في ذلك الأعــياء الى الزمن الذي يعيشـه- بحالة النكـد- هذه، لأنه يعتقد بأن جـفـوة الزمن، عـندما

تطبق على شخص فهـيهـات الافـلات منـها، لذا نراه يقـول في البيت رقــــم

-18- من المقطع هـ ، معاتبا الـدهــــر:

مااعرفـت دهـري شـرادتـه

رغــم أن هناك أبعادا فلسفيـة مرمـّزة- في البـيت المذكور- الاّ أنــّنا نلاحــظ ارتفاع ايقاعات توتـرالحـزن في روح الشاعــر، والتي تجليها مفــرداتـه في الأبيات الشعرية، كتعبيرظاهرلشئ مستور، وهــذه الأيقـاعــات المتصاعـدة

تؤشـّرالى تفاقم الحالة النفسية عند الشاعر، وبـدأت تـفـيض بها أحـاســيســه

فيسكبها بجمل شعرية تجد صداها في آذان المتلقين، وبـدوره- أي الشاعــر-

بساهم في رفع هذه الوتائر الحزينة، كي يشرك سامعيه بعـمق معـاناتــــــــه

مجيـّشا كل أحاسيس الأبداع الروحية، كي تتـوّلع في العبارة وتتفـنـّن بهـــــا

في آن واحـد، بحيث تقض مضجعه بتراكمها في "معاناة الوجــدان ووجــــد المعنى" كما يقول النفـّري في " المواقف والمخاطبات"  لذلك نرى شاعرنا

ينطق عباراته بكل هذه المضامين. فبعد أن" يعـلـّي"من ايقاعــات الحــــزن النفسي،فأنـّـه يحكم عــباراته بالتنافـرات المطلـقـة ليرسم حالــة الوجـد التي تعتريه بنقطة اللاّعودة مع الحبيب، وهـو مايفصح عنه البيت رقم 19- من المقطـع هـ والبيت اللاّحق له :

فضــّت الصـيف من الشـــته

هــم هالشــّكل حـبنـا انـفـض

  

جمال العبارة يبرز في النقيضين/ الصيف والشتاء/ وتصوير حالة الجـفاء بين الحبيبين على هذا المنـوال أبلغ بالتعبير، وأصدق بالاقرار والتصويـر

كون الحالة بلغت مداها في الانفصام وأصبحت أثـرا بعد عين، لذلك جـاء

التسـاؤل المفجع، في البيت الختامي للمقطع هــ :

هـم هـالشـّكل حــبنـا انـفـض

  

مرارة التساؤل مازالت عالقة في لسان الشاعر ووجدانه،ولغرض نقلها الى أفـئدة الخــلق، فانـّه راح يحـرّك " قـيم الديـن الثابتــة"في وعيهــم، لايـلام النفـس أكثر، وبالتالي افـهام الناس بوطئ الحالة عليه، لذلك راح يـقـــــسم بالمقـدّس الثابت في الوجدان الاسلامي، بأن علاقة الهـوى قد أسدل الدهــر عليها ستاره، فصاح مفجوعا  لهذا القدر،في البيت 21 - من المقطــع ،و،

فـضـّـت وحـگ مـكــّـة ومــنى

"فضـّت" انتهت،وحگ- هي أداة القــسم" وحــــق". ومسألة القسـم بمكـّة ومنى،لهــا مدلولات أخرى في وعـي الشاعر، تنسحـب تأويـــلاتهــا على  الرسول"محمد ص"وقبله - النبي ابراهيم ع -كل ذلك الغرض منه هــــو

الاعــلان عن فجيعة الفراق، التي الـمـّت به، فهـزّت كيانه بهــذا الشكل.

