.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


وزر الحفرة وأوزار أخرى

محمد أبو ناصر

ما كانت الأمور لتطور لهذا الحد لو أنه أغلق فمه، كان اليوم سيمر عاديا رتيبا كباقي أيام الله, وسيكون الآن منصتا لعظامه ناشرا رجليه على  "السدارى" أمام التلفاز يتابع مباراة في كرة القدم، قد تكون مبارة من الدوري الإنجليزي أو الإسباني، الدوري الوطني لامحل له من الإعراب في قواعد  اهتماماته الرياضية، واذا تاخر الوقت قليلا فسيكون متتبعا لنشرة الأخبار المسائية أو ربما فيلما سينمائيا عن الحرب في العراق، فبعد موجة أفلام  الحرب في الأدغال الفيتنامية نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، جاء الحادي عشر من سبتمبر لتكتسح موجة أفلام الإرهاب والحرب في  العراق وأفغانستان الشاشة الفضية كاتسونامي.

وربما غدا تشتعل حرب أخرى واقعا وخيالا في مكان ما.

لكنه لا يتابع مباراة في كرة القدم ولا نشرة أخبار مسائية، ولا يتابع أحداث فيلم مشوق عن الحرب في أي مكان, وذلك لأنه لم يغلق فمه والنتيجة... يتعرض الآن للاستنطاق كمن ارتكب جريمة ما، وهو ليس مجرما, ولما فتح فمه ليحتج, لم يفعل ذلك إلا ليقول صوابا، فلما قال صوابا اتهموه بالباطل, ونسوا أن الباطل كان زهوقا. ولكنه هو من "زهق" بالتعبير المصري لأنهم "سخسخوه" وقولوه ما لم يقله, واستفزوه وأهانوه ومع ذلك لم يفقد صوابه, ولم "يخسر لهم الهضرة" رغم أنهم "خسروها" له.

نسبوا له مالم يقله أو يخطر بباله حتى، وهو يحاورهم ويجادلهم بالتي هي أحسن, ويجيب عن أسئلتهم الوقحة بأدب جم ,وهدوء تام متملكا أعصباه كاظما غيظه, فما زادهم ذلك إلا عتوا. هذا ما جرى وهو يجادلهم بالحسنى فماذا سيجري لو بادلهم وقاحة بوقاحة الله وحده العليم.

* * *

كنت أقود سيارتي هذا الصباح في طريقي إلى العمل كباقي خلق الله، عفوا أريد أن أقول المحظوظين من خلق الله, ممن كان عندهم "الزهر أو رضا الوالدين" أحدهما أو كلاهما, وإن كان لا يعول عليهما كثيرا، خصوصا رضا الوالدين, في زمن طغت فيه المادة على كل شيء، أما الزهر فقد ينفعك, خصوصا إذا زينت حواشيه وتواشيه وجعلت له إطارا من مال.

الساعة تشير إلى السابعة والنصف وأنا أسوق وأنصت إلى إذاعة ميدي1 وأدندن مع أغنية طربية تبث عبر الأثير, مرافقا إيقاعها بنقرات أصابعي الممسكة بالمقود، وفي نفس الوقت كان عقلي مشغولا ببعض المسائل العائلية، أحمد بكر ابناني يريد مائتي درهم ليذهب في رحلة مدرسية إلى أوكايمدن ليرى الثلج، سلوى الوسطى, تريد بذلة رياضية بكل لوازمها، وآية الصغرى تريد دراجة جديدة بعد أن ملت دراجتها القديمة المتهالكة. وتريدها هذه المرة دراجة عادية ,يعني بعجلتين فقط وبلا عجلتين إضافيتين في الخلف كما دراجات المبتدئين، موضحة في حماس طفلة شارفت سنها الثالث أنها لم تعد بحاجة إلى مساعدة من أي نوع كان في ركوب الدراجة.

عقلي موزع بين الطريق والموسيقى وطلبات الصغار و... آه تذكرت أمهم أيضا طلبت شيئا... ماهو... ماهويا ربي... والله لم أعد أذكر، تشوش بالي, كل ما أذكره أنها طلبت أن آتيها بشيء ما، أيعقل أن أغادر البيت يوما دون أن توصيني ربته بإحضار شيء ما أثناء عودتي !ولو قبضة من نعناع !!

