........   
انطلاق فعاليات مهرجان الشباب الاول في السويد والدنمارك - See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=251823#sthash.Y23u4xOP.dpuf
 أ. د. عبد الإله الصائغ
يا نصير المستضعفين...في ذكرى شهادة امام المتقين علي بن ابي طالب - See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=210214#sthash.Oql7CUjL.ABK8bMrQ.dpuf
يا نصير المستضعفين
............

..........
............
  


....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور الثامن
 

يحيى السماوي  

 

 

 

 

ملف مهرجان النور السابع

 .....................

فيلم عن
الدكتور عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 

 ملف

مهرجان النور السادس

.

 ملف

مهرجان النور الخامس

 

.

تغطية قناة آشور الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ والاهوار

.

تغطية قناة الديار الفضائية 

تغطية الفضائية السومرية

تغطية قناة الفيحاء في بابل 

 

ملف مهرجان النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة الرشيد الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

.

تغطية قناة آشور الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

 

تغطية قناة الفيحاء
لمهرجان النور في بابل

 

ملف مهرجان النور

الثالث للابداع 2008

 

 

 

ملف مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رواية مثلث الرافدين للروائية السورية سها جلال جودت

سها جلال جودت

دراسة سيميائية سردية

المركز الجامعي برج بوعريج

 

د عبد الناصر مباركية

   تعتبر السيميائية من الدراسات النقدية التي "اهتمت بدراسة النصوص السردية بشكل خاص والظواهر اللسانية بصفة عامة"1، حيث حققت انتشارا علميا كبيرا في المجالات المعرفية المتنوعة، وأبدت قوة كبيرة في المعالجة والبحث من خلال التأسيس لنماذج تحليلية، "مبنية أساسا على المنظور الاستنباطي التحليلي"2

يشير الباحث حسين فيلالي في كتابه "السمة والنص السردي" إلى سيميائية العنوان معتمدا على الناقد رشيد بن مالك: " يدخل العنوان والرواية في علاقة تكاملية وترابطية، الأول يعلن والثاني يفسر، يفصل ملفوظا مبرمجا إلى درجة إعادة إنتاج أحيانا، وفي الخاتمة عنوانا لحكمة في النهاية ومفتاح نصه" 3

وعنوان رواية مثلث الرافدين "ينسجم انسجاما تاما ويرتبط بالمتن الروائي ارتباط السبب بالنتيجة "4

وهو عنوان انزياحي بالدرجة الأولى، ويكاد الانزياح يطغى على العناوين الروائية، لأن الروائي لا يستطيع أن يباشر أو يفصح إفصاحا في العنوان بل يترك ذلك للقارئ فك رموزه ومعانيه والخلافات الدلالية،  وعلى هذا الأساس " اهتمت الدراسات الأسلوبية بظاهرة الانزياح باعتباره قضية أساسية في تشكيل جماليات النصوص الأدبية وهو انحراف الكلام عن نفسه المألوف"5

  

وإذا أردنا تحليل الرواية (مثلث الرافدين) فإن الكلمة الأولى تدل دلالة واضحة على الحب أو القلب، لأن هذا الأخير يأخذ شكل مثلث، فالقلب في كل الثقافات الإنسانية دليل على الحب والعاطفة، أو التواصل العاطفي بين الرجل والمرأة، ورمز للخصوبة والدفء الإنساني، وقد ورد في الرواية على لسان المرأة البطلة " كان في داخلك هذا الإصرار على الحياة، على الحب، لم يعد يمكنني الخروج من مثلث قلبك، دائرة جنون الحب التي تعصف بي، كلما ابتعدت عني أو غبت تعيدني للسؤال عنك، تترك في روحي مساحات شاغرة يرقص على ألوانها وجع خفي، لغيابك طعم المرار، ولوجودك فرح الأقحوان "6

وقد مزج كثير من الشعراء القدامى والمحدثين بين مفهوم الفؤاد أو القلب والحب ، فالقلب منبع مشاعر الحب والتربة الخصبة التي ينبت فيها العشق والمودة.

أما كلمة الرافدين فهي تدل على دجلة والفرات 7 ، هذه المنطقة التي أنجبت رجالا وشخصيات عربية تاريخية عظيمة قدمت للإنسانية معارف شتى في الفنون والفلسفة والآداب والعمران والعلوم، فهي الأرض التي أنجبت حمو رابي وهارون الرشيد والمتنبي وغيرهم . والأديبة تريد من هاتين الكلمتين قصة حب في الرافدين، أو قصة عشق بين أديبة وشاعر.