وثمـة تساؤل مخفي، يقبله تـأويل القـراءة على وجـه آخـر،مفاده أن حالــة الحـب الصميمية، بين الشاعر ومحبوبته،لايمكن للملأ تصديـقها بهـــــــذه

النهاية، وعلى تلك الشاكلة، وهو ما يلمـّح اليه الشاعر في البيت رقم 22 ،

النابع من الأعماق، والقــــائل:

وظـلـّـت الـروح امـدوهـــــنة

  

هذا الاصطلاح الأخير"امـدوهنـة"يحمل في مضمونه انشداه العقـل وعدم

السيطرة على الجوارح النفسية،وهو احـّـد "درجات الهـيام" في الحــــــب

وأوّل مراحل الجنون في السلوك الاجتماعي، أو كما يوصـّفه المثل الشعبي

" مايعرف راسـه من رجليه" واذا لم تدارى "هذه الحالة" فأن صاحبها فاقد

العقل ، لامحالة،واذا تلبـّست - هذه الحالة- انسـانا ذا شخصية ضعيفة فأنها

تقعد به حتى عن معيشة نفسه، لذلك يوصف الشاعربلواه بــهـا- البــيت23ـ و- 24 ،كتجسيد فعلي لهـا، يقـــول:

آنـــا العــــلى راســـه بـنى

عــش الغـــــراب وبـيـّـض

  

هنا- تظهر حالة من الاسـتسـلام للقـدرالذي " حـكم" بهــذا الفـراق، وقــــاد الشاعرالى الانطواء والتطيـّر، بحيث غـــدا مؤمنـا بأن " غراب  البيـــن قـــداستوى فوق رأسه أبد الدهـر، وبنى عشـّا له دون بقية خلق الله، لذلك تتعالى عنده" صيحـة النـواح" ويـلـجّ في ذكر التأسـّي والمأسـاة، وهو يترنـّح تحت ضربات الدهـرالموجعة ، مستغيثا بالحبيب، كآخر صيحة، ولكن ليت ساعة مندم، فيندب حظـّه ويصرخ- في المقطع - ز- من القصيدة :

  فَـــضَّت ينـــــــاهي خُـــــــوِّتي        

 ونْسِيتـــــِني يــامُــــنيِــــــــتي

اتــــــــدارَك يَوِلفــــي عِـلِّــــتي                    

 گــــــبلا  تُطـــــــول وتُعـــرض

استدراك  حالة الوجــع وألم الشكوى واليـأس، بدأت تاخذ حيـّزها الأعمــق في نـفـس الشاعر حتى أنه  بدأت عليه علائم الأستعطاف من نظرات الحبيب، فالبيت الأول من المقطع- ز-  يشعر الشامت والحاسد والحبيب نفسه بأن كل شئ انتهى، وهـو ماتشــير اليه لفـــظة" يـناهي" والمتبوعــة بكلمة" ونسيتني يامنيتي" حيث لغــة الأستعـطاف واضحة جدا، وتلك من علائم انتقاص المودة والجفاء المطلق بين الحبيبين،اذ تفترض علاقة الحب التسـاوي بين الطرفين،لكن درجة الهيام بدأت أوضح عند الطرف الأول، اي الشاعر،حيث نلمس حالة تذلل واضحة في عبارة" يامنيتي" والتي يتبعها بعــبارة أعنف وأضعف للنفس" اتدراك يولفي  علـّتي" أي أنجدني،فالعلة آخذة بكياني ولامفر من وصول الروح الى " المنيـّة" أي الموت المحتـّم، لذاه يريد هذا الأستدراك قبل أن تبــدأ القضية الروحية بالأنتشاروتتسع عرضا وطولا. ثم أن الخوف يبدأ بالتسلل الى  باقي مسارب الروح وأجزاء الحواس الأخرى، والشعورالفيزيائي به اضافة الى ماهو نفسي، وهو مايتوضـّح جليـّا في المقطع- ح- حيث يقول الشــاعر:

عُـــرضَت يناهــي واتِّسَـــــــــع      

 جَرحي ودُوه بــي  مـــانِـفَـــــع

ماصـــــــاب أيّــــوب الوِجــــــع                    

  ِمثلي ،وجِسمـــه اتـمـــــــرَّض

البيت الأول،مؤلم على المتلقي، وحاد بوقعـه على الحبيب،وفاتك لصاحب القـول، حيث الشاعريصرح بحرقة عالية، مشيرا الى " توسـّع الحالة" وانكشاف جرح القلب بوصفه علامة فيزيائية منظورة، حيث دلالات" التـدوير" بين كلمتي" اتـّسـع وجرحي" في البيت الأول والثاني من المقطع،واستمرار حالة الشكوى لهذا الجرح الذي ماعاد هناك من " دواء" يشفيه،الأمر يؤكده البيت الثالث من المقطع، والذي يقارن بين" مرض الشاعر ومرض النبي أيـــوب" مع الترجيح لكفـّة الشاعرعلى النبي بهذه المقارنة الوجـدية ، حيث البيت الأخير  يدلل على ذلك الترجيح ،ثم يعرض الشاعر فجيعته بالشكل التالي في المقطع " ط":

 بالمــرض مَــرمي والبـــَشــــر      

  يـــاهـــو الــيِصـــِد لَيَّه ابـتِشر

رَضّ الزِجـــاج اعلـــــه الصَخر 

  ضِلـعــي يـــــمدلـول انـــرَض

حيث الأبيات الأربعـة توصـّف الحالة من سريان المرض الى تشفي الناس والصدود عنه الى تشبيه حالة انكسار أضلاعه كانكسار الزجاج على الصخر، وتشظية الأجزاء دون امكانية جمعها مرة ثانية، وكأن الشاعر هنا، يتماهى ومحمول  أبيات أبي العلاء المعري ،مع اختلاف الحالة والتضمين والبعد الفلسفي عند الثاني، اذ يقول المعري:

"تحطـّمنا الأيــام حتـّى كأنـّـنا...... زجـــاج ولكـن لايعـــاد لـه سبك "

لكن الشاعر يوصف أضلاعه فقط، بمعنى جزئية الحالة للوجد أدّت الى كسر الأضلاع وبالتالي شلل بقية أجزاء الجسم . أي أن توصيف الجزئي جاء نتيجة فرض القـافية بحرف الضاد، والاّ المفهوم العام يسري على كل البــدن، حيث أن المقطع القــادم " ي" يتم هذا المعنى العام اذ يقــول:

مـَرضــوض ضِلعــي وانشِچَل    

لْســاني ودِنَــــه مِنّي الأجَــــل

مِنـّــــك فـــــلا أگــــطَع أمَــــل                       

 لُـمِــــَن يِـلـفـــني الأبـيـــــض

البيت الأول، يحمل دلالة جميلة متأتية من كلمة "انشِچَل"والتي تعـني أصابه الشـلل، بمعنى أن المرض النفسي والفيزيائي بدأ يلتهم كل الحواس، الأضلاع، اللسان، الجسم  العقل،ومع ذلك يتشبـّث المحـبّ بأمل موهوم ،رغم  دنو الأجل،بأن الحبيب سيشفعـه بنظرة تعيد اليه الروح ، حتى وهـو" ملفوف بالأبيض" أي الكفـن ،وهذا الشعور يتعزز عند الشاعر بل يتحول الى يقين ملموس، بأنه سوف يستجيب لروح الهـوى، حتى وأن كان قد فارق الحياة، وأصبح في حضن القبر، وذلك ما يستبان من المقطع "ك" والذي يؤكـّد المنحى الأول، ويتسـاوق معه في المعنى والدلالة والبناء الشعري، اذ يقول:

لــــو الابيض يـلِفْـني وطـــره    

ذچـرَك اوِن  تَـحـــت الثــــَره

خـــلّيت حـــــوبَـتــــنــــه وَره                 

وكِـلمـن عَلــى اهْـــوانَه شَــظ

اذن الأصرار - بعد الموت- عند الشاعر، يستجيب لهوى الروح، حيث التأكيد في البيت الأول والثاني  من المقطع"ك" يؤكدان بأن" ذكرى الحبيب " ان طرأت عليه وهو ملفوف بالكفن ومسجى في اللحـد، فأنه سوف " يـئن" لهذه الذكرى، ثـمة بيت من الشعر الشعبي" الدرامي" يعبـّر عن هذا المفهـوم بشكل أكثر ايجابية لهذا المدلول يقول: "يا ولفـي من طـرواك يتخشخش الخـام...وعالگبر لو مريـّت أتحرّك عظـام "

