هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جماليات الوصف والمكان قراءة في رواية ((مدينة الله))

جمال نوري

        يستهل القاص والروائي حسن حميد روايته ((مدينة الله)) بإشارة لافتة لا بدّ من قراءتها من أجل معرفة مغاليق هذه الرسائل التي كتبها فلاديمير إلى أستاذه إيفان في جامعة سان بطرسبورغ، والإشارة نفسها تنطوي على توضيح أو إضاءة للتقانة أو الحيلة السردية التي اعتمدها الروائي في بناء السرد وتواصله مع الحكاية المركزية في جوهر المكان، حيث يذكر ((ناشر الرسائل)) بأنه فوجىء بزيارة (وديعة عميخاي) وهي تسلّمه حزمة من الرسائل المحضورة، كانت أوقفتها حين كانت تعمل في مركز البريد .

    فها هي ذي تتخلى عن ذنب قاسٍ من ذنوبها بعد أن افترسها السرطان ولأنها واثقة تمام الثقة من صحة الكثير مما قيل ضمن هذه الرسائل، إلا أنها تخشى أن يحرقها أحد من ذويها أو معارفها بعد رحيلها، ولم تجد أصلح من ((ناشر الرسائل)) الذي يعمل في مكتبة الشرق لإيصال هذه الرسائل إلى صاحبها الشرعي .

     ويتبين من حديثها أن أسلوب الرسائل الأدبي الرائع وولعها باللغة العربية جعلها تحتفظ بهذه الرسائل لأكثر من عشرة أعوام، لتضعها أخيراً بين يدي ناشر الرسائل الذي تجشم عناء البحث عن شخصيات هذه الرواية، لكنه أخفق في الوصول إلى أي واحد من أولئك ـ عدا سيلفا التي انتحرت ـ ليتمكن من إيجاد وسيلة لإيصالها، مما اضطر إلى نشرها كاملة من دون حذف أو تصحيح .

    وربما استطاع أن يعرف بعد لأي أن إيفان قد ترك الجامعة بحثاً عن فلاديمير الذي اصطلى بنار الحقيقة وأودع في مجاهيل السجون التي غيّبته إلى الأبد، ولعلّ الملحوظات العديدة التي كان يختم بها رسائله وهو يلح ويتوسل إيفان أن يكتب له أي شيء يمكن قد يسعفه في متاهته، كانت علامة أخرى على الرغبة في إدراك الحقيقة، ولعلّ إيفان أيضاً أدرك أن هذا الجفاء والانقطاع كان بسبب موضوعي أو عن قصدية تهدف إلى أن يكون في المكان ـ القدس ـ، الذي سيكشف فيه وعبره عن طبقات المعرفة ومستوياتها وظلالها وجيوبها عبر المشاهدة والملامسة والمعاينة، التي أضاءت له جوانب متعددة من جوهر المكان وحساسيته وفضائه العلني والسرّي والموارب .

    في الرسائل الست الأخيرة التي أرسلها فلاديمير من السجن يختم الرسالة السادسة ضمن الملحوظات التي دأب وحرص على تذييل كل الرسائل بها، وهي بلا أدنى شك تفصح عن دلالات جلية تصف المتغيرات السايكولوجية والمعرفية التي عصفت بفلاديمير، وهو يدرك بمجسّاته الإنسانية هول التجربة وفجائعيتها في هذا الوطن الجريح، وفي آخر ملحوظة يطالب عكس كل ملحوظاته السابقة بأن ((أرجوك .. لا تكتب إليّ .. فعناوين السجن ليست عناوين))(1) .

     لقد حضر فلاديمير زوج ((رشيدة مراد)) الفلسطينية التي توفيت في حادث سيارة قبل ستة أعوام، ولم يكن فلاديمير مقتنعاً تماماً بالتفاصيل التي كانت ترويها له وحجم الظلم وبشاعة الحياة في مفاصلها المؤلمة، ويوضح فلاديمير ذلك في الرسالة الأخيرة معترفاً لـ ((أبو العبد)) صاحب مقهى في ((قلندية)) :

 

         معرفتي برشيدة هي التي عرفتني بفلسطين، معها قرات التاريخ الفلسطيني، ومعها

          عرفت الجغرافية الفلسطينية، ومعها وعيت الألم والظلم اللذين وقعا على الشعب

          الفلسطيني .

 

    ومع أنه يقول ذلك مدركاً أبعاد كلامه إلا أنه كان يتصوّر في البدء أن في ذلك الكثير من المبالغة، وعند المشاهدة العيانية الأولى ((مرحلة الدهشة والغواية)) تكون المعرفة هلامية إيحائية، تنطوي على الكثير من الوهم بإزاء تلك اللغة الشعرية العالية التي لا تتوقف عن الوصف الدقيق للأشياء، للأماكن المقدسة، للطقوس الاحتفالية الكثيرة للمسلمين والمسيحيين واليهود، ومشاهدة القدس بطبيعتها كفيلة بأن تبذر في أعماقه أشياء كثيرة بوسعها إحداث تحولات خطيرة في رؤيته للأشياء :

 

           أعترف لك .. أنني وكلما خرجت كي أرى القدس، أشعر بفرط نشاط في جسدي،

         ورقص في روحي، ولهفة يموج بها قلبي، لكان المدينة سحرتني، فأنا أخرج إليها

         مثل عاشق يخرج للقاء عشيقته .

