.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


وليمة أدونيس وفرسان الصباح

ضياء الاسدي

استطاع مثقفو جريدة الصباح العراقية أن يحلقوا بعيدا مع أدونيس في فضاءات شعره المنثالة رقة وجمال ، وأجبرونا على الأمتثال بصمت وحبور لسلطتهم المعرفية والتقاطاتهم الفطنة لمجاراة الشاعر العملاق
الذي تقطر شاعرية وحلماً تنم عن انسانية مسورة بالعلم ورجاحة العقل فضلاً عن عمق فلسفي طافح بالتأويل والبحث ، مشوب بصفاء الذات ونقاء السريرة .
لقد تنسم الجميع في العراق عبير الديمقراطية وشجاعة الرأي وفسحة التعبير التي هي بطبيعة الحال عصية على جلَ دول العالم الثالث ماحدا بالشاعر الفذَ أدونيس أن يعرج ببالغ الإهتمام على توصيف الراهن الثقافي العراقي بالمفرح والمهم وأن إمتلاك حرية الرأي وممارسة سلطة المثقف في نقد الساسة وجلد الواقع المعاش هو أمر لايتكرر على نحو بعيد في بلداننا العربية الساخطة على ثقافتنا العراقية وهي تحث الخطى صوب التحرر والإنتعاش .
لقد تحلى أدونيس كعادته بإنسانية مفرطة عندما أعلن بصوت جهور من ارضنا الغالية في كردستان العراق وبين اناسها الطيبين عن سعادته بسقوط الصنم الدكتاتوري المرعب بجرأة يحسد عليها والتي عدَت بمثابة الصفعة الموجعة لأنصاف الأدباء والمثقفين العرب الذين لم يروقهم زوال الطغاة ولم يتوانو لحظة على طعن خاصرة العراق بسكاكين الحقد والكراهية .
شكرا لك ياسيدي أدونيس وأنت تطأ ارض العراق بين أهلك وخلانك ، شكرا لجريدة الصباح الدؤبة وفرسانها الأجلاًء الشاعر أحمد عبد الحسين والشاعر ماجد موجد والدكتور الشاعر كريم شغيدل والاعلامي المبدع سعدون محسن ضمد الذين تدفقت أسئلتهم وتعالت جماليتهم في حضرة سادن الشعر والفكر الخلاًق أدونيس الذي منحنا هو الآخر عنفوان الكلمة ورقة الروح وتمازج النبل مع الحياة .... , 

 

ادونيس: العرب امة في طريقها الى الانقراض



أجرى الحوار:
أحمد عبد الحسين
مــاجــد مــوجــد
كريـــم شـغـيـدل
سعدون محسن ضمد

هذا أول حوار لأدونيس مع صحيفة عراقية، يزيده فرادة انه تمّ على أرض عراقية في السليمانية الزاهرة بأهلها من أشقائنا الكرد الطيبين، كان أدونيس لنا على مدى ستّ ساعات تقريباً
مع ثلة من مثقفي الكرد، يتقدمهم السياسيّ المثقف الأستاذ ملا بختيار، ابتدأنا حوارنا مع أدونيس بالحديث عن الأهمية التي تشكلها زيارته للعراق لنا نحن المثقفين العراقيين بعد انقطاع دام أربعين سنة، وعن إمكانية أن تشكل هذه الزيارة لكردستان مادة لنصوص لاحقة سيكتبها، وربما يكون لمدينة السليمانية وأربيل حضور في شعره المقبل، خاصة انه كتب قصائد عديدة عن مدن عربية كدمشق والقاهرة وصنعاء، فاسترسل أدونيس بالحديث عن رحلاته إلى مدن العالم.

شعرنا بلا مشاكل
أدونيس: ذات يوم وُجهت لي دعوة لزيارة إيران، الدعوة كانت موجهة من قبل السفارة الفرنسية في طهران لكي تقام لي جلسات بإشراف السفارة الفرنسية، ثم فجأة جاءني تلفون يقول لي ان هناك أمراً طرأ وهو ان بلدية طهران ستقيم لك جلسة خاصة وان الرئيس خاتمي سيلقي كلمة ترحيب بك، فهل تمانع؟ قلت لهم (يضحك) لا أبداً، ولماذا أعارض ذلك؟ بل بالعكس سأكون سعيداً جداً، بعد خمسة عشر يوماً اتصلتْ بي السفارة لتقول ان بلدية طهران غيرت رأيها، والرئيس الإيراني مسافر، قلت طيب، أنا لم أطلبْ منكم شيئاً، وشكراً على أية حال. لكنني بعد ذلك بوقت طويل ذهبت لطهران، والغريب انه قاطعني جميع السياسيين الإيرانيين من ألفهم إلى يائهم، قلت للمعنيين في السفارة الفرنسية أريد أن أذهب إلى الجامعات وأريد أن التقي بعدد من المسرحيين والفنانين التشكيليين وبعض الأدباء والكتاب وأريد أن ازور فقط شيراز وأصفهان، وكان لي هناك حوار عظيم مع اساتذة الجامعات ومع عدد من الطلبة.
أحمد عبدالحسين: خصوصاً انك مقروء في طهران بشكل جيد لأن أغلب أعمالك ترجمت للغة الفارسية.
أدونيس: ما أريد قوله هو إنني لم أكن اعرف ان سعدي (يقصد سعدي الشيرازي) سنيّ المذهب إلا هناك في طهران، لم يخطر على بالي سابقاً هذا الموضوع. هناك رأيت على قبر حافظ نساء يجئن من القرى ينحنين عليه ويقبلن الحجر ويتبركن به، هذا شيء مدهش. كانت هناك واحدة جميلة جداً أدهشتني، لكني كنت رسمياً جداً. ..
ماجد موجد: مع ان الرسميين غير موجودين من الألف إلى الياء؟
يضحك أدونيس
سعدون محسن ضمد: هل إن الشاعر يلجأ للتعبير عن فكره إلى النثر لأن الشعر غير قادر على ان يعبّر عن الفكر؟ أم لأن الشاعر غير قادر على استعمال طاقة الشعر ولذلك يلجا الى النثر؟
أدونيس: (لم يصله مغزى السؤال) وماذا في الأمر؟
أحمد عبدالحسين: بمعنى هل ان الشاعر يضيق به الشعر فيلجأ إلى التعبير بالنثر؟
أدونيس: أنا بالنسبة لي لا أميز بين الشعر والنثر بالأهمية، لكن الفرق في الطرح، النثر له قارئ آخر، لأنك في النثر تشرح فكرة، بينما الشعر لا يشرح فكرة بل يخلق مناخاً ويبدع أفقاً ويدعو القارئ إلى أن يدخل إلى هذا الأفق، وهنا يبدو الفرق كبيراً. الشعر الذي فيه فكر لا معنى له ولا ينتمي إلى الشعر. خذ مثلاً البيت المعروف:
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ
هو أولاً وهي المحلّ الثاني
ماذا يعني هذا البيت؟ لا يوجد هنا شعر، مع إن قائله شاعر عظيم.
ماجد موجد: لكن العرب لهم معيار يعرفون به الشعر مفاده انه كل كلام موزون ومقفى وفيه معنى؟
أدونيس: لا، هذا معيار فيه الكثير من الخطأ، فمعظم الكلام الموزون المقفى ليس بشعر، لكن هذا كان في وقته، في مرحلة تريد ان تفرز الاشياء عن بعضها، لأن الموضوع كان له علاقة بالدين.
ماجد موجد: لكن إلى الآن ما زال مثل هذا الشعر موجوداً.
أدونيس: نعم موجود، لكن ما قيمته على الرغم انه قليل جداً، والذين يكتبونه لا يمثلون في الشعر الجديد أي شيء.
ماجد موجد: كأنك تقول ان الشعر الموزون المقفى ليس بشعر ولايواكب حركية الشعر الجديدة وان كل شعر غير موزون لاعلاقة له بالدين؟
أدونيس: لا، لا يعقل هذا، لكن أردت القول ان الدين ليس مجرد عقيدة فقط، بل هو ثقافة قبل كل شيء، وما نسميه اليوم بالشعر الحديث هو اكثر تقليدية من الشعر العباسي، وأنا مستعد أن أناقش ذلك على جميع المستويات الفنية والرؤيوية.
ماجد موجد: ماذا تعني بالتقليدية هنا؟
أدونيس: المقصود بالتقليدية ان الشاعر وإنْ كتب من دون وزن وقافية لكنه في موقفه من العلاقة بين الكلمة والشيء والعلاقة بين الإنسان والشيء والعلاقة بين القارئ والكلمة لا يزال موقفه موقفاً تقليدياً ولا نقول قديماً لأن القديم فيه إحالة زمنية، أبو نواس قديم لكنه حديث، أريد أن أبين الفرق بين القديم والتقليديّ، ثم إن الشاعر الحديث اليوم لا قضية له، أعني في شعره، فهو متصالح مع العالم، متصالح مع كل شيء، وليس لديه مشكله مع اللغة، ولا مشكلة له مع الدين، كما لا مشكلة له مع التأربخ، متصالح مع التراث، اعطوني مشكلة للشاعر الحديث.

