..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


اخطبوط التسول يصارع ديمومة الحياة

آمنة عبد النبي

  

* حلم طفولته من شريط الامنيات يصبح سماكاً؟!

* التسول (برضيع) جريمة الامومة المتحجرة

* عجوز منسية بين القمامة، تستغيث

* الشرع يحفظ كرامة الانسان بالبحث عن العمل

* خطة أمنية كبرى سنقضي بها على التسول

تحقيق/ آمنة عبد النبي

         لقاء علاء

         دينا الموسوي

عدسة/ صباح الامارة

  

توارى معنى الطفولة عن عالمه ولم يتسع ربيع الحلم لقدميه الصغيرتين ووجه الشاحب فتحمل بجسده الهزيل عبء الحياة وقلقها المعتاد مبكراً بصحبة عربة طافحة بالأسماك كان يجر أذيالها منذ ساعات الفجر الأولى ليفترش احدى زوايا الشورجة ذلك السوق المكتظ كعادته بضجيج الباعة والغرباء والمتسكعين...

انه (أمير) الفتى العراقي الذي لم يتجاوز عداد سنواته السبع، كان بامكان القادم أن يلمح بغرابة في وجهه الأسمر مسح كبرياء ورباطة جأش تصر عليها عينياه البريئتان بقوة كلما احاطتهما أغلال الاتكال والذل والمسكنة، الجميع في منطقة الشورجة كان يعرف (أمير) الصبي المشهور بشجاعته ونشاطه،اجتاحه الخجل للوهلة الأولى وأجابنا بصعوبة حين اقتربنا بشراك أسئلتنا من عالمه الصامت مجيباً بتمرد: أريد أن أصبح سماك مثل أبي، أنا أكره المدرسة ولا أرغب بالتعلم أبداً؟!

يحصل (أمير) يومياً على مبلغ يتجاوز الأربعين ألف دينار كحصيلة لبيعه السمك الذي يقوم والده باصطياده من نهر دجلة، الرغبة الشديدة التي كان يحملها ذلك الكائن الصغير في التخفيف عن مواجه والده المثقل بهموم المعيشة أثارت غمرة زهونا وفخرنا من جانب وتركت في ذات الوقت تساؤلاً، لا نعرف لماذا ظل عن سبيله الجواب:

ترى ما هو مستقبل ذلك الطفل الذي لايجيد من اللغة حتى القراءة، بعد بضع سنوات؟ وهل من المنصف أن، يكون كل رصيده ومستقبله من شريط الأمنيات يصبح سماكاً في عصر اجتاحته العلوم والحداثة والتكنولوجيا!!

أليس هنالك من يلتفت الى ازاحة مذاق العوز والحرمان عن أفواه تلك العوائل سوى عن طريق تحسين أحوالها المظلمة أو انارة دهاليز عيشها بحضارة الضوء والمستقبل، عسى أن يعاد شيء من معنى البراءة المغيب خلف ثيابهم الرثة ووجوههم الكالحة ويساعد هؤلاء الصغار في أن ينعموا كغيرهم من أطفال العالم بدفء أسري وملابس جميلة وينالوا قسطهم الوافر من التعليم والمستقبل والحياة..

  

أصغر بائع في (الرشيد)

لم يفلح وجهه المتسخ وفمه الأحمر بتضييع ملامحه الملائكية انه (كرار) الطفل المحارب ذي الست سنوات وأصغر بائع بلا شك في شارع الرشيد، التقيناه بادئ الأمر على مبعدٍ من مكان وقوف عربته التي تراصفت على سطحها كؤوس (حبيبات الرمان)،عرضنا عليه من باب العطف والاشفاق مبلغ من المال فأذهلنا برفضه المطلق أخذ المال دون مقابل ووقفنا في حيرة من أمر ذلك الطفل الذي من المحال أن يفهم تماماً من في سنه معنى الكبرياء والكرامة وعزة النفس..

