..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الليبرالية والمجتمع المدني

عباس النوري

كثيراً يتصور البعض بأن أي مصطلح لفكرة غير مأخوذٌٌ بها بشكل واسع في مجتمعاتنا العراقية, على أنها فكرة مستوردة وقد يطلق عليها كافرة ملحدة وبالتالي تحارب من قبل احزاب وتجمعات من أجل استمرار استغلال الإنسان العراقي.

وليس من المعقول أن يحكم على فكر ينادي بالحريات الشخصية واقتصاد الحر بأنه فكر غريب على واقعنا وغربي الأصل فهو إذن غير مقبول. لعل فترات المجاعة التي مر بها الشعب العراقي في فترات تاريخه بات سرداً تاريخياً لوقائع حدثت دون أن يشار لما عاناه الإنسان, وما أدى من تغيير في التعامل والتطور من اجل التوصل لحلول تقيه شرور الأزمات. حتى في فترة الحكم الديكتاتوري وكثرة الحروب الداخلية والخارجية والحصار جعل من العراقي مبدع ومنتج ليكتفي ذاتيا وقد استمر في الحياة, لأنه اتخذ مسارا حرا في التفكير والبحث المستمر لحلول تقيه الجوع والعوز.

الذي أريد قوله بأن العراقي ليبرالي الجوهر وإن كان لم يستعمل المصطلح بل تفاعل معه واتخذ طريقه لأن طبيعة الإنسان مندفع نحو الحرية والسعي وراء الاستمرار في الحياة مجابهاً كل الظروف الصعبة. وإن بدى للبعض أن العراقي يتأخذ إتجاهات متنوعة وذلك للوقاية من التسلطة والوقوع في فخ المتسلطين, فتظاهر المودة لهم لدفع البلاء. لكن إذا بحثنا عن ذات الإنسان العراقي وتطلعه الخفي نراه يميل كل الميل لحريته الشخصية في التفكير والعمل التثقيف والانتماء الحقيقي الذي أجبرته الظروف لكي لا يبوح بها...وإن لم يستخدم مصطلح الليبرالية. لكنه في كل الأحوال نادى بالحرية وكافح من أجله وتحمل المشانق والسجون وكل انواع التعذيب.

وعلى الباحث السياسي لتاريخ العراق وتطور العراقي أن يلاحظ سلوكية الفرد وتطورها, من خنوع وانعدام المعرفة لرافض للظلم والاستبداد ومثقف متطلع لديه القدرة على التخاطب وفرز الحقائق. هذا التطور المستمر يوحي إلى أن ماهيه الإنسان العراقي ليبرالي بالفطرة. وهذه الدعوة ليست مخالفة عن الدعوات الدينية بكل اشكالها. جميع الأديان هدفها النهائي اسعاد البشرية من خلال تهيئة مناخات مناسبة يختارها الإنسان بمحض ارادته. فليس هناك إجبار للتمسك بأي فكر أو عقيدة, والدين الإسلامي خير دليل بغض النظر عن الممارسات الخاطئة لهذا الدين. حيث يقول الله تعالى: (لا إكراه في الدين) ويقول: ( من شاء منكم فيؤمن ومن شاء فليكفر) ( إنا هديناه النجدين أما شاكراً وأما كفورا). لكن من استغل الأديان لخدمة مصالح ضيقة جعل التنفر من التدين أكثر من الأقبال عليه, ولعل ظاهرة الانتقالية لدى العراقيين والتحول من اتفاعلهم مع فكرة لأخرى خير دليل على أنهم يريدون الاستمرار في الحياة وليس ذلك التحول السريع نابع من ايمانهم بتلك الفكرة او هذه. يقال أن الشعب العراقي كله او الأكثرية العظمى كانوا بعثيين, وتراه اليوم بعد التغيير, الأكثرية العظمى اسلاميين.

لعل الباحث عن حقيقة المجتمعات العراقية اذا ركز على سلوكية الفرد في المجتمعات العراقية المختلفة سوف يلاحظ أن التعامل الليبرالي كان موجودا دون ان يعرف الناس أن تصرفاتهم ليبرالية. لكن يبقى هذا المصطلح لفترة طويلة غريبة وغربية على أذهان كثير من العراقيين وهنا يأتي واجب المثقف الواعي ان يدرس ماهية وجوهر الليبرالية لكي ينقلها للمواطن العراقي بالطريقة التي يسهل فهمها وهضمها لكي تنتقل من مجرد مصطلح لمفهوم يمكن تطبيقه على أرض الواقع. ولأضرب بعض الأمثلة على بساطة الليبرالية حين استخدامها قديما بين العراقيين وبشكل عفوي ...حديث يدور بين أثنين أو أكثر, وعندما يرى أحدهم أن ما تطرق إليه صاحبه لا يتفق مع الاحساس الداخلي ...يرده ويقول (هذا مو حق). واذا راجعنا الأمثال العراقية القديمة نلاحظ كثير من الليبرالية موجود, لكن هذا ليس مورد البحث.

ولو نظرنا للوراء قليلاً أعني في تاريخ العراق... أنهم شعب مسالم لا يحب الاعتداء على الآخرين ولكن اعتدى عليه, فاكثر الغزوات كانت على العراق ولم يغزوا العراق بلداً ابد. وهذا دليل أخر على أن الليبرالية والحرية من سماة العراقي عبر الأزمنة. المعروف من طبائع العراقيين الكرم والضيافة وحب الأخرين, هناك امور كثيرة ممكن توظيفها واسترجاع الذاكرة وتنشيطها لتقبل الفكرة بشكل واسع بين صفوف المجتمعات العراقية. أي التركيز على الأسس الإنسانية الايجابية لدى الإنسان العراقي. الشعب العراقي يعتمد على ذاته, وهذا مؤكد من أن غالبية السكان ليسوا موظفين لدى الدولة, بل هناك اصحاب الحرف, والتجار, والصناعيين, والمزارعين هم الأغلبية وهذا مؤشر لليبرالية الاقتصادية التي لا تعتمد على مصادر الدولة الأقتصادية. الليبرالية تسعى لتحجيم دور الدولة في تسيير أمور المواطن, بل تعمل من أجل تحرير المواطن من جميع القيود.

