...........
...........

..........

قاسم العبودي

..........

المرشحة الاعلامية
تضامن عبد المحسن

............

 .............

المرشحة الاديبة
عالية طالب الجبوري

............

المرشح الاعلامي
محمد الوادي
 

  

 .......

المرشحة الاعلامية  
منى الخرسان

 

 ...........

 المرشح الدكتور

فوزي الربيعي


........

المرشح 

أ د قاسم حسين صالح  


 ........

المرشح الاستاذ

أثيل الهر


......

 المرشحة الاستاذة 

منى الياس بولص عبدالله

  

 ......

المرشحة الاعلامية 

انتخاب عدنان القيسي

........

 

المرشحة الاعلامية 

مكارم المختار

.......

 المرشحة الاعلامية

ضحى المفتي

...............

السفير الجوادي
يرفع رأس العراق
 

د.علاء الجوادي 
......... 
..............  

..........
............
  


....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور الثامن
 

يحيى السماوي  

 

 

 

 

ملف مهرجان النور السابع

 .....................

فيلم عن
الدكتور عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 

 ملف

مهرجان النور السادس

.

 ملف

مهرجان النور الخامس

 

.

تغطية قناة آشور الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ والاهوار

.

تغطية قناة الديار الفضائية 

تغطية الفضائية السومرية

تغطية قناة الفيحاء في بابل 

 

ملف مهرجان النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة الرشيد الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

.

تغطية قناة آشور الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

 

تغطية قناة الفيحاء
لمهرجان النور في بابل

 

ملف مهرجان النور

الثالث للابداع 2008

 

 

 

ملف مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محمد مهدي الجواهري و أغراضه الشعرية

د. يحيي معروف

(ملخص) 

طلع الجواهري علی القرن العشرين من بيت أسواره الدين وأعمدته العلم والأدب. هذا الشاعر، الثائر، العاشق، الجوال، أنشد ما يقارب عشرين ألف بيتاً بعد أن صال وجال، وكابد وناضل، ونفى وتشرد، عاقر الخمرة، غازل النساء وجاب البلاد. فهو جامع للأضداد يعني کان المتنبي تارة، والبحتري تارة أخرى، و أبو العلاء مرة، وأبو نواس مرة أخرى؛ عمر بن أبي ربيعة مرة، والشريف الرضي أخرى. نحن من خلال البحث سنتطرق الى جوانب من شخصيته من خلال أغراضه الشعرية التى حصرناها في:

1- المدح: مدَحَ الجواهري الكثيرين فلم يكن يهدف من ورائه مطامع مادية أو مواقع اجتماعية بل يخرج الى آفاق خارج الممدوح، أو يقصد افادة الممدوح وتحذيره أو توجيهه بالوجه الذي يريده.

2- الرثاء: فقد أجاد فيه وأغلبه يتخذ طابعاً سياسياً تهكمياً، أو انتقاداً .

3- الوصف: انه مارس الوصف ورسم صور النهر والنخيل والشواطى‏ء والجبال فقدم لوحات زاهية في سماء الشعر العربي.

4- الشعر السياسي: يعتبر الغرض الاكبر حجماً في ديوانه، فالسياسة في مذهبه لا تعني سوى، الخوض في غمار الأحداث التي ترتبط بمصير الجميع.

5- الغزل: له وجهة نظر خاص، تختص به في نظراته للمرأة. رغم ان غزله المكشوف أثار ضجةً، و جدلاً وتساؤلاً كثيرة، فلقد كان يكمن وراءه بواعث ودوافع.

  

الكلمات الرئيسية: الجواهري، أغراض الشعر، المدح، الرثاء، الوصف، الشعر السياسي، الغزل.

 

