..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


التيوليب

رجاء بكريّة

لبسَكِ بدني، واختفيت في خشب السرير. خفت أن يشي بك لمن ملأ المكان خطوا بحثا عنكِ. لو حكى الخشب آنذاك لأعلن أن بدني ملأَكِ تحت جلده وأسكت دبك الأحذية المتسارعة حول الموقع الفارغ ، حيث وقف قطر صوتِك ينتظر رجوعكِ . ذبابة زرقاء بطائرين براقين  تلتصق بالكتف للمحة، تلبسه وتغادر ، تنادى الحضور، هل رأيتموها؟. خفت على كتفي حين لاحظتُ الرجال يهرولون مذهولين الى أكتاف  تعلقت في الهواء وتخلت عنهم . الى الأبد ربما ، همستُ وانكمشت في أخاديد نفسي . ليست واضحة تماما لعبة الأسياد والخدم في هذه الأمسية الحافلة ، همستُ بانزعاج لسيجاري ، ثم علّقتُ احتجاجي بفروة الكبوت الناعمة . لا أقبل سواكِ سيّدا لها، قلت ، وأنا التقط قفزاتك السريعة بين الكؤوس والشوارب .

       كان مساء لجسدِك أنتِ ، عرس لملوكية حضورك. فوحه عشق يصيب من يقترب منك بالهذيان ، وربما لأجل ذلك اختطفتهم بضربة حظ واحدة، وصرت ملكة لرجال هيئاتهم ظلال تتعلق  بأسقف الباحات الواسعة. تبتسمين بمكر شفاف وأنت تمرين بجيوب عيونهم الممزوعة من شدة البحلقة، أو الأنتشاء. تماما، كما تفعل ذبابة زرقاء بعد أن تلسع أعداءها، تلبد في زاوية بلون جناحيها، وتطلق أغنيات مزعجة. أما أنت  فتختفين لتتأكدي من افتقادهم لك ، وحين تظهرين ثانية تتحصنين بالهواء، فعل أجزائهم المفقودة، ثم تطلقين صمتا يقلق حتى الذبابة التي تمسرحين دورها. كنت جميلة وفاتنة ،لا تقاومين بسهولة. لا بل لا يعرف الرجال كيف يقاومونك، ولا كيف يدفعون عن تفاح أعناقهم ضوعك . ألغام العشق التي وزعتها على مخابىء العتمة وتفجرت خلفك كانت بارقة الجنون الأولى ، التمعت على ذهب أزرارهم صارخة وتلفعت بِطانة القمصان. كانت صورتك داخل النبيذ الخمري سر رجال نفضت زوجاتهم حروف العشق سريعا عن ستائر خزائنهم ومن داخل المكتات . دبق هذه الليلة  على الملابس . انتشر بعد أول حفة مع القهوة على طرف اللسان .

       لم أجرب مقاومة مكر شفاف لذلك الحد. بل خفت أن أفعل . وقفت بعيدا أراقب كيف تصرعين رجال أحاطوني قبلك بالسؤالات ويحيطونك من بعدي بالسخافات . ليس تماما، إطراء امرأة ليس بالضبط سخافة لكنه حين يصبح حكاية الساعة يبتذل ويلغي أبعاد الرائحة ، ورائحتك كانت سيدة حول الموائد وبِدلات الرجال . كسرت الموائد بعفوية وصمت . كانت كلَّكِ . حقا ، لم أعترف لك قبل الآن أن ما يأخذني إلى امرأة جميلة رائحة صمتها . لا يستميلني جمال ثرثار . والصمت حين يفوح من تسريحة امرأة يرسل وميض قوة . أحب المرأة القوية ، ليس تماما ، امرأة قوتها خلف رائحتها .