الليبرالية هي الحرية الشخصية التي انتشرت في العالم بين 1600 و1700 واخذت تتطور في 1800 من خلال الفيلسوف الأنكليزي جان لوك ( ويقال عنه أب الليبرالية). في نهاية 1600 اعطى الأيدلوجية للفكر الليبرالي, حيث انه يؤكد بأن الإنسان ليس وسيله لنيل هدف الآخرين. لكل فرد حياته الخاصة الهدف الأسمى, وحق الأول هو الحياة. ( الأستمرار في الحياة). ولهذا يتطلب عمل, والإنسان يجب أن يكون حراً لكي يستثمر هذا الحق. يجب ان يكون الإنسان حراً في استخدام عقله وجسده لكي يحصل على ملكية خاصة توفر له المجال للعيش بالطريقة التي يرتئيها. واجب الحكومة ان يحمي تلك الحرية والحق في الملكة الخاصة من أن لا يتجاوز عليها.

وقد اظيف لهذه الايديولوجية فكرة الاقتصاد الليبرالي من قبل فيلسوف الأخلاق آدم سميث في اواسط 1700. وكان من أهم الأمور التي اشار إليها هو أن الملكية الخاصة لا تتعارض مع الملكية العامة بل العكس صحيح. ( أي أن مجموع المصالح الخاصة تؤدي للمصلحة العامة). وهذا الذي يتعارض مع الفكر الاشتراكي اليساري. ولا أريد التدخل في بحث اقتصادي له مفكريه من مؤيدين ومعارضين, والمفكر الشهيد محمد باقر الصدر(قدس سره) قد أوفى في كتاب أقتصادنا التناقضات بين الملكية العامة والملكية الخاصة, والتناقض بين الرأسمالية والأشتراكية, فلا يمكن نفي الواحد وقبول الأخر. ويمكن لمن يريد التبحر في هذا الأمر أن يراجع كتاب اقتصادنا, والكتب التي كتبت عن اقتصادنا وشرحت الفسلفة الاقتصادية الإسلامية التي تعطي حق الفرد لدرجة أن لا تؤثر على حقوق الأخرين بل ولا تتعارض مع حقوق المسحقوين..وهنا أدعوا المختصين بالأقتصاد ليبينوا أوجه التشابه بين الفكر الليبرالي الأقتصادي والفكر الإسلامي الأقتصادي وما هي التناقضات.

على مدى التاريخ الليبرالي, الليبرالية كانت تقاوم كل أنواع الجبر الحكومي في الجمعيات التعاونية وتدخلها. وفي بعض الدول الأوروبية كان هناك حرب ضد مفهوم الكنسية في أجبار الناس للإستسلام لحكمها (أي سلطة الكنسية) والحكم المطلق للملك الحاكم الوحيد الذي كانوا يصفوه انه معين من قبل السماء, ولذلك الطاعة العمياء كان مفروضاً. حيث كان الناس يجبرون على أقتصاد معين وحصص توزيع محصولاتهم ... فقط قد كانت تكفي لسد رمقهم...والباقي للملك والكنيسة. في 1900 حاربة الليبرالية الحكم الشمولي والدكتاتورية وحتى الديمقراطية التي تدعو للرفاهية بالاجبار. من خلال الفرض والقوة حيث لا يجعل الأكثرية راغبة في اعطاء اصواتها في الأنتخابات لتلك الحكومة.
ليس هناك نوعٌ خاص من الليبرالية يلائم وتطلعات المجتمعات العراقية المتنوعة. فهناك الليبرالية الاشتراكية, الليبرالية اليمينة, الليبرالية العالمية او الكونية,الليبرالية الفردية. المساواة في الحقوق, الأقتصاد الحر والمكلية الخاصة. لكنني أرى أن هناك نوعٌ خاص بالعراقيين يتطور مع الزمن عند التفاعل والتوعية, وعند البحث من قبل المفكرين, فليس من السهل أن نقول نحن وجدنا اليوم الليبرالية الملائمة لجميع المجتمعات العراقية بكل ألوانها وأنواعها وأعراقها وقومياتها وأديانها ومذاهبها والثقافات المتنوعة والعريقة. المهم أننا نبدأ, وننطلق لنجعل تطور الفكرة تأخذ حريتها في التنوع والانتشار, وذلك لقبول الآخر وعدم رفض جهة معينة ولا التهجم على فكر أو عدة أفكار, أي نوع من أنواع الفرض لا تعطي نتائج ايجابية بل العكس تبعد الناس عن تقبل الفكرة وتجعلهم يبنون سداً بدل التعرف على الفكرة وتقبلها شيءً فشيء.

لقد كررت مصطلح المجتمعات العراقية, وهنا سوف أبدأ بالحديث عن السبب واحاول ربط الليبرالية بالمجتمع المدني وما المقصود من المجتمع المدني من المقهوم الليبرالي بكل اشكاله.

العراق يتكون من مجموعة مجتمعات وليس مجتمع واحد، ولابد لنا العمل بدايةً للتقارب بين المجتمعات العراقية وليس ذوبان الواحدة بالأخرى.

النتائج .. والأساليب المقترحة لبناء مجتمعات عراقية مدنية


المتفحص لهذه الدراسة)أقصد تاريخ المجتمعات العراقية) يلاحظ أن ما أتضح حول محاولة إعطاء تعريف عن المجتمع العراقي كوحدة متجانسة ليس معقولاً ولا مقبولاً، إلا إذا أردنا تصنيفه كمجتمع واحد لإسباب سياسية مصلحية ليس إلا. ولقد أثبت بالرأي القائل أن المجتمع العراقي متكون من عدد من المجتمعات لا تربطهم روابط قوية لكي يطابق عليه مفهوم المجتمع. حسب تعريف علماء الإجتماع وبإختلاف آرائهم. حتى البعض الذي ذكر تفاصيل جزئيات المجتمعات العراقية أطلق على العراقيين أجمعهم صبغة المجتمع غير المتجانس، فلا يمكن برأي أن نسمي بآن واحد مجتمع وغير متجانس، لأنه إذا تفرقت وحدات المجتمع الواحد لتباينات كثيرة ووظفت التناقضات التاريخية والعرقية والدينية والمذهبية ستكون لدينا مجتمعات متناحرة وهذا يفسر عدم التجانس.

السبب الرئيسي لوجود المجتمعات العراقية المختلفة والمتباعدة ثقافيا وتاريخياً ولغويا وعقائديا ودينيا هو رسم خارطة العراق من قبل الاستعمار لوضع كل هذه المجتمعات في مسمى واحد أسمه العراق. وحين البحث أو الإشارة لدولة العراق يكنى بالمجتمع العراقي دون معرفة أن هذه الكنية لا تتفق مع الواقع ولا مع الحقائق التاريخية ولا الجغرافية ولا الدينية ولا الثقافية، ولم أجد دليلاً واحداً أنه مجتمع واحد... وبذلك يفقد خاصية المجتمع المدني، إلا إذا حكم من قبل دكتاتور يوحد جميع القوميات والطوائف والأديان العراقية بالقوة تحت نظامٍ وضعي قسري وجاف.