أحمد عبدالحسين: لكننا طالبنا الشعر الحديث تواً أن يكون بلا فكرة؟
أدونيس: من طالبه بذلك؟ أنتم طالبتم (يضحك) لا، أنا قلت إن الشعر لا يقوم على الأفكار، انتم تعرفون مقولة الجاحظ ان الأفكار مطروحة على الطريق، حتى ان العرب الغوا فكرة السرقة، انه إذا كنتُ أنا قلت معنى مثلاً وجئت أنت كشاعر قلت المعنى نفسه بأداء مبتكر، فالمعنى سيكون لك حتى لو كنت أنا مثلاً من قاله قبلك.
ماجد موجد: هذا ما حصل بين أمل دنقل وصلاح عبد الصبور في قصيدة أخذها دنقل عن عبد الصبور لكنه قالها بشكلٍٍ أكثر شعرية.
أدونيس: نعم، وبهذا المعنى، وهو شيء بديع ومهم، ألغى العرب القدامى مفهوم السرقة، هناك عبقرية هائلة ومتفهمة في العقلية العربية القديمة.
أحمد عبدالحسين: هذا واضح في قولهم الشهير وقع الحافر على الحافر.
أدونيس: أي نعم، نحن قتلنا الدين وقرأنا الشعر العربي بعقلية دينية ولا نزال نقرأه في الجامعات بعقلية دينية دون ان نعي، لكن هذه ظاهرة قد تكون موجودة في كل آداب العالم، الشعر العربي والدين العربيّ عاشا متوازيين على مدى ألف وثلاثمائة سنة، لم يخضع مرة واحدة الشعرُ للدين، لكن الدين لم يستطع ان يؤثر مرة واحدة في الشعر. هذه ظاهرة بديعة جداً، كأن الشعر العربيّ هو لاشعور العربي، وكأن الدين هو وعيه دائماً.
ماجد موجد: جميل جداً هذا التصنيف وانْ كان سيسحبنا إلى حديث طويل لن ينتهي.
أدونيس: صحيح هناك وجهات نظر مختلفة عن علاقة الدين والشعر.