أمام اصراره المنقطع النظير تهاوى الحاحنا المتواصل، فأذعنا له صاغرين ومنقادين خلفه ، وهنا سقط منظر نادر في روعته حين وقف ليبيع لنا من خلف عربتة لم يكن يظهر من جسد (كرار) سوى رأسه الصغير وكفيه المنشغلتين بتعبئة كؤوس الرمان التي كنا نتناولها ونحن منصتين الى ما يقصه لنا هو وشقيقه (علي) ذي العشر سنوات عن حياتهم وعائلتهم.. يقول علي وكرار: حال انتهاء وقت المدرسة التي نسكنها ونتعلم فيها في الوقت نفسه نتجه مباشرة الى جر العربة وتهيئتها فهي العمل الوحيد الذي نستطيع من خلاله اعانة والدينا.. أكثر ما أثار ا ستغرابنا انه بالرغم من التعب والاعياء الذي كان بادياً على وجه الصبيين الا انهما كانا مصرين بشدة على الاستمرار بالعمل بنفس اصرارهما على الاستمرار بالدراسة ولا يفكران أبداً بتركها رغم طبيعة وخطورة ذلك العمل الشاق بالنسبة لمن في مثل أعمارهم..

  

مهنة التسوّل؟!

مفارقة مخجلة ونظرة احتقار بلاشك تنتهي اليها مخيلة كل من كان ينظر أو يسمع أو يقرأ عن قصة اصرار الأطفال (أمير) و(علي) و(كرار) على مواصلة اجترار الواقع المعيشي المربك رغم قساوته من جهة والى ما اختاره على مبعدٍ من هؤلاء الصغار أحد الشباب المتسكعين والذي لم يترك لنا خياراً سوى التيقن من امتهانه التسول والخداع بسبب ما أنعم عليه الله (عز وجل) من بدنٍ صحيح ونضج عقلي يبعد بمساحة تفكيره وهضمه للحياة بعشرات السنين مقابل السنوات القليلة التي عاشها هؤلاء الصبية الصغار من جهة أخرى..

خرقة ممزقة كان يلف بها رأسه وبضع كلمات مستنسخة يرددها لكل من يلاقيه، كانتا الملامح الجنونية المفتعلة والاسلوب الاستجدائي المهين باستخدامه وتوظيفه كباضعة يدور بها يومياً بين ضجيج الأزقة والشوارع وأصحاب المحال التجارية لعله يظفر بمن يرمي بفتات الممن في بركة ماء وجههِ المهدور وكرامته البخسة التي خصها الباري بدرجة من العزة وترتقي عن جميع الكائنات حتى أصبحت أكرم من البيت الحرام..

حاولنا أن نقوده بطرق معينة الى خلق قناع الكذب والتكلم سراً عن الأسباب التي تؤدي وللأسف بشاب مثله الى التسوّل وشحذ الشتيمة بالأخرى دون المال في أغلب الأحيان خصوصاً ممن كانوا في سنه، ولكن كعادته المتبعة مع الآخرين حاول اقناعنا بحالته الرثة وجوعه والأدهى من ذلك كله هو عدم قدرته الصحية على العمل؟! وطلب منا بعد سيل من الشكاوى والتباكي والتسوّل باسم الأنبياء والصالحين والأولياء، في أن نساعده غير انا رفضنا ذلك متخذين وجهة أخرى وتدعيماً لما نحمله في تصوارتنا المجتمعية من ايمان بضرورة وضع حد لأمثال تلك الظواهر الاجتماعية المعيبة والتي استشرت بسلبية ملفتة ومتسارعة في السنوات الأخيرة.. وتحت أنظار الجميع..

  

غادره العمر ولم يغادر كبرياءه

شيخ على مشارف محطة السبعين من العمر كما أنبأتنا لحيته البيضاء وتعاريج الشيخوخة التي تسايلت على وجهه ورقبته، لمحناه يتنقل بحراجة وصعوبة أرذل العمر ليشحذ الرغبة من أفواه الآخرين لعلهم يبتاعوا منه (علب الكلينكس) التي كان يجوب حاملاً اياها بين أسراب السيارات منتهزاً فرصة توقفها لبرهة قرب احدى نقاط التفتيش العسكرية المتوسطة لساحة الخلاني وجسر السنك..