أما إذا كان الحساب على اساس الأكثرية لإنتمائهم اللغوي ( العراقيون العرب ) وربطهم بالأمة العربية، فهذا (المر) فيه قساوة ومبالغة كبيرة. لكن الظروف السياسية التي أجبرت الأمم العراقية تقبل الأوضاع كما رسمها المتسلطين طيلة تاريخ العراق الحديث، يخذ العراق كبلد لإنتمائه العربي القسري وليس ذلك نابع من الأصالة ولا من القناعة. تارة نحتال على الناس وتارة أخرى نجبرهم لأمر مكره ... أو غير حقيقي ... بل نصور لهم ذلك أنها حقيقة.

أنني ارى بأننا لو وضعنا الحقائق نصب أعين المنتمين للدولة العراقية بشكلها الطبيعي والتاريخي التفصيلي دون زيادة أو نقصان، ثم تركنا الأمر لكل مجتمع من المجتمعات العراقية قبول ما يتفق مع تاريخهم وثقافتهم لحصلنا على نوعية مجتمعية مقتنعة مخلصه لإنتمائها، عوض أن ننشأ مجتمعاً عراقياً موحداً على أساس الزيف وعدم الرضى. وبذلك يمكننا أن نوظف مبدأ المواطنة، وبعدها التدرج للحديث عن المواطنة الصالحة، ويكون الإنتماء الوطني نابع من قناعة وصدق وإخلاص.

المجتمع العراقي، أو بالأحرى المجتمعات العراقية ليست مدنية لأنها مجتمعات عرقية، ولا يمكن لهذه المجتمعات التخلص من إنتمائاتها العرقية ابداً، وليس من حق أحد إجبارهم نكران الأصالة والثقافة من أجل التسمية المزيفة. هذه المجتمعات ليست مدنية ولا يمكن أن نطلق عليها المدنية إلا إذا تمسكت كلٌ بخصائصها وخصوصياتها وإلتقت في ميزان المواطنة الصالحة. فمجموعها ليست مدنية، بل يمكن إطلاق مصطلح المجتمع المدني على بعضها أو جزئيات من كل مجتمع، خصوصا المتنورين بحكم فهمهم الحضاري لمعنى المجتمع المدني وتطبيقهم وإلتزامهم قدر الإمكان بمقومات المجتمع المدني.

هل يمكن تطوير المجتمعات العراقية لكي تتقارب، وليس تتوحد، فلا أريد ذوابان الواحدة بالأخرى، لأن ذلك سوف يفقد من خصوصيات وخواص تلك المجتمعات ونضيع بذلك كنز هائل من المعلومات القيمة.التقارب بين المجتمعات العراقية مصطلح يمكن العمل على تفعليه، ويمكن بعد ذلك تطوير الأمر ليتكون لدينا ظاهراً مجتمع عراقي، والمرحلة التالية التعاون للتطوير هذا المجتمع العراقي المتقارب لمجتمع مدني على فترات طويلة بعد جهد ثقافي ومنهج علمي رصين.

أن التعددية العرقية والتاريخ المليء بالبطولات والملاحم، وكل تلك الثقافات المتنوعة، والديانات القديمة والحديثة يمكن توظيفها كعوامل مساعدة في بناء مجتمع عراقي متقارب. وتوظيف مصطلح المواطنة كمفهوم مقبول من الجميع على أسس القناعة الذاتية دون ضغوط وحسابات مسبقة، سيؤدي للهدف المرجو وهو بناء مجتمع عراقي مدني.

المجتمعات العراقية إن أرادة أن تُحترم يجب عليها أن تَحترم، وهذا ينطبق على اساس قبول الآخر واحترامه. ولا يمكن تطبيق مبدأ الديمقراطية في التغلب على كينونة كل مجتمع عراقي. أي من المستحيل أن نقول بأن الأغلبية صوت بأن يكون الدين الفلاني هو دين جميع المجتمعات العراقية، ولا يمكن أن نقول بأن أغلبية الأصوات رشحت اللغة الفلانية لغة جميع المجتمعات العراقي, ومن غير المنطقي أن نجعل الأستفتاء العام يقرر أي الثقافات نتبعها في عراقنا الحبيب. كذلك لا يمكن سن قوانين ترفض من قبل مجموعة أو عدد من المجتمعات، لأن الأغلبية الحاكمة في البرلمان لها سلطة التشريع. أي اساس يوضع في العراق له رائحة قومية، أو مذهبية يعتبر فاشل ... ويحارب.

على المفكرين العراقيين البحث للوصول لقواسم مشتركة يتفق عليه كل المجتمعات العراقية من خلال قناعة ذاتية، وليس بالتثقيف الاجباري. علينا التوصل لمنهج تربوي لتهيئة جيل جديد يقبل بالقواسم المشتركة النابعة من صميم الأمم العراقية.

- هل العراق مجتمع مدني؟
- هل يمكن تطوير المجتمع العراقي لكي يكون مجتمعاً مدنياً؟
- هل يمكن للمؤسسات المدنية أن تأخذ دورها الحقيقي لبناء مجتمع مدني؟

المدخل:

هذا البحث محاولة للاجابة على الأسألة الثلاثة، وهي محاولة لفهم واقع المجتمع العراقي عبر التأثيرات التاريخية وما أدته لبناء الشخصية العراقية. التعرف على آثار الأدوار التي مرَ بها العراق من حروب واستعمار.
وصف لجغرافية العراق الاجتماعية والتعرف على المتضادات والاختلافات والخلافات، وبمعنى آخر تشخيص الحالة تاريخيا والمحاولة لوضع حلول للعمل المستقبلي لكل ابعاده القريبة والبعيدة. ولعل القاريء العزيز ينتبه للأخطاء الفكرية والتاريخية ولا يأخذ كل ما جاء في هذا البحث على اساس الحقيقة المطلقة. فأنني أستعين بكتب وكتابات ومقالات في هذا المجال، وأعتمد على خبرتي العملية مع أجواء عراقية متنوعة ومختلفة الطبائع والأفكار. وكما أنني أحاول أن اضع خبرتي العملية في تشكيل المؤسسات المدنية داخل العراق وخارجه. وسوف ابني كثير من وجهات النظر من الاستعانة بأخوتي وأخواتي الناشطين في المنظمات المدنية العراقية الفاعلة داخل العراق. وأول ما ابدأ به عرض لتاريخ العراق القديم والحديث دون أي نقاش أو استعراض لرأي الخاص لأن ذلك سوف يبعدني عن الموضوع الأصلي...وأترك مادة التاريخ لأصحابها والمتضلعين في غمار بحورها.

