.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة : ( محيسن .. مازال يبكي ) ؟؟

صالح البدري

تكوَّم - متنهداً - بجانب إبنه الصغير البكر والوحيد ( محيسن ) ، والذي ظل يبكي طوال يومين متتاليين لأنه يريد ثوباً وبنطلوناً  جديدين . ثوباً يخفي ماظهر من جسده ، ويحلم معه ( ببنطلون ) بنصف عمر على الأقل ، كي يتحاشى نظرات أقرانه في المدرسة أو في  المحلة  ذات البيوت العالية الحديثة على طريق بيتهم القديم ، والذي تآكلت جدرانه بفعل عوامل الفقر والعوز والحاجة !!
نظر بأنكسار طويلاً بأتجاه إبنه المُحمّر العينين ، وحيث عجزعن ترضيته على الرغم مما يبذله من تدليله إياه ، وحيث يراه الأبن مشجعاً لبكائه ، ولأنه يشعر بطعمه لأول مرة  منذ أن بدأ يعي حياته ووجوده ، وفشل الأب عن إيقاف تشنجه المستمر ولأنه  يدرك جيداً مايريده إبنه ، ويدرك أيضاً بأنه عاجز الآن عن  شراء الثوب والبنطلون  ، خاصة وأن على ذمته للخياط  (أبو عباس) ديناراً واحداً ، هو أجرة خياطة ثوب كان قد لبسه بعد أن ترك سلك الشرطة ، حينذاك تصدّر مقهى  (الطرف ) فأنهالت عليه التهاني  والتبريكات كالبرق بمناسبة إرتدائه ثوباً جديداً وبمناسبة تركه لسلك الشرطة أيضاً . وكانت أصواتهم  تتبادرالى سمعه صادقة ودودة :
- تقطعه بستين عافية ..
- بالعافية أبو محيسن  .. تهانينا بالتسريح ..
 شعر لأول مرّة بأنه إنسان ، وبأن هناك من يسلم عليه ويقدره ويشغل باله به ويبتسم بوجهه ،  بعد سنوات طويلة من القطيعة واللامبالاة والنسيان !! حتى أنهم دفعوا عنه ثمن (إستكانأً) من الشاي ، تقديراً له .
  نهض مودعاً جلاسه ، ولكنه وعند قيامه ، كان هناك مسماراً ظاهراً على الكرسي الخشبي الذي جلس عليه لم ينتبه له ، كان قد أحدث الطعنة الأولى في إنشراحه ومسرته معهم . ولم يشعر إلا وثوبه قد تمزق من الخلف . نظر الى مكان (الطعنة) طويلاً  ، ثم بصق على الكرسي وعلى هذا المسمار المتطفل اللعين !  زفر زفرة طويلة ومشى حزيناً ، متألماً ، مستغفراً ربه . ومنذ تلك اللحظة ، إفتقد لذة لبس الأشياء الجديدة !
قطع عليه بكاءُ إبنهِ تذكارات تلك الأيام، وقاد عربة بيع النفط التي يجرها حمار هزيل، لكنه صاح بكل قوته وكأنه لم يأبه لصراخ ولده :
- نفط .. نفط .. نفط ...
تطلع إليه جاره الجنوبي البشرة مواسياً ومتسائلاً :
-  محيسن يبكي ؟ شنو مشكلته اليوم ؟؟
لم يجبه . وأستمر ينادي على بضاعته وتعالت صيحاته . نظر الى عربته المحملة بالنفط ، والى حماره الهزيل الذي بالكاد يستطيع أن يجرها في هذا الصباح ، ثم عض على شفته السفلى  وقال مخاطباً برميل النفط :
-  إشوكت راح  تخلص ؟
سمعه جاره وشاركه :
- الله كريم أبو محيسن .. إنتظر .. يخلص .
 - ماجايب همه يا أبو فيصل  !
بكاء إبنه على الثوب والبنطلون أخذ يقطع نياط قلبه ، والثوب والبنطلون الجديدان  سيكلفانه الكثير وهو رب أسرة كبيرة تضم  جوقة من الأطفال وجدة مقعدة وأم مريضة  لاتقوى على غسل ملابس البيوت المجاورة العالية ، حتى ولا تستطيع أن تبيع  كما النساء الأخريات السمك أوالخضار أو الملابس العتيقة ، كما في أيام شبابها يوم كانت تعيل أباً وأماً وأخوات  قبل زواجها  .
