هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


من قصص الانفال / نحيب القبج

عبدالوهاب طالباني

السهول الممتدة من سفوح جبال (قره جوخ)* شمالا بدأت تتعرى ، وتخلع عن نفسها رداء الربيع ، ومع اشتداد وهج الشمس ، التهبت حقول الذهب بلفحات الصيف القادم ، وبدأت مساحات المراعي الخضراء بالانحسار ، وبدأ القبج الجبلي مضطربا وقد انهكه التعب ، وما عاد يطيق لفحة الشمس الحارة ، ولاحظ (سيامند) ان طائره الاثير لم يعد يطرب صباحات العشيرة.  

لم يكن القبج يفارق "شيرين" ، كان ملتصقا بها ، والضجر اخذ منه كل مأخذ ، الا انه ومنذ ايام كان يطير عاليا ، كأنه يريد ان يبقى محلقا في الاعالي باحثا عن نسمة باردة تأتيه من جبال الثلج ، هذه الامور كانت تأذن بحلول اوان الرحيل نحو المصايف.  

ضج مخيم العشيرة بحركة غير عادية فقد بدأ افراد العشيرة بجمع اثاثهم واشيائهم القليلة ، ويلمون الخيم ، ومن هنا وهناك كانت ترانيم من الالحان الجبلية تتردد ، الازياء الملونة للصبايا كانت كاطياف من حرير ملون تهفهفها ريح الشمال ، وتبدو للمرء في صورة قوس قزح حسية ، وبينما كان قرص الشمس يرتفع ذراعا فوق القمم البعيدة كانت قطعان ماشية القبيلة ، على المدى شمالا وشرقا ، تصعد المرتفعات مخلفة وراءها غيوما منخفضة من الغبار ، فقد سبقت تلك القطعان ركب العشيرة منذ الفجر المبكر.  

نادى الشيخ على شيرين وسلمها عنان اجمل حصان ، ثم قبلها بين عينيها.  

ابتسمت الصبية ذات الخدود الرمانية ، بعذوبة ، اذ فهمت ان الشيخ اختارها ، وكما تقتضي ذلك طقوس اهلها ، كأجمل فتيات العشيرة لقيادة الرحلة الى المصايف .  

سارت شيرين بنشوة عارمة وقد عصبت رأسها بمنديل ملون كانت قد اشترته قبل ايام من سوق (هه ولير)  القديم ، وتدلت جدائل شعرها الحرير تلاعبها نسمات الصباح ، وامتطت صهوة حصانها الجميل وهي تأخذ بلجامه .  

 اميرة كوردية تاخذ قبيلتها الى المصايف ، واسرعت الى  مقدمة الركب .  

حط طائر القبج على كتفها..

القى الشيخ نظرة على القافلة من الربوة القريبة لمضارب العشيرة التي تهيأت ، وانتظمت في السير..  

" ايه شيرين الجميلة ، ترى ماذا يدور بخلدها الان ، هل ازال قلبها شرنقة الطفولة ، ولامس اوتار الهوى ؟ انها بالتأكيد تتحرق للقيا الايائل ، والسهر على ضوء ثريات النجوم التي تضيْ اعالي الجبل".  

لاحظ الشيخ ان مياه المنخفض القريب قد جفت قبل الاوان : ترى هل نسيت دورة الفصول طقوسها ، او اصابها شيْ من الخلل؟  

كانت شيرين تلتفت بين حين واخر ، لتتأكد من انتظام المسيرة ، وتبتسم ، ومع ابتسامتها كانت لاليْ من الجواهر تعاكس شعاع الشمس وتضج قلوب الفرسان الذين كانوا يواكبونها ، فيتحلقون حولها ، لكن دون ان يتجرأ احدهم على تجاوز ركبها.  

كانت شيرين اميرة تقود شعبا من عشاق القمم ، الى حيث الملاذ الحر.  

لم يكن سيامند يفارقها ، كان يلازم ظلها ، منتشيا ، وهو يرى خصلات شعرها الفاحم تلاعبها الريح الشمالية ، ومن خلال لجة الشمس الطالعة من ذلك الصباح الندي ، كان يتراءى له موكب شيرين ، كأنه هودج محمل بالذهب والورد والعسل يتهادى على ايقاع ساحر نحو مكان ما قريب من السماء ، نحو ذلك الافق الذي بدا كأن ستارا من نثار الفضة يفصله عن هؤلاء الكورد الذين اتخذوا من قمم زاكروس ومنحدراته شمالا وجنوبا موئل كل افراحهم واتراحهم منذ ان كان الازل.  

كان الشيخ يسير الهوينا ، ممتطيا فرسه الجميل ، وقريبا منه كان فارس في مقتبل العمر ، يصغي اليه وهو يحدثه عن ذكريات الرحلات ، وايام الشتاء القارسة البرد ،  وانهيارات كتل الثلج في شعاب الجبل ، عن نيران نوروز وامسيات الفرح الغابرة.  