أولا: المجتمع العراقي متكون من مجموعة مجتمعات غير متجانسة، ولا متقاربة من حيث الفهم الحضاري للمدنية. فليس كل من سكن المدنية أصبح مدنياً...فكثيرون يسكنون العاصمة بغداد، لكن طبائعهم وتصرفاتهم قبلية غير متحضرة (يعني ليست حضرية، بل عشائرية) ويتداولون القوانين العشائرية بدلاً من القوانين المدنية.
هل للدستور فعالية في التأثير على تطور المجتمعات العراقية نحو المدنية؟
الجواب: ليس قبل مئة عام، ولكن سيكون هناك تقبل مرغم وليس تفاعل ذاتي وناتج عن قناعة.

حقيقة واقع المجتمعات العراقية تؤكد بأن التلاحم (غير ممكن في غضون قرن) بين كل تلك المجتمعات المختلفة في الاتجاهات والأفكار والانتماءات الأيدلوجية. وقد يكون هذا الرأي قاسياً للبعض، لكنني سوف أحاول بيان أهم الأسباب التي تؤكد مقولتي السلبية ورؤيتي السوداوية. والقصد هو الابتعاد عن التملق والانزلاق في متاهات المصطلحات اللطيفة عن شعب قد ظلم كل أطرافه خلال التاريخ القديم والحديث، وما عرضي لتاريخ العراق إلا من أجل المراجعة والتعرف على المأسي. ومحاولة للبحث عن حلول آنية ومستقبلية لنجاة الأمم العراقية وإيجاد القواسم المشتركة للم الشمل أو بتعبير آخر على الأقل القضاء على الجهل المستشري بسبب تمسك الكثيرين بسلبيات الماضي.
لقد اجتاز العراقيون مرحلة مهمة وصعبة جداً وهو التصويت على دستور دائم، ولو أن الدستور أنجز في عجالة، وصوت عليه دون بث التوعية الحقيقية وبشكل صحيح. مع كل السلبيات، ومع كل الأعتراضات لكن الدستور أقر، وكانت طفرة نوعية في تاريخ العراق. ويحمل الدستور بنود كثيرة لها دلائل مدنية وتطويرية لحالة الشخصية العراقية. وقوف تيارات مناهضة للدستور ومعرضة لبنود كثيرة حال عن تطبيق مفهيم هذا الدستور وخلق حالة من التناقضات والخلافات التي أخذت منحى لسفك دماء المئات من العراقيين دون ذنب أقترفوه.
المدنية أخذت حيزاً كبيراً في فقرات كثيرة من الدستور، لكن التشاحنات وإفرازات الماضي وظفت الفقرات التي تدعو للمدنية لعوامل عكسية وأخذت المجتمعات العراقية لعهود ما قبل التاريخ من خلال التصرفات الدموية. الخطابات السياسية وأسلوبها ومن كل الاتجاهات عقدت المشاكل وأعطتها دفعة وقوة ظلامية كبيرة. مع أن كل التيارات المشاركة في العلمية السياسية تخلت عن مسؤولياتها وألقت المسؤولية على الجهات الخارجية هروباً من الواقع والحقيقة.
الكل أشتركوا في جريمة تأخير بناء المجتمع المدني العراقي، والجميع أغتصبوا حقوق الإنسان العراقي وأنصرفوا للدفاع عن مصالحههم .. الحزبية..الطائفية..القومية..المذهبية، والشخصية. وأن تقارير مفوظية النزاهة أكدت تورط كثير من الساسة ووزراء، ومسؤولين كبار في الدولة الحديثة في عمليات سرقة الأموال العامة، وبذلك أظافوا للمآسي فواجع. فلم ينجز أي مشروع خدمي يعطي دعم لبناء المجتمع وتطوره، بل سبب الكثير من هؤلاء السياسيين الجدد في إنعدام ابسط المستلزمات الحياتية. صحيح أن رواتب القطاع العام إزاد بنسبة 1000% لكن البضائع الضرورية إزاددت بنسب مضاعفة، وتم توظيف أعداد كبيرة من الشباب، لكن أجبر على البطالة مليوني عراقي من خلال حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية ووزارة الاعلام وغيرها من مؤسسات. وتحول هذا الكم الهائل من عاطلين عن العمل لحمل السلاح بعناوين مختلفة للتقاتل وجني مبالغ لسد رمق عوائلهم. وهذا التغيير المفاجيء سبب في ظهور عصابات قتل وخطف وسرقة منظمة على شاكلة المافيات العالمية، وقد تكون مرتبطة بتلك المنظمات الارهابية والاجرامية.
ظهور أحزاب كثيرة وبشكل مفاجيء من أجل المشاركة في الحكم، وهذا الأمر أدى بكثير من مؤسسي تلك الحزاب اللجوء لدول عربية وأجنية للحصول على مساعدات مالية لتغطية مصاريف الحملة الانتخابية وغيرها. وهذا الأمر بدوره جرَ البعض للدخول في معاهدات وعقود بينها وبين بعض الدول للإنزلاق في جرائم كبيرة. وشكلت مليشيات متعددة تتقاتل لتثبت تعهداتها إتجاه تلك الدول الممولة للأحزاب العراقية الجديدة. وكل ما ذكرناه آنفاً كان حافزاً قوياً لظهور النعرات الطائفية وبث الفتن تفاقم الأزمة العراقية. فأدى الدستور والعجالة في إقراره لإرجاع عجلة تقدم المجتمع العراقي للعصور المشابهة بالعصور المظلمة في أوربا. وتجزأ المجتمع العراقي لمجتمعات صغيرة متقوقعة تتضارب وتتقاتل عند خطاب معادي من جهة أو أخرى.
أستغلت الديمقراطية الجديدة من كل النواحي ولكن لمنحى سلبي ولغاية القوى الظلامية، حتى حرية الرأي الذي سهل صدور أعداد كثيرة من الصحف والمجلات ... وقنوات فضائية ومحطات راديو. استخدمة لشن الحرب الإعلامية بين الجهات المتقاتلة. وقد فقد الإعلام أخلاقيته من حيث مهمتها لنقل الحقيقة إلى تزييف الوقائع وخلق حقائق تناسب الذي يدفع الأكثر.
المؤسسات المدنية أنشأت في فترة التغيير المفاجيء حين عاش الشعب العراقي في ظلام السلطة الدكتاتورية طيلة ثلاثة عقود ونيف. تلك السلطة الدموية أستخدمة جميع العلوم لخدمة مصالحهها وشد الغناق حول الشعب لكي لا يتعرف على العالم الخارجي خصوصا في مجال التطور المدني وحقوق الإنسان. في باديء الأمر كان الناس متلهفين للعمل التطوعي لخدمة العراق، لكن بعد أن ظهر الفساد في أعلى مراكز السلطة الجديدة، تغير وجهة نظر أكثرية مؤسسي المنظمات غير الحكومية لنظرة سلبية وعدائية للحكومة وللأخلاق. وأصبح الهم الوحيد هو الحصول على مشروع لكي يوفروا بعض المال لسد العوز القاتل. فيمكنني القول بأن أتجاه هذه المؤسسات لمدنية تحول من خدمة الشعب إلى نقمة، وهنا لا أريد التعميم واتمنى أن أكون منصفاً بأن هناك الكثير من المنظمات المدنية عملت وما زالت تعمل بإخلاص لتطبيق مفهوم المجتمع المدني، لكن هذه المنظمات ما أن تكون منتمية لأحزاب مشاركة في السلطة أو لجهات ممولة غير نزيهة في غاياتها النهائية. ولم تلتفت الحكومة لهذا الخطر بل ساهمة بشكل وآخر لتفشي الفساد في العديد من المنظمات المدنية، وحين أعلن عن وزرارة جديدة باسم وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني أدى لظهور عداء ظاهري وخفي بين المنظمات والحكومة. وسوف أتحدث بإسهاب عن حقيقة الوزارة المعنية ومفهومها وعنوانها الخاطيئ أو المموه والتضارب الذي تحدثه مثل هذه الوزراة.