       فكرت بك كأنثى ، لا يمكن أن أكذب . ليس فقط ، لبسك من بعيد بدني . لا يحدث أن تلبس أبدان الرجال نساء لم يتبادلوا معهم أشواق . أما أنا ففعلت ، بعد أن أحدثت غيوما لسماء تسريحتك وتخللتها ، وجلبت لك شتاء تلقائيا أدهشك . لم تتنبهي إليه قبل أن يغلق الرجال جرار غزلهم على ردودك المختصرة ويحلّقون فوق رأسك. ارتعبتِ قليلا، أعرف . لم يلاحظ غيري رعشة فكك الأسفل . كنت تستعيدينهم لأقل من خمس ثوان، ويصعدون إلى فوق حيث الغيوم الملونة تدوخ المطر المُعوِل حولك. لبستُ الشِّتاء معك ولففت نصف دائرة باتجاهك ، اصطدمت بنصف ارتباكك الجميل. أبصرتني للمرة الأولى إذّاك مع الشتاء الذي ألقيته عليك . لم تكوني في تلك اللحظة لغيري . كنا تحت الغيم الذي تسلقوه أنا وأنت فقط . لا... أنت وأنا فقط ، هل سيهم رائحة عينيك من يسبق الآخر ونحن رأسان لجسد! آسف هذا كل ما أفهمه من أدوات التدله باحتواء امرأة . السيجار ظل ممسكا بفمي يحتجز التفاحة التي بدأت تلعب في حلقي وتخنقني . فهمت من زهر القندول، الذي هلل في وجنتيك، أنك مجنونة بالشتاء فازددت له استمطارا ولك احتلالا . حب الكرز فز أخضر من أرنبة أنفك المدورة ، مخالفا عد فصول السنة . عجرا أفاق كرائحتك حين تغيظ الردهات ، تصبح ذكية وساحقة . لا أعرف كيف تخربط امرأة عد الفصول هكذا دون أن تقاضيها قوانين الطبيعة ، أم أنك من صنعها؟تخيلتك دائما عجرة كثمر الشتاء دون سبب . اختنقت بك ،كنت الوحيد الذي يسمعك . فوحك هذه المرة كان دربكة عنيفة ، كلما سمعها رجل صار عشر رجال ، وتمنى أن يلبسك في النصف الأعلى من جسده ، مثل ساعته أو ربطة عنقه . قد تخنقه، لا بأس ما دامت تبقي مسافة أطول للعناق بينهما. هل فهمت أنني أتيتك بشتاء عاصف لأعانقك كل المسافة التي تفصلني عنك ؟ لا يحترق الرجال كثيرا بسيجار مزخرف كالذي اخترته للمناسبة ، لكنهم أجل يحترقون من هول المفارقة التي يتسبب بها جسم أصم يوظف كي يحرق فيحترق في فم حامله . أردت أن أتخلص من حرارته المتزايدة في فمي ، فأنساني الشتاء الّذي دفعني نحوك أن أسناني تسخن أيضا ، وأننا ،أنا والشتاء ، نعصف من مسافة الخطوات القليلة مثل زوبعة بخلق المكان. 

       تقدمت خطوتين فقط. ارتسم وجهي على وجه الحضور مثل مسبة أو أهانة، أو يجوز خيانة. حارقا مثل شعطة قبلة يخطفها غريبين في قاطرة، وتنابتت فيه بسرعة القبلة تلك، قرون الفلفل الأحمر. سقطت تلك الآلة بين الأقدام. صوت ارتطامها العالي بالبلاط أفهمهم أنها مصدر غيمهم. بهذه الحيلة السريعة استنزلتهم من الغيم ألي . نظرت اليك بدونها ، فأحسست أن ملابسي سقطت معها ، وأنك تحددين دون جهد المواضع التي تمنّتك. أردت اجتياز الأشبار القليلة الباقية لأقول لك أنني هو عاصف أقبال ، الذي لا بد أسمعك زوارك قصته معك . مقاول العواصف التي تأتي من الغيم. غيم ملون يستخرجه بتلقائية فاتنة من خشبة صغيرة متعرجة. لا يحتاج احتياطي رجال البترول المصنع الذين يطوفون حولك، كي يعصف مواسم بجسد امرأة كله مواسم. هذه حقيقة! التملق في وطن يشبع من طول السواعد ويموت جوعا من عاهاتها يصبح بترول الرجال المصنعين. دون حاجة لتدقيقات طويلة، وربّما لذلك ليس غريبا في زمن الجوع هذا أن تتدركم الأقدام بالجواسيس والقردة. أردت أن أؤطرك مثل تويج توليبة لتظلين هناك معتقلة. بغيمي الساحر وحده، وألفّ بك ألفّ بك، كما ترقص جنيات الأساطير مع عشاقهن ، لفّة بعيدة ساحقة مثلهن . ألفّ محتقنا برائحة عينيك وبوسة الخال التي تنتصف جبينك كهنود المهاتما. كل شيء فيك ياسيدتي لغة لرائحة. تمنيت عناقك ، لا شيء آخر ، وقبلة مستعجلة تدوّخ تسريحتك ، تفككها هكذا كالرغبة من المشابك. وبدل أن أصل حيث أنت أندفعت ألى مدخل جانبي قادني ألى غرفة أنيقة واسعة، وسطها سرير من الخشب. ميزت في أنتاجه خشب الآلة الصغيرة التي تصنع في فمي العجب .