انتهت الأغنية التي راقتني وبدأت أخرى أكثر صخبا وضجيجا، انهالت المطارق على رأسي، مددت يدي لأخفض الصوت أو أغير الموجة، حولت نظري لجزء من الثانية عن الطريق أمامي، فجأة اهتزت السيارة فاهتز معها قلبي وانخطف لوني ومالت قليلا من مقدمتها جهة اليمين.

شلت المفاجأة تفكيري لحظة عما جرى، هل دهست أحدا؟! لا... لا... لم يكن أحد ما يعبر أمامي لحظتها، كلبا إذا أو ربما قطا، آه اللعنة السيارة تميل فهي العجلة إذا قد انفجرت. تعالى نفير أبواق السيارات من خلفي وزعيقها، ضغطت دواسة البنزين, دارت العجلات في الفراغ مصدرة صريرا مزعجا ولم تراوح مكانها، نفير الأبواق يتعالى من جديد, حاولت تجاهل ذلك، ألا يدرك هؤلاء في أي ورطة قد أكون، فتحت الباب وغادرت، درت حول السيارة, رباه يا لهول ما رأيت.

* * *

تحملت الإهانة والشتائم هنا في المركز، تحملت الجلوس منذ ساعات من أجل استكمال الإجراءات، وأي إجراءات ! إنه استنطاق, وكأنك بن لادن أو مجرم حرب. وانهالت عليك الأسئلة من كل حدب وصوب، سألوك عن كل شيء حتى عن مقاس حذائك، والله وحده العليم عن سر العلاقة بين مقاس الحذاء, والورطة التي أنت فيها.

لعنوا أباك كما سبوا أمك ونعتوها بشر النعوت وأقدعها فوضعت أعصابك في ثلاجة بل تخيلت نفسك غارقا " للشوشة" في صقيع القطبين وحاولت الحفاظ على هدوئك المعهود وأنت تقول لهم :

•-       الله يرحم الوالدين... دعوا الأموات يرقدون في سلام "تقصد أباك" وكفوا ألسنتكم عن أعراض النساء "وتقصد أمك" فليس لكم الحق في ذلك، أترضون الإهانة لأمهاتكم.

فتبسموا لا بل ضحكوا حتى شبعوا ضحكا وحتى بدت نواجدهم واضراسهم التي نخرها السوس كعقولهم وزادوا فضحكوا حتى بللت عيونهم خصوصا أكبرهم رتبة وكادوا يخ...في سراولهم من الضحك وكأنك قلت نكتة بديئة.

قطعوا الحس بعدها فترة لم تعد تدري أطالت أم قصرت، وتغيرت ملامحهم فجأة، واكتست صرامة قاسية، وكأنها  من حديد قدت, وكأنهم لم يضحكوا من قبل، ومال كبيرهم إلى الأمام بجسده كله و "خرج" فيك عينيه تخويفا وترهيبا وقال لك

•-       الحق؟!... الحق يا الحق... - وترنم بها وكأنه يغني - اسمع اسي ماكاين لاحق لاخ...

وعادوا يسألونك من جديد ويستفزونك, وطلبوا منك أن توقع على ما لم تقله أو تتفوه به, وقال لك أحدهم لما رأى أصرارك على الرفض.

•-       اسمع زبور أمك, راك ما خارج من هنا غير إلى ما سنيتي.

ثار الدم في عروقك, للكنك قلت ببرود أعصاب تحسد عليه وكأن المعرض للإهانة غيرك.

•-       آشاف... الله يرحم الوالدين...

قاطعك قبل أن تتم ماكنت بصدد قوله.

•-       لهلا يرحم بوهم كاع.

كاع !!!

جف حلقك, طلبت شربة ماء فأصموا أذانهم ولم يسعفوك بها، طلبت أن يسمحوا لك بالتدخين, فقالوا ممنوع حتى توقع المحضر، ونفثوا في وجهك دخان سجائرهم. وأنت لن توقع على الباطل وتورط نفسك في تهمة توردك موارد التهلكة.

تهمة أصبح كثير ممن يتأبطون حقائب المسؤوليات أو يزينون صدورهم بنياشين السلطة يلجأون إليها كلما وجدوا أنفسهم في مأزق حرج, فيحاولون أن "يسلكوا" أنفسهم ويورطونك بدلهم.