أنا مع إسقاط صدام
أحمد عبدالحسين: لم أقرأ لك بشكل واضح منذ 2003 شيئاً عن الزلزال الذي حدث في العراق، هل أنت معه أم لا؟
أدونيس: اقرأ (المحيط الأسود) قلت رأيي فيه واضحاًً في كل ما يتعلق في الأوضاع العراقية مابعد 2003 وفي التغيير الذي حصل.
أحمد عبد الحسين: أريد ان أسمع رأيك الآن، ويقرأه قرّاء الصباح.
أدونيس: اقرأ (المحيط الأسود) قلت رأيي فيه واضحاًً في كل ما يتعلق في الأوضاع العراقية مابعد 2003 وفي التغيير الذي حصل.
أحمد عبد الحسين: أريد ان أسمع رأيك الآن، ويقرأه قرّاء الصباح.
أدونيس: قلت رأيي كاملاً في ذلك الكتاب، أنا مع إسقاط نظام صدام، لكن كنت أتمنى أن يتم ذلك الإسقاط من قبل الشعب العراقي. أما وقد جاء الأميركان فشكراً لهم وليذهبوا.
أحمد عبد الحسين: في الشأن الثقافي، العراق منذ 1991 والى 2003 عانى من حصار ثقافي مهول كان يطبق أول الأمر بحجة ما يسمى الحصار الاقتصادي والعقوبات الدولية، ثم بعد 2003 ظل العراق يعاني من هذا الحصار باسم الاحتلال أو العمالة لهذا الاحتلال، بمعنى إن جميع المثقفين العراقيين في الداخل هم عملاء للأميركان...
ماجد موجد: ... وإن لم ينتموا، وكأن المثقفين العراقيين في هذا الشأن كما كان يقال عنهم في زمن صدام انهم بعثيون وان لم ينتموا (ضحك ادونيس).
أحمد عبد الحسين: هذه حقيقة واجهتها قبل دخولي العراق وما بعد دخولي وسفرياتي الى بعض العواصم العربية، وهو إن كل المثقفين العراقيين الموجودين يُنظر لهم بوصفهم عملاء للأميركان.
أدونيس: أنا شخصياً لا أوافق على هذا الأمر، وعدم مجيء المثقفين العرب الى العراق وإلى بغداد، لأسباب أمنية وليس موقفاً.
أحمد عبد الحسين: ولكن بعض المثقفين العرب يصرحون اننا لا نجيء الى العراق لأنه تحت الاحتلال؟
أدونيس: انظرْ، هل هناك بلد عربي ليس تحت الاحتلال؟ ما هذ الكلام؟
أحمد عبد الحسين: لكننا على الرغم من كلّ ما يقال، نحن الآن نمتلك من الحرية ما لا يوجد في أغلب العواصم العربية.
ماجد موجد: نعني في الصحافة والإعلام، نحن نتحدث مثلما شئنا سوى بعض المخاوف من الشارع الذي عادة مايجعلك تشعر ان الموت او القاتل هو ظلك الذي يسير معك.
أحمد عبدالحسين: نحن نواجه يومياً أنا وزملائي الموجودون حولك الآن وغيرهم، وحوشاً لم يعرفها احد من قبل ولم تُذكر في الكتب، وحوشاً خارجين من الكهوف، وحوشاً خارجين من الدين، وحوش الطوائف من الطائفتين، يومياً نكتب عنهم وننتقدهم، وننتظر الموت في كل لحظة، أعترف ان المتاح لنا من قبل الحكومة هامش كبير، لكن الخوف يأتي من الشارع من هذا الأميّ الذي لم يقرأ. القوى الطائفية الارتكاسية حولت الناس الى مجرد أصبع يضغط على الزناد.
أدونيس: أردت أن أسأل كيف قُتل كامل شياع؟
أحمد عبدالحسين: كامل شياع مثلاً صديق وعزيز لكلّ الزملاء الموجودين الآن، وهو كاتب ممتاز ومفكر ممتاز. قتل في الشارع العام في الساعة الثانية ظهراً.
أدونيس: ولماذا قتل؟
أحمد عبدالحسين: أولاً لان الطائفيين يحسبونه على طائفة ما، وما كان من صالحهم ان يوجد شخص بهذه الأهمية.
أدونيس: يعني قتلته القاعدة؟
ماجد موجد: يقال انه قتل من قبل مليشيات مدعومة من دولة مجاورة وسبب ذلك انه كانت هناك دعوة موجهة له لزيارة هذه الدولة لكنه رفض ان يلبيها وقد تزامن مقتله مع هذا الرفض أعني قتل بعد ايام من رفضه للدعوة، وقد تكلم ايضاً بشكل حادّ ضد تدخل هذه الدولة في شؤون العراق، وربما تكون القاعدة وراء مقتله. لا أحد يعرف.
أحمد عبدالحسين: الشيء المهم انه ليس من صالح هؤلاء واولئك ان يكون في وزارة الثقافة شخص مثل كامل شياع وبأهميته كونه متحرراً من عقد الطائفية.
كريم شغيدل: هناك مشكلة بين المثقف ووزارة الثقافة، لقد طالبنا ان تكون هذه الوزارة خارج المحاصصة لكنها خضعت للمحاصصة. للآن لم يُقدّم نموذج معنيّ فعلاً بالشأن والهمّ الثقافي، قدموا مرة وزير ثقافة خطيبَ جامع سلفياً متهماً بقضايا إرهاب منها قتله لأولاد السياسي مثال الآلوسيّ زعيم حزب الأمة، أما الوزير الحالي فهو انسان بسيط وليس له علاقة بالقضايا التي تهم الشان الثقافي.
أحمد عبدالحسين: أحد النواب اعترض أن تكون وزارة الثقافة من نصيب مكونه واصفاً إياها بالوزارة التافهة.
أدونيس: شيء مهم، أنتم تمتلكون من الحرية ما يجعلكم تتكلمون عن المليشيات وعمن يقف خلفهم وعن السياسيين والنوّاب، هذا شيء مفرح حقا.
ماجد موجد: على الرغم من ذلك سأذكر لك وضع هذه الحرية كما وصفها أحد الأصدقاء مرة، قال ان النظام السابق كان يضع لاصقاً على أفواه الكتّاب وفي الوقت الحالي رفع سياسيونا هذا اللاصق من على أفواهنا ووضعوه على آذانهم، اعني على آذان السياسيين.
(يستغرق أدونيس بالضحك، ويكمل ماجد موجد) ولكن لا يعني هذا اننا بعيدون عن التهديد والوعيد الذي يصلنا بين الحين والآخر بسبب ما ننشر من نقد للكتل السياسية والدينية وقد تعرضت على سبيل المثال جريدة الصباح التي نعمل فيها الى تفجيرين إرهابيين قتل جراؤهما عدد من زملائنا.
أحمد عبدالحسين: أنا شخصياً حاول بعض أعضاء مجلس النواب رفع دعوة قضائية ضدي، لأني تجاوزت عليهم حسب ما قالوه، أنا متيقن من هذه الفكرة، فكرة ان المثقف الذي نسعى اليه هو المثقف صاحب الضمير المثقل بالواجب، واجب الا يغمض عينه عما يدور من حوله وان يضحي بكل شيء لقول الحقيقة بالضبط هو المثقف الاستشهاديّ.
أدونيس: ليحاولوا قتلكم. هذه هي مشكلة المثقف، ان يتحمل تبعات كلمته الحرة.
كريم شغيدل: المشكلة ان الصباح والعاملين فيها ليس لديهم خوف من الحكومة، يعني ان الحكومة ليس لديها حساسية من عندنا.
أحمد عبدالحسين: ليس لدينا خوف من الحكومة ولا من الرئاسة ولا من البرلمان، لكن الخوف الأكبر يأتي من الذين يمتلكون الاصابع التي تضغط على الأسلحة لأسباب أحياناً تكون واهية. ولأسمهم بأسمائهم نحن مشكلتنا مع بعض الإسلاميين.
أدونيس: (يضحك) إن كنتم تخافون الإسلاميين فسوف تظلون خائفين إلى أبد الآبدين.