 ثم يلوم الحبيب في البيت الثالث والرابع، اذ يعاتبه بأن جعل" حوبتنا" والتي تعني ، خطيـّـتنا الى الوراء، وجعلت من ذلك سـنـّة لمن جاء بعـدنا وسمحت لهم بارتكاب تلك المعصية، والتي عبـّر عنها بكلة " شـظ"  أي ، شذ عن طريق الوفــاء بالحب.ثم يؤكـّد هذا المنحى في المقطع " ل" ويلومه أكثر محمـّلا ايـاه تبعات تلك المأسـاة والحالة،التي لا اصل لها في عرف الهـوى وشمائله، اذ يقول:

شَــظَّــــت يــناهي بـلا أصــــل  

چِـي گُـطــع حَـبــل المِتّـِصِــــل

روحـي اخْـلُصَــت سـاعَه گَبـل

 سَعــفـة بهــبـــوب وتِخْـتِــض

البيت الأول ، في هذا المقطع،يذكـّر الحبيب بأن"هذا الخلاف" لا أصل له،وفي البيت الثاني ، يتألم لقطع" حبل الوصـل" بينهما، لذلك أنه يؤكد على الموت قبل الأوان، حيث أن البيت الثالث، يشير الى ذلك" ساعة گبل" وأصبحت هذه الروح كسعفة يابسة مجرّد أنها تتدلّى في قوام النخلة، بمعنى أن روحي صارت نحيلة جدا لاتستطيع مقاومة أي ريح، وهوما يؤكده البيت الرابع، اذ الأشارة للسعفة التي تخضـّها الريح دون أي مقاومة.ولغرض توكيد هذا المنحى" عدم المقاومة" فان الشاعر يقسـم بما هو مقـدّس لديه ولدى حبيبه أيضا، حيث المقطع "س" يؤصـّل هذا الأتجــاه في القسـم ، ويكشف عن عمق المعاناة وشـدّة المكابرة حيث يقول:

تختض وحَگ مَــكـّـه ومِنــــَه  

وأمـســت الــروح امْــدوهِـنـه

آنــــه العـــــله راســـه بِنــــه                        

عِــشَّــه الـغــــراب وبــيَّـــض

الأختضاض، هو الرج العنيف لكامل الجسم، بمعنى آخر، أن رجفة الأهـتزازسارية في كل الأعضاء كالحمـّى التي تصيب الجسم، وهو مايبيـّنه البيت الأول من المقطع،والذي يقسم الشاعر على صحته بـ" مكة ومنى" ونتيجة هذا الأختضاض أصبحت الروح " أمـدوهـنه" أي لاتميـّز الأشياء، بمعنى  بطلان العقل من التفكير، وتلك حالة يعـدّها أصحاب الوجـد" بأنها تالفـة للجسم والروح معا" ونتيجة ذلك فأن الشاعريندب حضــّه العاثـر بهذا الحب الذي جعله لايقو على شئ، حتى أن غراب البين عشـّش على رأسه وأباض، وهي كناية عن سؤ الحظ والطالع. ومن هنا نشاهد ونلمس تكرار عمق المعاناة والتأسي بالألم والأفراط بهذه التراجيديا المحرقة، وكأنها انتقام من الذات، نتيجة خطأ عارض، ارتكبه الشاعر في حياته أراد أن يكفـّـر عنه بهذا الشكل، ومن هنا نرى تكرارالمقطع التالي في ختام القصيدة.