  

البرنامج السردي :

  

يعتبر البرنامج السردي في النص السردي من أهم المفاهيم التي تستخدم في الدراسات السيميائية "والبرنامج السردي حسب    procures narratifغريماس هو مجموعة من الوحدات السردية المتعلقة بالتركيب الوظيفي  الذي يمكن تطبيقه على كل أنواع الخطابات" 8

وإذا كانت رواية مثلث الرافدين، تعتمد على برنامجين سرديين متضادين، فإننا نعتمد طريقة الناقد حسين خمري في دراسته لرواية (صوت الكهف)   لعبد المالك مرتاض باعتبارها تتألف من برنامج البطل وبرنامج البطل المضاد" 9

أما برنامج الرواية فيتألف من شخصية الأديبة زينب، هذه الأديبة التي تتميز بروح إنسانية عالية وإحساس مرهف وثقافة متعددة المواهب ، همها الوحيد هو البحث عن النصف الآخر، أو الرجل الذي تكتمل به الأنوثة ، تبدأ القصة بين الأديبة والشاعر في مهرجان أدبي، هذا اللقاء الذي كان إيذانا لميلاد قصة حب بين هاتين الشخصيتين ، تعترف البطلة في البداية بليالي الألفة والسمر والأحاديث عن الشاعر المتنبي وإعجاب الشاعر بها إعجابا شديدا تقول:

" وتستمر سيمفونية العزف ببحثك عن نصفك الآخر، تستعجل في بناء محطتك على ضفاف أنثى، لم تعرف عن حياتها سوى اسمها وعمرها، تقول لها برجاء يستعطف قلبها: - لا تتركيني وحدي ، أنا احتاجك كما تحتاجيني أنت .."

" منحتني لقب ايزيس ، أخرجتني من رحم عشتار، كنت تريدني نموذجا لا يضاهيه أي وجه أنثوي مهما كان"

" أنت مرساي الوحيد ، حلمي الذي أريد أن أنام تحت أيكته إلى أن أموت، هل خلقت لك ؟ أم خلقت لي ؟"

" تبرمج لحياتك معي .. سأكون لك ألف رجل .. لا أفهم ! لم تحديدا ألف رجل ! هل سأكون ملكة بغداد ؟ " ص 16

إن البطلة الأديبة تحس وتبحث عن النصف الآخر الذي هو الرجل ، هو التمثال الذي تنتظره كما ينتظر النحات الانتماء من نحت تمثاله ، حينما يشعر بالغبطة والسعادة التي ليس لها حدود، وهي سنة الله في خلقه لأن الله سبحانه وتعالى جعل من المرأة سكنا للرجل، ومن الرجل سكنا للمرأة ، فالسكينة تأتي من الطرفين المتكاملين ، ولا يمكن أن نلغي أحد طرفي المعادلة، " وهكذا يتشكل البرنامج السردي حسب قانون غريماس - حيث يكون البطل في البداية في حالة انفصال عن القيمة Objet  v .... أي في وضعية عدم امتلاك للشيء " 10

" وموضوع القيمة Objet de valeur .. يمكن أن يعبر عنه بمصطلح بسيط  والأشياء السحرية "11

  

وموضوع القيمة عند البطلة الأديبة هو زوج أو رجل تبحث عنه ليملأها عاطفة وروحا ومشاعر جياشة وسعادة كبيرة، هو النصف الآخر كما عبرت عنه الرواية:

" وأفكر كثيرا.. هل كل عشاق الكرة الأرضية يملكون لغة القصيدة ؟ التي تفجر كمون الهوى في قلب المرأة الشاعر، المرأة التي تبحث هي الأخرى عن نصفها الآخر، عن رجل ولدت من ضلعه، عن رجل يحتوي نزقها، ثرثرتها، غضبها، غرورها، رقصها، فرحها، حزنها، دمعها الغزير..." ص 13

وتستمر البطلة في السرد الروائي بنفس النمط..

" فتقافز الحنين إلى وجود نصفك بقربك، فعقدت علي عقدا صوريا" ص 37

وبرنامج البطل المضاد يتمثل في شخصية الشاعر الذي يحاول إغواء الأديبة عن طريق كلامه المعسول ومدح الجسد ، ووضعها في وضع جمالي لا يحده حدود.

" أما البرنامج السردي الثاني فهو الذي أنجزه البطل المضاد Anti -Hero's ويكمن قانونه الأساسي حسب غريماس بالمعادلة التالية:  

  O S ∩  = PN   O S ∩          O ( وتقرا كالأتي : البرنامج السردي يساوي امتلاك البطل للشيء      يتحول إلى افتقاد البطل إلى الشيء ) 13

وعلى هذا الأساس باعتبار الشاعر مغتصبا لجسد المرأة ومراوغا لها فإن النهاية كانت مأساوية حيث تتخلى المرأة الأديبة عن الشاعر وترفض أن تمنح جسدها لشاعر تميز بالغش في العلاقة العاطفية ، حيث ينظر إليها على أساس جسد يفرغ فيه شحناته العاطفية، ولم ينظر إليها كمشروع للزواج ، أو كمخلوق له كل الحقوق الإنسانية والمعاملة المحترمة.

