هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(جوع) محمد البُساطي: ترنيمة للهوامش البشرية وأحلامها المنكسرة

هشام بن الشاوي

 

رغم أن الرواية فن أوربي/ مديني بامتياز، لكن محمد البساطي وثلة من الكتاب المصريين، زرعوا البهجة في قلوب القراء،  بحنينهم  الجارف الجارح إلى عذرية المكان الأول/الرحم الأول/الريف، وأضفت جذوة هذا الحنين على كتاباتهم  لمسة سحرية من الشجن الشفيف.

في روايته ما قبل الأخيرة"جوع"، الصادرة عن دار الآداب (2007)، التي وصلت إلى القائمة القصيرة  لجائزة "البوكر" العربية في دورتها الثانية، يعود محمد البساطي إلى بئره الأولى/القرية، مستودع  الحكايا الآسرة.. منحازا إلى عالمه الأثير، عالم الهوامش البشرية.. راصدا معاناة  أسرة مصرية بعيدا عن الكتابة الميلودرامية. يكتب -برهافة سردية- عن عالم قاس.. عالم الجوع، البطش وقسوة الفوارق الاجتماعية.. يكتب عن جوع/حاجة أسرة إلى الخبز، المعرفة، الحب والأمان. والمتابع  لكتابات الأستاذ محمد  البساطي  سيلاحظ  بأن المكان -في أعماله الإبداعية-  ليس مجرد خلفية أو ديكور، وإنما "شخصية روائية" رئيسة وفاعلة.

 في رواية "دقّ الطبول" يتخيل محمد البساطي إمارة خليجية سافر أهاليها إلى فرنسا لتشجيع فريقهم الوطني في إقصائيات كأس العالم، ورغم مغادرة كل السادة لم يفكر الخدم، وهم من جنسيات متعددة في الاستيلاء على الإمارة أو- على الأقل- استرداد إنسانيتهم، بل صاروا أسرى تلك "العبودية الطوعية" بتعبير  الدكتور صبري حافظ، والأفظع أن المكان مارس عليهم  نوعا من الإخصاء الرمزي، فلم يحاول السارد لمس جارتها زاهية عند اختلائه بها، والخادمة الأندونيسية ريشيم التقت بزوجها، وبمباركة بقية زملائها في القصر، لكنه  فضل الهروب و لقاءها وسط الزحام  مكتفيا برؤيتها  عن بعد، دون أن يكلمها، خوفا من العقاب.. في حين يمارس أبو عامر، و أبو سالم الخيانة الزوجية، وبعلم زوجتيهما!، ورغم أن البساطي لجأ إلى خلق فضاء وهمي، بعكس  إبراهيم عبدالمجيد الذي كتب عن بلدة تبوك  أثناء إقامته في السعودية في روايته"البلدة الأخرى"، لكنهما لم يسلما  من سهام  نقد الأشقاء العرب.. وإن كانت البيئة الخليجية- بقيمها النفطية الجديدة ومناخها الصحراوي وعزلتها القاسية- تفتك بالشخوص وتسحق أرواحهم، فإن للمكان- وهو القرية- في "جوع" سلطة أخرى...

 تبدأ الرواية  بآية قرآنية: "ادخلوها بسلام آمنين"، تزيّن -عادة- البيوت الريفية بعد عودة أصحابها من الحج، بعدها نصطدم بتلك المفارقة الساخرة :"الباب من الخشب السميك، كتب على الحائط فوقه بفرشاة فى لون أبيض: "ادخلوها بسلام آمنين".

اللون مازال زاهياً، والكلمات رغم السنين مكتملة الأطراف. الولد الصغير في البيت كان يرعاها، هولا يفك الخط إنما أعجبه شكلها. منذ تفتحت عيناه على الدنيا يراها كلما هم بدخول البيت. كان يتسلق الباب لينظفها من الغبار ويغسلها بخرقة.".

 

و بعدسة سردية محايدة، يصف الكاتب بؤس المكان من الداخل، بأقل الكلام. وليكسر هيمنة السارد العليم بكل شيء، وينوع زاوية الرؤية لجأ إلى تقسيم السرد إلى ثلاثة مشاهد/حركات من وجهة نظر الزوج/زغلول، الزوجة/سكينة والابن الأكبر /زاهر.