       السرير بلا مفارش ، وبلا وسائد. خشبة سميكة مالسة تعرف كيف تخبىء الأبدان فقط. بعد تردد وافقت أن تبتلعني بك ، حتى تعود الي آلتي الخشبية ، ومعها ترتديني ملابسي. كان يجب أن أفهمك بتمردي المفاجىء على شتاء صنعته خصيصا لك أنني غير الرجال ، ولو بابتلاعي الوهمي لك . عاصف أقبال مقاول شاعر سمع عنك سنوات طويلة خلف البحار من رجال أتوه لأبرام عقود وصفقات رابحة، من خارج وطن طرده بعد أن بصق على فقره. رجل لا تعرفينه ، يحفرك لعواصم مضاءة في أسمنت جدرانها الجاهزة. مقاول عقارات كتب على جميعها خواطر غير مرتبة لصورة وصلت ببريده المستعجل . قاهرة الرجال ، قيل ، فقهرت بك كل الزبائن. خدعتهم بعقارات مستعملة تعزل قلوبهم شأن جدرانهم عن الصوت وتقربهم من الموت. تعزلهم فيك. مملكة صرت، قوتا للصمت . لم أفهم حتّى الساعة لماذا يكتئب الرجال حين ينفردون بك ويغادرون سريعا الى بيوت أبدية . هل كان كلامي المدسوس في عازل الجدران الجبصية عازلا أيضا لأنفاس الحياة ؟ قولي، هل كانت رائحتك تخنقهم أثناء النوم ، أم أنها مشابك تسريحتك المبعثرة ؟ كلهم حالات اختناق ليلية. أحك لي كيف حدث أن أفقرتهم واغتنيت بكبرياء لا تشبعه العبادة ؟ وأخذت كل ما لهم وأرسلتهم بملفات أسرتهم الى جحور الفئران ومواكر الأرانب. لا أذكر أنّ كبرياء امرأة قهرني، لكنك فعلت قبل أن أراك .

       هناك في عواصم مضاءة بشهرة النجوم ، بدأت أخربشك غصن لوز خجل الأزهار يستحي من لحظة بلوغه. وكنت هيأت لمشاريع عزوبيتي الطويلة هواية لأجلك، تجفيف ورق الشجر . لم يكن لمدن هجمت عليها صناعة الكبرياء أن تتقن صناعة الورق. ويمكنني أن أعترف لك أنني كنت أمهر مجفف لشجر المدن المهملة ، هكذا سماني رجال الصناعات الكبرى واندهشوا. عليها خربشت لوزك . ألذلك سمّوك نوّار ! ألنفس السبب رفضت أن أسوق خبرتي الجديدة ، أخوفا  من الأبتذال عليك أم على مواسم اللوز ؟ تهامسوا بك وأضافوا ، "نوار معلم مديرة شركة رائدة في صناعة البورسلين ، كل ما يعرفه الوطن عن أزهار الأيام" . أخرستهم بأدب من فم السيجار، "وكل ما ستعرفونه عن أزهار اللوز ". لست متأكدا من علاقتك باللوز ، لكنني أتذكر جيدا أننا أسمينا زهره صغارا نوّار . كان ينتشر يومها في الحواكير المهملة وليس على نهود النساء ، لاحقناه خارج حدود المدن لئلا تقبض علينا عصي مخضري الأراضي. لغاية واحدة فتشنا عنه، كي يعترف لنا بمستقبل عشيقات المدرسة. ننتفه ورقة ورقة ، "بتحبني ، بتحبنيش" وغالبا كان النوار ينتهي بنا الى اعترافات مظلمة عن العشيقة. هل تكونين واحدة ممن أغفلت شفاه الصبي الذي كنته مس تويجهن ، أو ربما النوارة التي سقطت من لفة القميص وكبرت في العراء؟ لأبرر لف قميصي حول بتلاتها في هذه اللحظات.       