ملاحظة: أرجو من الأساتذة الأفاضل ذوي الأختصاص أن يسعفونني بما لديهم من ملاحظات لكي أكمل البحث. والبحث سوف يتضمن المواضيع التالية:

البحث
* تمهيد تأريخي قديم وحديث ومعاصر
* الآثار السلبية للحوادث التاريخية
* الرواسب الاجتماعية نتيجة الاستعمار بمختلف أدواره وتنوعاته.
* التقسيم الاجتماعي للأمة العراقية:
على أساس الجغرافي - القومي - الديني - المذهبي
* تكوينة المجتمعات العراقية من نواحي: ثقافية - اقتصادية - سياسية
*- الحضر - المدينة العراقية متكونة من فئات اجتماعية متنوعة، فالمثقف بكل طبقاته والموظف بجميع مستوياته، والعامل، والفلاح
*- الريف: يتألف من طبقتين متابعدتين لحد كبير - الطبقة الغنية المثقفة (اصحاب الأراضي)- والطبقة العاملة المعدومة (الفلاحين).
(من لم يسرق لا يعتبر رجلا)
(من لا يأخذ دم ابيه من القاتل أو أهل القاتل يعتبر جباناً ومنبوذاً)
وهذا الأمران انتقلا للمدينة أيضا.

*- البدو: للبداوة في العراق وضع خاص وطبائع خاصة لكن استقرارهم السكني غير كثير من الطبيعة البدوية بعد اختلاطهم بالمدينة. لكنهم يتميزون بحفاظهم وإلتزامهم بطبائعهم البدوية الأصيلة.

العراق مجتمع متكون من اتجاهات وأثنيات متنوعة، مثلها كمثل باقة وردة متلون، وله كنز من الثقافات وتاريخ مليء بالتجارب إن وظفت بصورة صحيحة وسليمة نحصل على مجتمع مدني متطور. أن اصحاب المصالح المقززة كرسوا همومهم من أجل تغيير الاتجاه الديمقراطي نحو هاوية وهم لايشعرون. التغيير المفاجيء الذي حصل بعد التاسع من أبريل 2003 وفرت للأعداء العراق فرص استغلال إرادة الإنسان العراقي المسلوب، وكان للنظام البائد دوراً مهماً في خنق الشعب العراقي لكي لا يطلع لما يجري حوله في العالم من تطور ونمو ثقافي.........

المجتمع العراقي _ مجتمع فيه من المدنية القليل (واللامدنية) ، والخرافات مسيطرة على أجزاء كبيرة من جغرافية العراق. فالبدوية قائمة، والعشائرية تحكم، والشعوذة مترسخة عند الكثيرين. المثقفين الذين يؤمنون بمصطلح المجتمع المدني ينقسمون إلى قسمين: الذين يسعون لتطبيق المدنية في نفوس العراقيين بكل ما أتوا من نشاط ثقافي وعلمي وسياسي، ولكن المثقفين الذين كرسوا جهدهم في التوصل للسلطة والمناصب بغية الحصول على مصالحهم الذاتية، وهؤلاء شجعوا أعداء المدنية أكثر من المتطرفين بكل اتجاهاتهم... وخطرهم أكبر من المفخخات والارهاب المحلي والمصدر.

التنوع الاجتماعي وتعدد الثقافات والاعتقادات يمكن أن تكون عوامل مساعدة لتكوين مجتمع مدني، ويمكن أن تكن من أهم المستلزمات لتغير الواقع المتردي من النواحي الاعتقادية الخرافية، ويمكن أن توظف لخدمة أعداء المدنية.

المجتمع العراقي _ ليس مدنياً، ولكن هناك أرضية خصبة لبث فكرة التمدن الديمقراطي إن توفرت المستلزمات اللازمة. لقد سعى النظام البائد وبشكل مبرمج تغيير الطابع المدني لوجهة قبلية من خلال نقل الأفكار العشائرية للمدنية ... ليس حباً بالأصالة والعروبية، بل تمهيداً لغسل دماغ الإنسان العراقي ليبقى متقوقع في المراحل المظلمة من تاريخه. وليس المعنى هنا أن الأفكار القبلية والعشائرية وأحكامهم فيه سوء، ولكن استخدم نظام التحول المدني إلى إشغال المجتمع بآفات تحطم المجتمع وتفرقه. فزرع مبدأ الانتماء العشائري والدفاع عنه مقابل مبدأ عشائري آخر، والتمسك بالتعصب القومي لمواجهة قوميات أخرى، واشاعة المذهبية وتفضيل وأحدة على أخرى. وجميعها كانت تصب في عسكرة المجتمع. لكي يخضع لرغبات الحاكم ويمتثل بأوامره. فأصبح المجتمع العراقي مجزء في واقع حاله، لكن ممتثل وموحد لغاية معينة ورغبة متغطرسة.