« « «

ترجل البعض من سياراتهم وتحلقوا حول سيارتي، الآن قد تفهموا الأمر, ردد بعضهم اللطيف, ولعن آخرون هذه الحفر اللعينة التي تملأ الطرقات, ولا تنفك تنبت هنا وهناك كالفطر. وكشر سائق غليظ عن أسنان صفر من أثر النيكوتين, وبصق على الأرض وزمجر كالرعد.

•-       تفووو... على دين أمهم غير كيق... أولاد ألق...

وأنا أعاين الحفرة التي غرقت فيها عجلة سيارتي، كنت أحمد الله في سري على أن الأمر توقف عند هذا الحد, فمع هذه الحفر لايسع المرء إلا أن يطلب التسليم والسلامة أشغال في كل مكان وحفر في كل مكان !!

ولست ادري لما خطر في بالي المثل القائل" من حفر لاخيه حفرة وقع فيها" فمن الذي  يقع !!

وهؤلاء يغلقون طريقا ما فجأة ودون سابق إعلام اوإنذار بحجة الإصلاح، ثم يرفعون الحواجز على حين فجأة أيضا، ولا يكاد يمر وقت يسير حتى يعودون إليه من جديد، بحجة إصلاح ما سبق إصلاحه، حتى إذا انتهوا, ومر ما تيسر من وقت, عادت الأمور إلى ما كانت عليه أو أسوأ, وكأن "المصلحون" لم يمروا من هنا من قبل.

قبل شهرين فقط أغلقوا هذا الطريق، اللافتة المرفوعة على الرصيف للفت أنظارنا جاء فيها أنه من أجل تقويته وتزفيته، انتهت الأشغال قبل أيام, وسقطت الأمطار بالأمس, وهاهي ذي النتيجة اليوم.

نظر أحد المارة إلى عجلة سيارتي الغارقة في الحفرة فعلق وهو يقلب شفتيه ويضرب كفا بكف استنكارا.

•-       لاحول ولاقوة إلا بالله ما كاين للي كيفضح هاذ الناس قد الشتا..

ما أفزعني أكثر وأثار بلبالي, وخلق وسواسا خناسا غزا عقلي وفكري, وأنبث "القوق" في رأسي منذ أن رأيت فيه ماوقع لسيارتي ,هو أن المرء بات يخشى على نفسه أشد الخشية وهو مار بأحد هذه الطرق سواء أكان راكبا أو على رجليه قد يكون غاديا "ما به ما عليه" حتى "هوب" ويجدد نفسه أسفل سافلين.

والرجل الذي قال إن الشتاء تفضح بعض المسؤولين أصاب كبد الحقيقة "وجابها في التسعين", فالأمطار تعريهم وتزيح عنهم ورقة التوت, وتزيح الزفت أيضا, وتكشف عن الهاوية.

« « «

جاءك شرطيان, استفسرا واستطلعا ,ثم حاولا تفريق "الجوقة" ما استطاعا إلى ذلك سبيلا, فانتشر الجمع أشتاتا ثم ما لبث بعض الفضوليين أو الذين كان فضولهم أشد من أن يغادروا دون أن يلموا بجميع تفاصيل الواقعة وحتى فصلها الختام, ان عادوا الى مواقعهم الاولى.

والشرطيان بعد الاطلاع والاستفسار والاستطلاع, قلبا الشفتين واليدين, ولم تعلم إن كانا يستنكران, اويحتجان, او فقط يقولان "واحنا مالنا ماشي سوقنا", ثم تبادلتم بعض الكلمات, فابتسما لك وابتسمت لهم وقلت إن ما حدث كارثة فهزا رأسيهما عدة مرات وغاب عليك المغزى مرة أخرى ثم اتصل أحدهما بمصلحة الإغاثة لأجل إخراج سيارتك من الحفرة وإفساح الطريق للسيارات الأخرى التي لاشك أن أصحابها قد تأخروا عن مواعيدهم أو تضررت بعض مصالحهم كمثلك أيضا.

كنتم تتبادلون الحديث عندما ارتفع زعيق بوق إحدى السيارات في آخر الصف الطويل, لم يعر أحدكم ذلك انتباها. الآن سيتكفل أحدهم بشرح النازلة للزاعق الذي ربما حضر  للتو.