تقول زينب الضحية وهي تصرخ:

"في بداية كل علاقة يلهث الرجل وراء أنثاه، حافيا، دامعا، متوسلا، راجيا ، متذللا، حتى يبلغ الوطر منها،  وإذا لم يبلغه تظل لهفته قائمة مادامت الأنثى ممتنعة عليه، حب آخر زمن، وجنس بلا أخلاق" ص 133- 134هي ضحية استثمار جسدها من قبل المجتمع الذكوري ص 134

وعلى هذا الأساس نستطيع القول إن البنية الفكرية للرجل في المجتمع العربي عموما غير قائمة على احترام لجسد المرأة، فهو يرى فيها ممارسة جنسية ومتعة جسدية، ولكن المرأة بطبعها ترفض استغلال الجسد استغلالا غير مشروع،" لأن كل إيديولوجيا لابد أن تنتج ما هو ضدها في بنيتها ذاتها" 13ومن هنا فإن البطلة تعلن رفضها المطلق وتحررها وانعتاقها من سلطة الرجل " والتحليل التاريخي لإرادة المعرفة التي عرفتها الإنسانية، انه ما من معرفة إلا وتقوم على الظلم والخطأ"14

ولذلك لا ينبغي النظر إلى المرأة على أنها مجرد جنس وجسد، وإنما ثقافة وحضارة، لأن " النظرة إلى الجسد ليست مجرد نظرة فردية تحددها الشروط الفردية وحدها، بل هي نظرة عامة أيضا تتبناها الحضارة أو الثقافة وتشيعها في الناس بحيث يكون للمجتمع ككل نظرة موحدة للجسد بصرف النظر عن اختلاف ظروف الأفراد" 15

إن المرأة في المجتمعات العربية لا تزال ترزح تحت هيمنة الرجل، وينظر لها على أساس أنها تؤدي الوظيفة الجنسية للرجل لإشباع غرائزه ، " فالمرأة في مجتمعات التخلف ليست أكثر من حشرة... حتى العلاقة الجنسية معها ليست علاقة إنسانية بقدر ما هي علاقة حيوانية" 16

إن الرواية على لسان البطلة زينب تفضح الرجل فضحا شديدا وتعريه عن آخره، " نحن مجتمع معقد من الجنس، نرفضه ظاهرا ونموت عليه سرا، وفي الخفاء نمارس المجون بكل عطشنا الشبق" ص 113

ولذلك ظلت أخلاق الرجل العربي رديئة، فهو ينظر إليها نظرة الشرف والكرامة والرجولة والفحولة من ناحية الظاهر،ولكن في الباطن يصنع في جسد المرأة ما يشاء، ويضعها في مرتبة الدونية،على الرغم "أن الدين الإسلامي أراد للمرأة العزة والكرامة،  ولكن الواقع يثبت العكس من حيث الإلغاء و التهميش والإقصاء" 17

ولذلك فالنظرة إلى الجسد "تشكل حالة تاريخية خاصة في ثقافة المجتمع الذي أنتجها.... إنه الخطيئة مصدر إغواء للآخر (الرجل) إذ يتم إنكاره بإخفائه.... ويبدو الجسد .... كما لو كان منتوجاً يتم توزيعه والتصرف فيه متى ظهرت علامات النضج شأنه شأن أي منتوج" 18

وقد جاء البرنامج السردي للبطلة في غالب الأحيان على لسان المرأة لتفضح عورته وتكشف عن سر الخيانة عند الرجل لتصر إصرارا أن الجسد له حرمته.

" لا تجتمع  الخيانة مع الصدق، كما لا تجتمع النار مع الماء، وليكن الابتعاد حكمنا الأخير" ص 118

ومن هنا يصبح البطل فاقدا لامتلاك الجسد بعد اكتشافها الخيانة، لأنه يقيم علاقات جنسية مع نساء أخريات.