حزب البعث حزب دينيّ
كريم شغيدل: في الأربعينيات، وهي فترة بداياتكم، كانت فيها أسماء معنية بالثقافة أكثر بكثير مما يوجد في الحاضر، الآن لا يوجد لدينا قارئ للشعر، لا يوجد من يبحث عن كتاب شعريّ، أعتقد اننا نحن أيضاً كنا مساهمين في هذه القضية.
أحمد عبد الحسين: نعم وأحب أن أضيف لسؤال زميلي كريم، انكم إلى حدّ ما استفدتم من الايديولوجيا، أعني ان أغلب الأدباء في تلك الفترات كان منتمياً إلى حزب ما.
أدونيس: دعوني اقول لكم أمراً في قضية تاسيس مجلة شعر مثلاً، كان صاحب الفكرة الأساسية يعيش في الامم المتحدة، ويوسف الخال هو صاحب الفكرة بنواتها الأولى.
أحمد عبدالحسين: تقصد توفيق الصايغ صاحب الفكرة الاساسية قبل يوسف الخال؟
أدونيس لا، توفيق الصايغ جاء في فترة لاحقة، الفكرة الأولى كانت ليوسف الخال، من البداية نحن كنا جذرياً ضد أفكار العروبة والقومية العربية، وهذا كان قد ساعدنا كثيراً، أنا كنت منتمياً للحزب السوري القومي وهو حزب علماني يدعو الى فصل الدين عن الدولة كلياً، وكان يعمل بالضد من القومية العربية بمعناها الشمولي ولا يقول بالانتماء إلى العرق بل الانتماء الى الأرض، ولذلك نحن أكراداً وعرباً وأرمناً لا ننتمي الى عروقنا بل ننتمي الى الأرض. وقد أنشأنا مجلة شعر في هذا المناخ وهو الأمر الذي ساعدنا كثيرا ضد فكرة القومية العربية وضد الوحدة العربية، ولهذا السبب وجهت لنا تهمة اننا شعوبيون وغيرها من التهم، أغلب التهم كانت تأتي من حزب البعث لأنه في جوهره حزب ديني.
أحمد عبد الحسين: لكنك أيضاً قلت في لقاء معك في كتاب منير عكش (أسئلة الشعر) انك تنتمي الى الماركسية؟
أدونيس: نعم، أنا كنت أنتمي إلى فكرة الثورة في الماركسية.
أحمد عبد الحسين: أطلقتم في مجلة شعر مصطلح قصيدة النثر الى أيّ مدى يمكن أن ترى ان هذا المصطلح يمكن ان يكون مقبولا اليوم؟ أدونيس: أنا قلت مرة ليكن المصطلح (الكتابة شعرا بالنثر) لكنه طويل.
أحمد عبدالحسين: كان هناك مصطلح الشعر المنثور أيضاً.
أدونيس: هذا اصطلاح ليس جميلاً، والمهم ليس المصطلح، المهم هو المضمون.
كريم شغيدل: إن مضمون قصيدة النثر لا ينطبق مع التسمية، ولكن أعتقد ان تسمية الشعر الحر اقرب الى المضمون.
أدونيس: (يضحك) إذا قلنا يوجد شعر حر معناه انه يوجد شعر غير حر.
كريم شغيدل: أنا عنيت ان هناك شعراً مقيداً بالوزن والقافية، وآخر حراً.
أدونيس: لا، أنا أعتقد ان الوزن والقافية هما من بنية الشعر الحر ولن أسميهما قيداً، لكني أبقى أفضل أن اسمي الشعر غير الموزون وغير المقفى بقصيدة النثر.
ماجد موجد: لكن الاصطلاح بالانكليزية هو (فري فيرس) الذي يعني الشعر الحر وهو ماكان شائعاً عن قصيدة النثر وترجم الينا على هذا الاساس، أما ما يسمى عندنا بالشعر الحر اعتقد بانه غير صحيح والاصطلاح الاقرب له هو شعر التفعيلة.
أدونيس: نعم هذا كلام مضبوط، لكن أن نقول قصيدة نثر، فهو يعني ان يتاح لنا ان نكتب الشعر كيفما شئنا بالنثر، وهذا الكلام خارج الاصطلاحات.
أحمد عبد الحسين: أستاذ ... لننتقل إلى موضوع آخر، كان عندكم كتاب عن الوهابية أو الفكر الوهابي، وكان حسب علمي لديكم نية في الاستمرار في هذا المشروع.
ماجد موجد: أعتقد ان هذا كان ضمن كتاب الثابت والمتحول ام ان هناك كتاباً آخر عن الوهابية؟
أدونيس: هذا صحيح، هو كان ضمن الجزء الرابع من كتاب الثابت والمتحول وانا قلت فيه انه لا يمكن أن نفهم الحركة الفكرية العربية إلا إذا فهمناها بجميع جوانبها، ومن ضمنها الحركة الوهابية، وقد منعوا الكتاب في السعودية، منعوا الجزء المتعلق بهذا الموضوع، وما يؤسف له ان هناك مثقفين سعوديين قالوا ان ادونيس كتب عن محمد عبد الوهاب بشكل غير لائق وهم منعوا الكتاب ومنعوني.
ماجد موجد: ما رأيك بما أثير حولك من ان أدونيس قد كان له تناصات او قيل سرقات كما في كتاب كاظم جهاد (ادونيس منتحلاً).
أحمد عبد الحسين: فعلاً ان هذا الكتاب اثار الكثير من اللغط هنا في العراق.
أدونيس: يبدو انه غير رأيه لأنه شعر ان الكتاب لم يؤثر شيئاً، بالمناسبة ان هذا الشخص عاش معي في باريس. (ضحك).
أحمد عبدالحسين: أين غيّر رأيه، في مقال أم في كتاب آخر؟