رض الـزجـاج اعلى الصخـر

ضلعـي يـمـــــدلـول انــرض

الـلّـي حضى بوصــلك حضى

ول المـا حضـى لا ول  الحـظ

 

اذن، شكـّلت هذه القصيدة ، علامة دالـة في رفع حالة الاحساس الى مستوى حالة التماهي مع " وجـع الحب"بصورة جماليـة أخـّـاذة في رسـم المشاعــر

الصادقة، متسامية في عليـاء الأدب الشعبــي ، الى  مصاف الأدب الرفيـــع

الذي يتــرك بصماتــه الواضحــة في وعيّ النـــاس، وفي صيرورة الوعـي الأجتماعي، كتعبير ذاتي  عبـر من الخـاص الى العـــام، بـفـــرادة متميـّزة، أجبرت المتلقي على المتابعة والاصغاء والترديد لمضامين هـــذه القصيــدة

الخالدة التي أطلقها واحـد من سواد الناس، استجابت قريحته لحدث عارض

قد يتكرر حدوثه، فوشـم صاحبه بالفـرادة والسبق فصار قبلة اللاّحقـين عليه

وانطبق عليه قـول"ابـن عـطاء السكندري"في -حـكـمه-" مـن أذن لـــه فـي

التعـبير فـهـمت في مسامع الخـلق عبـاراته وجليت اليهــــم اشاراته" ...

وتلك واحـدة من عيون " شعرنا الشعبي"الخالد خلود الرافدين في أرضه .

*     *     *

 

بحشاشتي سهمك مض

بحشاشتي سهمك مضه

وعگبك علي ضاگ الفضه

اللي حضه ابوصلك حضه

والما حضه يا ولحض

 

حضه ردي او عمره اخسره

اللي الشخصك ما يره

جفني امعيي امن الكره

ما استلذ عگبك واغمض

 

ما غمض جفني او لانشف

دمعي او روه كل السلف

ما تم الي غير الاسف

متسلي بابهامي عض

 

عضي على حبك فرض

واللامني ماله عرض

لو نوخت نوگ الارض

ما اضن ابحملي تنهض

 

لا نهضت او لا شالته

ومدريت ولفي اشرادته

فضت الگيض امن الشته

هم هشكل حبنه انفض

 

فضت وحگ مكه او منه

وضلت الروح امدوهنه

انه العله راسه بنه

عش الغراب او بيض

 

بيض يولفي ابهامتي

والمحب حار ابعلتي

طالت اوعرضت قصتي

وبالصبر گمت اتمضمض

 

فضت يناهي خوتي

ونسيتني يا منيتي

اتدارك يولفي علتي

گبل ان اتطول او تعرض

 

عرضت يناهي واتسع

جرحي او دوه بي مانفع

ما صاب ايوب الوجع

مثلي او جسمه اتمرض

 

بالمرض مرمي والبشر

ياهو اليصد ليه ابتشر

رض الگزاز اعله الصخر

ضلعي يمدلول انرض

 

مرضوض ضلعي وانشچل

لساني او دنه مني الاجل

منك فلا اگطع امل

لمن ايلفني الابيض

 

الابيض ايلفني او لو طره

ذچرك اون تحت الثره

خليت روحي امحيره

يوم الذي ضعنك شظ

 

الشظنه ريته ابلا نسل

چي گطع حبلي المتصل

روحي شاوصفها مثل

سعفه ابهبوب او تختض

 

چالسعفه اختض او ارتعد

ايه وحگ اية الحمد

من اعرفت  ناوي تصد

او عني اتغض طرفك غض

بحشاشتي سهمك مض

 

د. خير الله سعيد


التعليقات

الاسم: د. خيرالله سعيد
التاريخ: 05/02/2015 05:36:53
وردت في النص كلمة ( التحوير ) وهو خطأ مطبعي، فأرجو قرائتها بـ ( التدوير ) أينما وردت مع الإعتذار .

الاسم: د. خيرالله سعيد
التاريخ: 05/02/2015 05:06:12
دهيثم الحلي الحسيني : تحياتي لك وشكراً لهذا التعليق المعرفي الذي يشير الى ناصية النقد باقتدار، لك فاضل الشكر والتقدير .