•-         علاقته بنادين ص 33

•-         علاقته بكاتبة مغربية ص 65

إن البطل المضاد المجسد في شخصية الشاعر يحمل أفكارا بالية وثقافة تافهة، لا ترقى إلى مستوى الشعر أو القصيدة، لأن الشعر أو القصيدة إنجاز حضاري وإنساني قبل كل شيء، فهو يفكر أن حرية المرأة مرتبطة بحرية الرجل في الفكر والنفسية، يقول الشاعر:" الجسد يساوي المال عند الرجل"، وعلى هذا الأساس تتخذ البطلة الأساسية موقفاً حازما من الرجل حيث ترى أن العقل توقف عن التفكير منذ القرن الرابع الهجري، وخسر المجتمع العربي مكانته لأنه لم يعد يعتمد على العقل.

سيميائية الحكاية الأسطورية:

تشكل الحكاية الأسطورية بعدا جماليا في الكتابة الروائية، فكلما كانت الأسطورة حاضرة، ازداد النص الروائي أو الشعري قيمة في الإبداع، لأنها تثير المتعة في نفسية المتلقي وتجعله يتيه في عالم الخيال والغريب والمدهش، ولذلك " فالأسطورة اشد الالتصاق  بجلد الشخوص ذاتها وتركيبتها الذهنية والنفسية والاجتماعية، كما أنها في المفهوم الشعبي "الشاطر" والبطل وكل أوصاف الإعجاب " 19

"ويرى الباحث عبد المنعم تليمة في كتابه مقدمة  في نظرية الأدب 20"

"أن الأسطورة كانت واقعا بالنسبة للإنسان البدائي، لأنها وسيلته للتعبير وبواسطتها يمارس طقوسه اليومية ويقيم حوارا مستمرا بينه وبين محيطه، كما أن  الواقع وما يقدمه في العصر الحديث من أشكال تغريبية مذهلة تجعل الواقع يقترب من الأسطورة " 21

ويرى الباحث أمحمد عزوي "أن الأسطورة انتقلت من مجال الميتالوجيا إلى مجال الإبداع الفني لأنها فقدت وظيفتها المعتقداتية وخرجت من إطار أماكن العبادة إلى إبداعات الكتاب والأدباء " 22

وقد وظفت الروائية سها جلال جودت حكاية أسطورية تاريخية معروفة في التراث الاسباني وهي حكاية "دون جوان" وجاء توظيفها تأكيدا للمعاني والدلالات للأحداث السردية والتي وردت في سياق الرواية ، فلكي يتم إقناع القارئ بالرؤية الفكرية استشهدت الروائية بأسطورة "دون جوان".

أسطورة "دون جوان":

"برز "دون جوان" كشخصية أسطورية في الفلكلور الاسباني ( بالطبع يكون النطق الصحيح لاسمه بالاسبانية "دون خوان") وذاع صيته في أوروبا في القرن السابع عشر، قبل أن تنتقل شهرته للعالم اجمع، ويؤكد اغلب الرواة انه شخصية خيالية مطلقة، بينما يصر القليلون على وجود أصل حقيقي لتلك الشخصية في اسبانيا القرن أوسطية.

  

تقول الأسطورة إن "دون خوان" كان عاشقا شهيرا، أغوى أكثر من ألف امرأة، دون تعقيدات أو منغصات، لكنه أخيرا عندما حاول استمالة فتاة ارستقراطية جميلة هي (دونا آنا) يكتشف والدها - قائد الجيش - ذلك فيدعوه للمبارزة، فيتنازلان ليتمكن "دون خوان" من قتل القائد والهرب، وتحاول "دونا آنا" مع خطيبها "دون اوتافيو" للإيقاع به دون جدوى.

ويمر "دون خوان" بضريح قائد عسكري ( غير أبي الفتاة طبعا) فيسمع صوتا من تمثاله المنتصب فوق الضريح يحذره من عواقب أفعاله مع بنات الناس وينذره بالعقاب، لكن "دون خوان" - طبعا - لا يبالي بالتحذير ويسخر من التمثال داعيا إياه لتناول العشاء معه.

لكن "دون خوان" يتلقى مفاجأة غير متوقعة عندما يرى التمثال الحجري - وقد دبت فيه الحياة - يأتيه إلى داره ملبيا دعوته، بل ويمد يده الحجرية إليه طالبا أن يكون هو صاحب "العزومة"، فيمد "دون خوان" يده بدوره إلى اليد الحجرية ليكتب بذلك السطر الأخير من حياته ، فلم يتركه بعد ذلك التمثال أبدا ، وتفتح الأرض كاشفة عن حفرة تستعر فيها النيران، يسحب التمثال "دون خوان" من خلالها إلى المكان الذي دعاه إليه ، الجحيم وبئس المصير " 23

إن رواية مثلث الرافدين استخدمت "بنيات نصية متنوعة منها البنية الأسطورية ، هذه البنيات وان كانت تختلف في تيماتها وبنياتها الحكائية الأصلية إلا أنها أسهمت في بناء الحدث الروائي الجديد" 24

ولهذا جاءت بنية أسطورة "دون جوان" تخدم الحدث الأصلي للراوية الذي هو الصراع السيكولوجي بين البطلة زينب الأديبة والشاعر، فشخصية "دون جوان" هي بمثابة شخصية الشاعر لأن كلا منهما يعبث بمشاعر العشيقات ومراوغة النساء، أي يمثلان البطل المضاد. و"دونا آنا" هي البطل الخير الذي يحاول وضع حد لتلاعبات "دون جوان".