 

    وتأخذ فلاديمير للوهلة الأولى هالة سحر الأجواء ومتاهة الفضاء الذي لا يكتشف طبقاته بسهولة، ولشدّة هوسه بالمكان يسأل الدليل فرج: ((هل هذه المدينة مسحورة: قال: لا . قلت: هل هي تدور))(2)، ثم يردف قائلا:

 

          قلت لماذا إذاً أراها في كل مرة وكأنني أراها للمرة الأولى، قال: لأنها مقدسة،

          فكل ما يقال عنها يظلّ جديداً كانه لم يقل من قبل، وكل رؤية لها تظل جديدة

          كأنها لم تكن من قبل .. قلت: ومن يغيرها، يا فرج ؟! قال : يد الله، الناس،

         النهارات، والقلوب.

 

ويسترسل الدليل فرج الفلسطيني واصفاً القدس حيث يقول: ((إنها مثل النساء الجميلات كل إماله لها جدّة)) .

     يمكن أن تقرأ المكان بوصفه فضاءً ومسرحاً منفتحاً للفعاليات الإنسانية، فيصبح على وفق هذا التصور الأولي جزءاً من صيرورة الحياة لأي مجتمع مع تقادم الأزمنة، ولعلّ المعرفة الأولية لم تكشف تلك المستويات المختبئة في أعطافه ومتاهاته وظلاله، إلا أن اقتراب فلاديمير من الشخصيات الكثيرة التي عايشها ولامسها وتفاعل مع معاناتها وهمومها وشجونها، قادته إلى معرفة أشياء كثيرة لفكّ بعض رموزها وتحليل شفراتها أوصلته بالنتيجة إلى السجن، بعد أن استقرأ بمجساته الإنسانية كارثية الحياة والظلم الذي يقع على الفلسطيني من البغال والبغّالة، الذين يتربصون بكل نبض حيّ للحياة وكل لحظة فرح أو همسة بهجة في الشوارع والبيوت والمدينة .

      وقد يستغرق كاتب الرسائل في متاهته وحيرته، تلك التي لا يتوقف في بيانها وكشفها بإزاء إيفان: ((صدقني إنني في حيرة المغلوب على أمره، فأنا لا أدري ماذا أكتب إليك، أهي الحقيقة أم الخيال، فأنا لا أصدّق بأن ما سمعته قد حدث، وأن ما رأيته أمام عيني قد حدث بالفعل أيضاً))(3) .

      وتتمخض التجربة الطويلة مع المكان ومتغيراته عن معرفة أكيدة تنطوي على نوع من الضبابية والغموض :

 

         هنا، وفي هذه البلاد، وفي هذه الظروف .. نرى الواقعي والعجائبي والسوريالي

        والملائكي والشيطاني كائنات من لحم ودم تمشي معك في الشارع، وتجالسك في

        المقاهي والمطاعم، وهنا أيضاً .. نرى الظلم، والأذى، والخوف، والدم، والقتل،

       والآهات، والصرخات والاستغاثات، وقلة الحيلة، والصبر..كائنات تجول في المكان

       مثلما يجول الهواء في الفضاء الحب .

 

    ولعلّ علاقة  فلاديمير مع الحوذي جو وأبو العبد وسيلفا وعارف السهيل وأم هارون والدليل فرج وغيرهم، تفتح نوافذ ثرة تغني وتعزز قناعته في النهاية في أنه أسير مدينة ساحرة واستثنائية تصلح أن تكون مدينة الله .

    لقد وفق الروائي حسن حميد في أن يكون محايداً وحذراً في رسم الشخصيات من وجهة نظر الراوي الذي هو زائر روسي يجيد العربية ويكتب بها، أما عن اللغة الشعرية التي اتسمت بها الرواية فيجدها رشاد أبو شاور في قراءته على النحو الآتي ((الرواية مكتوبة بلغة شعرية رفيعة تليق بالقدس، بحيث تتجلّى وتتجسّد اللغة الشعرية التي تتألق عند جدرانها وفي حاراتها التي تفوح منها رائحة التاريخ الزاخر بالحزن، والتراجيديا الإنسانية، تراجيديا عذاب مدينة وشعب))(4).

     ويتوقف طلعت سقيرق واصفاً الرسائل النتي كتبها فلاديمير بقوله ((حركة فلاديمير في رسائله القصيرة التي تصل إلى حدّ التشفير أو القصيدة الشعرية، تنتقل من مكان إلى آخر لتقول القدس بكل ما فيها))(5) .