صمت أدونيس
ماجد موجد: لكنه أشار إلى أشياء واضحة، أعني أشار إلى مصادر كنت قد استفدت منها او حسب قوله انك سرقتها مثل مقاطع من صلاح ستيتية او من كتاب اسمه الفيزياء والشعر قال انك نقلته كله بالكامل ووضعت اسمك عليه.
(يصمت أدونيس دون إجابة)
ماجد موجد: وهناك كتاب آخر اسمه احذروا فايروس اسمه ادونيس يتحدث ايضا عن اتهامك بالتناقض مرة وبالسرقة مرة اخرى.
أدونيس: أي نعم، هذا الكتاب لكاتب مغربي.
أحمد عبدالحسين: نريد أن نعرف رأيك بشكل إجمالي حول كتاب (أدونيس منتحلاً).
أدونيس: تريدون الحقيقة؟ أنا لم اقرأ كتاب كاظم جهاد (استغرق بالضحك وضحكنا معه، ثم أضاف) لأني مسبقاً أعرف الشخص وأعرف دوافعه وهو شيء محزن لكني حقيقة لا أعرف ما فيه أبداً، لكن الذين قرؤوه قالوا لي انه كان شيئا من هذا الذي ذكرتموه.
أحمد عبدالحسين: هل من المعقول انك طوال هذه المدة لم تقرأ كتاباً يتهجم عليك ويتهمك بالسرقة؟
أدونيس: لم اقرأه.
ماجد موجد: بالمناسبة الكتابين اللذين ذكرتهما لك كان قبلهما كتاب آخر لعادل عبد الله ايضاً ربما هو أول من اتهمك بذلك الاتهام.
كريم شغيدل: صحيح، عادل عبد الله شاعر عراقي اصدر كتاباً بنسخ محدودة كان قد سبق كتاب كاظم جهاد.
أدونيس: هذا الكتاب ايضاً لم اقرأه، لكن قيل لي انه انا سرقت هذا الشاعر (واستغرق بالضحك كثيراً) هذا شيء غريب (ثم استدرك) هل عبد الله شاعر؟ ماجد موجد: في معرض الكتاب الذي أقيم في مصر قبل عامين تقريباً أبى سياسيو مصر وعدد من المثقفين ان يستقبلوك وجاء في الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام ان وزير الثقافة المصري فاروق حسني استقبلك على الرغم من الرفض الذي حصل هل تطلعنا لماذا حصل ذلك؟
أدونيس: فاروق حسني رجل ممتاز ومثقف ويتفهم وهو بخلاف كل مايقال عنه ولذلك كان استقباله لي لانه يتفهم من هو أدونيس بشكل عميق.
أحمد عبد الحسين: لكن حقاً كان هناك إشكال بينك وبين المثقفين المصريين أو بعضهم؟
أدونيس: كان هناك إشكال مع احمد عبد المعطي حجازي، هو عنده مشكلة، أنا أبداً ما سببت له أية مشكلة، حتى انه كتب الكثير لكني لم أرد عليه أبداً، وهو طبعي انني لا أرد على أحد. من حق أي إنسان أن يقول رأيه.
أحمد عبد الحسين: هو راديكالي، كتب عن قصيدة النثر كلاماً غير معقول.
ماجد موجد: نعم لديه رأي كارثي، هو يعتبر قصيدة النثر من النثر وليس من الشعر وكأنه يمضي على خطأ العقاد عندما كان يضع قصائد النثر في ملفات القصة القصيرة أو المقال حين كان مشرفا على القسم الثقافي في احدى المجلات.
أدونيس: ليس فقط قصائد النثر وانما حتى قصائد التفعيلة.
أحمد عبدالحسين: العقاد في يوم من الأيام كان يخاطب شعراء القصيدة الحرة بقوله انهم كتاب النثر بالاختصاص. (يضحك أدونيس).
أحمد عبد الحسين: هناك كتاب لعبد القادر الجنابي لا اعرف إن كنت قرأته أم لا، اسمه (رسالة إلى أدونيس).
أدونيس: هذا الجنابي أعرفه منذ ثلاثين سنة، عاش في الغرب كل هذه المدة، ولكنه كان عاجزاً عن أن يقول جملة شعرية واحدة.
أحمد عبد الحسين: الجنابي يؤاخذك في كتابك انك استفدت من الصوفية.
أدونيس: أنا لم اقرأ هذا الكتاب.
أحمد عبد الحسين: خلاص ... لا تقرأه، نحن نقرأه عوضاً عنك، ونقول لك ماجاء فيه. (يضحك أدونيس)
أدونيس: أنا لا أقرأ من عرفتهم جيداً وعرفت كيف يفكرون خصوصاً اولئك الذين اشتغلت معهم وعرفتهم ومنهم كاظم جهاد والجنابي، يمكن أن أكون مخطئاً في اني لم اقرأهم جيداً.لا أريد أن احكي عنهم أكثر من هذا، لكن بالأخير هناك بعد أخلاقي في الكتابة، إذا فُقد هذا البعد الأخلاقي يصير الكاتب بلا معنى.