وهناك حكاية أسطورية أخرى، نجدها مستخدمة وهي حكاية "خجوك وسيبانيد"، أو حكاية حب البطل "سيبانيد" والبطلة "خجوك".

تقول الرواية حول هذه الأسطورة:

" حين استيقظ من نومه على صوت نشيجها، رأى دموعها تنحدر على خديها مثل لؤلؤ صاف ، سألها : ما الذي يبكيك يا "خجوك" وأنت التي اخترتني ؟ كما اخترتك أنا ؟

كان قطيع الوعول مر من خلف ظهرها، أثار في داخلها الشجن، لحظة تذكرت قطيع أهلها العائد من المراعي، وهو يثغو بصوت حزين، فهم سبب الألم ، اقسم أن يقتص من الوعل الذي أبكى حبيبته ويأتيها برأسه، تركها ومضى خلفه  في الوادي السحيق، استبد القلق بها فسارت باتجاه الوادي حتى أبصرت من بعيد طيف شبح معلق فوق جذع شجرة فعلمت أن الوعل قاومه بقرنيه الغليظتين.

أصغت إلى أنينه فتقطعت أنياط قلبها، شعر بها "سيبانيد" فقال لها:

•-    "خجوك" يا حبيبتي ، إنني أمكث هنا في مقري الأخير، الذي ساقتني إليه الأقدار، هاهي الدنيا لا تزال تطل علي، أرى فوق صفحتها وجهك الجميل.

•-         "سيبانيد" يا قلب "خجوك" يا فتى الخنجر الذهبي والقوس الفضي، ألم اقل لك لا تذهب.!

•-         دعيني، إن عتابك يحرق جرحي المؤلم، دعيني،  يا أغلى من روحي التي لم أعد أملكها

التفت "خجوك" نحو الوعل تأملته قليلا، تصورت النهاية الحزينة، تمددت حبال صوتها لتنطق بما لم تعد قادرة على كتمانه:

•-    إن وعلنا لذو بأس شديد لكنه مظلوم، من يدري ؟ ربما كان له حبيبة تنتظره الآن، تحن إليه، وتضحي بحياتها من أجله، المسكينة ستبكي عليه، كبكائي عليك، إنها عدالة السماء، انتقمت من الظالم والأنانية، ما أغنانا لو طالت يدانا أبسط مامنحنا إياه الإله، حرية القلب وحرية الاختيار، لكن قسوة الإنسان تأبى إلا أن تمتد آثارها لتطال حتى البهائم والوحوش البرية.

"سيبانيد" المتألم طالبها أن تتركه، وتذهب لتبحث في دنيا الله الواسعة عن وجه آخر جديد، لكن الوفاء كان أقوى من طلب كهذا، عصبت عينيها بوشاحها الأسود، اقتربت من الهاوية للوادي السحيق وصدى ارتطام ارتفع حتى وصل دموع "سيبانيد" الأخيرة " ص 60 و61

أسطورة عشتار والخصب:

"عشتار شابة ممتلئة الجسم، ذات صدر نافر، وقوام جميل، وخدين مفعمين، بالحيوية، وعينين مشرقتين، يتوفر فيها إلى جانب جمالها الأخاذ، سمو الروح مع رهافة الطبع، وقوة العاطفة، والحنو على الشيوخ والأطفال والنساء، في فمها يكمن سرّ الحياة.

  

وعلى شفتيها تتجلى الرغبة واللذة، ومن أعطافها يعبق العطر والشذا، يكتمل بحضورها السرور، ويشيع مع ابتسامتها الأمن والطمأنينة في النفوس غالبا ما نشاهدها وهي تجوب الحقول بخفة ورشاقة، فتتفجر الينابيع خلفها بالماء والعطاء، وتزهر الأرض بالسنابل والنماء .

