.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


اثر القص

حسن كريم عاتي

على أن تكمل ما بدأته ، أبدأ من حيث تشاء . فمساحة قلبك اكبر من شطآن ظنونهم ، علك تحتويها في جوف المكان البارد ، إلا منك ومن أشرطة أكدوا موتها حتى كدت تصدق .
قد يكون تقطيع أوصال الموتى مجلبة للنحس ، لكنه لا يقود الى الموت ، وان كان الجنون فهو مبتغاهم ، وهو عدتك لوقت عصيب .

* * *
قطع أوصال أشرطة تلفازية ميتة منذ أمد بعيد . محاولاً بعث حياة جديدة فيها بابتكاره طرائق تقطيع ظنها مناسبة . فاقتضى ذلك منه المبالغة وإتباع أساليب ملتوية، عله يوفر حداً معقولاً من القبول ولو المشوب بالشك ، فشوش بها على ذهنه .

ظن مهمته يسيرة ومجال عمله يتيح له من الوقت ما يكفي لتفحص ألاف الأمتار من الأشرطة التالفة نتيجة انعدام الرغبة في المحافظة عليها . لم يطالب ، إقصاء له ، وتقليلاً من ضرره ، وتعزيزاً لاعتقادهم ، بإنجاز عمل معين سوى قبرها وبالطريقة التي يرغب أو يبتكر، فاقتنعوا .. بضرورة نقله من شعبة الأرشيف الى شعبة الأشرطة التالفة التي اتفق على تسميتها اختصاراً (( تلف )) برغم إن اختصارها مؤشر في اللوحة المعلقة فوق بابها بحروف سود صغيرة أسفل العنوان الكبير .. إلا إن الاتفاق غير المعلن جعلها لا تعني ما تصرح به فحسب بل تتسع دائرتها لتشمل كل شي فيها ، بما في ذلك الموظف المنقول إليها ، والذي يعمل على إتلاف ما تحتويه من دون خوف . فكل ما فيها ميت ، مثلما قيل . لكنه أدرك منذ البدء إن الوقت ملكه يتصرف به على هواه دون رقيب أو مسؤولية أو شاهد من شعبة (( تلف )) يمتدح عمله أو يبغي التأثير فيه أو التأثر به ..

* * *

ابتسمت أمه وهي تقول :
- لولا إن الله افقدني نعمة البصر ، منذ بدء شهرته ، لعشقته عشق صبية نزقة .
بهذا أجابت في ذلك الشريط الذي عرض وأذيع بعد الحدث مباشرة . حيث كان مخططاً له أن يعرض بمناسبة الاحتفال المهيب بانتهاء تسجيل الشريط الغنائي الجديد، في حينه ، لابنها . فلم يرد فيه حديث أو تعليق عن محاولة الاغتيال ، لان المحاولة لم تكن قد وقعت بعد . ويبدو انه من بين الاجزاء المقطوعة . فلم يكن يتصور أن يسمح بظهور مثل هذا الحوار في ظل الظروف التي كانت سائدة .. وقد أدركه الشك بان المتبقي من الشريط المتعلق باللقاء معها ، لم يكن سوى الاجزاء غير المرغوب فيها ومنع عرضها والتي أودعت شعبة (( تلف )) ابتغاء تدميرها في ما بعد . لكنه لم يصل حد اليقين في شكه . فقطع المتبقي من اللقاء بما يناسب تصوره عن تلك الليلة وكأنها تقع في اللحظات التي يعمل بها على تقطيع أجزاء الشريط ، وان الأحداث لم تكتمل بعد ، بل تنمو بين يديه . فقدم بعض مقاطعه لتلافي حالات الانفعال التي اعترتها وفضحها المتبقي من الشريط الذي وصل التلف الى بعض اجزائة دون أن يتلفه بالكامل ، فتطلب الأمر منه منع المحاور الفظ وأسئلته الفاضحة ، التي تتفق ومزاجها ، كما أوضحتها جرأته والبشاشة التي تطفو على وجهه وهو يلقيها عليها بتلذذ ، من الظهور على الشاشة . غير إن القطع الذي أحدثه غيره ممن سبقوه واختفوا من طيات الأشرطة في دون أن يتركوا ما يفيده من ملاحظات أو هوامش على ورق أو شريط ، وما قام به من تقطيع جعله يظهر ، قسراً ، بجمل مبتورة لم يستطيع منع ظهورها ،فشوهت الشريط . مما يضطره الى أن يبدأ من جديد مع كل حالة من تشويه تظهر فيه ..