كان الشيخ يحدث ابنه الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة ، ويسمعه شيئا من طقوس حياتهم .  

بعد مسير ساعات ، كان على الركب ان يقف للراحة ، ولكن هاجسا بضرورة مواصلة السير كان يملآ قلب الشيخ ، لذلك لم يسمح بالتوقف ، وكان يتمنى لو استطاع ركبه اجتياز الوادي الذي دخلوه بغمضة عين.  

كلما ابتعد الركب ، كان الافق البعيد خلفه يزداد حلكة ، كان هو وقافلته يهربون من ذلك الافق الذي بدا للشيخ كأنه يلاحقهم.  

على حين غرة بدأت كلاب القافلة تنبح دون سبب ظاهر ، نباحها هذه المرة ، كان اشبه بأنين الموجوع ، وبدت الخيول هي الاخرى تتخبط وتزيد من سرعة سيرها.  

ملامح الشيخ كانت تزداد توترا ، التفت الى ابنه ، راه كأنه كبر اكثر من عمره الحقيقي :  

" احساس غريب يخامرني ، اني اكاد احترق ، المس وهج النار في وجهي ، النار تتأجج في كل مكان ، لهيبها تكاد تتحول سموما تقترب منا..."  

صاح في شيرين: اسرعي ، ولا تنزلي عينيك عن قمة(هه لكورد)**...  

طار طائر القبج في الفضاء ، تابعت شيرين طيرانه ، ارتفع حتى وصل قمة الجبل المحاذي للطريق ، كان يصفق بجناحيه ، ثم عاد مسرعا كالسهم واستقر على كتفها ، وبدا كأنه يغني ولكن غناء اشبه بالنحيب.  

مسدت شيرين ريشه الناعم وهي حائرة ، لانها لم ير طائرها الحبيب على هذا الحال ابدا ، ازداد نباح الكلاب وهياجها ، وبدت الخيول مرتعبة تحرك رؤوسها يمنة ويسرة ، وهي تحث خطاها ، والشيخ الذي كان يمسك بعنان فرسه بقوة ، يلتفت هنا وهناك ، شعر ان مرارة خانقة تسري في حلقه وضجيجا من التساؤلات الغريبة يحتدم في رأسه:  

" عجبا ، هل هو الطوفان ؟ انني احس ببدايات الطوفان نفسه الذي ضيع احدى قوافلنا في العام الماضي ، ترى هل للموت انواع ؟ يبدو ان هذا الموت القادم من اقسى انواعه ، هل يمكن للحاسة البشرية ان تشعر بحشرجة الجذور عندما تقتلع من الارض ؟ اه ..لايمكن ذلك ، هكذا يقال ، ولكن عجبا انني اكاد اشعر الان بهذه الحشرجة ، واحس بوجعها "

كان الشيخ يشعر كأنه يتكسر فوق بعضه ، عروقه بدأت تنضب كمياه المنخفضات ، كان يعتقد انه بدأ يفقد الاحساس باللون والصوت ، والحياه!"  

ضج الوادي ، بصخب طائرات هليكوبتر ، كانت تهبط في اي منبسط من الارض ، تسد الطرقات ، ينزل منها جنود مدججون بالسلاح يتراكضون هنا وهناك ، كانوا يؤدون طقوس القبض على الارواح ، هياكل بشرية بلا ارواح ، قادمة من زمن بلا روح.  

الذي كان يجري في هذا الوادي من بلاد كوردستان كان اعصارا لحقد دفين ، ومن نوع ارعن قاتل ، قادم من كهوف العصبية والظلام.  

امتقع وجه الشيخ ، وغادر اللون جلده المتعب ، رفع رأسه الى السماء بعد ان راى ان طوفانا غادرا يأخذ بخناق اهله:  

" اي طاعون هذا الذي يتفشى في هذه الديار؟"  

كانت الهياكل البشرية تجمع افراد العشيرة المرعوبين ، الشيوخ ، النساء ، الاطفال ، يقيدونهم ، ويسوقونهم الى سيارات الايفا العسكرية التي وصلت المكان للتو...  

اشتد قلق شيرين التي كانت تعيش هذا المنظر المدمر، متوترة ، فزعة ، اعتقدت للوهلة الاولى ، انها في حلم مزعج ، لكنها فهمت اخيرا ان ركبها قد هوى في زمن سحيق من المظالم ، والذبح المباح ، ولكن لماذا ؟   

 للحظة تذكرب اقاربها الذين اختطفوا من قبل هياكل بشرية من الصنف نفسه الذي تراهم الان ، اخذوهم الى اماكن بعيدة لم يعودوا منها قط.  