نرى الأسرة التي تستيقظ فجرا، وهي تتضور جوعا..  سكينة تجلس على المصطبة والصغير رجب ينام على ساقها، ينتظرون بزوغ الشمس/طلوع النهار، (معادل جمالي وموضوعي لانتظارهم الفرج/الأمل في يوم جديد...)، لكي تذهب عند إحدى جاراتها لتستلف رغيف الخبز، وزغلول ينبهها إلى ضرورة البحث عما يسد الرمق بأن "يسلك أسنانه"، و من خلال تدفق السرد نعرف بأن زوجها كسول" يعمل يوما ويبطل عشرة"،  تماما مثل شخصية الأب في رواية "لحس العتب" لخيري شلبي...  رغم الفاقة يهوى  زغلول السهر في "المعزى"، يساعد في جمع الكراسي ويتطوع لحمل أفرشة العرسان، وتتذكر سكينة حادثة تحطم (الدولاب)، والذي اعتبره العريس المتطير فألا غير حسن، ولا ينسى محمد البساطي اقتناص بعض الحوادث الطريفة، فبعد أن امتنع الحمالون الأربعة عن حمل (الدولاب) خشية أن يتحطم وتتكرر المأساة، تطوع لحمله بعد أن خلع جلبابه، وسرواله ممزق من الخلف، حاولت زوجته تنبيهه والبعض يداري ابتسامته، وابتعدت غارقة في خجلها... ولا يبدو عليه التعب والتوجع إلا حين يعود إلى البيت، و تسأله سكينة عن الأجرة :

"- وعلى كده قبضت حاجة؟

- أستغفر الله. ثواب يا ولية. ثواب.

- ثواب؟ يعنى مافيش حاجة؟

- حاجة إيه يا ولية. بقول لك ثواب.

- وأولادك برضه ثواب.

- ولادي؟ مالهم ولادي يا بنت الكلب.".

 

رغم أن الزوج يجيد عدة مهن  هامشية، لا يستقر في عمله، و يغادر المقهى، بعد أن يشتم أحد الزبائن أو صاحب المقهى أمه، وبوصول بعض الطلبة إلى القرية في الأجازة سيعجب بأحاديثهم، ويتبعهم منصتا  إليهم، وهو الفلاح الساذج الأمي، ويذهب للقاء الشيخ رضوان أستاذ الفقه والشريعة بالجامعة، وصاحب محل القماش ومشاريع أخرى، والذي يمثل قلة مرفهة، ترفل في النعيم... لكن زغلولا رغم فقره المدقع يتمتع بنقاء داخلي، لا يحقد على أحد أو يفكر في التكسب بطريقة غير مشروعة، فقط يبحث عن إجابات لأسئلة تؤرقه تتعلق بالإيمان لدى الشيخ رضوان.. يتحدث ساهيا وهو ينبش الأرض بعود قش، (إشارة إلى نبش المسكوت عنه وخدش المقدس )، ولم يحس إلا والشيخ يفاجئه برفسة، وتطوع كثيرون للمشاركة في حفلة الضرب.

"جذبه الشيخ وكفه الممتلئة مرفوعة تتأهب لصفعه، بإصبعها الوسطى خاتم بفص كبير، سطع لحظة فى ضوء الشمس، وهمست المرأة المليحة وكانت تقف بباب المحل:

- ذهب عيار24.  لمعته. أعرفه ولو على بعد مترين.".

 

بمهارة قناص، يشير  محمد البساطي إلى الكف الممتلئة والخاتم الذهبي الذي يلمع، ثم  الصدر الأعجف  و الجلباب البالي، ولم يهتم بالضرب والألم، فقط كان يصيح منبها إلى  أن جلبابه سيتقطع... ويغادر المكان رافضا -بكبرياء وأنفة- قطعة الثوب.

وحين رأى الحاج عبدالرحيم- والاسم غني بالدلالات-  وهو يكاد يقع من فوق البغل بسبب سمنته الشديدة ساعده، فكانت فرصة لأمل يشرق على حياته... امتهن نفس مهنة  زاهية في "دق الطبول" مع خديجة، تلك المرأة التي لا تستطيع أن تتقلب في فراشها إلا بمساعدتها، و يشترك الحاج عبدالرحيم مع خديجة في  إحساسهما  الحاد بالوحدة وحاجتهما إلى البوح، ويتميز عنها  بطفولة قلبه وعفويته اللتين  تفيضان عند وقوفهما بجوار شجرة التوت :

"-التوت .آخر مرة آكلته كان عمري عشر سنين.