ترسبات الماضي المقيت ولدت من جديد في نفسية المجتمع العراقي، وساهم في ذلك مثقفون ومختصين في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. فكل ما ترك من زمن العثمانيين والدولة الصفوية استخدم سلاحاً فتاكاً لتوجيه المجتمع العراقي نحو نزعة التضاد والصراع عوض التلاحم والمحية. فأصبح المجتمع العراقي مجتمع يمتثل بصورة مباشرة وغير مباشر لأمر شخص واحد يسيره بالاتجاه الذي يتلذذ له ويرغب إليه أو حسب رغبات قوى أخرى خارجية دون أن يشعر أويرغب لذلك.

فأصبح لدينا مجتمع متجزء متفرق لا يؤمن بالقوانين ولا تربطهم مباديء معينة، حيث أن القوانيين الاجتماعية كانت تتغير بين الحين والفين طبقاً لرغبات الحاكم، والروابط الاجتماعية أصبحت أكثر صرامة بين مكونة دون أخرى، ونشر العداء القومي المزيف، والعداء القبلي، وانتشر الجهل بكل أشكاله في صفوف المجتمع العراقي.


من يتحمل مسؤولية عسكرة المجتمع؟

من الطبيعي أن كل مأساة عسكرة المجتمع العراقي نرميه بعهدة النظام البائد، لكي نتهرب من مسؤوليتنا التاريخية. مع أن التاريخ الحديث للمجتمع العراقي يكشف عن أسباب أخرى يحاول تجاهلها البعض عن علم أو بلا شعور. أن من أهم الأسباب التي أدت لتقبل الناس الأفكار المفككة للمجتمع يكمن في الأيدلوجيات التي نشرت بين صفوف أبناء المجتمع وخصوصاً المثقفين منهم. وبالتالي روجت لها بصورة غير صحيحة وأستقبلها البسطاء وحوروها لمصالحههم الذاتية لتصبح مبتعده عن المصلحة الوطنية. فالأحزاب السياسية التي حكمت طيلة فترة ما بعد الاستعمار الأنكليزي ومهدت أرضية لحزب البعث التأمري ليستلم مجتمع متفكك سياسياً ويبني دكتاتورية متسلطة بالحديد والنار أشاع الخوف بين صفوف الكثير من المجتمع العراقي، وجلب في صفوفه الكثير من الشخصيات العلمية والثقافية والسياسية ليوظفوا طاقاتهم وإبداعاتهم لخدمة الطاغية ونواياه التسلطية. وهذه الأحزاب السياسية تخلت عن كل مبادئها القيمة لتصب في مجرى تفكك المجتمع وبناء مجتمع متعسكر متخلف لا يهمه إلا قوت يومه. وأستباحت المباديء والقيم الأخلاقية وتخل المثقف والسياسي عن مبدأ المواطنة ليكون جزءاً من نظام استبداي. مع أن كثير من هذه الأحزاب السياسية أعطت الكثير من التضحيات للوقوف أمام ذلك النظام لكن بعد فوات الأوان. وحتى النخبة التي وقفت بوجه النظام البائد لم تكن لديهم مشروع موحد، ولا توجه معين للتصدي للنظام. أي أن المعارضة التي واجهت النظام منذ نشئتها المتأخرة تنازعت بدل التلاحم، وبذلك أعطت فرصة ومساحة واسعة للنظام بأن يتم كل أستعداداته لتوجيه المجتمع العراقي نحو منزلق التطرفات والتعصبات ...فولد التخاصم بين مكونات المجتمع العراقي، وسيطر مبدأ عدم التعايش، وبدأت نزعة الخلاف للتخلف. وهدم إنسانية الإنسان العراقي حين سلبت منه الإرادة. فأصبح مطيعاً منفذا غير مكترث لما تقترفه الدكتاتورية من جرائم، وغير مبالية بما تنتهكه من جرائم بحق الإنسانية، ولا مهتمه لما تبذره من ثروات البلاد ...لأن العراق كان صدام وصدام كان العراق.

المدنية تعني التطور الصناعي والثقافي والعلمي، وتستلزم الترابط بين مكونات مجتمع تلك المدينة على أختلاف إنتمائاتهم الفكرية والقومية والمذهبية. فلم نشاهد في مدينة المجتمع العراقي أي تطور صناعي إلا من أجل عسكرة المجتمع، فتطورة الصناعة العسكرية، وأستبدل كل ما هو أنتاج مدني ليكون عسكري. ووجهت كل وسائل الابداع والثقافة ليكن في خدمة الحروب الداخلية منها والخارجية، وفكرة عسكرة المجتمع ليست جديدة، ولم تكن الأولى في المجتمع العراقي. لأن إخلاء ساحة المجتمع من عنصر( ارسال الذكور للحرب، وتوظيف الأناث في مرافق الدولة) سلب أمرين مهمين: أولهما قتل الترابط العائلي وثانيهما تفسخ المجتمع خلقياً. فتفشى الفساد الأخلاقي بين الكثيرين، وأصبح اللامبالاة للأسرة أمراً مسلماً وبذلك حاول القضاء على أهم مكونات المجتمع المدني. إن انعدام القانون الموحد لصفوف المجتمع العراقي يعد من أهم الوسائل المتفسخة للمجتمع، وأن اشاعة الفساد الاداري والمالي بين صفوف الموظفين بسبب العوز. أدى لخنق روح المواطنة وإنضاج نزعة الشخصنة وحب الذات وشاع مبدأ الامبالاة للوطن وكل ما فيه من معاني.

لم تكن في حسابات الأحزاب السياسية القومية منها ولا اليسارية تفاقم التفكك الاجتماعي بسبب نزعاتهم السلطوية وأحقيتهم في السيطرة من أجل خدمة الشعب. كل الشعارات كانت لها معان جميلة ومقاصد خيرة، لكن عدم تطبيق تلك الشعارات بسبب تدخلات اقليمية مضادة حين عرقلة المسيرة السليمة. أنقلبة الأفكار الايجابية لعوامل سلبية كانت نقمة على تلك السياسات وأدت إلى اندحارها. فأي جهة أستلمت السلطة كان همها تقوية الحزب وأركانه عوض اللتفات للشعب وتطوره وبناء المجتمع المدني، وتثبيت الركائز المهمة مثل الديمقراطية، والحرية ومباديء حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. فكان لكل حزب أولوياته في توزيع المهام والسلطات على أساس المحسوبية والمنسوبية (ونرى هذه الظاهرة تتكرر اليوم). ولم تكن لدى أفضلهم أي مبدأ للمواطنة ولا حتى تفسير لها، وإن وجدت شعارات. لكنها توجهة لخدمة الأمة العربية متناسية البيت العراقي وتطوره... متجاهلة الأسس القويمة لتكوين المجتمع المدني المتطور...لا ترغب في بناء وطن يعمه الرفاه لكي تتوجهه بعد ذلك لنجدة الآخرين. وعكس ما حدث في العراق توجه كثير من دول الخليج لمنحى آخر، فنرى نتائج ذلك التوجه الصحيح نسبياً في العمران والتطور الخدمي وانعاش الاقتصاد ومسيرتهم في ركب الدول المتطورة على الأقل بما يخدم مصالح المواطن الخليجي.