كنت في هذه اللحظة بالضبط قد طرحت السؤال عمن المسؤول عما وقع وجري, وكنت تقول, أن ذلك كان قد يتسبب في كارثة اعظم, لو أن سيارة ما كانت خلفك مباشرة, ولصدمتك من الخلف نظرا لتوقفك المفاجأ, وأضفت أن كثيرا من أرباب الحديد, وتعني بذالك طبعا السيارات والحافلات والشاحنات وحتى الدراجات, لا يتركون مسافة معقولة بينهم وبين الذي يتقدمهم, فإذا تعرض المتقدم لحادث, كانوا جميعا عرضة له, فيعظم المصاب.

فتح أحد الشرطيين فاه ليقول لك شيئا, فإذا به يرتبك, وإذا به يعتدل في وقفته ويلكز رفيقه وفمه مازال مفتوحا عن آخره, وإذا بالاثنين معا ينضبطان ويؤديان التحية, فتلفتت لتنظر ماذا جرى, فإذا رجل طويل عريض, زاده الله بسطة في الجسم, أنيق غاية الأناقة, يتقدم بخطوات من ألف السلطة وإصدار الأوامر,تتقدمه رائحة عطرنفاذ, عرفت الرجل من النظرة الأولى, فقد رأيت صوره مرارا وتكرارا أثناء الحملة الانتخابية الماضية, رأيتها ملصقة على جدران الحي, ومرمية في كل الطرقات, ورأيتها بعد ذلك عند البقال يلف فيها الخميرة والإبزار والتحميرة, ورأيتها أخيرا معدة للاستعمال في المرافق الصحية.

بل رأيت الرجل لحما وشحما وهو يطوف أحياء المدينة رفقة زمرة من "المجعوقين" و"الكارين حنوكهم" يطبلون له ويزمرون, ويهتفون فوق ما تتحمله طاقة حبالهم الصوتية.

"الزفتاوي للي بغينا... غيرو ما يصلح لنا"

وهو يمشي بينهم مشية العظمة والاختيال, منتشيا كالطاووس, راسما على وجهه ابتسامة عريضة بهلوانية, يسلم على أهل الحي ويطرق أبواب دورهم, ويوزع عليهم قبعات وأقمصة تنكمش عند أول تصبينة", ووعودا خاوية كالبالونات التي يوزعها ضمن ما يوزعه من تفاهات لا تسمن ولا تقي من برد, والبالون ينتفخ بالهواء وينفجر عند أول شكة دبوس.

تبخر بعدها فلم تره, ولم يعد يره أحد حتى اللحظة التي انبثق فيها أمامك كجن سليمان.

* * *

اعتدلت في وقفتي وحييت القادم باحترام, ومددت يدي للسلام عليه, فمد يده على مضض, وما كادت أصابعنا تتلامس حتى سحب يده بسرعة, وكأن بي عدوى يخشى أن أنقلها إليه. نفخ دخان سيجار ضخم في وجهي فامتزج عبق السيجار باريج عطره النفاذ ,فشكلا رائحة غريبة لنوع جديد من العطور, وتكلم من على فخرج الكلام من منخريه مع الدخان.

•-       آش واقع هنا... آش هذه الفوضى... علاش سادين الطريق.

مرأى الدخان يخرج من منخريه بتلك الطريقة, وفي ذلك الظرف, وطريقة كلامه, زحزحا مؤشر التوتر نحو منطقة الخطر في دواخلي, فلم أطمئن لما هو آت ولم أرتح, وهجس في نفسي هاجس أن الأمور ستعقد ,ولن تمر على خير.

أليس منظره منظر ذلك الثور الهائج, وقد أحنى رأسه, ونفخ من منخريه, فأثار نقعا ,وركض بحافره الخلفي على أهبة النطح.

ولقد فعلها المسؤول, فرفع قدمه ودق بها الأرض وهو يكرر

•-       آش واقع ؟

فلم يطمئن خاطري, وتلوت آية الكرسي والمعوذتين سرا بأسرع ما سمح به الوقت ووطنت نفسي على تلقي النطحة.