       حذروني من إصراري عليك. من غيرتهم عليك، يجوز. لكن حين انتقلت بمشاريع عزوبيتي وأعمالي ألى الوطن بدأت أفتش عن وقت أنكّل به أمامك . لماذا؟ لا تسأليني ، كل الرجال ينكلون بشيء لتقويم وجه رجولتهم . عدت الى وطن مطفأة فيه أضواء الداخل والخارج،  حتى أضواء السيارات والمراكب كانت بعيون مظلمة. كرهت الوطن دفعة واحدة ، وحين تذكرت أيام بصق على فقري كرهته أكثر. رحلت الى نفسي ، ومنها غرفت لوقتي الفارغ ضجيج عواصم نميت فيها موهبة تجفيف النبت الأخضر ، و..تجفيفك. من شدة قهري أردت أن أجففه ،هذا الوطن القاهر مثلك، بقي أن أعترف أنه قاهر بوضاعته، وأنت قاهرة بكبريائك .ترى لماذا يظل في مدن الأثارة توق ومحور قداسة . لماذا يصبح حين نعود مبغى لا سيادة فيه لغير العهر . ماذا نفعل بالعهر ، ولا أسواق مؤهلة تماما لشروطه؟ كان الجلوس في وطن غير معنون يعني الشقاء . بل أكذب كنت هوية وحيدة لكل العناوين الملغية . لم أفتش شقاء غيرك . كان ضوع رائحتك من ذقون الرجال يوطنني بيتا لا أطيقه، وتسلية صارت فروضا وسطور ولاء كاذبة . هل يأتي الوطن الى الناس أم يذهبون بأعضاء فالتة اليه؟ تدريسة العبث كانت كل ما فهمته عن قانون التواصل به. جدرانه زنزانة لا يفكها مجيء الموت. لا شيء فيه غيرك. كرهته كرهته، هل سمعت رجلا يولول مثلي؟ فسري انتمائي كما شئت فالحقيقة أنك من أقفل عليّ جدرانا عاديتها كلما فكرت بأسطرة رجوعك .تتوترين مكان الساعات المفقودة حلما بوجه مشروع اغتراب. كيف احتملت جدران هربت من أسمنتها كل هذا الزمن؟ رملتها دون سبب ، أو لعلك في المدن الغريبة مفتاح انتماء وهنا قفل ضياع! كيف حدث للحيطان أن نسيتك، أم أنك من تخلى عن تحصينها لالتماعة ساقيك في وجوه الرجال؟ أهو سر حضورك أن تخلي المسرح حين يصعد اليه محترفوه! تخيلتك امرأة لا تحترف ألا نفسها. خرجت من البراويز التي علقتها لقطع جسدك . رميتني بوطن كله وحدة ،ثلجه لا يكف عن كساء البيوت والساحات والشوارع بفصول الشتاء .الشتاء هنا فصول لا نهاية لشهورها. هو من علمني كيف أصنع الشتاء لمدن لا يأتي اليها مثلك . هل اعترفت لك أنه لا يتقن غير صناعة العدوى بين الحالات .نقلها الي وأنا على معبر رفح حين ثقبني المخبرون بالسؤالات . لا تظني أن العدو فقط يعصر الوطن من الجبين ويدحرجه بحجم طابة بغ بنغ الى الحذاء. مخبرو الوطن ووحدة احتياطه خصخصوا هذه الحرفة أيضا . على المعابر ضربتني عدواه . من معبر لمعبر نهشتني الفصول . تشبثت بالشتاء لأنني أعرف أن غضبه يجمد العقل فقط ، لا يذبحه. كنت عائدا رعديدا يجبن من خبر الأغتيالات ويمتهن على الأرصفة أغواء النساء الجميلات. حّلي المؤقت للبطالة التي هبطت مع طائرة الأباتشي فوق طاولة المشاريع الأنيقة. جعلني الذعر ثياب الجدران العارية وحلة حديثة لأعمدة الكهرباء. أصبحت أعلانا دعائيا مبتذلا، ليس أهم من فروة الكلاب ،بل ربما فرواتها الراكضة تحت المزاريب جندت علما للمؤامرات، ما لم أستطعه أنا. رأيت الرؤوس تسرع بين الحواري بلا بطن وبلا حذاء ، لمن هذا الوطن ، أجتر فزعي، لا أفهم من يغتال من ، نحن أم الوطن ؟

       خفت من يوم تصحو فيه النوافذ قبلي . مثل نعامة مستهدفة ، تركت عنقي يبتلع رأسي طمعا في الأختناق . أتيت هربا ممن عاقبتهم بك لأقاصص بين حيطان، حتى خواطري عنك غائبة عن عوازلها. لا أحتاج أن أعترف مرة أخرى أن كشف مزاجك نام في جيبي مثل وصفة ضد الصرع ، فيه أعلن أطباؤك السريين أنه حل فيك حلول الجن في البدن .