شعور يدمي العين ويشطر القلب الى نصفين هو بالتأكيد ما يتسلل الى كل من كان يراه ولا ريب أن يكون أول ما خالج أرواحنا الخجلاوات من معاناة وبؤس ذلك الكهل الذي غادره العمل ولم يغادر كبرياءه، وهو ما أكده حين اقتربنا لشراء بعض العلب التي كانت بحوزته، فرحة مفرطة ارتسمت على وجهه مضيفاً اليها دعواته الصادقة الى الباري بحفظنا ودفع الأذى والمكروه عنا، غادرناه ونحن نحمل من ارادته التي لم يتبق من عمره الا القليل، درساً بليغاً بمعنى الكرامة الانسانية وقيمة العزيمة التي تصر على أن تكتم أنفاس اليأس والمنة والاتكال في يوميات ذلك الرجل المسن الذي كان يحارب طوال ساعات النهار وتحت لسعات البرد في سبيل الحصول على رزقه بقواه الضئيلة بعيداً عن منة الآخرين أو اللجوء الى التسول كما فعل من يصغرونه بعشرات السنين.

  

شراسة قدر وشيخوخة تستغيث

يبدو كما اكتشفنا أثناء رحلتنا الصحفية في مناطق شتى من العاصمة الحبيبة بغداد، بأَن، رحلة أرذل العمر لكبار السن لم تنته عند ذلك الشيخ الراكض بين زحام السيارات بخطى مثقلة وأخرى يسكتها الارهاق وسط ساحة الخلاني وصبر السكن، وانما كان لنا موعد قد يكون الأشد ايلاماً من حال جميع من التقيناهم وهو ما بدا جلياً حين أزحنا النقاب عن وجهه المنسي..

(أم حيدر) الأرملة العجوز والمنسية بسنواتها السبعين في ركن مهمل من زوايا منطقة الصدرية أول ما أثار فينا الاحساس بالوجع وحين اقتربنا بروية من جلستها البائسة، هو لون العباءة التي أحالتها حرارة الشمس وشراسة البرد والفقر من اسودادها الطبيعي الى ا لرمادي المحمر، الجلوس بجوار حكايتها المبهمة هو ما كان يراودنا ايذاناً ببدء سلسلة طويلة من حديث أثارت حفيظته مجموعة من علب وقماقم البيبسي الفارغة المتكورة بجوارها وأيضاً افتراشها الأرض لوثيقة رسمية تعلو جهتها اليسرى صورة لشاب لم يتجاوز عمره الخامسة والعشرين.

أول أسئلتنا لها عن هوية ذلك الشاب، فردت باكية وهي تصفع جبينها بحرقة: هذه شهادة وفاة ولدي الوحيد الذي استشهد في احدى الانفجارات الارهابية التي طالت منطقة الصدرية، انه قرة عيني وحبيبي ومعيلي، غادرني مبكراً تاركاً اياي وشقيقه المقعد.

قاطعناها محاولين تهدئنا بالقول، ألم تعوضك الجهات المسؤولة براتب تقاعدي أو تعويض عن ولدك الشهيد.

ردت بلهجة يائسة: نظراً لعدم امتلاكنا ومنذ سنوات للبطاقة التموينية والوثائق الرسمية، كوننا مهجرين من محافظة الموصل فلن نملك أي دليل يثبت حقوقنا هنا لقد عانيت الفقر والجوع فلا معيل لدي وكل ما أحصل عليه من رزق هو نتيجة بيعي قواطي البيبسي الفارغة بأجور زهيدة بالكاد تكفي لدفع ايجار غرفة أسكنها في منطقة الفضل..

  

جريمة الاستجداء بالرضع

يبدوان اخطبوط الاستجداء الذي استهواه بعض المتسكعين من الشباب والشابات لم يسلم من أذرعهِ الممتدة ليشمل حتى حديثي الولادة (الرضع) هؤلاء الكائنات الملائكية، التي حملتها مخالب البشر وشراسة قلوبهم المتحجرة الى التلحف بألسنة البرد شتاءً ولسعات الشمس القاسية صيفاً..

الشابة (ب) والتي تبلغ من العمر (16) سنة كانت احدى المستجديات لعطف الآخرين بواسطة طفل رضيع لم يتجاوز عمره الستة أشهر غافياً بين أحضانها.. (ب) غير متزوجة وأدعت ان لديها ثلاثة أخوة عاطلين ووالد كبير بالسن وهي تجلس بإبن أخيها (الرضيع) طيلة ساعات النهار بانتظار ما يرميه لها المارة..