وقع في غرامها الشعراء فخلدوها بأعذب الأوزان وأحلى القوافي. وهام بحبها الأدباء فوهبوها أجمل النصوص الملحمية، وعشقها الفنانون فرسمها على ارشق الأختام الاسطوانية، وصنعوا لها التماثيل التي تكاد تنطق بالحياة، وولع بها الموسيقيون فنغموها لحنا راقصا على أوتار العود وفوهة الناي" 25

اللغة الشعرية في الرواية:

تمتاز لغة الأديبة سها بالشاعرية والجاذبية والجمال مما يجعل القارئ يستمتع استمتاعا كبيرا، حيث أفرغت كل أحاسيسها وأفكارها ورؤاها  بلغة بلاغية غاية في الفصاحة والبيان، وعلى هذا الأساس يؤكد عبد المالك على أنه ينبغي للغة الرواية أن تكون شعرية، " وإذا لم تكن لغة  الرواية شعرية أنيقة، رشيقة، عبقة، مغردة، مختالة، متزينة، متغجرة، لا يمكن إلا أن تكون لغة شاحبة ، ذابلة، عليلة، حسيرة، اللغة هي أساس الجمال في العمل الإبداعي من حيث هو الرواية التي ينهض تشكيلها على اللغة" 26

ويشير الناقد حسين خمري -معتمدا على رومان ياكوبسون- في تحديده لوظائف اللغة - إلى الوظيفة الشعرية :" وفي الوظيفة الشعرية يركز المرسل على جماليات اللغة واستغلال طاقاتها الشعرية التي لا يمكن امتصاصها إلا عن طريق النظم والتشكيل" 27

بناء على هذه الرؤى فان الأديبة الروائية وظفت كل طاقاتها الشعرية والجمالية لجعل النص عالما بلاغيا سحريا وشاعريا:

ستبقين معبودتي

حتى أوارى الثرى

أو

اطلع إلى سماء التلاشي

سأكون لك أصابع

رعشات وجد

أشعل مدائنك

بحريق الفصول

أدور من حولك

أدور

أدور

كل الوقت

تهرب الشمس من نافذتي

حين يطل طيفك الملائكي

ادخل في بستان الصمت

أناجي

الحلم

الوجود

حكايات الصبايا

أيتها الساكنة في أحداق مساءاتي

زلزلي أركاني

زلزليها

سأنحر هذا العمر الباقي بين يديك ص 68- 69

إن البطلة زينب تتحول إلى شاعرة ولكن ليس على لسانها، وإنما على لسان الشاعر، فهو يجعل منها إنسانا ملائكيا فيه كل البراءة والمحبة والمودّة والإنسانية، ثم يحولّها إلى كائن يسكن عيونها، بل مركز دوران الأرض، فهو يدور حولها بجاذبية خارقة، وفي النهاية فهو على استعداد على تضحية عمره من اجل العشيقة زينب.

سأغني باسمك كل ليلة

لأعبر حدود الضوء

والزمان

سنرقص "الفالس"

فوق جمر التوحد

لينسكب الندى من عشق عينيك

ويأخذ القمر لجينه من وهجك

فتخجل الشمس

دعيني أغور في أعماق هذا الصارخ الحزين

لاكتشف السر الغامض

في صوتك الأنثوي

يرعشني هذا البعيد القريب

يتشظى في جنون الحرمان

هل تقبليني قربان حبك ؟

إن شخصية الشاعر هنا معجب كل الإعجاب بمحبوبته في صور شعرية جميلة، فهو بمجرد تعلقه بها أراد أن يكتشف فيها الأسرار الغامضة، ويجعل منها أغاني تطرب النفس والأذنين ، بل الرقص فوق جمرة الحب.

"بين يدي حروفي ستعيش وسط جوقة من حمامات تقرا لك السلام والأمان كل لحظة، تخط على لحاظ روحك حديقة من الزنابق تنشر عبق الحب والوفاء" ص 14

التواتر أو التكرار السردي:

يعتبر الكاتب "جيرار حنيت" في كتابه (خطاب الحكاية) بأن التواتر أو التكرار 28

هو " مظهر من المظاهر الأساسية للزمنية السّردية 29، ويتجلى هذا التكرار في قوله أن "حكاية أياً كانت ، يمكنها أن تروي مرة واحدة ما وقع مرة واحدة،

ومرات لانهائية ما وقع مرات لا نهائية، ومرات لانهائية ما وقع مرة واحدة، ومرة واحدة ما وقع مرات لانهائية" 30

وعلى هذا الأساس فهناك مجموعة من الأحداث احتوتها الرواية متداخلة بين بعضها البعض، ولكن ما نلاحظه أن ثمة حدثا يغلب كثيرا في الرواية يتكرر مرات عديدة جدا، وأمثلة ذلك:

" بدأت تتحدث عن نفسك، وتسألني عن نفسي، أحسست وقتها بأنني أصبحت بين يديك عنصرا من عناصر الجاذبية الكونية" ص 70