الاسم: دهيثم الحلي الحسيني
التاريخ: 12/12/2014 02:27:10

نحن في حضرة دراسة رصينة, وورقة بحث علمي منهجي, ترتقي في أهمية نصوصها ومضامينها, الى مستوى الوثيقة التأريخية, وفرائد الإبداع الموروث في التراث العلمي العربي, ضمن مساحة البحث الأدبي, وذلك في تماهي هذا المنجز, مع خالدة الأمدي, في دراسته البحثية الأدبية الموسومة "الموازنة بين أبي تمام والبحتري",
إذ سلك الأستاذ الدكتور خير الله سعيد, منهجا علميا بحثيا, جمع فيه بين المنهج الفقهي الفني اللغوي, في استدلالاته, وفق حجية النص وتحقيقه, على اعتبار أن الذوق الأدبي, يتمكن من إدراك خفايا الكلمات وإيحاءاتها, في حين يتمكن فقه اللغة, من تحليل التراكيب ومنظوماتها.
كما وسلك الأستاذ الباحث, المنهج الإيديولوجي والعقدي, في تأكيده على الدالة الوظائفية للأدب والفن, فهو لم يكتف بالنظر في النص أو الموضوع, بل تجاوزه إلى المضمون, لأن الأدب والفن هما صدى للحياة, وقائدان لها, كما يشير شيخ النقاد, الأستاذ العلامة علي جواد الطاهر.

كما وأن القصيدة, تعتبر حجة ووثيقة تأريخية, لمن يحاول التجني على هذا الغرض الأدبي, وذلك في محاولة حشره, ضمن التابوهات أو المحرمات, في حين أن الشاعر العربي, على إختلاف العصور, قد إعتمد شعر الغزل, كمقدمات للقصيدة, على إختلاف أغراضها, وعدّ من أسمى إغراض الأدب العربي, والشعر خصوصا, وحسبنا النموذج الذي بين أيدينا, وهو لشاعر وشيخ, يحسب من فطاحل من يقرأ له , في المنابر الدينية.
وأخيرا فالأستاذ الدكتور خير الله سعيد في رائعته البحثية الأدبية, قد أدخل الأدب الشعبي العراقي, في خزانة الإبداع الموروث في الأدب العربي الراقي, ضمن أوسع نافذة, في التراث العلمي العربي, من خلال هذا النموذج الشعري المتميز, في قصيدة الأديب العراقي الراحل, الشاعر المقتدر عبد الحسين صبرة الحلي.
فبارك الله بالأستاذ الباحث القدير, والذكر الخالد للشاعر الكبير.

الاسم: رعد ابراهيم
التاريخ: 02/05/2014 18:07:11
لكم فائق الامتنان و جهدكم في نقد و تحليل هذه القصيدة
النادرة اكثر من الاتقان نفسه ،

الاسم: محب للشعر العراقي
التاريخ: 03/04/2013 02:34:47
شكراً على هذه الابيات الشعريه التي نفتقر اليه اليوم بحيث لم نسمع مثلها اليوم

الاسم: د. خيرالله سعيد
التاريخ: 06/08/2011 03:14:39
شكراً لكل من قرأ المقال وأبدى ملاحظـة عليه مع خالص المودة

د. خيرالله سعيد

الاسم: أختك بلقيس فالح
التاريخ: 25/06/2011 15:54:10
إمتناني الكبير للجهود الرائعه في بذل هذا الجهد المُضني دكتور خير الله سعيد,,,أجدت وأبدعت,

الاسم: روهات بنت الموصل
التاريخ: 11/08/2010 12:05:50
اغنية رائعة وشرح تمام
الله يسلم هالانامل
ارقى الاغاني واقوى الكلمات هي العراقية

الاسم: حيدر التميمي
التاريخ: 14/04/2010 04:53:27
المبدع الرائع د خير الله سعيد دمت متألقا دارسا مدرسامجدا . قراءة مستفيضةمتقنة جميلة.
تحياتي واحترامي.

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 13/04/2010 10:59:27
مبدعنا الرائع د خير الله سعيد
ما اروعك
دراسة رائعة بحق انها في منتهة الروعة
ما اجوجنا لمثل هذه الدراسات الجادة والمفيدة
دمت تالقا
احترامي مع تقديري




5000