أدرك من إجاباتها مقدار الثقة التي توليها في حب الجمهور لابنها . ولكن إجابات أخرى كشفت له مقدار ما تعانيه من خيبة أمل شديدة لفقدها قدرتها على الإبصار،التي لم تكن تتمناها وفي أيامها الأخيرة ، إلا لتروي ظمأها من مشاهدته وسط هياج الجمهور . فقد ذهب ظنه الى أن كل ضوضاء أو ضجيج تسمعها مصاحبة لأغانيه ، كانت تمثل لها في ذهنها ، الذي تولى نيابة عن عينيها مهمة خلق المشهد دراميا ، فعالية تأثير أغانيه في الجمهور المضغوط بعنف ، تحت تأثير الانفعال ، أسفل الحافة الأمامية للمسرح الذي يفصله عنهم صف من الشباب المتحمس الذي يرفل بفرح مشاهدته عن قرب .
ففي إجابات مشكوك في صحة نسبها إليها قالت :
- أنا أم من تعرفون ، ادخل الجنة وسوط نارجيلتي في يدي . بل سأدخلها وأدخل معي من أحب من خدمي . فهم اعرف بحاجتي .
-
ومثار شكه عدم مطابقة حركة شفتي ألام مع صوت نسائي قريب لصوتها يصاحب صورتها على الشاشة . مما دعاه للاعتقاد بان هذا الجزء من الحوار قد أضيف الى الشريط بعد إيداعه شعبة (( تلف )) ، قد يكون صوت احد ممن سبقوه من موظفين أو موظفات الشعبة مارس اللعبة ذاتها مع الشريط الذي قطع لعدد كبير من المرات في هذا الجزء منه بشكل يثير الريبة ووصلت أجزاؤه مع بعضها بإهمال متعمد وملفت للانتباه دون خشية من اكتشاف التلاعب الواضح في حوار ألام ، ودون محاولة إخفاء ، ولو جزئي ، لآثار التقطيع المختلفة من حيث الأسلوب والمهارة عن التقطيع الأساسي الذي أودعت عليه في (( تلف )) .

كاد شكه يتأكد من إجابة أخرى : قالت :
- يكفي مثلي أن تلد مثله لتدخل الجنة .
-
لذا استبعد من تصوره عن تلك الليلة وجود رد فعل خاص بهذه الإجابة من منافسي ولدها ، على الرغم من اعتقادها بانعدام وجود خصوم له ، لامها أكدت في إجابة أخرى لها من الشريط ذاته :
- يكفي الجمهور عزة أن يتبرك بملابس ولدي ، فلم يحدث أن عاد الى البيت بملابسه التي غادر بها ، وأكثر الأحيان يضطر الى تغييرها أكثر من مرة في حفلة غير ساهرة .
-
بدت هذه الإجابة مع ماسبقها وإجابة أخرى ظهرت في ما بعد لا يربطها سؤال محدد، كأنها تمارين للحديث أمام الكاميرا . حيث ظهر الصوت النسائي مثار شكه مصاحباً لصورة النارجيلة المتوقفة على الشاشة :
( فجنحوا للصمت .. وان لم تجنح ألام إليه )
مما دعاه لاتهام أكثر من طرف ، من بينهم المحاور نفسه ، كونها احد الأفعال الشائنة التي لا يتورع عن ارتكابها وتظهر على الشريط بشكل غير متوقع ..

في محاولة لسد النقص الواضح في الشريط . أضاف تفاصيل اعتقدها كافية لإيضاح ما تصوره قد حصل في تلك الليلة . قاطع السبابة والوسطى من كلتا يديه مكوناً مربعاً يحتوي عينه اليمنى ، مغمضاً الأخرى ، وبصوت متهدج وهو يركز النظر على شاشة العرض :
- من الأرشيف .. يضع المغني قدمه على المسرح . ينهض الجمهور تاركاً مقاعده، مترنحاً طرباً ، فاقداً القدرة على ضبط انفعالاته . تندفع الصفوف الخلفية لتكون كتلة بشرية مضغوطة . تصبح القاعة علبة ( سردين ) كبيرة ، وما أن تكون أقدامه ايقاعاً على مرمر المسرح حتى تهب العذارى ، دون أن يتبين صورته المضطربة في مآقي عيونهن التي اغرورقت بالدموع .

ظهر وجه ألام منفعلاً وهي لأتعلم زاوية التصوير :
( ..................... )

قطع الصوت تلاه اهتزاز الصورة على الشاشة . فلم يكن سهلاً معرفة ما دار من حوار في هذا الجزء من الشريط ... مما اضطره لإيقافه وتفحصه من جديد .

