.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة/ عزف منفرد

حسن كريم عاتي

ما وصلنا من صوت مداعبة أوتار عود، يهطل الحزن منه، غطى الشواهد بغطاء زاده كثافة الهزيع الأخير من الليل، وكشفه لنا سكون قاطني المكان من  حركة أو اضطراب، أبقانا في بخل من البوح بمواهب النفس حين تصفو، وأوقفنا كسل الوقار عند دكة أبواب اللهو، نتفحص بأعيننا الدرب المؤدي إلى  الصوت، وتنكص أرجلنا عن الخوض في مغامرة كسره، خسرنا تلك اللحظة من الصفو، غير إنا تمايلنا بقوامنا، طرباً، لنغمات العود التي استمرت  تطرق أبواب القلب، فتكتحل العيون بندى اغروراقها بدمع يرفض مفارقة المقلة، ويجف بين جفون لا تطرف بيسر، يتهاوى صدء الفؤاد مع كل ضربة  على وتر تعيد رجعها الشواهد القريبة، فيتسرب في أوصالنا خدر لذيذ، يرتفع قشعريرة إلى عظام الكتف، برودة تلك التي مستنا، إحاطة الجسد بشرنقة  الخدر، مما منعنا من الاندفاع إلى مصدر الصوت، كنا بين جنون النغمة التي تقودنا إلى هوى النفس، وبين وقار العقل، الذي عقل أرجلنا عند أعتاب  أبواب اللهو، وما زال أمرنا كذلك تتداوله الألسن حتى قيل عنا:

شذاذ، ظلوا طريق بغيتهم، وأقاموا في المقابر، لا يعتبرون بميتت من مات، ولا يستمتعون بلذة الحياة، أوقفوا أنفسهم بين الحد الفاصل بين الشيء ونقيضه، فهم لا يعلنون ما يبتغون، ولا يبوحون بما يرفضون.

أبقتنا أقوالهم فينا في حدود الحيز القلق المحصور بين فرح حرية الاختيار، وبين خوف سهولة الاتهام. نمكث، عند غفلة الناس عنا في راحة، ويوقعنا السؤال، وأن كان بريئاً، في دائرة الاضطراب. لم نعلن عن شهوة أو لذة أو مكابدة، ولم ندفع عن أنفسنا تهمة بنقيصة أو قصور، فحسبت الخاصة ما يجول في أذهانهم، يجول في أذهاننا، وعدته هما واحدا، نكتمه عن العامة، ويفضحه لهم سلوكنا. أعارونا سمعاً، وأولونا أهمية، وأوقفوا أنفسهم على تحقيق بعض احتياجاتنا. لا يشاهدونا في فرح، وتبدو صورنا جلية، في أذهانهم، في مواسم الأحزان. ينسانا من أحب اللهو، ويتآسى بنا من أصابه الهم، نتسلل ليلاً إلى طرف المدينة القصي، لا تعيقنا وعورة طريق أو وحشته، ولا ظلمة ليل أو تغير نوء. كلما زادت معوقات الوصول، آمنا من تحقق العزلة في ملجأنا، محل صفو النفس، ذلك ما يغرينا في خوض غمار الليل، حتى نقف عند الشواهد، نتفرق عليها فرادا، كل منا يقف عند شاهدة من شواهد أحبته، بين نواح ودعاء نقضي الليل، ولا نعود أدراجنا إلا عند صياح الديك الذي يوقظ الفجر، نلم شعثنا، نتسلل. مثلما دخولنا إليها، يكون خروجنا منها، لا تمنعنا الصافرات الليلية عن ذهاب أو أياب. ما أوقفنا عند أعتاب اللذة، ذلك الصوت الذي يأتي في ليال متباعدة من بين الشواهد، واطئ، ناعم، يداعب أوتار القلب، ويتسرب في الأوصال، يخرجنا من أطوار اعتدنا سلوكها منذ زمن بدء الطواف، نتصيده بأسماعنا في ليالي البياض من الشهر، ونترصد انبعاثه من أي محل، عسى أن يحالفنا الحظ بأقتناص صيد نأنف - اصطياده في نهارات الناس، ونخشى مخالفة ظن الناس بنا عند اصطياده من بين أظهرهم. أسعفنا المكان والعتمة على تبرير البحث. وفي أيام السواد من الشهر، يكون الصمت سلوكاً لنا. نتلمس مقاعدنا قرب الشواهد، نمكث في حزن تمطره الأفئدة على راحاتنا، نغسل به وجوهنا عند صياح الديك. عندها يصمت الصوت، نكون عند عودتنا، قد أغلقنا أفئدتنا على نغماته، ويصيبنا الاضطراب بوجوم يجعلنا في صوم عن فرح ذلك النهار، عسى أن نفطر على نغماته في الليلة التالية، لتتفتح الحواس وتعب منه ما يشفي الغليل، ويسكن حرارة الشوق.