       بين الجنازات التي مرت تحت شرفتي أقمت أعراس شتائم . جن الوطن ، شجّ رأسه وحلق عقله، وعلقته الأحزاب تذكارا حول أعناقها . كان أشد ما كرهته في منطق أعلان الوجود هذا أن يزوجوه من أرض غائبة ويبنون له على مقاس الفقد ذاكرة . بدأت أمج سجائر وطن غريب ، مختل المشاعر ، لم أر منه غير تلك التعاويذ المضحكة حول الأعناق والكعوب. علبة مارلبورو لايت قضت نحبها فوق طاولة اجتماعات لم يلتئم منها عقد واحدة . عقدتني الوضعية السلبية للأشياء. فتشت عن تاريخ لندن بين أمتعتي، المحزمة لا تزال، وأصبت بالغثيان.  كنت عاجزا مثل كل شيء، لا أملك غير لايت يخرج من بين أسناني بلاك كالمازوت ، أطفىء وأشعل به حضورك . أجئت لأجلك ، فلتمت كل نساء الأرض وليذب سحرهن  أذا كان التشرد مهرهن ، صرخت بهذا وأكثر حين قبضت على نفسي محنطا في طابور اليأس . كرهتك قليلا، لكن لا أعرف لماذا حين ألقى نوارك المستحي ببتلاته علي جريت مثل المجانين الى صورتك معتذرا عن حمقي وخيبتي . أكل النساء يكشفن بهذه الشفافية خيبات الرجال وهزال وعيدهم ؟

       بعد شهور عدة، احتلت طاولة الأجتماعات خلالها ما لم تمتلكيه من تحف وأحجار نادرة حدث ما فركت عيني مرارا لأتأكد من واقعيته . وصلتني تلك الدعوة الغريبة ، آه لعل عصفورة هاربة من القصف تخلصت منها في حالة ذعر وفرت، أو ربما هو ساعي البريد، الذي لم ألمحه مرة واحدة منذ عدت، أسقطها من محفظته وهو صاعد مع مختطفيه الى الفضاء . سعلت ، وضحكت ألم يعثروا على مسلح أقل عدوانية من ساعي بريد يقدمونه قربانا للصباح ؟ ما أشد لطفهم مع الطبيعة الصامتة. مدهش كيف يسقطون شعورا مجانيا على الجمادات، وينزعون الحس من الحكايات. انتزاعا بخراطيم المياه ، وأحيانا يرسلون الى الأرواح الطائرات تخطفها بمكبرات الصوت . كل شيء قابل للخطف هنا حتى القطط والجرذان . هما الصباح والمساء لم يحدث أن اختطفوهما دون مشورة الله .يتوزون الموت والحياة كما يتوزون أزرار البندورة والملفوف من صناديق التجار .

       ازددت ايمانا أمام كل ذلك أنه وطن دمرت فيه الدبابات المهاجمة أوسمة المواطنة . اقتنعت أنه مختل عقلي مثل ابن أختي مؤنس. فاجأني على باب البيت بتعليقة ملابس شكها في عنقي وضحك، ثم صفق ورقص "شوفو خالي خزانة..خزانة" لم ينقذني من بين كفيه العملاقة غير صوت دبابة اجتاحت شارعا جانبيا. عندها حررني وجرى صائحا "أولاد القحبة أجو أخرى مرّة". هو لا ينسى المرة الأولى التي قصّت جسدي أخويه التوأمين قريبا من باب المدرسة وأتلفت ألى الأبد بساتين رأسه جميلة. لا يكبر في رأسه اليوم سوى جمجمتين ودبابة. والوطن يحال هذه الأيام حقا الى خزانة، لتلعيق الأحذية والجماجم . نقائض الوجود تتصافح في شوارعه دون خوف من أعاقة. الأحزاب والجنازات ، وملابس الأعراس المبلبلة. العرسان والأموات رديفان لنفس الأغنية. وبالونات الأطفال شأن قنابل الأعداء زينة لأعياد الميلاد. نساء الكنادر الملمعة وفتيات الأبواب المخلعة . وأنت يا سيدة هذا الوطن العاهر لا زلت خواطر لأغرب أمنية. شتاء رائحتك سكّرة قصر لم ينزع ختمه أحد. تفرين مثل النوارس من يابسة لبحيرة ولا يمد يدا اليك البلل .