كل ذلك أدى لانعدام مباديء اساسية ومقومات مهمة في بناء مجتمع مدني مثل التسامح والحرية والتعدد القيمي والثقافي. والذي بدوره سبب في عدم احترام والاهتمام بالوقت والعمل الجاد لبناء الوطن.وعوض أن يتفاعل الجميع من أجل البناء من خلال الاستفادة من التنوعات والاختلافات والتعدد كعوامل مهمة لبناء مجتمع مدني حول كل ذلك ووظف لتفكك المجتمع وتأخره وجعله مجتمع قبلي متأخر. لم نلاحظ أي تيار أو حزب سياسي يعمل من أجل الاعمار الاجتماعي والتكاتف للبناء. حتى الحركات الديمقراطية رفعت شعارات تشير لتطبيق المدنية، لكن في واقع التطبيق أخفقت وأنتجت مساراً مخالفاً للمدنية.

المدنية العراقية أخذت مساراً عكسياً للمفهوم المتعارف عليه، وحتى من نواحي العمران فضلاً على التشييد الاجتماعي. فبوادر بناء المدينة توضحت بشكل مستمر ومزيف حيث رافقتها التأثيرات المركزية السلطوية في أنشاء المدن المتخلفة من نواحي عدة. الريفية والتخلف سيطر على أنشاء هذه المدن. لأن السلطة المركزية شجعت على العنف والاستبداد وتقبل الإنسان المتخلف ووضعه في مناصب مهمة، وتوكيل أهم المؤسسات الثقافية والعلمية لأشخاص هم أصل التخلف، وكانوا سبباً في أنتشار أوبئة التحجر الاجتماعي والسكون الثقافي وتوجيه كل الأنظار والأفكار نحو شخص واحد. حتى أن الكثيرين يرون الصنم في احلامهم، ويرمون الآخر بإتهاماتهم فتولدة نزعة التخلف المقصود والعدائية والتفرقة العنصرية والمذهبية في كل أطراف المدينة العراقية الحديثة.


المستزمات الضرورية لبناء مجتمع عراقي مدني

مع أن العنوان فيه مصطلحات كثيرة (مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق) المجتمع المدني يعني كل هذه المصطلحات.

المجتمع المدني هو ذلك المجتمع الذي يعمل جميع أفراده وفق نظام وقانون متفق عليه، ولا يصح أن نقول بأن يمكن أن يكون في العراق مجتمع مدني اسلامي. واذا أصبح المجتمع العراقي مدنياً، فأن من أهم مقومات المجتمع المدني مبدأ الديمقراطية في كل زوايا المجتمع...في نظام الحكم المركزي والمحلي، وحتى في نظام حكم العائلة الواحدة. فمصطلح المجتمع المدني يجمع في طياته كل المصطلحات المتطورة الأخرى... فالعمل بالمدنية هو بمثابة إقرار وتفعيل للحرية والعدالة والمساواة والعلمانية والديمقراطية اللبنة الأولى للبدأ في بناء المجتمع المدني، أو بالاحرى أن الديمقراطية تشمل وتحتضن كل تلك المصطلحات التي تشير للمجتمع المدني.

والسبب في ذلك لخصوصية المجتمع العراقي، والتنوع الأثني والعرقي والمذهبي يؤكد أن بعد الاتفاق وتوطيد العقد الاجتماعي بين جميع أفراد الشعب العراقي سيؤكد المباديء آنفة الذكر.

إن من أهم مستلزمات بناء مجتمع مدني عراقي هو الدستور، ولقد صوت الشعب العراقي على دستور فيه من الفقرات الكثيرة التي يمكن توظيفها من أجل بناء المجتمع المدني. ونظام الدولة العراقية المقرة دور رئيسي آخر. خصوصا النظام الفيدرالي التعددي، ومبدأ فصل السلطات يساهم بشكل فعال. ثم الفقرات الخاص بالحقوق والواجبات، وما إلى ذلك من ايجابيات البنود التي تخص المؤسسات المدنية، لكن يبقى على البرلمان العراقي أن يشرع قوانين تتلائم ومشروع بناء المجتمع المدني. كل ذلك أصبح متاحاً لتهيئة أرضية خصبة ومرنة للتطور المدني. لكن كل هذه الأمور لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع إن لم تتوفر الكوادر والكفاءات المثقفة والقادرة على التنفيذ لتطبيق المباديء الأساسية لمشروع المجتمع المدني. وبمعنى أوضح ... كل العناوين جيدة لكن بدون فائدة إن لم تطبق، ولا يمكن تطبيقها بشكل صحيح إن لم تتوقر الكوادر القادرة والمتنورة. فهذان الأمران متلازمان. يبقى أمرٌ مهم وهو الأرضية الشعبية لقبول الأفكار. وحسب ما ذكرنا سابقاً أن الشعب العراقي مرَ بأطوار مخيفة ومتخلفة أدت به لقبول الكثير من مخلفات الماضي بل تفاعلت وتتلاحمت معه، ولكن هذا التلاحم والتفاعل هشٌ قابل للتغيير الجذري لكن بحاجة للأمور التالية:

* القضاء على البطالة بشكل ملحوظ ومدروس، وهناك لا أقصد المقنعة والمصطنعة.
* حملة شاملة نوعية لنشر مباديء حقوق الإنسان.
* تنمية وتطوير المؤسسات المدنية بطريقة علمية ونزيهة ومستقلة.
* التصدي لبوادر التخلف والعقائد المفسدة للإنسان.
* عدم التعرض لخصوصيات الجماعات. إن كانت قومية، أو دينية أو مذهبية أو غير ذلك.
*الاستقلالية في العمل الميداني، وحضر التسابق الحزبي غير المشروع.
* القضاء على الفساد الاداري والمالي.
* الأصرار على تنفيذ القوانين على الجميع، وتفعيل مبدأ القانون فوق الجميع.
* الأهتمام بالبيئة ومظهر المدينة وجماليتها.
* مكافحة التخلف بكل أشكاله.
* التصدي لترشيحات الأحزاب للمناصب المهمة في الدولة العراقية لأشخاص غير ذو كفاءة.