العرب ينقرضون
أحمد عبدالحسين: تكلمنا أمس مطولاً عن الهويّة بالمعنى الجمعيّ، أود السؤال عما تعنيه الهويّة للفرد مقابل الجماعة؟
أدونيس: الفرد ليس إلا بمثابة ثمرة تتفتح في شجرة التي هي بمثابة أمه. ليس هناك هوية مسبقة، الهوية لا تفبرك، الهوية تُبتكر. مفهوم الهوية مفهوم مبتكر وحديث نشأ مع الحركات القومية الاستقلالية، وهو مفهوم إجرائي أكثر من كونه مفهوماً فلسفياً حقيقياً. مرة كان لدي أستاذ علّمني الفلسفة وكنا صديقين صداقة تلميذ وأستاذ، قلت له مرة ماذا تكتب الآن يا أستاذ؟ قال لي أكتب شيئاً عن الهوية العربية. فقلت ما منهجك؟ على ماذا تستند؟ قال لي اني الآن بصدد قراءة التأريخ العربيّ، وآخذ نماذج من الأحداث والأفكار في هذا التاريخ وأجمعها وأحددها لاستخرج منها خصائص الهوية العربية عبر التاريخ. قلت له: افترض إني أنا مثلاً أو أيّ واحد آخر درس هذا التأريخ وقرأه كما تقرأه أنت واختار منه نماذج أخرى من الأحداث والأفكار والأقوال غير التي اخترتها أنت، وتوصل إلى خصائص هوية عربية مخالفة لما توصلتَ إليه، فمن يكون أكثر صحة، أنت أم هو؟
أحمد عبدالحسين: لا هذا ولا ذاك لأن عملهما قائم على الانتقاء.
أدونيس: نعم، وإلا لنسأل: من يمثل اليوم الهوية العربية، المعريّ أم أبو نواس أم أبو تمام أم امرؤ القيس؟ معاوية أم النفريّ؟ أعود فأقول إن الهوية مفهوم إجرائيّ.
ماجد موجد: قلت في مقدمة الطبعة الثامنة من كتابك الثابت والمتحول ان العربي المسلم مثقف وغير مثقف يستمد هويته من الماضي هو يركن الى لحظة تاريخية صنعت له هذه الهوية وليس بامكانه مغادرتها، لكنك في الجلسة الصباحية قلت ان المثقف يستمد هويته من القادم من المستقبل.
ادونيس: ربما ما كنت اعنيه واريده شيئا آخر واعتقد ان الحوار الذي يقام على اساس التخطئة لن يفضي الى شيء لانه سيكون من اجل الجدل فقط
سعدون محسن ضمد: قبل قليل تمّ الحديث عن الفلسفة التي هي غربية، وعن التصوّف الذي هو شرقيّ، أعتقد إن هذا الكلام يجرنا أيضاً لفهم هويتنا أكثر، هناك فيلسوف غربيّ وعارف شرقي، الفيلسوف يستقري ويستنتج، والعارف يستلهم، ربما هذا يثبت أن مشكلتنا أعمق من الدين وهي تتمثل في إننا ننتج تصوّفاً والحضارات الأخرى تنتج فلسفة، وحتى الفارابي عندنا ربط بين الفيلسوف والنبيّ.
أدونيس: وما المشكلة في ذلك؟
أحمد عبد الحسين: ربما المشكلة إننا لسنا من صنّاع المفاهيم بل من صنّاع الصورة على رأي دولوز.
أدونيس: صنع المفاهيم ليس امتيازاً ولا يمكن لشعب أن ينشأ إلا وتنشأ معه مقارباته للإنسان والعالم، والعرب إجمالاً مقاربتهم الأساسية مقاربة شعرية، وجاء الدين كانقلاب عسكري قسريّ غيّر مجرى الثقافة العربية.وفي الأخير فإن الشعر أعمق بكثير من أيّ مفهوم، أعمق من الفلسفة، وحتى اليوم عندما تصمت الفلسفة ولا يجد العلم جواباً، وكل المعارف الأخرى تحتار ماذا تقول، هناك طاقة عند الإنسان نستطيع أن نلجأ إليها لتقول حيث يصمت الجميع، وهذه الطاقة هي الشعر.
سعدون محسن ضمد: لم لا نسميها الخيال؟
أحمد عبد الحسين: أو ربما الإشراق.
أدونيس: الشعر هو أرقى ما يمكن أن يقارب به الإنسان لا نفسه وحدها وإنما العالم والأشياء أيضاً.
سعدون محسن ضمد: هذا هو الجدل الذي أثرته في جلستك، والمتمحور حول فكرة اننا نأخذ من الغرب كلّ شيء، التصوف والإشراق لا ينتجان تكنولوجيا.
أدونيس: التكنولوجيا ليست معياراً، كنت أتحدث عن الحياة التي نحياها، فأنا أرى أننا خنّا أنفسنا، فلسنا شعراء ولسنا تقنيين، العرب في حالة خيانة مستمرة لذواتهم، ولهذا قلت ان العرب كظاهرة حضارية انقرضوا، هذه الظاهرة عملت ما عملت خلال ألف وخمسمائة سنة، لكنها اليوم انتهت، انقرضت، ومن علائم المأزق الحاضر الذي نعيشه إننا نحن العرب نعيش حياتنا بأدوات لم نبتكرها ونجابه الحداثة بقيم قديمة انتهت، نحن لا حضور لنا على خريطة العالم اليوم إلا بفضل النفط، احذف النفط من عالم العرب، لن يكون للعرب أي حضور حتى ولا الحضور السياسيّ.

التصوّف ضدّ الدين
ماجد موجد: في كتابك (الصوفية والسوريالية) تحدثت عن المقاربة بين الصوفية الإسلامية وبين السوريالية في الفن والأدب ...
أدونيس (مقاطعاً): الصوفية ضد الإسلام، الصوفية في الأساس نقض كامل للإسلام. وهذا الأمر يقع في مشروع قراءة التراث العربيّ، وهو من مهماتكم ويقع على عاتقكم. ولهذا لا يمكن لنا أن نصنع شعراً كبيراً إلا داخل ثقافة عظيمة، لا نستطيع، شعرنا مازال شعر أنين وبكاء وتفجع، قليل من السياسة وقليل من الوطنية وانتهى الأمر، هذا لا ينتج شعراً كبيراً، علينا أن نجابه الحقائق، ليس لدينا مغامرة كبرى في الشعر بل في الفن بعامة. أعود إلى سؤالك وأقول: ان أول عمل للتصوّف هو تغيير مفهوم الله كما ورد في القرآن، اذ ان مفهوم الله قرآنياً قائم على المفهوم التوراتيّ، انه قوة مجردة لا علاقة لها بالإنسان والعالم، غير محايثة، أما التصوّف فقد قدّم مقاربتين: الأولى ان الإنسان يمكن أن يكون إلهاً، وإن الله يمكن أن يكون إنساناً، والثانية مقاربة ابن عربيّ الذي وسع الحدود فقال ان الوجود نفسه هو الله حين قال بوحدة الوجود، وهذا نقض كامل للإسلام. وترتب على هذا النقض أشياء عظيمة، العلاقة بالحقيقة والعلاقة بالآخر والعلاقة بالوجود، تغيّر أولاً مفهوم الحقيقة. ما الحقيقة؟ في الإسلام كما في كلّ الأديان فان الحقيقة هي ما يقوله النصّ الموحى من الآن والى آخر العالم، الصوفية تقول: الحقيقة ليست في نصّ ولا تجيء من ورائنا، الحقيقة هي في التجربة وتجيء من أمامنا، هذا نقض كامل، تغيّر أيضاً مفهوم الهويّة، فالهوية ـ إسلامياً ـ معطاة سلفاً للإنسان، ناجزة، وعليك أن تسلم بها وكفى، أما في التصوّف فليس هناك هوية ناجزة إلا للجمادات والأشياء، أما الإنسان فكائن متحرك يبدع هويته، تغيّر أيضاً مفهوم الواقع، فالواقع ليس ما نراه مباشرة بالعين، ولا نستطيع فهمه إلا إذا فهمنا ما وراءه، والواقع وما وراءه جزء لا يتجزأ، وما نراه ليس إلا صورة عابرة ومتغيرة، ودعت الصوفية إلى وحدة الواقع المؤلف مما نراه وما لا نراه، اللا مرئيّ جزء جوهريّ من المرئيّ، وبالنتيجة غيّروا كلّ شيء. أكثر من كلّ ذلك فان الكائن الإنسانيّ في الإسلام والأديان الأخرى مردود دائماً إلى أصل، الأصول نبع والكائن يتدفق منه، ولذا فان هويته في هذا النبع، التصوّف نقض هذا أيضاً وجعل المستقبل هو النبع، العالم يجيء من المستقبل وليس من الماضي.
أحمد عبد الحسين: في أي نصّ صوفيّ يمكن أن أجد فهماً كهذا؟
أدونيس: عند النفريّ، اقرأ النفريّ.
أحمد عبد الحسين: أنا قارئ جيّد للنفريّ والفضل لك طبعاً.
أدونيس: عليك أن تقرأه بهذه العقلية، ثم ما الكتابة الأوتوماتيكية؟ السورياليون اخترعوها لإلغاء رقابة العقل، واستخدموا لذلك المخدرات مثلاً، المتصوّف ألغى رقابة العقل بالسيطرة الذاتية على جسده وسمى آنذاك الكتابة إملاءً، إملاء إلهي أو سماويّ وهي ذاتها الكتابة الأوتوماتيكة التي قال بها السورياليون.
سعدون محسن ضمد: أليست هذه إعادة شرعنة وتكريسا للوحي؟
أدونيس: لا، لا علاقة لهذا بالوحي، في التصوّف حين تسيطر على جسدك سيطرة كاملة لا يبقى فيك إلا البصيرة التي هي مرادفة للبصر، انظر، اللغة العربية لغة عظيمة، البصر يرى الأفق، والبصيرة ترى العمق، وبالسيطرة على جسدك لا يبقى إلا البصيرة، حينذاك تتحد بمعنى العالم وجوهره، ولا علاقة لذلك بالوحي، بل هو ضده تماماً.
سعدون محسن ضمد: في قراءتي لنيتشه وجدت انه في الوقت الذي يرفض النبوّة كان يسير بجانبها في خط موازٍ لها، والآن أسمع الكلام ذاته تقريباً.
أحمد عبد الحسين: الفرق ان النبوة تفترض عالماً غير محايث.
أدونيس: صحيح تماماً، النبوة هي أن يأتيك كلام من خارج الواقع.
سعدون محسن ضمد: هذا فهم متأخر للنبوة.
أدونيس: لا، هذه هي النبوّة، ولذلك فان المسلمين وسائر أصحاب الأديان يقولون إن هذا الكلام يأتي من الله، ولهذا نحن ننفي عند الصوفية النبوّة بمعناها الدينيّ وليس بمعناها المعرفيّ. التصوّف انقلاب معرفيّ هائل، لكن لا نزال نقرأه كأنه نتاج مجموعة من الدراويش الفقراء.
أحمد عبد الحسين: أظنّ إن هذه الصورة عن الصوفية خلقتها السلطة وكرستها، بينما هم القائلون: ليس منا من خالطته الأغيار الثلاثة، المال والسلطة والدين.
أدونيس: نعم، وهم أيضاً أعادوا للمرأة وجودها. المرأة في الإسلام ليست موجودة، هي مخلوقة من ضلع الرجل، كأنها لا شيء، لم تخلق ككائن مستقلّ، بينما نرى عكس ذلك تماماً عند ابن عربيّ القائل: كلّ مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه.
أحمد عبد الحسين: أليس معنى هذه الجملة إن كلّ "مكان" لا يتحول إلى "مكانة" لا يعوّل عليه؟
أدونيس: الجملة شاملة، تحتمل التأويل لكن المهم فيها هو إنها أعادت للتأنيث دوره التكويني الأولٍٍٍ غير الموجود في الإسلام، سواء كان مكانة أو امرأة، المهم التأنيث، مفهوم التأنيث.
سعدون محسن ضمد: ملاحظتي إن الصوفية ساهمت بتكريس العرفان إزاء البرهان.
أدونيس: انظرْ عزيزي، (مازحاًً) لا تستخدمْ مصطلحات الأستاذ الجابريّ.
أحمد عبد الحسين: الجابريّ الذي قلت عنه يوماً: أبو حفص دخلت عليه يوماً ..
أدونيس: (يضحك) ... فغدّاني برائحة الطعام.