       فكرت أن أمتنع عن المجيء للمؤتمر التأسيسي الموثق في ذيل الدعوة بساعته وتاريخه ، التاسع من ديسمبر، كانون الأول. لكن بلغني على لسان الذين يسجلون حركات النساء أن نوار معلم ستكون تفاحة المؤتمر. لم أسأل لماذا رجال الوطن مغرمون لهذا الحد بالعائلة اللحمية ، وعائلة القلوب يدسونها دائما في جيوب السراويل ، لتسلية قصيرة . لم أصحح تصنيفهم العشوائي للتسميات ، فزهرة اللوز المستحية كانت مشروع مسائي الوحيد. قرأت سورة الأسراء على بطء، أو على عجل قبل أن أغادر. لعله تيمنا بما يشبه براقا يصعدني وأنت خلفي الى وطن بأجزاء مرتبة في مواضع التحامها. زهقت من الجثث المقصوصة ولون الدم . لم يحدث أن ختمت سورة بمثل هذا الورع . قلت لك ، بحثت عن بعير طيار يعيدني ألى زهرات اللوز الغافية في جارور شقتي اللندنية. لأعيد تجفيف الورق وأصنّعك على مزاجي ، لم أعثر على مكان آخر يحتمل هوايتي غير تلك المدينة الباردة ، فالهواء ساخن جدا هنا كأمزجة المقاهي والشوارع . ولا تطير فيه غير هواية واحدة ، المواجهة.

       نوار معلم . ترن العبارة في عقلي كلحن حالم في ناموسية طفل ، يفتح نصف عين على ثمرة تندس في فمه على غفلة. معروقة مثل أجاصة تكوينك. أكل النساء نوارهن لا يذبل هكذا، أم أنك امرأة تجاوزت فصائل النساء ! كيف تسمي النساء أنفسهن دون أن يصرعهن ألقهن ؟ أليس مدهشا ألا يتنشقن رائحة نوارهن، ومؤلما أن تخلب عنهنّ عقول عشاقهن؟ ساءلت دون توقف أسئلة بلاأجوبة. افتتاني بتبخرها صلب السحر في أذني. تسللت أليها فراشات زهر اللوز من الحقول بعد أن أقفيت ، عفوا بعد أن موّهك اختفائي . ظننتني غادرت ، ودرن حولك درن حلقات. دوختك رفات لهاثهن. كن يداعبنك بدهاء، يذكّرنك بدعاباتك التي نكلت دون رحمة بالرجال. أوراقهم الذابلة تحت الغيم أقلتها من عينيك وجففت بها أطراف تسريحتك المبتلة. بماذا؟ لا تسأليني. بالقلق ، هم أخبروني .لم يكن لديّ شك أنك حين ركضت من بينهم  كسندريلا بعد دقات الثانية عشرة ليلا، مثلها كنت ملخومة ومرتبكة. لكن غير عابئة بأمر واحد،  أن تخونك ملابسك وعقد التوليب الفضي الذي سقط ، ونعفك في الهواء . لم تخشي أن تستحيل مركبتك المذهبة قرعة كبيرة تتكسر بين المطبات .

       أجل بقيت متدفئا بالخشب، ما دام الوطن لم يمنح سريرا واحدا لا يخيف من الضوء والعتمة. لكن أذا شئت الصدق شعرت أن الوطن بأناسه وأشيائه قد خرج من عقد التوليب الذي أحاط عنقك ، وأشعل كتفي . لو أنك شهقت بينهما لفهمت ماذا كنت بدونك. عاد أليّ شارعا شارعا يمشي مكان قدميّ معافى من حالات القتل والموت والأغتيال. رجع بك بحنجرة غير مجرحة ولسان سليمة من الشوه. كيف يعيد الأنتشاء للبدن علاماته مع الحياة؟ هل ولدت قبل الموت أم بعده حين سقط العقد الفضي وتركك! لا أملك أجابات على الأسئلة. ولدت مثلك لأسأل فقط. غرور؟ لا بأس ، كالذي يدثره كبرياءك. خرجت حين هجمت من بعدك الوحدة. الباحة بدون تسريحتك يا سيدتي باذنجانة مجوفة. وهذا العقد المنكمش هكذا كابتسامتك سيصل أليك داخل علبة شوق. كي لا تقولي سرّاق جواهر مزيفة.غريب أن يتسلق التوليب عنقك مكان نوار اللوز المستحي. مزيف ، كعادتك في اختبار نباهة الرجال. لا ، لم أستغرب ، لكن كيف خدعت عنقك ؟ لم أفاجىء امرأة قبلك بمثل هذه الأستنتاجات. ولم أتعرف الى أحدى من تعشق التوليب لدرجة تخيط به عنقها كجلد أفعى. لا بأس، أعرف امرأة واحدة زيّنت تاجها بجلد الأفعى ورأسها، كأن رؤوس الكائنات بيعت بمزاد علني، ولم يبق غيره . يقلقني منطق  نساء أمثال كليوبترا هذه. ترى من يقرر عنهن ، أشدة الحماقة أم فداحة الدهاء ؟ لا أعرف، ولم أختبر توليبك، قاني الزرقة. بين ممرات عقلي كما فعلت أنت مع سلة الرجال . بهيا حالما تألق مثلما عشت في الأفواه .

