.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تبادل الأشلاء / قصة قصيرة

حسن كريم عاتي

- فضحتنا !
- لم ؟

- هل يعقل أن أضع في كومة واحدة ثلاث أرجل وذراعاً واحدة لرجل واحد .. الاًِ يقال كيف عاش بثلاث أرجل طيلة الزمن الذي سبق موته ؟
ضحك وقال :
- إنها أشلاء شهداء سيذهبون إلى الجنة ، ولأيهم أن يذهب أحدهم بأقدام غيره ، فالمآل واحد وسيتبادلون أعضاءهم في ما بينهم هناك ، إنهم اعرف منا بأشيائهم
.
أمسك رأساً مقطوعاً وتأمله بذهول وصرخ
...


- 1 -
فضحتنا
!
قال ذلك وهو يرفع اذرع وسيقان و رؤوس بشرية مشوهة ، محترقة ، أو متهتكة بفعل شظايا قذيفة ، أو منتفخة بفعل التفسخ من حرارة ميادين القتال وملوحة الأرض ، أو بقائها فترات طويلة منقوعة في مياه البرك أو الجداول أو الأنهار. في حين كانت أجزاء أخرى شوهتها أنياب الثعالب والذئاب حين تأمن خطر القذائف على الجثث المنزوية بين طيات التلال أو المواضع المهجورة أو الحفر التي تصنعها القذائف المنفجرة . قال ذلك وهو يرتبها وفقا لأحجامها أو ألوانها وحين يمتنع عليه تصنيفها أو يصعب يلجأ إلى معايير أخرى تجعل من عمله له صفة الإتقان . فقد يأخذ لون الملابس أو نوعها أساساً لجمع الأشلاء في كومة واحدة . فان كانت إحدى الساقين ترتدي بدلة زيتونية اللون فلابد أن تكون الأخرى ترتدي بدلة بذات اللون والنوع . أحياناً يلجأ إلى عد الحذاء الذي ترتديه قدم ما معياراً لوجود قدم أخرى مشابهة له ليوضع في كومة واحدة لها اسم وعنوان
.
- لم ؟

غير إن التجانس الذي يخلقه الزي كمعيار لجمع الأشلاء قد يخلق مفارقة غير متوقعة أو محسوبة بسبب اختلاف لون أو نوع الجوارب ، حيث يصعب معرفة ألوانها لاختفائها في بطون الأحذية ، فيتطلب الأمر العمل بدقة اكبر وبنفس صبورة ، لان ما يثيره عدم التجانس من شكوك في عائدية الجثث يعود عليهم باللوم الشديد والتقريع العنيف .
- هل يعقل أن أضع في كومة واحدة ثلاث أرجل وذراعاً واحدة لرجل واحد .. الآ يقال كيف عاش بثلاث أرجل طيلة الزمن الذي سبق موته ؟

غير إن جمع الأشلاء بكاملها في كومة واحدة تحشر بين الألواح ، ويعطى لها اسم ثلاثي ولقب وعنوانين أحدهما عسكري والآخر يقود كومة الأشلاء في الألواح الى ذويها ، إلا إن جمع الأشلاء لا يتطلب بالضرورة ان تكون جميع الأجزاء متوافرة في اللوح الخشبي ، فقد لا يجد ما يناسب الرجل اليمنى ، رجل يسرى ، بذات الحجم أو بذات نوع الملابس ، وقد يجد رجل يمنى أخرى تحمل ذات المواصفات ، غير انهما يقلعا عن جمعهما مع الأخرى لاستحالة تصديق أن تكون الجثة قبل موتها بساقين يمنيين دون أن تكون هناك ساق يسرى ..
الجزء الأهم دوما في جمع الأشلاء - الرأس - فالرأس دليل كاف يشير إلى صاحبه ، ويستحسن أن يكون قليل التشويه بحيث تتبين ملامحه فيما إذا كان الاسم المعطى له متوافقاً مع حقيقة الرأس ، وفيما إذا اختلف يفترض أن يكون التشويه كاملاً لكي يصعب الاستدلال على أن الرأس لا يمثل ذلك الاسم . فالعمل يبدأ دوما بالرؤوس يلحقها في ما بعد لاستكمالها الأجزاء الأخرى
.