" آنت مرساي الوحيد، حلمي الذي أريد أن أنام تحت أيكته إلى أن أموت، هل خلقت لك ؟ أم خلقت لي ؟ ص 15

" أعجبك شكلها، كما أعجبك شكلي عندما رأيتني أصعد إلى المنبر" ص 33

"لماذا تناديني عصافير الحبّ؟ قلبي حين يسمع صوتك يخفق بشدة، أتعب من هذا الخفقان، هل أصبحت ليلى الأخيلية، أم  "جورجيت" الشقية ؟" ص 57

"المثير في حكايتي معك، انك كنت تسرد لي أقاصيص وحكايات تبلل عطش قلبي الظامئ.. كل همي كان آنت وحبك، كل وقتي صار ملكا لك و لآلامك ، كل  أفكاري أصبحت في مكانها تراوح من أجلك أنت.." ص 81

"حظي هذه المرة سيكون أكثر سعادة، آنت هدية عظيمة.." ص 133

الرؤية في النص الروائي:

لقد اهتم النقد الأدبي المعاصر بمفهوم الرؤية في دراسة النص الروائي انطلاقا جهود الباحث "جون بويون" في كتابه (الزمن والرؤية) 31الذي "يعتبر من أهم الدراسات التي تناولت الرؤية السردية بنوع من الانسجام والتكامل، ولا يكاد يخلو كتاب  أو مقال الباحث أو مشتغل بالتحليل الروائي من الإشارة إليه أو الاستفادة منه.. "32

وقد "انطلق "بويون" في حديثه عن الرواية والرؤيات من علم النفس، ومن تأكيده على الترابط الوثيق بين الرواية وعلم النفس استنتج ثلاث رؤيات هي:

•-         الرؤية مع

•-         الرؤية من الخلف

•-         الرؤية من الخارج " 33

•1-  الرؤية مع : يحددها بقوله إننا نختار شخصية محورية، ويمكننا وصفها من الداخل، بتمكننا من الدخول بسرعة إلى سلوكها وكأننا نمسك بها. وإن الرؤية هنا تصبح عندنا نفس رؤية الشخصية المركزية.  34

•2-  الرؤية من الخلف :" (فالكاتب "بويون" لا يتحدث عن الراوي ) ينفصل عن شخصيته، ليس من أجل رؤيتها "من الخارج" رؤية حركاتها والاستماع إلى أقوالها ولكن من اجل أن تعتبر رؤيته موضوعية ومباشرة لحياة شخصياته النفسية، والراوي في هذه الرؤية ليس خلف شخصياته، ولكنه فوقهم .... ويسير بمشيئة حياتهم..." 35

•3-  الرؤية من الخارج :"والخارج هنا ليس الا السلوك كما هو ملحوظ ماديا، وهو أيضا المنظور الفيزيقي للشخصية، والفضاء الخارجي الذي تتحرك فيه ثالثا" 36

وإذا ما عدنا إلى صفحات الرواية فإننا نجد الرؤية الغالبة هي الرؤية مع، لان الشخصية المركزية "من خلالها نرى الشخصيات الأخرى ومع، نعيش الأحداث المروية" 37 والشخصية المركزية في هذه الرواية هي زينب حيث نتعرف من خلالها على معظم الأحداث والشخصيات.

استهلت الرواية بهذا المقطع الدال على شخصية الساردة:

"ما يحدث عادة حدث معي، وما لم يحدث، لم يحدث فعلا..!!

يمكنني الآن أن أخلع رداء الخوف وأتمرد !

مرحى لك .." ص 7

ويشير الباحث "تيودوروف" إلى أن الرؤية المتصاحبة Vision  -  avec يستخدم فيها ضمير المتكلم 38 " أي أن كل معلومة سردية يقتدي متصاحبا مع "الأنا السارد" مع الأنا المستحيل إلى مجرد شخصية من شخصيات هذا الشريط السردي ..."39

وهكذا فالرواية أغلبها جاء بضمير المتكلم وتحولت إلى سارد للأحداث.

" شدتني لغتك، مشاعرك، أحاسيسك، لهفتك على سماع صوتي التي أفرعت في داخلي أفنانا ..."

وجاءت نهاية الرواية بصيغة المتكلم حيث الشخصية الرئيسية هي التي تتحدث:" اطوي كل أوراقي معك وعنك، اصعد السطح مع ابني، وأنا أحبس دمعتي الأخيرة، كي نتلمس بعضا من هواء الإله " 135

حتى شخصية الشاعر تعرفنا عليها من خلال شخصية زينب ؟

" كنت الرجل الوحيد، لكنك لم تكن المخلص الفريد.." ص 111

وإذا ما عدنا إلى صفحات الرواية فإننا نجد الرؤية الغالبة هي الرؤية مع لان الشخصية المركزية هي زينب.