أوقف العربة ومدّ يده ملا طفاً إبنه المنتحب :
- ولا يهمك إبني .. راح أشتري لك الثوب والبنطلون ، بس خليني أبيع هالغضب هذا!
وأومأ بيده الى برميل النفط الممدد فوق العربة كالقتيل .
إلاّ أن  ( محيسن ) لم يقتنع وهو يرى أطفال الطرف  ببنطلوناتهم الزاهية والحديثة  وثيابهم الأنيقة الملونة ، مما أدى كل هذا الى جره لنحيب مستمر ، أثار أبيه الذي لم يستطع الصبر أو التحمل .
سحب عربته مقهوراً ،  يتبعه إبنه الى مدخل السوق الكبير بأتجاه محلات بيع الملابس القديمة وأختارله ثوباً وبنطلوناً جاهزين  من دكان الحاج ( عودة ) لبيع الملابس المستعملة  (اللنكات) ، وقال له : نهاية النهار ياحاج ، سأدفع لك . وغادر السوق مع ولده .
وهز الحاج رأسه ببطئ معلقاً : لا يالمسكين يا أبو محيسن !! الله يرزقك .
علق جاره ضاحكا بشماته وهو يفتل شاربه : هذا إذا رجع مثل ما قال ؟ 
رد الحاج : لا لا .. أبو محيسن خوش آدمي .. يرجع .. الرجل معروف بالمحلة .
فجأة ظهر الفرح والأستبشار على وجه ( محيسن ) وهو يحتضن ثوبه بكلتا يديه كمن يحتضن عصفوراً يخاف عليه ألايطير منه !
أثارت هيئة ( محيسن ) الجديدة أولاد (الطرف)  و لفتت إنتباههم له . تقدم نحوه أحد الصبيان ونظر إليه غير مصدق ، ثم ضحك ضحكة ساخرة منادياً على أصحابه  الذين إلتفوا بدورهم على ( محيسن ) مبتسمين بخبث . قال أحدهم : - ثوب جديد ..؟
قال آخر : - وبنطلون  ..؟
قال ثالث : لنكات !!
ردد وراءه الآخرون : ( لنكات ) .. ودوت ضحكاتهم الساخرة .. وأخذوا بالصفير والتعليقات والترديد .
تكور ( محيسن ) في مكانه خائفاً  ،  وتدخل أبوه راجياً الأولاد الأبتعاد عنه . لكن كبيرهم قال مخاطباً ( محيسن ) : تعال وإلعب معنا  ؟
أحاطوا به من كل جانب ، وهم يجذبونه الى وسط الشارع مرددين : ثوبك حلو ..  حلو ..! حتى إتخذ الترديد شكل أغنية ، إستمتع بها بعض المارة ، وضحك البعض الآخر.. مرددين  معهم الأغنية وهم يطلون برؤوسهم من شرفات البيوت المطلة على الشارع .
حاول ( محيسن ) التخلص من قبضاتهم والعودة الى أبيه الذي تصلب بجانب عربة النفط ، لايقوى على الكلام من الخجل والخوف ، كي لا يجرح مشاعر أبائهم وإمهاتهم فيمتنعون عن الشراء ، أو يجبرونه على مغادرة محلتهم بتهمة الأساءة الى أطفالهم . حاول ( محيسن ) التخلص منهم ، إلا أن الأطفال  يحيطونه بقوة ككلاب مسعورة  منفلتة ، فضاع بينهم باكياً مستنجداً ، وأبوه حائراً مكتفياً بالتوسل فقط ومن بعيد . وظل هكذا فترة مابين ترديدهم وصراخهم وتكالبهم على إبنه الذي كان ينادي على أبيه صارخاً وبدون فائدة ، حتى تركوه كالفريسة التي إنقضّت عليها نسور جائعة نهمة !
ظهر ( محيسن ) بعد أن إنفضوا من حوله  بثوب وببنطال ممزقين وهو يبكي مولولاً مكسور الخاطر . حتى أن ما كان خافياً من جسده النحيل قد ظهر مرة أخرى . وإزداد بكاؤه أكثر من السابق وهو يقترب من أبيه الذي سحب حمار العربة  بقوة  ، رافعاً  رأسه الى أعلى ، مواصلاً سيره ومنادياً :
- نفط .. نفط ... نفط .....