العباسيون أجرأ منا
سعدون محسن ضمد: لئلا أفهم خطأ أقول إني والزميل أحمد عبد الحسين خريجا مدرستين صوفيتين مختلفتين، لكن التركة الصوفية ليست تركة استقرائية بل استلهامية، والاستلهام غير منتج ثقافياً، ببساطة أنا أسأل عن السبب الذي يجعلنا أنبياء لا فلاسفة؟
أحمد عبد الحسين: إن سمح لي زميلي سعدون بإعادة صياغة السؤال، لأقول إننا في كل لحظات الثقافة العربية كان استقاؤنا من الوجدان، ولم نلتفت للبرهان والعقل أيّ التفاتة، ولهذا كان الفضاء الذي تدور فيه الثقافة فضاء ينتمي للشعر والعاطفة، وهذه العودة إلى شخص العارف التي تكلمت أنت عنها أليستْ هي ذات العودة إلى الوجدان والى الأنا. فما الذي سيتغير؟
أدونيس: أنت تقيس وضعاً عربياً خاصاً بوضع تقنيّ غربيّ لا علاقة لنا به، لا تجوز المقايسة، يمكن لك أن تكون عارفاً كفرد وأن تكون تقنياً كمؤسسة، ولا تناقض. أرجو أن لا نخلط الأشياء، فيما يتعلق بالبرهان، بالجانب العمليّ من التفكير العقلانيّ فهو مهمةُ مؤسسة، مهمة الدولة والسلطة، مهمة تقع على عاتق ما هو سياسيّ، وهذا فشلنا في تحقيقه منذ السقيفة وحتى اليوم، لأن السقيفة دمرتنا، ففي الوقت الذي ألغى الإسلام فيه القبلية، وقال لا للقبلية، ماذا عملت السقيفة؟ أرجعت القبلية وطردت أشخاص القبيلة التي ساعدت النبيّ على الانتصار، ولا نزال حتى اليوم نعيش تحت السقيفة، هذا البعد السياسيّ، البعد المؤسساتيّ المتعلق ببناء المجتمع فشلنا فيه فشلاً ذريعاً، ويجب التركيز على إعادة بنائه، وهو لا يتعارض مع كونك عارفاً، بالعكس من ذلك فالغرب التقنيّ لا يزال يبحث اليوم عن شخص العارف ليخلص، لأن تقنيته قتلت الإنسان فيه.
كريم شغيدل: والغرب يهتم اليوم بالروحانيات.
أدونيس: ليس الروحانيات، لقد انتهى لديهم البعد العميق للإنسان، وأصبح نوعاً من الروبوت.
كريم شغيدل: الشائع أن يقال أن الشرق نتاج مخيلة والغرب نتاج عقل، لكني أريد القول أن حضارة الشرق مبنية على الواحدية التي أصلها واحدية الإله، أما الغرب فشأن ثقافته التعدد، تعدد أنتج الصراع مع الآلهة أو الحوار معها، عندنا في الشرق نلحظ هيمنة شيخ القبيلة أو الأب، وأظن أن الغرب تخلص من سلطة الأب، لكنّ ما قلته تواً يذكرني برأي معاكس لك كنت قرأته لك في (زمن الشعر) أنت تقول ان الشعر العربيّ شعر ذاتيّ، والأمة العربية أمة ذات، لكنك تقول هناك إن الشعر الجاهليّ ينطوي على معرفية عالية؟
أدونيس: وأين التناقض؟
كريم شغيدل: كيف يكون نتاج مخيلة وفيه معرفية؟
أدونيس: كان الشعر الجاهلي إنسانياً، هو نتاج مخيلة طبعاً، وهو إنسانيّ بمعنى ان الذات لم تكن فيه وسيلة، كان الشعر الجاهليّ مكاناً يتجلى فيه كلّ ما يمكن أن يخطر على فكر العربيّ أو خياله، الشعر مكان حضاريّ، وهو مكان الثقافة العربية وفيه تجليات الحضارة العربية، انه باختصار حاضن شامل لكلّ ما يجول في ذهن العربيّ قبل الإسلام، خيالاً ومعرفة.
كريم شغيدل: لكن معرفة العرب قبل الإسلام لم تنتج حضارة ولم تؤسس دولة.
أدونيس: ليس ضرورياً أن تنتج دولة، وليس ذنب الشعر ان العرب لم يؤسسوا دولة. انه ذنب السياسة، وذنب العاملين في السياسة، لا ذنب الشاعر.
أحمد عبد الحسين: قلتَ قبل قليل، ان "البرهان" يلقى على عاتق المؤسسة، يجب أن يحققه السياسيّ، كيف يمكن لي أنا العربيّ الآن استعادة لحظة الأنوار أو أن أؤسس هذه اللحظة؟
أدونيس: أولاً ما الأنوار في الغرب؟ إنها باختصار حركة لتقويض دور الدين، لعزل الدين وتقليص حدوده، وهذه الحركة قام بها العرب في العصر العباسيّ قبل الأنوار، وكلّ مرتكزاتنا التي نستخدمها اليوم هي عباسيّة في الأصل: الشعر المحدث، الحديث والقديم،هذه مفردات عباسية ، يتهموننا بأننا استوردناها من الغرب وهي موجودة في تراثنا، وللآن بعد ألف سنة، المحدثون العرب القدامى أكثر جرأة منا نحن في القرن الحادي والعشرين.
ماجد موجد:ابن خلدون يقول ان الدولة العربية تنشأ وهي تأكل نفسها، ليس عندنا تراكم، بدليل ان الدولة العباسية كانت متحضرة لكن ما تلاها من دول تميّز بالنكوص.
أحمد عبد الحسين: إذن لأكرر سؤالي بصيغة أخرى، إذا كان لي الآن، أنا الذي أعاني من الإسلام السياسيّ، أن أستعيد لحظة الأنوار فهل يكون مرجعيتي الفيلسوف "كانت" العقلانيّ، أم أعود إلى العصر العباسيّ الذي قيلت فيه الأنوار بأسلوب وجدانيّ هو أقرب للشعر في فضاء استيهاميّ، أنا أرى ان الأقرب لي والأجدى الرجوع إلى عقلانية كانت ... أليس كذلك؟
أدونيس: يا أخي .. نحن في كردستان .. أليس كذلك؟
أحمد عبد الحسين: طبعاً.
أدونيس: لماذا نحن في كردستان "يستدرك" لنكن بسطاء، لماذا في هذه القاعة نتحدث عن الجنس بحريّة، ونتحدث عن الدين وعن مشكلات الثقافة بنفس الحرية؟ لم لا نرى هذه الحريّة في بلدان عربية أخرى؟ هذا واقع فلمَ نغيب عنه؟ لماذا أستطيع أن أقول هنا ما لا أستطيع أن أقوله في مكان آخر؟ نعم قلته في الجزائر مثلاً فما كانت النتيجة؟ طُرِدَ رئيس المكتبة الوطنية الذي دعاني إلى أن أقول ما قلته، لدرجة اني أحسست بأني مجرم.
سعدون محسن ضمد: طيب لماذا؟
أدونيس: هذا هو السؤال، الذي لا أعرف إجابته.
أحمد عبد الحسين: لا تعرف؟ مع انك القائل: وحيرتي حيرة من يضيءْ
حيرة من يعرفُ كلّ شيءْ؟
هنا ابتسم أدونيس ابتسامة توجز المسافة الفاصلة بين أدونيس الشابّ الشاعر الذي ادعى معرفة كلّ شيء، وأدونيس الشيخ العارف والمفكر الذي تشعّ معرفته لتضيء ما حوله ومَن حوله. الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، غلب أدونيس النعاس، استأذننا ليغادر، انتهى الحوار، لم تنته الأسئلة.