المراجع:

•1-   رشيد بن مالك ، مقدمة في السيميائية السردية ص 97

•2-   المصدر نفسه ص 97

•3-  حسين فيلالي ، السمة والنص السردي الطبعة 1 دار هومة 2003 الجزائر، ص 56 المخطوط المعتمد عليه لرشيد بن مالك السيميائية بين النظرية والتطبيق ، رسالة دكتوراه جامعة تلمسان 1999 ص 162

•4-   المصدر نفسه ص 57

•5-   نور الدين السد ، الأسلوبية وتحليل الخطاب دار هومة، 1997 ص 179

•6-   سها جلال جودت رواية مثلث الرافدين دار الرضوان للطباعة والنشر 2007 ص 82

•7-   معجم الوسيط ، تأليف مجموعة من المؤلفين دار الفكر جزء -1 ص 357

8- حسين خمري فضاء المتخيل، مقاربات في الرواية منشورات دار الاختلاف 2002 ص 182

9- حسين خمري فضاء المتخيل ص 182

10- المرجع نفسه ص 183

11- المرجع نفسه ص 179

12- حسين خمري فضاء المتخيل ص 184

13- حميد لحميداني ، النقد الروائي ولالايديولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى  سوسيولوجيا النص الروائي، المركز الثقافي العربي بيروت ط 1 ص 16نقلا عن نبيلة منادي : الخطاب الأنثوي في الجزائر، دراسة سوسيوبنائية، رسالة ماجستير، معهد اللغة والأدب العربي ، جامعة عنابة 1998، 1999 ص 37

14- فوكو ميشال : المعرفة والسلطة ترجمة عبد العزيز العيادي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت ط 1/ 1994/ ص 32 نقلا عن نبيلة منادي : الخطاب الأنثوي في الجزائر

15- عبد المعطي حجازي (أحمد) تجليات الجسد، تجليات الإنسان مجلة إبداع العدد 09 مصر 1997 ص 05 نقلا عن نبيلة منادي : رسالة الماجستير ص 44

16- زينب الأعوج: تطور مفهوم الثورة في الشعر الجزائري، رسالة ماجستير، كلية الآداب،  قسم اللغة العربية ، دمشق ص 230

17- نبيلة منادي، رسالة ماجستير ص 44

18- المصدر نفسه ص 45

19- حسين خمري، فضاء المتخيل ص 190

20- المصدر نفسه ص 190

21- المصدر نفسه ص 190

22- أحمد عزوي : الرمز ودلالته في القصة الشعبية الجزائرية ، رسالة دكتوراه قسم اللغة العربية ، جامعة عنابة 2001،2002 ص 17

23- دون جوان من موسوعة ويكبيديا // الموقع

24- حسين فيلالي: السمة والنص السردي ص 97

25- الدكتور علي القاسمي : عشار.. آلهة الأنوثة والحياة ، هذا الموضوع هو في الأصل قراءة في كتاب (عشار)، ومأساة (تمور) للدكتور فاضل عبد الواحد علي، دمشق ، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع 1999

26- د. عبد المالك مرتاض : في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت 1998 ص 129

27- حسين خمري المصدر فضاء المتخيل ص 88

28- جيرار حنيت : خطاب الحكاية، بحث في المنهج، ترجمة محمد معتصم عبد الجليل الأزدي، عمر حلي، منشورات الاختلاف ط3 2003 ص 129

29- المصدر نفسه ص 129

30- المصدر نفسه ص 130

31- سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي (الزمن، السرد، التبشير) ط1 1989الناشر المركز الثقافي العربي لبنان - المغرب ص 287

32- المصدر نفسه ص 287

33- المصدر نفسه ص 288

34- المصدر نفسه ص 289

35- المصدر نفسه ص 289

36- المصدر نفسه ص 290

37- المصدر نفسه ص 289

38- عبد المالك مرتاض في نظرية الرواية ص 185

39- المصدر نفسه ص 185

  

  

  

  

سها جلال جودت


التعليقات

الاسم: سها جلال جودت
التاريخ: 01/03/2010 21:31:27
شكرا جزيلا سلام نوري لك مني عاطر المحبة والنور وتحية تليق ، ونشتاقك في مجمعنا العربي الدولي لأصدقاء اللغة العربية ،، ودّ وورد

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 01/03/2010 14:42:15
الرائعة سها جلال جودت
كم اتمنى ان اقرأ لك رواية واضوع بعطر روعتك وحروفك سيدتي
سلاما للجمال الكامن هنا
دمت




5000