بادرنا (ب*) بالسؤال عن امكانية امتهانها لبيع الخضرة كونها أبسط الأشياء مردوداً مالياً واجتماعياً يؤمن لها خوض غمار الرزق الشريف والعيش بجهدها بدلاً من الجهد المسروق من الآخرين...

أجابتنا بالصمت المطبق والذي ترجم لنا أبلغ الكلمات بأن التسوّل والتسكع أصبح مهنة، بل أسهل المهن وأقربها لدرجة أدمن عليها البعض سيما المعافون حتى عند توفير الفرص.

 

بثوب الخديعة.. يتسوّلن؟!

لم تترك خياراً للناظر الى وجهها المنتعش وثيابها المرتبة وقوامها الممتلئ، سوى السخرية والاستخفاف بخديعتها حين يعلم بأنها متسولة وان الحياة جردتها من المعيل ولا تملك ما يؤهلها صحياً ونفسياً واجتماعياً؟! في الحصول على أبسط الأرزاق التي كان يقتطعها في الوقت نفسه وفي أسوء من وضعها، أطفال دون سنة السادسة ومسنين تجاوزوا السبعين..

لم تبالي قط حين التقطنا لها بعض الصور وما شعرت بحراجة على الاطلاق لمّا دنونا لمعرفة حقيقتها الزائفة بلاشك حين قالت: أنا أتسوّل لأعين زوجي الذي يمتهن بيع (لفافات الحب) أخرج يومياً من الصباح وحتى نهاية العصر متجولة بين الأسواق والمحال التجارية ومستغيثة بالمارة لمساعدتي؟!

وهنا انبرى سؤالنا: ولكن أنتِ بصحة جيدة ويبدو من ملامحك لم تتجاوزي الثالثة والثلاثين من العمر، أليس الأجدر بك أن تمتهني أي عمل يؤمن لك الرزق عوضاً عن هذا التجوال الذي حتماً يعرضك كامرأة تطلب العون وهي قادرة الى دفع مقابل، ردت بلائحة من الاعتذار أولها عدم وجود فرص عمل وانها مهجرة وتسكن بالايجار ولاتملك بطاقة تموينية.. و... و..؟!

  

شرعاً لايجوز التسوّل

المنظومة الاسلامية وما خطته أنامل الشريعة السمحاء كيف تنظر يا ترى الى ظاهرة تحول التسوّل الى مهنة والاستجداء طريقة للعيش هو ما أشار اليه الشيخ (علي الفؤادي) قائلاً:

قبل الاجابة عن هذه التداعيات المجتمعية لابد من المرور قرب المنظومة الاسلامية الأخلاقية التي حثت على الاهتمام بالفقراء وقضاء حوائجهم لذلك نرى بالمنظومة الدينية أحاديث كثيرة على التصدق على الفقراء وتقديم يد العون والمساعدة لهم فورد في الحديث (أن صدقة السر تطفئ غضب الرب) فهذا الحديث فيه دلالة على احترام كرامة السائل وعدم اهانته ومثال آخر يضربه الامام علي (ع) حين يقول للسائل أكتب حاجتك على الأرض وانصرف حتى لا يرى ذل السؤال في وجهه، كل هذا بالنسبة الى الفقير المستحق فعلاً، أما ظاهرة التسول المنتشرة في المجتمع اليوم فهي غير حضارية أولاً وثانياً غير شرعية ولا يجوز للانسان أن يتخذها مهنة لما فيها من ذل واهانة خلافاً للآداب الشرعية التي تحث على حفظ كرامة الانسان بالعمل، لذا أقول يجب على الجهات الحكومية الراعية لهذا المجال ومؤسسات المجتمع المدني أن تأخذ دورها في بالتثقيف الصحيح وانتشال هؤلاء سواء كانوا أطفالاً أو نساءً أو شباباً أو كبار سن وابعادهم عن الطرقات وجعلهم في درو الرعاية الى جانب توفير فرص العمل وظروف العيش الملائمة لهم..