     ويؤكّد ما ذهب إليه طلعت سقيرق إلى أهمية المكان وتنوّعه وفرادته بوصفه منهلاً ثراً للمعرفة أضاف الكثير إلى فلاديمير، وهو يداري اضطرابه وارتباكه أمام كل هذا السحر الذي يلفّ القدس، ولعلّ علاقته الأولى بعد وفاة زوجته رشيدة مع السجانة سيلفا كشفت عن هول وتركيبة وتعقيد وإشكالية الشخصية اليهودية بكل متناقضاتها، حيث تمتهن أبشع أدوارها في السجن من جهة، وتتمثّل من جهة أخرى رمزاً للأنوثة الطاغية في علاقتها مع فلاديمير، إذ تعترف سيلفا وهي تلامس فلاديمير قائلة: ((أرجوك اقترب، عانقني كي أدعوها أن تحميك وتبقيك لي وحدي، فقد أعادتني أيامي معك إلى إنسانيتي، لا شيء مثل الحب يعيد المرء إلى إنسانيته، وينسى ما اقترفقت يداه)) (6) .

    ولا يستطيع فلاديمير وهو في مرحلة الكشف التي خاضها في القدس أن يصدق أن تكون سيلفا سجانة تقترف الأعاجيب بحق السجناء، كما روى له الحوذي جو والمناضل السياسي اليساري عارف الياسين الذي أمضى ثلاثين عاماً في سجون ((البغّالة))، حيث تتمرأى له صورة إشكالية معقّدة في لجّة التحامه بالجسد الأنثوي النافر:

 

       ها أنذا أراها تخلع الثوب، فتبدو القرى وتبدو البساتين .. وقد ظللتها الغيوم، ها هي

       ذي تدنو، فتبدو الدروب، وها هي ذي يدها تأخذ بيدي .. فأحسّ بالمروج المعشبة،

       ندى بلله العطش العميم .. ها هي ذي دنيا ألوان تجول في غرفتي، وأنا حولها أدور،

      وها هي ذي روحي تحوّم في فضائي مثل فراشة خفت كي يمرّ بها الهواء .

 

وتتواصل سيلفا في اعترافاتها المضنية الشائكة كاشفة عن بشاعة السجن والقتل والظلم والعذاب المتواصل: ((يغتصبن بالعصي الطويلة، ويا للصرخات الوحشية ويا للألم الذي يندفع كالثيران .))(7) .

 

     هكذا تتضافر صور الأمكنة وطبقاتها وأسرارها على اختلاف مستوياتها، وكذلك تنوع الشخصيات وتعددها في إضاءة المشهد الذي أصبح أكثر وضوحاً، فالمقهى في قلندية وأبو العبد واعترافات عارف السهيل ورحلات فلاديمير الاستكشافية للمخيمات والمستوطنات وشيطنة أم هارون وتجسسها على كل حركاته وسكناته، واعترافات ليلي وسيلفا، وحالة الفزع والخوف التي تتلبس البغالة وهم يقمعون الناس ويصادرون كل فرصة صغيرة للفرح والتألق والتوهج، وقراءته لرواية يزهار سميلانسكي الموسومة بـ ((خربة فزعة)) التي يبرر فيها القتل والحرق ويعدهما بطولة ما بعدها بطولة، ويصفها أبو العبد في إحدى محاوراته الحميمة مع فلاديمير بقوله الفلسفي: ((إنهم يولدون مع الخوف)) .

     إن رواية ((مدينة الله)) تمثل مرحلة مهمة في كتابة رواية عربية فاعلة تشتغل بتقاناتها الفنية العالية على الإنسان والأرض والمصير والهوية، وهي تكشف عن آفاق جديدة لفهم الآخر لقضية شعب قاتل وما يزال من أجل تحرير بلده وتطهيره من دنس الغزاة وعبثهم وعنجهيتهم واستبدادهم وإرهابهم .

    لقد تمكّن حسن حميد بحذق الروائي المجيد والخبير أن يطوّع الشعر والسحر في كلماته ورؤياته وحياديته، في اقتحام موضوع غاية في الخطورة والحساسية ولاسيما ما يتعلّق بشخصية فلاديمير، والحذر الذي وضعه حسن حميد في حسابه وهو يحاول أن يضع شخصية روائية مقنعة بسلوكها وإحساسها وأحلامها ووجهة نظرها، ولقد أفلح تماماً في بناء هذه الشخصية بكلّ أبعادها الإنسانية والفكرية والثقافية .

 

  

  

  

  

  

  

  

  

الهوامش:

•(1)  مدينة الله، حسن حميد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2009 : 450 .

•(2)  م . ن

•(3)  م . ن

•(4) موقع عرب 48 الإليكتروني .

•(5) التجديد العربي، طلعت سقيرق، موقع إليكتروني .

•(6)  الرواية: 276 .

•(7)  م . ن

 

 

 

جمال نوري


التعليقات




5000