في أحيان لم تكن نادرة أو قليلة كانت الأخطاء تفضح سوء التصنيف للأشلاء . فالبدلاء أو الكادر الذي يمكن أن يساعد في العمل معدوم أصلاً . فلم يكن من اليسير المكوث بين الأشلاء لخمس عشرة دقيقة بكاملها . كثير ما أرغم بعض الجنود ، وقليل منهم حاول برغبة ، العمل في مركز جمع الأشلاء ، ألا إنهم يصابون بالغثيان في أول الأمر ثم بالإغماء في ما بعد ، فيبعدون عن أداء مهمات من هذا النوع ، برغم الحاجة القائمة لهم دوما وخصوصا عند اشتداد القتال أو في حالات التعرض الكبير ، حيث لايمكن أن ينجز العمل بكادر قليل إن لم يكن ، يكاد يكون معدوماً . وأمام الرغبة في أداء الواجب تجاه الجثث فان الأمر يتطلب إكراماً للموتى أن يدفنوا وبأقرب وقت ممكن ، فيحدث الإرباك في هذه الحالات وتشيع الأخطاء حد أن كثيراً من ذوي الجثث يعتقدون إنهم يدفنون جثثاً غريبة عنهم ، وان أبنائهم مازالوا أحياء يرزقون ، وان لم يكن هذا الاحتمال موجوداً أو يصمد أمام الواقع فهو أمل يساعد على مقاومة الآسى ، أو محاولة تأجيل الحزن بكامل حجمه الى وقت آخر لم يكن معلوماً
..

- إنها أشلاء شهداء سيذهبون إلى الجنة ، ولايهم أن يذهب أحدهم بأقدام غيره ، فالمآل واحد وسيتبادلون أعضاءهم في ما بينهم هناك ، إنهم اعرف منا بأشيائهم
.

وحيث إن الأمر كان بهذه الصعوبة فلا مناص من التغاضي عن مثل هذه الأخطاء . فالاستمرار في العمل بأخطاء ، أفضل من توقفه بشكل تام . حيث يستحيل أن تعدم الأخطاء أمام أشلاء مكدسة في السقيفة المبردة ، ولا يوجد دليل كافٍ يشير الى انتسابها لراس ما أو اسم يطابق الرأس والأشلاء معا . فالإجهاد يفقدهما قدرة التركيـز في العمل
.

لم يكن من السهل على احد غيرهما الدخول الى السقيفة لتفحص عملهما . فتم اعتماد تصنيفهما للأشلاء دون معرفة حقيقية للمعيار الذي تم وفقه عملهما . فلم يكن سهلاً الحصول على كادر مماثل لهما . فقد تم ، وبعد جهد كبير وتجـريب مستمـر ، اختيارهما ، فكانا الأصلح للعمل . فاعتادا لمس اللحم البشري النيئ والمشوي
..