 

أجندة البحث العلمي

الرؤية التي ينظر من خلال عدستها البحث العلمي الى الأسباب الخفية والمعلنة لتلك الظاهرة باعتبارها سلوكاً اجتماعياً خطيراً ويستدعي المعالجة الفورية، ترجمها لنا بكل شفافية الباحث العلمي (علي جاسم السواد) متحدثاً:

هناك علاقة طردية بين الحالة الاجتماعية السائدة في مجتمع ما وبين تفشي هذه الظاهرة فيه فكلما زادت حجم المعاناة التي يعيشها الفرد على الصعيد الاقتصادي والثقافي داخل المجتمع فان الرسم البياني لانتشار هذه الظاهرة يتجه نحو الارتفاع وذلك بسبب جذرية العلاقة بين العوامل والأسباب التي تبلورت وأدت بالنتيجة الى تكوين شخصية المتسوّل فضلاً عن الأسباب المادية والتي قد تتضح ملامحها بعد الممارسة الفعلية للظاهرة، بمعنى ان المتسوّل ليس بالضرورة انسان مخادع أو كاذب يحاول استمالة الناس وكسب عطفهم من خلال أساليب متعددة، بل ان أغلب هؤلاء المتسولين خضعوا لتجارب اقتصادية واجتماعية مريرة قادتهم بالنتيجة الى هذا المستوى المتدني، فضلاً عن ذلك فان عامل الربح والأموال التي تأتي بسهولة لعبت هي الأخرى دوراً في ادمان الكثير على هذه الظاهرة التي تحولت بمرور الزمن الى مهنة لها قواعدها وشروطها التي لايعرف مكنوناتها الا المتسولين أنفسهم، فرأسمال المتسوّل هو التوّسل والاسترحام من خلال استخدام العامل الديني البحت وبالتالي فان قد يجد أساليب جديدة أكثر اقناعاً سيما في المناسبات الدينية.

والرؤية التي ينظر من خلالها البحث العلمي الى هذه الظاهرة تنطلق من جذريتها والعوامل التي أدت الى صيرورتها الاجتماعية باعتبارها سلوكاً اجتماعياً يمارس بشكل يومي من قبل شريحة واسعة وباعمار مختلفة، وهذه السلوكيات أخذت تتسع بسبب الظروف الاقتصادية المحرجة التي عاشها مجتمعنا خلال فترة التسعينات والفترة الحالية نتيجة ضعف اهتمام الدولة بالجانب الاجتماعي وتركه خاضعاً للاجتهادات الشخصية، فمتطلبات النهوض بهذه الشريحة وتأهيلها بشكل يبعدها عن ممارسة التسوّل تستدعي وجود خطط متوازنة تبدأ من تفعيل شبكة الحماية الاجتماعية من خلال حصرها بهذه الشريحة وكذلك زيادة المبالغ المخصصة لهم، فضلاً عن توعية الجماهير بخطورة تفشي هذه الظاهرة، فاستخدام القوة والحملات المستمرة لايمكن أن يمثل حلاً جذرياً للحيلولة دون استمرارها، بل على العكس من ذلك لابد من وضع برنامج وطني يتولى مسؤولية ايجاد البدائل وسبل العيش الكريم وتخصيص رواتب شهرية لهم ومن ثم اصدار قانون يعاقب كل من يمارس التسوّل في الشوارع، بمعنى ان العلاج لاينحصر على استخدام القوة وحدها والاستغناء عن الطرق الاجتماعية والاقتصادية، بل من خلال الاثنين معاً.

 

سنقضي على ظاهرة التسوّل

وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، الشريان الدافق لنبض الحياة والموكل اليه مهمة توفير سبل العيش ا لكريم للمعوزين، كان للمسؤولين فيها رأي عن اسقاطات تلك الظاهرة وافرازاتها على الواقع العراقي الجديد وعلى لسان وكيل الوزارة متحدثاً:

هناك دلائل واشارات موثقة تدل على ان هؤلاء المتسولين والمتسكعين ليس جميعهم معوزين وانما اتخذت الظاهرة المشينة تلك كمهنة يومية ووسيلة للعيش من خلال استعطاف الآخرين بدليل تم استدعاء بعضهم الى الوزارة وحاولت الوزارة تخصص لهم رواتب واعانات لكنهم رفضوا ذلك والسبب هنا بالتأكيد هو قلة المورد المخصص مقابل موردهم الذي يحصلون عليه، ولو جئنا الى مشروعية تلك الحالة المشينة نجدها ممنوعة بموجب قانون العقوبات العراقي والجريمة الكبرى الى جانب الاستجداء والتسوّل هي أن يمتهن هؤلاء أشخاصاً عاجزين أو أطفال أو معوقين وربما تكون جريمة المتسوّل  غير المعوز لا تفوق جريمة الآخر المستخدم لغيره، لذلك وضعت وزارتنا وبالتعاون مع وزارة الداخلية ووزارة حقوق الانسان وخطة فرض القانون خطة أمنية كبرى ببرنامج اجتماعي مدروس يأخذ على عاتقه أولاً الأطفال ممن له القدرة على التسوّل الى حد عمر ثمانية عاماً فتبّلغ أسرته رسمياً أما بالتكفل المعيشي ورعايته أو أن يوضع في دور الرعاية اذا كانوا عاجزين عن رعايته، وقد بدأت هذه الخطة في محافظة كربلاء لمحطة أولى ونحن الآن بانتظار انعكاساتها من خلال تشخيص السلبيات والايجابيات وشمولها لباقي المحافظات..

 

 

آمنة عبد النبي


التعليقات

الاسم: حسين احمد حبيب
التاريخ: 24/07/2014 16:23:06
تحية لك على تحقيقاتك..ودمتم..

الاسم: اسامة السلطان
التاريخ: 13/07/2009 06:35:05
فكرة جميلة ..
ان تنشر التحقيقات بالموقع

الاسم: الرسام
التاريخ: 30/06/2009 20:35:13
سلمت يداك عل عمل التحقيقات

مجدي الرسام

الاسم: وائل
التاريخ: 30/06/2009 19:57:54
ماأجمل ان تصارع الحسناوات الاخطبوط.. انهن جميلات!!

الاسم: صحفي متابع
التاريخ: 30/06/2009 14:16:39
الاعلامية امنةعبدالنبي
بودي وانا احد قرائك ومتابعيك ان تردي على المعلقين لان نجاح المقال حين يناقش وتتبادل الاراء فيه ومن اصول المهنية ان يكون الحال هكذا,! على الاقل في موقع النور بالذات لانه يشكل روح العائلة الواحدة ,,اذكرك عسى ان تنفع الذكرى زميلتي المهنية الرائعة ست امنة لان مواضيعك مهمة ونريد لصداها الكمال
دمتي

الاسم: التشكيلية ايمان الوائلي
التاريخ: 30/06/2009 11:24:05
العزيزة جدا
آمنه عبد النبي ..
آه من جراحنا ماأكبر عمقها وما أشد المها .. وانت اليد التي تمتد من السماء ليخفق لها القلب وتسعد بها العين
فترفع عنا الحيف بأطلالة كأنها الشمس التي تحاول ان تزيل كل ظلام وتمحو كل غبار ..
شكرا لك سيدتي الكريمة جهدا تبذلينه وغاية سامية تنشدينها وقبلة على جبينك .
محبتي سيل عارم وريح طريه
سلاما لهيبتك

الاسم: محمد الربيعي
التاريخ: 30/06/2009 10:23:16
عاشت يداكي ايتها الجميلة والمبدعة والفنانة التي اشرقت في هذا المجال احسنت في كل ماتكتبين واتمنى من الله ان يوفقك في كل انجازاتك واتمنى الموفقية والنجاح
مع فائق تحياتي واحترامي
محمد الربيعي

الاسم: ثائرة شمعون البازي
التاريخ: 30/06/2009 08:48:48
الرائعة آمنة عبد النبي

خطوة جميلة وجريئة تتخذيها وفريق عملك لتطلعينا على واقع مر مؤلم جدا, اتمنى ياآمنة ان تتواصلي بنقل تلك الصور واتمنى من يهمه الامر ان ينظر ويتذكر وان لا ينسى.

تحياتي القلبية

الاسم: وفاء عبد الرزاق
التاريخ: 30/06/2009 08:06:48
حياتي
تحية لك ايتها الرائعة
فعلا نحن بحاجة الى تسليط الضوء على هكذا حالات
" فذكر إن نفعت الذكرى"

لكن...
ليت هذه الذكرة تنفع مع المسؤولين.

الاسم: رافد
التاريخ: 30/06/2009 06:12:00
تحية الى الاعلامية المبدعة امنة عبد النبي وزميلاتها ,
تحقيق رائع , وتعبير اروع , الله يحفظك.