أذا كان الأمر ملحا فلم تفكّ من عقد رجولتي المتكاثرة هذه الأيام غير عقدة لساني. لم أكن عنينا تماما ، لكنني عشت بنصف رجولة لم تغفر لها سمرة بلاد جننت نساء لندن كلها. أملك شيئا يحرق صوابهن،علقن. كنّ يلقين شهوتهن ألى كؤوس النبيذ، ويبكين. ينتحبن أحيانا، ولا يفهمن لماذا لا أسحق تحت سمرتي غير أثدائهن . شقراء يا سيدتي، مستحية مثل النوار. مثلك حين ترفعين وجهك ، مورد الكبرياء، ألى سقف بلا نهاية .

       والآن ، أشد نفسي من خشب سرير لا يدخل لأول مرّة ضمن ممتلكاتي . مريح هكذا، بدون شراشف أو مخدات. ولا زلت ألبسك. تمزقين، لا زلت، لهفتي عليك وتلقينها في عيني . تخربشت سطور التعريفات على وجهي، وفي عيني تعيش الآن نقطتا ماء . كم كنت فاتنة ، يا حبيبة شوقي، وأنت تلحقين نفسك مثل بطلات هوليود. امرأتها الجميلة بالذات.هرب اسمه امن علبة السجائر، وصورتها أيضا. قصاصة لأحدى صورها كانت دائما مستلقية تحت الورقة الفضية للمارلبورو . لئلا أنساك في فوضى المواعيد والأجتماعات مددت لها أسرة رقيقة تحت سجائري. تتشبه بك كلما ضحكت . ثمة نجمة صغيرة تسقط من عينها ألى سنّها، تسقط عندك من جبهتك ألى عنقك . لا أعرف كيف ، لكن توهجها الخاطف يخطفني دون توقف، ألى أمكنة يفترسك فيها رجال لست بينهم. أجالس  محرقتي الصغيرة، أراقبك وأوزع غيوم الوحدة . قطعا لم تعرف امرأة مثلك يغصّ خصرها بالأعناق الحمراء معنى التحصن بنوارها ، بمحرقة أو نرجسة .

مشكلتي يا سيدتي أنّني  انتسبت دون مشيئتي لنوار غصنك، لا بل أكذب علقت عمدا بدوامة رائحتك. منذ فرط التوليب عنقك وانفرطت معه أصبحت بطلة لفيلم لم أنتجه . أفكر الآن جديا باحتكار أعادة أنتاجه .وأسطو عليك ، أسطو يا سيدتي على عطر قذالك وأغمد أسلحتي كلها فيه، فعل عصابات الشوارع بغرمائمهم في الكار. أغريمتي أنت، أم حبيبتي؟ ، تساءل وأخفى همسه عن عينيه. أنها هفوة أولى يسقطها لساني منذ بدأت مكاتبتي الغيبية لك. ضوع حبق أحسه يحبو في فمي ، هل تقبلين هذه "الحبيبة" بكل ما تعلنه من لطف وشراسة؟ غدا هو عيد الفلنتاين . القديس الذي أعطى العشق تاريخ وهوية. غدا هو عيد الفلنتاين،هل تقبلين أن أحدده موعدا لخطة سطوي المزعوم على نورك ونوارك؟ لا بأس من نفي أنفك الصغيرة ، ومن عمق فجيعتي. لا يسأل العاشق حبيبته عن رأيها في طريقة عشقه، ولكن من المناسب أن يستفسر لماذا لم تقاوم وهو يهددها بالموت على فمه أو في قلبه . في عيد الحب ياسيدتي لن أهديك أكثر من نصف رجولتي الأعلى. الرجل النبيه لا يهدي نصفيه ألى بطلة هوليودية . يترك لها على باب الغرفة هدية خائبة ويمضي، حتى يسقط توليبها على باب غرفته في سنة الحب المقبلة .