- 1 -


قال - فضحتنا
!
وأنا أراه منذ أيام مضطربا ً. فقد كان يتوجس خوفاً مجهولاً سكنه طيلة الأيام التي أعلن فيها عن حدوث تعرض كبير على ( جزيرة مجنون ) . حيث بدأت الجثث تتوافد على مركزنا بأعداد كبيرة ، فلم تكن المستشفيات قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الشهداء الذين سقطوا أثناء التقدم أو أثناء الاصطدام المباشر أو الالتحام بالسلاح الأبيض . فلم تكن فوهات مدفعية الميدان عيار ( 155 ملم ) قد أشبعها دخان البارود ، فصبت حممها من دون رحمة على الجزيرة وعلى الماء والوحدات المتجحفلة عند الضفة الأخرى منه . وفي حالات كثيرة كانت مدفعيتنا تشارك مدفعية العدو في حصاد القوات المتقدمة نتيجة الخطأ في تقدير مسافات الرمي ، أو الخطأ في الإحداثيات ، فالوقت الذي يتم فيه تصحيح خطأ المدفعية يكون قد حصد أعداداً كبيرة من القوات المتقدمة من الماء باتجاه اليابسة . مما يضطر القوات المتقدمة لطلب الإسناد بألوية جديدة تزج دماء حارة لموت يسكن الماء تحت قسوة القصف المعادي والصديق أحياناً . فلم يكن عامل المفاجأة قد حقق تأثيراً مباشراً في قوات العدو ، حيث لم تتمكن قواتنا من تحقيق مفاجأة في تقدمها . ويبدو إن العدو قد هيء وحداته المتواجدة على الجزيرة لهذا الاحتمال ، فقد كانت الأسلاك الشائكة والعوائق القنفذية المرمية في ماء الهور وعلى مقربة من الجزيرة عائق حقيقي يمنع تقدم الزوارق ويجعل من الخوض في الماء الوسيلة الوحيدة للوصول الى اليابسة ، مما يكشف أجساد المهاجمين لجميع أنواع الأسلحة ابتداء من رصاص القناصة وحتى قذائف مدفعية الميدان الثقيلة ، التي لم تتوقف عن دفع رسل الموت الى الجنود المهاجمين ، الذين ترجلوا عن صهوات الزوارق ، وقد شاركتها قنابر الهاون بكثافة تجعل من إمكانية التقدم غير ممكنة من دون خسائر بشرية كبيرة . غير إن الفوج الأول من اللواء الذي أوغل في تقدمه في الماء وأصبح على مقربة من الجزيرة ، وتمكنت بعض الحضائر من السرية الثالثة التي شذبها الموت ، كالريح على شجرة اصفرت أوراقها ، قد حصلت على موطئ قدم يشجع السرايا الأخرى بالإسناد ، عسى أن يكون مفتاح تطهير الجزيرة منه . ذلك ما قاله أحد القادمين من قوة الصولة على الجزيرة وتم إخلاؤه لإصابته بجرح بليغ منعه في الاستمرار في القتال
.
حين أجبته :لمَ ؟ كنت مدارياً انفعالاته المتأججة طيلة الأيام التي انصرمت تحت تأثير قسوة العمل المضني الذي دفعنا إليه تحت تأثير الحاجة الملحة لإنجاز مهمات لا تجد لها من ينجزها ، لكنه لم يكن قد كتم انفعالاته أو حبسها ، فقد أصبح أكثر حساسية في تناول الأشلاء وهو يصنفها ، وكثيراً ما توقفه الحيرة بين الأشلاء في محاولة تجميع الأجزاء بشكل مقبول . فأصبح العمل أكثر قسوة بتردده في أداء مهماته
.

لم يكن ما قاله ( هل يعقل أن أضع في كومة واحدة ثلاث أرجل وذراعاً واحدة لرجل واحد .. ألا يقال كيف عاش بثـلاث أرجل طيلة الزمن الذي سبق موتـه ؟) غريبا علينا .بل إن عملنا في تفاصيله يتوخى منع حدوث مثل هذه الأخطاء ، فلم يكن غريبا أن نتحفظ إزاء الأخطاء الشنيعة على من يراها من خارج السقيفة المبردة ، بينما نقع نحن فيها رغم حرصنا على تجنبها ، ولم نكن نعذر أنفسنا على أخطاء تؤدي بالتلاعب بممتلكات الشهداء الباقية لدينا ونحرص على أداء أمانتهم بإخلاص ، لكن زخم العمل يؤدي في أحيان قليلة الى مثلها ولم يكن يتبين لنا ذلك إلا في أوقات لم يكن بالإمكان تداركها . فلم تكن أقراص الهوية المعدنية أو ألهويات الشخصية أو قطع القماش الأبيض المكتوب عليها أسماء الشهداء والتي يحرصون على توزيعها بين جيوبهم قبل موتهم تدل إلا على جزء ما دون أن نحصل على إشارة صريحة بانتماء جزء أخر لها . ويستحيل أن ندقق في كل الأشلاء لعدم كفاية الوقت لإنجاز المهمات الكثيرة والمستعجلة التنفيذ . مما يؤدي إلى وقوع أخطاء - نخجل من ذكرها أحيانا - فالشهداء كانوا أحرص منا في أداء عملهم ، فيدفعنا التفكير في ذلك الى توخي الدقة في التصنيف
.

قال وهو يشير بيده المغطاة بطبقة دسمة من اللحم البشري الى الأكوام المرمية تحت السقيفة
:
لا فرق أن تكون سادياً أو ماسوكياً

لا فرق أن تكون مهذباً أو سوقياً
لا فرق أن تكون يمينياً أو يسارياً

فالحرب تهضم كل شيء

قال ذلك في يوم سبق يوم صرخته وهو يشير الى كومة بشرية إشارات الدلالات فيها ..الى أنها أشلاء لجنود العدو نقلت خطأً من ميادين القتال الى المركز . ابتسمت وقلت : ستكون شاعر سقيفة الأشلاء ، وقد ينهضون ليحيوك بالتصفيق أو الهتاف ، لم يعلق على ذلك ، لاذ بالصمت . لذا لم استغرب اضطرابه في الأيام الأخيرة .