شرح أحد الشرطيين لسيادته الأمر في اقتضاب, فلما انتهى التفت إلي

•-       وأنت.. -واشار الي بالسبابة والوسطى والسيجار بينهما-، فأين كنت سارح حتى سقطت في الحفرة.

" ها للي قلنا" قلت في خاطري,وقلت بصوت مسموع وبأذب جم

•-       ليسمح لي سيادتكم أن أقول, أن السؤال الذي يجب طرحه هو كالآتي "من أين جاءت هذه الحفرة العميقة في وسط الطريق, خصوصا والطريق حديث العهد بالإصلاح؟ صحيح أن الحفر كانت هنا من قبل, وكنا نراها فنتفاداها قدر الإمكان, فلما بدأ الإصلاح قلنا الحمد لله قد عفا الله, فإذا بنا نسقط في حفر لا نراها وكأنها فخاخ أعدت لاصطياد من تشاء منا، وتدع من تشاء، حتى حين, فعدنا لنقول وكأن الله لم يعفو بعد ,ولكن الله عفا, إلا أن البعض "هداهم الله" أبوا أن يغيروا واقعا مزريا عافته النفوس.

كنت أتلكم وهو ينظر إلي بتمعن ودهشة, ويقيسني من فوق لتحت, ومن تحت لفوق, ومع كل كلمة أنطقها تجحض عيناه, ولم أنهي كلامي حتى كادت مقلتاه تغادران محجريهما. وكأنه سمر في مكانه وفقد ملكة النطق, فلبث دقائق معدودات فاغر الفم ساكن الحركة, ثم هز رأسه كمن صحا من نومة عير مريحة, أو كابوس ثقيل, ونظر إلى الشرطيين فأربكتهما نظرته, لاشك أنهما فهما معنى ما يجول في دواخله, وضحك... ضحك حتى قلنا جن الرجل ولاشك ثم عبس, لكنه لم يتولى, بل خاطب الشرطيين.

•-       وتيهضر آآ.. وبالفلسفة من الفوق.

ثم التفت إلي

•-       اسمع ياهذا... الطريق أصلح حديثا فلم تكن هنا أي حفر, وهذه "وأشار إلى حيث يغوص بعض من سيارتي" أنت من حفرها ,وأنت من يتحمل مسؤولية ذلك... هه.

قال ذلك في عناد طفل صغير غلب على أمره, فأراد أن ينتقم كيفما كان السبيل

"آش كيخربق هذا" قلت في نفسي, ومع ذلك فأن كلامه أطار صوابي, فإن كان ما يترتب عن عناد طفل صغير شيء لا يعتد به, فإن ما قد يترتب عن عناد طفل كبير يتحمل مسؤولية ما, وله فوق ذلك سلطة قد يشتط فيها , وقد يتولد عن ذالك الشطط ضرر وقد يكون الضرر كبيرا.

عدت أقول

•-       سيدي, أظن أنكم لم تجدوني أحمل فأسا أحفر به وسط الطريق, كنت أسوق سيارتي كباقي عباد الله ,لأجد نفسي غارقا في هذه الحفرة, من يتحمل المسؤولية إذا. إن ما يحدث هنا باسم الإصلاح ماهو إلا خداع كبير من قوم يفسدون أكثر مما يصلحون, إن كانوا يصلحون شيئا من الأساس, معرضين حياة الناس وسلامتهم للخطر, وسائرين بالبلد نحو الحضيض.

أصبح وجهه كالطماطم, وعاد يلتفت إلى الشرطيين كأنه يستنجد بهما أو يستشهدهما على ما فرط مني من قول, مسه فهزه هزا, ولم يعجبه حتما.

•-       هل سمتعما ما يقوله السيد "الفهيم"... هل سمعتما... ومزال زايد فيه... يتهم المسؤولين بالتقصير والخداع ويسب السلطات - ثم ملتفتا إلي مرة أخرى متهكما- شكون أنتم سيادتكم باش تقولوا بحال هذا الكلام هه... شكون... على هذا الحساب أنت غادي تورينا شغلنا ياك اسي... مزيان والله إلى مزيان.