الاسم: غفار عفراوي
التاريخ: 29/06/2009 19:32:45
المبدعة امنة عبد النبي وزميلاتها المبدعات
سلمت ايديكن وشكرا لكن على هذا التحقيق الرائع والمفيد واسمحن لي بان انشره في احدى الاصدارات الثقافية

الاسم: ماجد الكعبي
التاريخ: 29/06/2009 16:30:41
المبدعة آمنه
إن موضوعك إخطبوط التسول يصارع ديمومة الحياة
ينبغي بل يجب أن يحظى باهتمام كبير , ومتابعة جادة من قبل الرأي العام ومن قبل من يهمه الامر .
وكنت بحق متمكنة ومقتدرة وجذابة ومتميزة , في طرح موضوعك الاجتماعي والإنساني الذي له التصاق كامل بوجع العراقيين , ومعاناتهم القاسية , ومنغصاتهم المرة , ومكابدتهم المريرة .
الإعلامية الرائعة آمنة عبد النبي
أنت وأمثالك ومن خلال أقلامكم الموجعة والمقهورة , اقدر ما تكونون على تضميد الجراح والجروح وتنشيف الدموع والآهات , وتحقيق ما نربو أليه من ازدهار وتطوير نحو السمو والتقدم , وركل كل مخلفات الماضي البغيض من فقر وفاقة وتسول وجوع وحرمان , وفتح نوافذ الأمل والإشراق والسعي الحثيث المثابر نحو الأفضل والأكمل لحياة أجمل .
فالسعي للعلياء مقياس لهل
وبه مكانات الرجال تقاس
واليد الواحدة لا تصفق ,,, وإحدى اليدين تغسل الأخرى . وأخيرا علينا جميعا أن نضع يدا بيد ونسير بشموخ وثقة إلى مرفأ الاستقرار والسلام ورغد العيش الكريم , متمنينا للجميع السعي للعمل المبدع الخلاق .
تحياتي
ماجد الكعبي

الاسم: وائل مهدي
التاريخ: 29/06/2009 16:12:13
ايتها الآنسة آمنه عبد النبي ..
لهذه المقالات و لهذه الجهود أنا أطرب .. اينما كان المحروم المستضعف .. نمد جسور كلماتنا اليه و نفضح سوء واقعنا المخزي بهذه الصور و هذه الشفافية . بعد سنتين سيمتليْ واقعنا الحقير المفضوح للعالمين بأيتامنا و فقرائنا و أراملنا التي تنام أمام مستشفى ابن البيطار و تخرج من أجسادهن الدود ..سنكون نحن الوارثين بالحق لمئة عام من العزلة كما أشار غابريل غارسيا ماركيز .. لحماقتنا الف تفوه و بصقة على الجبين .. و لجبننا، أنهار دمائنا التي تغور في الأرض لتتحول الى بترول لدبابات من أغتصبوا ترابنا ..
لهذه الأجيال .. التي تعيش بهكذا مآزق الف قبلة اذا تحولت الى سُراقٍ او مجرمين .. فنحن من الآن نمهِد لهم الطريق .. كما ترين !!!!!!!!!طوبى لعراق يقوده مجرم و يعيش فيه من دفعناهم بأن يكون مجرمين صغار.. يبدوا يا آمنة أن الحال سيسؤ أكثر ..!!!!

الاسم: خليل ياسين
التاريخ: 29/06/2009 11:30:02
من المؤسف والمحزن في نفس الان ان نرى اطفالنا في عراق النفط والرافدين والخصب يتسولون في الشوارع ، وطبعا باقي بلداننا العربية ، ان المتسول - على الرغم من وضاعة السلوك- ليس مسؤولا عن تسوله ، وانما الاوغاد المسؤولين الذين يترفون انفسهم وعائلاتهم بملايين الدولارات ونحن نطحن بين حجري رحى الفقر والاهمال .
حلوة يا امنة وجميل هذا الموضوع الذي يجب ان يسلط الضوء على سبب التسول وليس على التسول ذاته كنتيجة لاسباب السرقات والنهب التي يقوم عليها نظامنا العربي البائس.
سلم يداك

الاسم: جبار عودة الخطاط
التاريخ: 29/06/2009 10:58:52
الاعلامية المبدعه آمنه عبد النبي
تحية عراقية
سلمت لتحقيقاتك الجميله واختياراتك الموفقه
كل الود والاعتزاز




5000