أصبح همنا الدخول في الليل للخروج منه بلذة الاستماع. استطالت أمانينا، تشعبت، واحتوت النهار لتحيله إلى ليل في المآقي، فيكون طوافنا فيه أعمى، من انعدام الأمل في الحصول على حفنة من فرح، تجود به تلك الأوتار. نظن الأنغام تنبعث من شواهد أحبتنا. كتمان ذلك فضحه اعتزازنا بمقاعدنا قرب شواهدهم، وجعلوا من البوح به لا يفشي سراً ولا يستره اكتفينا بما أحسسنا به. وتبوأنا مقاعدنا على خزائن القلب، لا نفض أسرارها لغيرنا، من هام منا حباً بذلك الصوت، يتخلى عن وقار العقل، يغافل أعين النهار، يتسلل في خلسه من شروط الطواف، ليقف عند الشواهد عسى أن يحظى بشيء من أنغام ذلك الضرب، يخفف بها من وطأة الحزن الذي يسربله. كان سلوكاً فاضحاً لأسرارنا. لا يبقي ما نريده طي الكتمان في محله من الستر، ولا يوهم غيرنا، ممن يراهم، بغيره. فكانت سبل الليل التي لم يسلكها غيرنا، فضحتها أقدام أصحابنا في نهارات الطواف العلني عند الشواهد، ويسرب أخبار ليالينا الى العامة من الناس.

فمنهم من يقول: لم يكفهم نواح الليل، فزادوا النهار عليه.
ومنهم من يقول: جنون، معذور من أصيب به.
ومنهم من يقول: هل يلام العاشق في هيامه ؟

ذلك ما رغبنا من أن يشاع عنا في نهارات الافتضاح تلك، حيث يطوف من لم يكن قد أسعفه الليل بحظوة الاستماع، أو من لم يكن قد أكمل نفث عبراته عند الشواهد. أصابنا الشحوب وبانت علامات السهر والإرهاق في عيوننا، كانت مع النحول الذي امتص رحيق الجسد، علاماتنا الفارقة بين الأجساد، ولم تغر غيرنا على سلوك دروبنا، فأنعش ذلك أمل فينا من عدم افتضاح سرنا، تلك رغبة كنا نتوق إلى تحقيقها في زمننا ذاك، ونعمل على استطالة زمنها لمدة أبعد. تلك أمنية لم تتحقق، فما أشيع من صوت العزف حداً بالعامة إلى التندر عليه، وأصبح مثار سخرية، فنسبوا لنا ما شاءوا من نوادر تثير الضحك، وتمزق أفئدتنا من شدة الأسى ليغرينا الصمت أكثر من شهوة البوح، نسكت. اتخذونا سخريا، يستهزؤن بنا، وينسبون تلك النوادر إلينا، وان كانت في الأصل تنتمي لغيرنا. كان مرور أحدنا بهم، يثير فيهم رغبة الضحك، ويجعل تلك النوادر تطفو على سطح ذاكرتهم مباشرة. أن كتموا قهقهاتهم، لن يتمكنوا من الاصطبار عليها أكثر من إعطائهم القفا، حتى تدوي خلفنا الضحكات. برغم ذلك دفع الفضول بعض منهم إلى التسرب ليلاً إلى الشواهد، يغالبون رفضهم بتصديق وجود العزف، ويدفعهم الشك في احتمال وجوده، كانوا كأنهم نحن، في ظاهرهم، لكن اعتيادهم سلوك سبلنا قادهم إلى إقامة شواهد، يظن بها لأحبة لهم، لم يكونوا قد فارقوا الحياة بعد، ربما في بعد عنهم، أو إلى جوارهم ويصعب الاتصال بهم، وهو ما دفع غيرهم ممن تكون به حاجة إلى تخفيف زفرات الأسى وإخراجها من قمقم الروح، فتتفتح أسارير القلب فوق شواهد تصنع من دون مهارة ومن دون أن يكون تحتها رفاة سوى صور لأناس يصعب الاتصال بهم أو الاستدلال على أماكنهم. في ذلك كان إغراء الأمهات والأرامل والعشاق، الذين يعدون تلك الشواهد حدائق الروح تتنزه بها حين يكل صبرها ويجنح إلى وسن، يغافله الكبت، يترشح من بين الجوانح أسى، تنز منه الزفرات نواح ناعم يشبه الأنين. ذلك ما خلق صوراً لأناس يقطنون تحت الشواهد، أجسادهم تمشي فوق الارض، منها من يمشي على اثنين ومنها من يمشي على ثلاثة، فكان التنزه في نهارات الافتضاح يقتصر على بعض منا وعلى كثير من غيرنا. فلم يكن الازدياد التدريجي مثيراً للانتباه، حتى كانت النسوة اللواتي يسربلهن السواد قد بدأنا الطواف في تلك النهارات، طيور متعددة الأنواع تهاجر في موسم غير موسم هجرتها. كفت الصافرات الليلية عن تحفظها وظهرت في نهارات الافتضاح، بل اقتربت من طرف المدينة القصي. خشينا اختلاطها مع صوت العزف إن ظهر. ذلك ما جعلنا نشك في الحصول على هوى النفس من الاستمتاع ببوح ما تبتغيه على أنغام العود، الذي لم يكن أحداً منا أو من غيرنا قال بسماعه في نهار من نهارت الطواف، وهو ما جعلنا نشك كذلك في الاستماع إليه، حتى في الليالي السود من الشهر، والذي كنا فيه نحافظ على مقاعدنا ونحفظها عن ظهر قلب قرب الشواهد، تعيينا أيدينا على تحسس الدرب المؤدي أليها، ذلك إن الزحام الذي خلقته العامة، ومزاحمتهم لنا على مقاعدنا، أكد استحالة الوصول إلى ذلك الصفو الذي يقود النفس إلى البوح بمكامنها، لكنه رفع الوحشة عن المكان، وجعل الشواهد تعج بحركة واضطراب، لم نكن قد اعتدنا عليها في أول أمرنا، كأنهم بانتظار صوت العزف، أو يتآسون به للاستماع إلى نجوى الأحبة، يعينهم الظلام على سكب العبرات من دون رقيب، فلا تخجلهم زفرات أسى ينفثها لظى الفؤاد، ولا ملامح انكسار ترتسم على الوجوه، ولا دمعة تجود بها العيون، لتسكن من الروع على فاجعة ازدياد الشواهد مع كل نهار طواف علني أو ليلة طواف نكتمها عنهم، مما جعل الناس يحزمون أمتعتهم ويهجرون المدينة عند غروب الشمس وبدء السواد بالتكتل عند الطرف الشرقي من المدينة. كأن المدينة تهجر محلها لتنتقل ليلاً إلى طرفها عند الشواهد، فانتقلت أصوات الصافرات قربها، كأنها تحرسها من أن يسطو بعضها على بعض.