لكن حين أجبته : ( أنها أشلاء شهداء سيذهبون إلى الجنة ، ولايهم أن يذهب أحدهم بإقدام غيره ، فالمآل واحد وسيتبادلون أعضاءهم في ما بينهم هناك ، إنهم اعرف منا بأشيائهم ) . لم يراود ذهني شك في إن اضطرابه حالة طارئة ناتجة عن الإجهاد ومن طبيعة العمل الذي نقوم بإنجازه ، غير إن صرخته أذهلتني ، ترددت أصداؤها في كل زوايا السقيفة ، تلبست الأشلاء ، والبرودة ، والهواء ، اقشعر جسدي وأنا أراه يحتضن رأساً مقطوعاً ويضمه إلى صدره ويسقط
.


- 1 -

كل الأمنيات عرجاء سوى أمنية الموت ، فأنها تأتى كأسراب الطيور الموسمية ، تحتف ببعضها وتلتقط من على ارض الله وتتغوط وتحس بالحنين لأرواحنا . فالهواء والفضاء والقصب و البردي والماء تحمل المنايا من دون اعتبـار لانتمـاء أي من طرفي المعركة .الوقوف وسط الفوضى التي انتظمها الموت ، موت ، الوقوف يقود الى تعريض اكبر مساحة من الجسد كمستقر للشظايا . فمشاعل التنوير تدل رسل الموت على كتلنا المتحركة بعنف تحت خيمة الليل التي أثثها الموت بأجسادنا والذي تمنيناه كاتماً لسرنا فألقمنا شيطان الجزيرة أجسادنا . ذاك الذي اتعب أجدادي وما تلاهم من أحفاد سلالة ارتبطت من دون دراية او قرار مسبق . بجزيرة ( مجنون ) التي قادتنا الى جنون قد لا يتوقف ، برغم الأماني التي تتوطن فينا الى إنهاء جنونها ليس بجنوننا نحن او بجنون غيرنا . الوقوف .. يعني الموت .. عليك ان تتحرك من مكان إلى أخر ، او اللجوء إلى موضع لم تصله بعد ، حيث المسافة التي تفصلك عن ارض الجزيرة تعد بالأمتار ، ذات البعد المختلف جدا عن قياس أية ارض أخرى .قريبها ابعد من بعيد أراض أخرى تقاس بوحدة قياس غير معهودة . تتكثف المسافة التي تفصلك عن موضع تقلص مساحة الجسد المعرض إلى شظايا الموت المتبادل ، رغم ان جسدي لم يفلت منه ، فارتفعت الجثة عن ارض الجزيرة حين وطأتها قدماي بأمل أيجاد موضع تتقي به شظايا الانفلاقات المتلاحقة فوق رؤوسنا التي تناثر الكثير منها بين سيقان القصب والبردي أو غرزت في الطين نبتاً لا يثمر ، ودماً لايتخثر فوق ماء الهور الذي حوى أسماكاً أطعمت أجسادنا لينالها أبنائنا سمكاً معلوفاً بأجساد آبائهم
.

في محاولات متكررة لإعادة الجزيرة التي سكنها شيطان الموت ، الذي لم يستطيع المحافظة على امتيازه فيها ، فشاركه الكثير حصاد الرؤوس دون ان يجد أي منهم قصراً أو مركباً ذهبياً ، طفت فوق أطراف القصب وغادرتني - فجاءة - رهبة الخوف من شظايا الانفلاقات ورصاص القناصة وقنابر الهاون التي لم تترك فاصلة زمنية بين انفجار وأخر ،فبدت كتواصل الريح التي لم تتوقف عن المرور فوق الجثث الملقاة في الماء أو في بطون الزوارق المدمرة الطافية رغماً عنها بفعل ضحالة المياه أو التفاف القصب والبردي حولها . كثير من الذين وصلوا ارض الجزيرة ، وحصلوا على موضع يقلصون فيه المساحة المعرضة للموت من أجسادهم كانت ستلحق بنا . فالموت الذي يحيط بتلك الكتل البشرية المندفعة يعد عليها شهقاتها التي قد يوقف إحداها ، فيعدوا ممن رفعت عنهم المسؤولية في الاندفاع وسط الظلام ، فيصبحون على موت .. غير إن قناع الوقاية الذي لف رأسي أسفل الخوذة ، جعل الرأس يبدو غريبا عني ، وهو ما يعيق العاملين في مركز جمع الأشلاء هذا ، متقين به رائحتنا النتنة ، برغم البرودة التي توفرها السقيفة المبردة التي رميت الأشلاء فيها ويعملون على إيصالها ببعضها لتكوين كتل شبيهة بكتلنا التي عشنا بها .. فتقول نفسي لنفسي
:
ألا يا أعواماً كانت بعيده

لم تكن تأتى . . بيسر تنادي
:
ألا كل يا موتاً مكتوباً كل رقم يأتيك

فانك لا تتخم والأرقام بعد لم تنته
.