أنت اليوم خطة بقائي في وطن يزداد اغترابا كلما رسمته بدونك . المكان تكسّر في رأسي مثل منحوتة نادرة . تخيلي رودان بدون قبلة الحجر الصغيرة . ستقولين ، لو كان حيا ينجزها ثانية دون مشكلة. لكن الوطن حين يتكسر مثل الخزف يصبح ملحا في صحن مرق وأنا كرهت طوال حياتي شرب المرق . أحسست أن أصوات رشفه مقززة وبدائية . لا عرض آخر أقدمه أليك أول هذا الفجر. سيصحو الفلنتاين قبل الدقائق ويعنون الحياة بأسماء العشاق. قرري سريعا أذا .

"قفي خلف شارع أحرس رصيفه"،أمر هامسا، وهو يفسّر خطّته. ركضت كل المسافة التي أنستك رائحة أخلفها مرورك تفزع المدينة النائمة. أجل ، أجل ، أنا هو الرجل العاصف. ظل أسود يكتب سطورا على الغيم مقابل نافذتك تماما يقفز ويشتم ، يقبل الهواء كأنه أنت ، يذبل ويجن. يقاتل الشتاء الذي أحبك. رسم الأشياء تحت المطر بقلم سبّابته. كلما زخّ غسل ما كتب بأسرع من حركات اليد. أحتضن الآن نوارة لوز أتت مع العاصفة ألي . ما رأيك لو تحلين محلها؟. صرخ وهو يلمحها حائرة بثياب النوم. حاذري حاذري ، صرخ ، عقد التوليب سيغافلك ويعود ألي. ضحكت استخفافا ، وأسقطت ضحكتها التوليب قريبا من قدميه .

 تقدم الظل الأسود كي يلمّه فامتلأت كفه بحفنة عتمة. كانت نوّار لا تزال مستنجدة بالنافذة. تسرّح ابتسامتها المنكمشة وتهمس ، "لا بد أنه يفرش للتوليب سريرا تحت سجائره"، والرجل ينظر من موقعه على الرصيف ألى أعلى مندهشا. يحدث قلبه " قلت لكِ، لن أهديك غير نصف رجولتي الأعلى !" وحين انحنى ليجمع العقد المتناثر التفت حول أصابعه خيوط ليف خشن لم يتخلص منه بسهولة .

 

    يناير،04

   حيفا 

 

 

رجاء بكريّة


التعليقات

الاسم: وميض سيد حسوني المكصوصي
التاريخ: 23/12/2010 17:57:46
شكرا لابداعك يا مبدعة
رجاء من تألق الى اخر نص ممتع

الاسم: طارق الاغا
التاريخ: 01/10/2010 07:20:13
لا اعرف ماذا اقول وقلمي يعجز عن التعبير لك احساس شفاف جدا فوق مما تتصورين انت دمتي مبدعه


الفنان التشكيلي طارق الاغا

الاسم: مرتضى جواد شريف
التاريخ: 03/07/2010 20:08:15
ست رجاء انتي مبدعه با امتياز حتى المعاني التي بين السطورجعلتيا تقرء لي جمال تنسيق لوحاتك المبدعه نورتيني واتشرف بالقراءه لكي وشكرا الك

الاسم: بشار خليف
التاريخ: 11/05/2010 08:36:45
لديك نفس روائي جميل

اقبلي فرحي

الاسم: صبحي الغزي
التاريخ: 23/04/2010 18:45:33
فضاءات تعبيرية ممتازة تترشح من ثناياها نفحات الابداع
سلاما لك سيدتي

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 27/01/2010 18:38:47
الاخت رجاء من تألق الى اخر نص ممتع سلمتي سالمين يااهل النور

الاسم: محمد حنش .
التاريخ: 03/01/2010 19:21:52
شكرا لابداعك يا مبدعة قرأة نصك اكثر من مرة وتمتعت كثيرا




5000