 

صالح البدري


التعليقات

الاسم: صالح البدري
التاريخ: 2009-10-15 19:32:57
الأخ وائل مهدي
شكراً لألتفاتتكم الذكية وتشخيصكم لدرامية الحدث وتراجيديا الحالة الوجودية لبطل القصة و عنوانها البستومولوجي ( المعرفي والدلالي ) : البترول !! الذي تحوّل سوطاً يجلد الفقراء وجواباً كارثياً على تساؤلاتنا المنفية في جزر اللأمبالاة والأغترابات والخسارات المكتنزة بالخراب !! ومغانم لأباطرة المال والسلاح والعولمة وكوارثها المعاصرة !!

الاسم: وائل مهدي
التاريخ: 2009-10-15 15:32:44
قصة جميلة جداً ..
جذبني هذا البوح الرائع ..
(( مخاطباً برميل النفط :
- إشوكت راح تخلص ؟
سمعه جاره وشاركه :
- الله كريم أبو محيسن .. إنتظر .. يخلص . ))
سلمت يداك استاذ صالح .. أتمنى أن أقرأ لكم المزيد .
محبتي ...........

الاسم: صالح البدري
التاريخ: 2009-10-14 10:24:19
الصديق العزيز عادل فليح الخياط
إنها سعادة مابعدها سعادة أن ينتهي مشهد دموع الأطفال في بلدنا ، وتنتهي كل هذه التناقضات العجيبة والمذلة في بلد النفط ، فالطفل هو (بارومتر) الفرح، ودموعه شاهد جريمة على هؤلاء الذين ساقوا أطفالنا الى سلك المُعذبين وأهدروا حتى دماءهم وليس دموعهم فقط .
شكري وتقديري لمرورك الكريم والحميم .

الاسم: صالح البدري
التاريخ: 2009-10-14 10:10:52
الأخ الأديب سلام نوري
شكرأً بأمتنان لأستجابتك الكريمة ياعزيزي ، ومرورك قد نسج خيطاً جديداً في ثوب ( محيسن ) الممزق ، والذي يحتاج منا كطفل عراقي أن نمد اليه بكل خيوط الرضا ، ونمسح عن عينيه دموع الألم في زمن الآلام وحقب التراجيديات العراقية ومصادرة إبتسامات الطفولة !!

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 2009-10-14 07:22:45
صديقي الجميل صالح البدري
ترى كم من مثل محيسن مازال يئن تحت طائلة العوز للان
سلاما ايها الحبيب

الاسم: عادل فليح الخياط
التاريخ: 2009-10-14 07:14:50
الحبيب صالح
جسدت هموم فقراء العراق والتي لازالت بواقعية نحن نحتاجها اليوم لكشف الواقع المزري لشعب معذب مهموم ولكشف السلاطين والادعياء واصحاب العمائم والدجالين وسيظل العراق يلد الملايين من امثال محيسن
لك تقديري




5000