قفز زغلول وتسلق ساق الشجرة، وصاح الحاج:

- طب خد منديل.

أخذ زغلول المنديل منه وعاد للصعود، راح يتنقل في خفة بين الفروع والحاج يرقبه والضحك على وجهه، رجع زغلول بالمنديل ممتلئاً، ورفعه مفتوحاً إلى الحاج الذي قال:

- آكل النص. وأنت النص.

- تاكله كله. أنا ياما كلت منه.

- طيب. أسيب لك حبتين بس.

كان يضحك ويهز قدميه مغتبطاً، وبعد أن انتهى قال:

-ارم المنديل. بقع التوت. لو شافته العجوز موش حانخلص من لسانها.".

عند موته تمنعه العجوز من رؤيته، تعود الأسرة إلى الجوع والحرمان، ويبدأ المشهد الثاني،  ينطلق من نفس اللقطة الانتظارية، يتعرف القارئ على سكينة  التي تتحمل أعباء أسرتها، المهمومة بديون الرغيف،  وهي تراقب البيت الكبير وتهفو إلى دخوله، وتذكرنا معاناتها بالرواية الفاتنة لمحمد البساطي "فردوس" (هذه الرواية التي تتناص مع رواية "امتداح الخالة"-وفي ترجمة أخرى:" في مديح زوجة الأب"- للبيروفي ماريو بارغاس يوسا)،  تلك المرأة الجميلة التي تكابد في صمت... لكن معاناتها لم تكن الجوع والفقر وإنما الحرمان العاطفي، بعد أن احتكرت ضرتها منكوشة الشعر ضخمة الثديين متربة القدمين الزوج، وهي التي تفتن كل الأهالي بأناقتها وجمالها، وهجرها لأنها  لم تنجب بعد خمس سنوات زواج.

سكينة(اسمها يشي باستسلامها وقدريتها)، كانت تتوق إلى دخول البيت الكبير، وحين أفلحت في اقتحامه وقع  غطاء المصباح الزجاجي  أرضا، وهي تساعد الخادمتين في حمل (البوفيه)، ولم تهتم بالدم  النازف من إصبعها، وفوجئت وهي  ترمي شظايا الزجاج بجوار الحائط في الخارج بالباب يغلق، و نظرت غير فاهمة قائلة : "مفيش وراهم غير قفل الباب". وفي معزى البيت الكبير بعد وفاة السيدة، تطوع زغلول للخدمة، وطلبت منه السيدة وداد  أن يبلغ رسالة شفوية همسا إلى رجل كان خطيبها، ولما اعترض زغلول  طالبا منه أن يبلغها كلامه بنفسه، فاجأه  الرجل المحترم بصفعة وغادر، أما سكينة فقد عاملتها الخادمتان كما لو كانتا من أصحاب البيت، تقوم بكل أشغالهما، وهما تستمعان إلى الأغاني وتأكلان متقمصتين دور "السيدة".

 تنتقل  مع أسرتها  لتعيشان في البيت الكبير، لأن الحاج هاشم، كان يحتاج إلى من يرعاه بعد رحيل الزوجة و إحساسه بالوحدة، وتنعم أسرتها بأكل وفراش نظيف... ومثلما انتهى المشهد الأول يموت السيد، وقبل أن يغادرا البيت تقول سكينة  لزغلول بعد تفكير : "كنا أكلنا لقمة قبل ما نخرج.".

وتعود كاميرا السرد إلى نفس وضعية الأسرة وهي تنتظر طلوع النهار على المصطبة، يبدأ (فلاش باك) آخر مع تجربة الابن زاهر، والأم تتحسر على أيام البيت الكبير و الإهمال الذي طاله بعد رحيل أصحابه.