مثار شك تلك الملاحقة لوفود الطواف، يكتمه الناس، ويفضحه حذر السلوك، تعلن عن نفسها في الأزقة والدروب وتقاطعات الطرق، يجفل منها من يصطدم بها، ويحاذر منها لم يصل إليها. من يروم الوصول إلى الشواهد يروغ عنها ويسلك سبلا لا تقوده إليها، فلا يكون من علم بها قد نوى سلوك تلك السبل، فلا يصطدم بها، ومن لم يعلم يعود أدراجه يملأه الغضب من منع وصوله إلى شواهد أحبته عند الطرف القصي من المدينة، فأنفتحت سبلا جديدة لم تكن قد اعتادتها تلك الأقدام للوصول إلى مبتغى الروح، يبدأها واحد منا، فتتقاطر خلفه على خيفة من أن يكون هناك من يجبرها على العودة في نهاية الطريق، فيخسرون وقتاًً أضاعوه في البحث عن منفذ للوصول، ما ساعدنا في سلوك تلك الدروب، كان تفرقنا فرادا، من دون يقين للحصول على صوت الضرب، لكنها الشواهد التي دفعتنا إلى خوض لجة الليل في حندسة لإضاءة دواخلنا من عتمة تراكمت على بعضها، فكنا نجلوها هناك، من دون موعد كذلك، انفتحت شرايين المدينة تنزف ناسها بغزارة إلى الطرف القصي، فكان زحام الناس عند الشواهد في تلك الليلة لم يسبقها زحام في ليلة سابقة عليها. انقطع النزف من تلك السبل للوقوف معنا، فاطمأنت قوافل الطواف الى وصولها. غير إن ما كان يعكر الصفو في تلك الليلة، أصوات الصافرات الليلية التي ازدادت كثافة وتداخلت مع بعضها باضطراب واضح في المدينة وأزقتها وشوارعها، نسمعها بوضوح ونتغافل عن سماعها بتعمد.

من مجموعة عزف منفرد
الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة -بغداد 2007

 

حسن كريم عاتي


التعليقات




5000