كانت تمسك بعنان حصانها ، متشبثة به ، وسيامند يحاول ابعادها عن المهاجمين ، كان الشاب يفكر لعله يستطيع اختطافها من هذه النار الحارقة ، لكن الهياكل البشرية كانت تقترب بكثافة وقد حاصرت القافلة من كل صوب.  

تطلعت شيرين الى قمة "هه لكورد" وكأنها تناجيها كمنقذ او مخلص:

" ياقطعة من السماء ، يا تاجا على رؤوس الجبال كلها ، انهم يسرقوننا منك ، ولكن لا يستطيعون اقتلاعك ، فأبق ، ترقب عودة القوافل ، احرس اوكار النسور، واحضن بحنانك اعشاش القبج "  

تدفقت دمعتان صافيتان ولكن ناريتان من عيون السماء ، بينما كانت الارض تهتز تحت هدير الاقدام الهمجية.  

انزلت شيرين طائر القبج من كتفها وهي تهمس اليه:

" هيا ان انطلق يا طيري الجميل الى الاعالي ، ولا تترك هذه الفضاءات ، انا اخشى ان اصطحبك معي ، فلا تتحمل مشاق السفر البعيد ، واوجاع المنافي الحارة ، واوجاع الذبح بالسكين الصديْ ، هيا الى السماء".  

واطلقت الطائر ، وطار القبج بعيدا عن الزلزال ، بينما كانت عينان حزينتان و اصفى من برج الثريا تودعانه.  

اطلقت رصاصات كثيرة ، اعقبتها زخات شديدة من نيران بعيدة ، حاول احد الهياكل البشرية الامساك بشيرين ، وانزالها من على صهوة حصانها عنوة ، الا ان سيامند القى بنفسه على الفتاة ، في تلك اللحظة شعر سيامند ان ستارة من  اللون البنفسجي تنزل امام عينيه ، تحولت الستارة الى لون احمر، تلجلج اللون  فأصبح قاتما ، وسرعان ما تلاشى الى ما يشبه سماء مرقعة بالاف من البقع الباهتة التي لم يكن لها اي لون..  

كانت شرايينه المثقوبة تغوص في كثبان من الملح ، احس انه يحتاج الى انهار من المياه كي يستطيع ازاحة كل تلك الكثبان المالحة ، حاول ان يصرخ ، الا ان الصرخة اضمحلت في مكان لم يعرفه اين ، وتحولت الالوان الى سكون رمادي ..ابدي.  

كان جسد سيامند راية ممزقة من رايات الشعوب المغلوبة على امرها ، تدوس عليها حوافر العصبية والتخلف ، بينما ظلت عيناه الساكنتان مفتوحتان ، مشدودتان الى حيث شيرين التي كان الاعصار الاسود يلفها الى الصحارى البعيدة.

  

- ترجمت الى الانكليزية ونشرت ضمن كتاب (المطر ، الثلج ، العسل - اصوات من كوردستان) للكاتبة الاسترالية جينا لينوكس .

* قرة جوخ جبل يقع جنوب غرب اربيل

** هه لكورد هو الاسم الكوردي لجبل حصاروست وهو اعلى جبل في جنوب كوردستان.

 

 

عبدالوهاب طالباني


التعليقات

الاسم: عبدالله‌ خۆشناو
التاريخ: 2009-06-30 23:09:20
اخی کاک عبدالوهاب
ارچعتنی الی ایام القرائات النهمه‌ المشوقه‌ التی کنا نمتاز بها ایام زمان حتی کدنا نسینا ان هناک اقلام و اوراق و قصص بسسب انقراض القراء و تغیر العصر حیث نحن اصبحنا قصصا و واقع حیاتنا اغرب من الخیال .

اخی ارجعنا الی ما کنا علیه‌ و لتکون سفیر الکورد عند العرب الشرفاء و پیشمرگه‌ مدافع عن الکورد من شراسه‌ الشوفینیون فی نفس الوقت
اتمنی لک طول العمر و القوه‌ لاناملک فی احتضان قلمک الثر الذی لاینبض

اخوکم
عه‌ولای خۆشـــــــــناو

الاسم: بدل رفو المزوري
التاريخ: 2009-04-30 09:46:13
الاديب والكاتب الرائع اخي عبدالوهاب
رائعة كلماتك والاروع اسلوبك المشوق لمتابعة الحدث حتى النهاية فهنا يكمن سر ابداع الكاتب..عشت مع احداثها ورحلت مع ابطال الملحمة الى بلاد الثلج والقبج .عشت لنا ايها الرائع وللادب الانساني الخالد وتقبل فائق احتراماتي
اخوكم
بدل رفو المزوري
المنفى النمساوي

الاسم: وائل مهدي
التاريخ: 2009-04-27 03:30:03
جميل ما يخطه قلمك الامين دائما، يا استاذي

كان جسد سيامند راية ممزقة من رايات الشعوب المغلوبة على امرها

وحبوب سنبلة تجف... ستملأ الدنيا سنابل

حبي لك يا استاذ




5000