زاهر سيرث الفقر، الجهل وهموم البحث عن لقمة عيش... فبعد عجزها عن سداد الدين.. ترسله إلى فرن عباس لإحضار (العيش الميري)، و في أول زيارة للفرن، طلب منه عبده الفران  أن يكنس الفرن ثم يأخذ ما يريد من كسر  الخبز المعوجة أو التي احترق جانب منها، ويملأ حجر جلبابه بالأرغفة ويهرول بها في اتجاه البيت.  وبسبب العيش الذي يعطيه عبده الفران  للنسوة المعدمات يعنفه المعلم عباس/صاحب الفرن، ويقرر عبده الفران أن يغادر القرية.. أما صديقه عبدالله فكان يدلي له الطعام من فوق السطح..  لكن زاهرا لم يكن يعلن عن بهجته بالأكل، مثلما يفعل سعد في "فردوس" ، حين يعثر على الطعام في بيت زوجة أبيه/فردوس، بعد أن  صارت أخواته يلتهمن نصيبه من الطعام في الليل.. فيتسلل إلى بيتها، وتفلت منه الصيحة حين يعثر على الطعام :

-"مهلبية يا خالة.مهلبية. وثلاثة أطباق. يا قوة الله.".

ويجهز على أكلها التي تخزنه لليوم التالي، حتى تستريح من الطبخ..  و زاهر يكتفي بوضع ما يعطيه صديقه عبدالله في جيبه ، ويتلمسها بيده وهو في الطريق، ولا يأكله إلا بعد ابتعاده، بيد أن والد صديقه حين يرى زاهرا ـ يعنفه و ويصفعه أمام أهل الحارة، ويحذره من الاقتراب من البيت، كأقسى نوع من الإقصاء الاجتماعي،  وتتكرر مأساة امتهان الكرامة، و يتمزق جلباب زاهر بسهولة، ويطلب إحضار جلباب له :

"رماه الأب على كتف زاهر:

- خد. بدل الخرقة اللي انت لابسها.

وتراجع خطوتين ونفض جلبابه. وكان يتأهب للعودة حين رمى زاهر الجلباب على الأرض وابتعد، ولاحقه صوت الأب:

- شوفوا ابن الكلب.".

وتكون خسارة زاهر مضاعفة،  يفقد الأمل بفقدانه عبده الفران و صديقه عبدالله دفعة واحدة، مثلما حدث  لوالده وأمه الأمل برحيل الحاج عبد الرحيم والحاج هاشم.. ويختم السارد روايته بتسليط عدسته السردية على سكينة في نفس وضعيتها، فوق المصطبة، وأشعة الشمس لاحت في  الأفق  والندى بدأ يجف، وزاهر يتجنب النظر ناحيتها، حتى لا تطلب منه إحضار العيش من الفرن..  بعد رحيل عبده الفران، وزغلول يمص عود القش، والصغير في حضنها...

"جوع"  رواية تنحاز إلى عالم الهوامش البشرية،  وترصد ما تكابده الطبقات المسحوقة من امتهان لكرامتها  وآدميتها في سبيل الحصول على لقمة العيش في مجتمع قمعي طبقي...  ولأن الكاتب غير مولع بلعبة الشكل، على غرار من يعتقدون بأن الرواية استنفذت كل أغراضها، فقد حاكى الشفاهي والشعبي، بلغة  دقيقة مكثفة إيحائية، تبتعد عن البهارات والزخارف، تتخللها كلمات من العامية المصرية وظفها باحترافية، واستخدم المونولوغ والتداعي الحر المتداخلان مع السرد والوصف والحوار.. للتعبير عن الشرخ الداخلي للشخوص، وللانتقال السلس بين  المشاهد السردية، كما وظف -ببراعة وتناغم- تقاطع الزمن الماضي مع الزمن الحاضر، الزمن الماضي ممثلا في الاسترجاعات التي تكسر خطية السرد، والزمن الحاضر الذي يمتد منذ استيقاظ الأسرة فجرا حتى طلوع النهار،  ولم يلجأ إلى التلاعب بهما  وخلط أوراقهما، بل جعلهما يتعاقبان مثل الليل والنهار، ينسابان في هدوء في مجرى المحكي، و هي التقنية الأجمل في المعمار الروائي لهذه الرواية الفاتنة كسائر رواياته.

 

هشام بن الشاوي


التعليقات

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 2009-09-17 12:41:19
أحييك بالمحبة كلها وأنت تفتح لنا بحسك النقدي المبدع نافذة نطل منها على العالم الرحب للروائي المبدع محمد البسطامي ..

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 2009-09-16 01:36:32
مبدعنا الرائع هاشم بن الشاوي حياك الله
دراسة رائعة وبااسلوب رائع وعن روائي قدير
دمت وسلمت رعاك الله




5000