ضياء الاسدي


التعليقات

الاسم: ضياء الاسدي
التاريخ: 15/05/2009 16:33:56
الاستاذ والكاتب المتميز علي الاسكندري
أفرحني حقا مرورك الرائع
دمت
ضياء الاسدي

الاسم: علي الاسكندري
التاريخ: 14/05/2009 11:19:44
فعلا انها صباح الثقافة العراقية تلك الحزمة من رجال الثقافة العراقية الذين تجشموا عناء السفر الى شمال البلاد للقاء قمة بارزة من قمم الثقافة العالميةواقصد به العقل المفكرادونيس الكبير نعم الصباح بقسمها الثقافي المتميز هي منبر الثقافة العراقية بامتياز ووضوح والتي لابد ان تشع على ثقافة العرب التي ما زالت ترزح تحت نير المنابر الماخوذة بسحر الهتاف واذا كانت زيارة ادونيس للجزائر والقائه لمحاضرة في احدى مرافقها الثقافية قد تسببت في اقالة مسؤول كبير في ميدان الثقافة هناك فلنا الفخر نحن ابنا العراق الجديد ان يكون هرم السلطة والممثل لسيادة العراق في استقبال ادونيس الظاهرة والفكر وهو الاستاذ جلال طلباني لقد اثلج مام جلال قلوب مثقفي العراق الحقيقيين الذين يحبون العراق ويتمنون له الخير والرفعة شكرا لاصدقائي احمد عبد الحسين وكريم شغيدل وماجد موجد وسعدون محسن ضمدلانهم انابوا وعبروا عن رغبة كل مثقف عراقي وشرفوا الثقافة العراقية وتساموا فوق نظرة العرب البائدة التي غالبا ما تسعى الى تجريم وتكفير المفكرين الذين لايدينون بالولاء الى الفكر المؤوسسي البائس وشكري الموصول وعرفاني وامتناني الكبير الى السباق واللماح والرائع الاستاذ ضياء الاسدي على هذه المتابعة الرائعة




5000