لكل نقطة هناك شروح وتفاصيل لا يمكن الخوض في غمارها، بسبب تحديد عدد الكلمات المسموحة.

خطر الجراثيم والفايروسات المستشرية في المجتمع العراقي يكون حائلاً دون إقامة المجتمع المدني، وأضع بين يدي القارئ العزيز مقتطفات من أفكار لفلاسفة أعتمده النظام البائد لتفعيله من خلال مثقفين باعوا ضمائرهم بابخس الأثمان...وحاولوا قتل الضمير العراقي، لكنني أستبشر خيراً إذا وفقنا للمساهمة في وضع لبنة بناء وتشييد البيت العراقي الديمقراطي من أجل مجتمع مدني متطور.

لقد شخص أحد أكبر علماء الاجتماع العراقي وهو المرحوم الدكتور علي الوردي الأمراض الاجتماعية المصاب بها المجتمع العراقي. منها انفصام الشخصية (الشيزوفرينيا) ولهذا المرض أعراض كثيرة منها الشعور بالاضطهاد الريبة والتصورات الخاطئة وضعف المهارات والخبرة، العزلة عن العالم، التحجر الفكري وغيرها ( راجع مقالة للدكتور عبد الرزاق حسين - الحوار المتمدن العدد-1552 - 2006-5-16)

أدوارد بارنابز: ولد سنة 1891 وتوفى سنة 1995 يعتبر منشئ ما يسمى العلاقات العامة وهو أبن عم لسيغموند فرويد. عمل إدوارد على تطبيق الإكتشافات التي وصلت إليها علم النفس وعلم الإجتماع في ميدان الحقل العام. وقد كان من - *شركة بروكتر أند Calvin Coolige حرفائه: الرئيس الأمريكي كليفن كوليدج
وشركات أخرى كبيرة معروفة....

ولبارنلابز كتابات عديدة يشرح فيها كيفية السيطرة على عقول العامة وتوجيههم وقد جلبت هذه الأفكار والكتابات إعجاب غوبلز رئيس البروباغندا الألمانية له.

بيار بور دو: ( 1930-2003) عالم اجتماع فرنسي من المراجع العلمية في علم الاجتماع. بدأ نجمه يبزغ بين الأخصائيين انطلاقاً من الستينات وازدادت شهرته في آخر حياته بالتزامه العلني إلى جانب (المغولبين) كان مصبَ عنايته تحليل إواليات تكرر التمرينات الاجتماعية من جيل إلى جيل وذلك بتسليط الضوء على العوامل الاجتماعية والرمزية فيه....

العنف الرمزي: انتقد بورديو تغاضي الماركسية عن العوامل غير الاقتصادية إذ أن الفاعلين الغالبين، في نظره، بإمكانهم فرض منتجاتهم الثقافية( مثلا ذوقهم الفني) أو الرمزية ( مثلا طريقة جلوسهم أو ضحكهم وما إلى ذلك). فللعنف الرمزي (اي قدرة الغالبين على الحجب عن تعسف هذه المنتجات الرمزية وبالتالي على إظهارها على أنها شرعية) دور أساسي في فكر بيار بورديو. معنى ذلك ان كل سكان سوريا مثلا بما فيهم الفلاحون سيعتبرون لهجة الشام مهذبة أنيقة واللهجات الريفية غليظة جداً رغم أن اللهجة الشامية ليست لها قيمة أعلى بحد ذاتها. وإنما هي لغة الغالبين من المثقفين الساسة عبر العصور وأصبح كل الناس يسلَمون بأنها أفضل وبأن لغة البادية رديئة. فهذه العملية التي تؤدي بالمغلوب إلى أن يحتقر لغته ونفسه وأن يتوق إلى امتلاك لغة الغالبين( أو غيرها من منتجاتهم الثقافية والرمزية) هي مظهر من مظاهر العنف الرمزي................

سان سيمونيون: السان سيمونيون: هي مجموعة أتباع سان سيمون الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي(1760-1825) الذي يدعو إلى أن السلطة يجب أن تسلم إلى الصناعيين لا للعلماء، لأنهم هم الرؤساء الحقيقيون للشعب، فهم الذين يقودونه في أعماله اليومية. فالأمة هي ورشة صناعية واسعة، تزول فيها فروق المولد والنسب، وتبقى اختلافات القدرات. وقد كانت آراءه وراء بدايات (العلم الوضعي) والاشتراكية. رأى السان سيمونيون في مصر محمد علي فرصة لتطبيق أفكارهم، لذا فقد سافر الكثير منهم إلى مصر للمساهمة في نهضتها..............................
تفرد العالم الدكتور الوردي بالدخول بتحليلات علمية عن طبيعة نشأة وتركيب المجتمع العراقي الحديث خصوصا بعد عهد المماليك وفيضانات دجلة والفرات وموجات امراض الطاعون التي اما فتكت باعداد هائلة من المواطنين الذين كانوا يقطنون الولايات العراقية على عهد العثمانيين او ادت إلى هجرة اعداد غفيرة من مواطني الشعب العراقي إلى الولايات والامارات العثمانية شرق نجد والخليج او إلى الشام "سوريا ولبنان والاردن وفلسطين او إلى مصر. ولازالت الكثير من العوائل من الاصول العراقية محافظة على القابها العراقية.
كما حلل اصول المهاجرين وتميزت مؤلفات وابحاث الوردي بالصبغة الانثرولوجية حيث ما انفك يبحث عن الكثير في واقع مجتمع العراق و بغداد عاداته وتقاليده المتحدرة من عهود الخلافة العباسية.وعن المناسبات الدينية واهميتها في حياة الفرد البغدادي كالمولد النبوي الشريف وذكرى عاشوراء.

الخاتمة:

قد لم افصل الترابط بين هؤلاء العلماء، لكنني أرى أنه من المفيد الرجوع إليهم لمعرفة الأوبئة التي نشرها النظام البائد بواسطة مختصين في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي ليتسنى لنا تشخيص الأمراض الاجتماعية ومحاولة إيجاد السبل الكفيلة للقضاء عليها، وبدونها لا يمكن بناء مجتمع مدني عراقي.


عباس النوري


التعليقات




5000