* * *
تسيد الوجه المتجهم الشاشة بانفعال واضح وهي تقول :
- من شدة الإعجاب فان الإناث يلطمن الخدود ، ويذرفن الدمع مدراراً على وجنات تشققت ، وبانت حبيبات من دم دافئ بخطوط هابطة من أسفل العينين . ويكتم الرجال دمعة رقراقة في مقلتين نصف مغمضتين على ( جمرة ) من حب للصوت القادم الذي سيأتي بعد لحظات من تخطي ولدي درجات السلم .
-
ابتعدت صورتها قليلا فضاعت ملامح وجهها بين تفاصيل تحيطها . وبهدوء :
- لطفا منكم أن تبتكروا طرقاً غاية في الجمال للتغني بأغانيه ، وتغنى آخرون بالأغاني التي تتغنى بها ، ومما يثير الإعجاب إن أغانيه تتناسل ، فكل أغنية له تولد عنها أغان كثيرة .

أشاحت بوجهها بعيدا عن الكاميرا ، معتقدة إنها الزاوية المناسبة للتصوير ، ظهرت النارجيلة بكاملها حتى غطت الشاشة بزجاجتها الممتلئة بماء اصفر ( يمور ) تحركت الصورة مع التواءات السوط حتى وصلت كف ألام الممسكة به بقوة :

- لم أر ذلك ببصري إني أراه ببصيرتي .

نظرت باستقامة دون أن تحرك رأسها :
- لم يترك الجمهور للموسيقين متسعاً من الوقت للعزف ، برغم إنهم جلسوا في أماكنهم قبل أن تفتح القاعة للجمهور . إلا إن حرص ولدي على جودة العزف ، أقنعهم أن لا يضبطوا آلاتهم إلا بحضوره .

ظهرت جمرة الفحم فوق التبغ المبتل .. مدت يدها تتلمس طريقاً عبر ظلام عينيها الى الجمرة حتى لامستها . غطت الشاشة جمرة الفحم بمصاحبة صوتها :
( ....................... )
قطع الصوت ، فأفسد الشريط بتعمد .
هزت سوط نارجيلتها . ارتفعت حدة صوتها غضباً وهي تمط مخارج الحروف في فمها الذي بانت فيه أسنان صفر :
- يهجم الجمهور حباً وهياماً بولدي ، ليمزقوا ملابسة التي يرتديها لمرة واحدة ، ليتركوها في اطر مذهبة ، ذكرى شباب لشيخوخة قادمة . إنهم يتركونه عارياً تماماً . ولولا الحياء لقلت الكثير .

أراحت ظهرها على كرسيها الوثير . خفضت السوط بهدوء :
- فولدي معذور في كل ما يفعل ، ليدرأ الضرر الذي قد يحدثه هياج الجمهور . فليس مستغرباً أن يدخل المسرح بقميصه المضاد للرصاص .

وبحركة من سوط نارجيلتها أشارت بضرورة توقف التصوير ، لتقول للكاميرا المتوقفة في ظنها :
- كفى فقد هبط الليل

قطع الشريط ظن القطع نهاية حديث ألام ، فتذكر إن الابتداء بتقطيع الشريط ليس بالشرط الكافي على خلق تصور اقرب لحقيقة ما حدث في ليلة وقوع محاولة الاغتيال الفاشلة ، والذي لاينكر إن المغني عاش بعدها بفخامة بين أشرطة شعبة الأرشيف وأشرطة شعبة (( تلف )) ، متنقلاً بثقة اعتقادة بحب الجمهور له ، وغرور القميص المضاد للرصاص ، تاركاً المسافة بينهما تمنحة فسحة الإنتاج الفني على مداه ، دون اكتراث بالمتغيرات التي حصلت بعد ليلة المحاولة .

تأكد من رتاج باب (( تلف )) لأكثر من مرة حيث أوصده من الداخل ، برغم يقينه إن ما يفعل لايعني أحدا غيره ممن هم خارج الشعبة . فقد عد بعد أن عبر عتبة باب((تلف)) الى داخلها إن مآله الى الموت ، كما هو حال الأشرطة التي تملكته .

امسك المقص ليعيد الكرة في تقطيع أوصال الأشرطة ليحقق تصوراً أوضح عن تلك الليلة ، وهو يتذكر ما كتبه احدهم ممن سبقوه من موظفي الشعبة على إحدى علب الأشرطة التي تحتوي لقاء ألام ..
( على أن تكمل ما بدأته ، ابدأ من حيث تشاء .. ) .


من مجموعة عزف منفرد
الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة -بغداد- 2007

 

حسن كريم عاتي


التعليقات




5000