داخلني الرعب من كلماته, ليس لما فيها من سخرية وتهكم, ذالك شئ "ساهل حالو" ولكن لما تحمله في طياتها  من زور وبهتان, وان ذالك لخطير لو كنتم تعلمون ,ومع ذلك ملكت أن أقول في نفسي "شكون أنا؟!.. مواطن كمثلك ومثلي له حقوق وعليه واجبات ابن تسع كما أنت تماما إلا أن تكون ابن سبع فتلك "هضرة أخرى".

وبأدب واحترام قلت

•-       أنا لم أسب أحدا ولم أتهم شخصا بعينه، ما قلت غير الحقيقة والتي هي ماثلة أمامكم.

استشاط غضبا وانطلق كالكلاشنيكوف.

•-       الحقيقة ؟!.. الحقيقة ستعرفها الآن.. أنت "سلقوط" وما مربيش وأنا من سيعلمك كيف تخاطب أسيادك. أنت متهم بإتلاف الملك العمومي, وعرقلة حركة السير وسب المسؤولين, وفوق ذلك سب المقدسات, وهذان - وأشار إلى الشرطيين من جديد - شاهدان على ذلك.

فظهر الفزع على محياهما ودارت عيناهما في محجريهما ولم ينبسا بحرف.

كاد يطير "الفرخ" من رأسي من هول التهم, ولكني استطعت السيطرة عليه, ولكن لوني مع ذلك انخطف, واصبح في لون طلاء جدران المدينة, وتسارعت دقات قلبي، أواه كل هذه التهم, ومن فوقها سب المقدسات, هذه وحدها تكفي للزج بي في "عكاشة" أو أحد أخواته حتى حين أي باطل هذا يا رب السماوات.

* * *

طابت مؤخرتك بالجلوس فوق الكرسي, ونشف حلقك من كثرة الأجوبة والعطش, وطنت طبلتا أذنيك من كثرة السؤال وتكراره.

ولكنك مازلت مصرا على رفض وضع بصمتك على ورق زين بما لم يصدر عنك, من ذا الذي يلقي بنفسه إلى التهلكة، رغم كل السباب الذي شنفوا به سمعك, رغم كل الإهانات والاستفزازات, حتى عندما ألمح مستجوبوك إلى أجلاسك على "القرعة" لم تنهار, رغم الفزع الذي ألم بك فبدأ على محياك بانخطاف اللون, وعلى يديك بارتعاشة بالكاد سيطرت عليها, وخوفك من تنفيذهم للفكرة, من يمنعهم لو شاؤوا ؟!! قال لك كبيرهم وهو يتجرع الكولا من قنينة صغيرة ويتلمظ منتشيا بين كل جرعة وأخرى, وريقك ناشف.

•-       لدينا من الوقت ما يكفي لاستنطاقك حتى تقر.. ومن الوسائل ما يجعلك تبوح بكل أسرارك, ولو أردنا لأرغمناك على القول بأنك ضاجعت أمك, ولنفعلن لو نشاء. أريت هذه وأشار إلى القنينة - ما قولك لو اضطررناك إلى الجلوس عليها وغمز بعينه وضحك فضحك الزبانية.

خفت أن يفعلوها, وقلت في خاطرك, هؤلاء قوم مازالوا يعيشون في غياهب الظلمات, لم يغش النور أعينهم بعد ,إنهم كالخفافيش, يعيشون في الظلام ويخشون نور الشمس. والشمس قد أشرقت, وعم نورها, وهؤلاء لابد مدركهم فمهلكهم أينما كانوا, هبت الريح, ونشرت المراكب أشرعتها وأقلعت, فمن تأخر أو تعذر عليه أن يقطع تذكرته على متنها ,عصفت به العواصف وسحقته اللجج.

« « «

نظرت إليهم فصغروا في عيني حتى بدوا كتوافه الحشرات مما تسحقه الأحذية ولا تبالي, وقلت في خاطري.

•-       حتى إذا قلنا دفنا الماضي, أتتك بعض الوحوش الضواري ممن أخطأته عوامل التعرية والانقراض, وقالوا أنا على سنن الأولين نمضي ولا نبالي وعضوا عليها بالنواجذ.

* * *

أخذت نفسا عميقا وأغمضت عينيك محاولا أن تتوهم نفسك في حلم ثقيل قبيح مخيف وستصحوا منه الآن.

 

 

محمد أبو ناصر


التعليقات




5000