احدهم يلوم صاحبه : فضحتنا ! ويجيبه الآخر : لم ؟ في حين تناول الآخر ساقاً مبتورة كانت لي ورمى بها الى كومة أخرى ، مشيراً له بتعجب
:
هل يعقل أن أضع في كومة واحدة ثلاث أرجل وذراعاً واحدة لرجل واحد .. ألا يقال كيف عاش بثلاث أرجل طيلة الزمن الذي سبق موته ؟

لم يتصور صاحبه إن في الأمر شيء من الغرابة ، فالأمر لايعدو أكثر من جمع أشلاء بعض الموتى لتبدو ميتتهم اقل قسوة . فلايهم إن كنا بلاعمود فقري أو بلا راس فقد انتفض الجسد عند الرعشة الأخيرة وغادرت أشيائي بقسوة وعنف في بادئ الأمر . غير أنى اعتدت نسيان الكتلة الملتصقة بالطين ، وقد تفتقت مساماتها زهوراً حمراً صغيرة ، فتركتها تتهاوى بيأس من دون أن تستند الى شيء . نظرت إليها عن كثب وكأنها أشياء نسبت بقسوة لي وانسلخت بطواعية عني .. أنها أشبه بقشرة من دم متخثر على جرح اندمل .. أشبه بلذة مسكونة بألم ، كأنها اللحظات الأخيرة من تنمل أحد الأطراف ، قشعريرة مؤلمة لفترة قصيرة . ضحك صاحبه وقال :
إنها أشلاء شهداء سيذهبون الى الجنة ، ولايهم أن يذهب أحدهم بأقدام غيره ، فآلمال واحد وسيتبادلون أعضاءهم في ما بينهم هناك ، إنهم اعرف منا بأشيائهم
.

لكنه حين أمسك رأسي تأمله بفزع وصرخ ، أذهلتني الصرخة فأحسست أخي كان قد وزع أشلائي إلى أكوام متعددة ، فأغمضت عيني على صدره و أسدل السواد ستاره
..

 



من مجموعة عزف منفرد
الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 2007

 

 

حسن كريم عاتي


التعليقات

الاسم: حسن كريم عاتي
التاريخ: 01/09/2009 17:27:16
الزميلة ثائره شمعون البازي المحترمه
تحية طيبة
ممتن لهذه المشاعر الحميلة
واعتذر لتأخر الاحابة

تقبلي فائق الود

حسن كريم عاتي
بغداد
1 أيلول 2009

الاسم: حسن كريم عاتي
التاريخ: 31/08/2009 21:18:18
الشاعره وفاءعبد الرزاق المحترمه
ما زال في الصبر بقية
وما زالت مزاميرنا تصلح للفرح والبكاء

تقبلي اسمى الاعتبار
حسن كريم عاتي
بغداد
31 أب 2009

الاسم: ثائرة شمعون البازي
التاريخ: 22/08/2009 18:16:21
الزميل حسن كريم عاتي


قصة جميلة وعميقة وتحمل آلامنا من واقع عشناه وللآن مازلنا نعيش به وومعه ولطالما اتساءل الى متى الى متى ....

دمت لنا

الاسم: وفاء عبد الرزاق
التاريخ: 22/08/2009 10:33:02
اخي الفاضل حسن عاتي

عرض جميل بفنتازيته المعالجة للواقع
رغم ما يسببة من الم لكنه ادب رافض ساخر بالوضع البربري


كنت اتمنى منذ دهر الالتقاء بالادباء في العراق ونستمع لبعضنا ،، نبكي شعرا ،،نفرح قصا ،،نسكر الما ونتمرغ بالتراب
التراب الذي اعشق

لعل في العمر ما يتحمل الانتظار

ابداع جميل سيدي الفاضل




5000