محمد مهدي الجواهري و أغراضه الشعرية

المقدمة

    ولد محمد مهدي الجواهرى عام 1903م بمدينه النجف الأشرف، أي تلک البقعة الرملية الممتدة من صحراء الجزيرة العربية الواقعة على بعد أميال من أرض الكوفة الشهيرة. فقد كانت وما تزال مركزاً دينياً وسياسياً، واجتماعياً، وأدبياً تضخ للبشرية كل حين برجالات وشخصيات لا يمكن اخفاء آثار أصابعهم على أهم الأحداث والوقائع السياسية والأدبية والثقافية في العراق والعالم الاسلامي وتطوراتها، وكذلك لايمكن اغفال دورها في بناء صرح الفكر الانساني بشكل عام. لقد كان الجواهري ابن النجف الاشرف ومن سلالة أسرة متقدمة عمقا" بالغا" في التأريخ الديني والسياسي والاجتماعي للنجف. ولد فى بداية القرن العشرين ورحل في آخره، خاض غمار أحداث قرنٍ صعبٍ و معقد وحافل بالعجب العجاب، بدأ بالقريض وهو في سن مبكر، اشتهر وملك الدنيا وهو لايزال شاباً في مقتبل العمر. قيل عنه الكثير بدءاً من نابغة الشعر العربى، ومروراً بشاعر العرب الأكبر، وأمير الشعراء بعد شوقي، ووارث الشعر العربي وحافظه، ومتنبي العصر وربّ الشعر، وانتهاءً بألقاب وأوسمة أدبية قلّما حصلت وتحصل لشاعر عربي، والحق لايمكن الظن بأن البنى التحتية والأساس في كل هذه التسميات والأنواط غير ثابتة في أرض صلبة، خصبة معطاء، والا كيف صح أن اجتمعت عقول أدبية راسخة، ونجوم متألقة في دنيا الأدب يشار اليهم بالبنان لتعترف بقمة الجواهري، ولتهدي اليه بسخاء ما لا ينحدر اليه السيل ولا يرتفع اليه الطير من المنزلة والعظمة. والواقع أن الاحاطة بشاعر كالجواهري صعب جداً وبيان قراءة خاصة بشخصه وأدبه تمتاز بالشمول والالمام المطلوبين أصعب. فالكتابة عنه بمثابة الكتابة عن مائة عام عاشها بآلامها، وأفراحها بوعي ونبوغ يحسد عليه ، وهي كذلك تعني سبر أغوار آخر شاعر كلاسيكي، أصولي حفظ الشعر العربي من التيه والضياع واكسبه حداثة لا تزول معها أصوله الأولية من الجاهلية الى يومنا هذا، ومما يزيد الأمر صعوبة ندرة المصادر في هذا الشأن والموجودة منها قد لا يفي بالغرض المطلوب.

    لا شك أن القاء الضوء على مجمل أشعاره الذي أنشد ما يقارب عشرين ألف بيتاً خلال عمره المديد البالغ قرناً كاملاً، والذي أرعب الطغاة والجبابرة، وحمل هموم الجماهير وبؤسها وحرمانها، حاملاً خشبته على كتفه متنقلاً في البلدان والأقاليم - لممتلى‏ء احساساً، وقوة، وبراعة في التصوير وخلق الحالة مستجيباً للدواعي الاجتماعية والسياسية. وبغية ازاحة الستار عن الأغراض الشعرية التي يتطرق اليها الشاعر، بل عايشها روحاً وجسماً، ودفع عنها أثماناً باهضة، فالرجل ذو خيال واسع، عنيد، لا يقبل الخضوع، طموح الى أقصى حد، عاشق المجد، لا يستوعبه مجال وزمان.

    وجدنا من الضروري التعرف على البواعث الرئيسية لتفجر الشاعرية لديه وسر تطور شعره، قبل خمسين عاماً تقريباً دار بينه وبين مؤلف كتاب «شعراء الغري» حوارٌ أشار الى هذا الموضوع وفي معرض أجابته عن سر شاعريته قال: (الخاقاني، ج 1، ص 139) «لا أعلم وقد أستطيع التحدث عن سر الشاعرية مطلقاً، أما عوامل تطور الشاعرية فعديدة، أهمها حب الظهور والتنافس، فقد كنت أقرأ شعراً لشعراء مشهورين وأناجي ضميري، بأني هل أستطيع أن أنال مقام ذلك الشاعر؟ أقول بتجرد عن الغرور، أني وصلت الى اليوم الذي شعرت فيه بأنى كما أردت، وأنا مدين لهذا الشعور والاحساس، ودافِع آخر هو أنني وجدت "لسوء الحظ أو لحسنه" من الجرأة على الصدع بالقول أو الجهر به مالم يكن عند الآخرين». لقد صدق الجواهري نفسه في تصريحه هذا، كان في داخله ينافس الشعراء العظام أمثال المتنبي، وأبي تمام، والبحتري، وبشار، وشيخ المعرة، بل كان يرى نفسه ليس فقط قريناً لهم، بل هو أكثر غروراً، وأكثر طموحاً وباحثاً عن المجد والخلود، بل لعله كان يرى نفسه في حالة أخرى رمزاً لبقاء أصوات هؤلاء العظام مدوياً في القرن العشرين. على هذا فانه لم يكن ليترك غرضاً شعرياً قد أفاد به القدماء، الا زين به قصائده، قد صال وجال مقتحماً جميع الأغراض الشعرية. ويكفى أن نلقي نظرة عابرة على دواوينه الشعرية، لنرى كيف أن الأغراض الشعرية تنقاد لقوافيه وتستسلم أمام فكره ولغته وكونه عاش الاحداث السياسية وتفاعل معها وكان هو من صلبها ومن اعدادها الاولى، لذلك نراه متأثراً بالغرض السياسي ومتعمقاً فيه أكثر من بقية الأغراض، ومن الصعب أن نجده في أشعاره بعيداً عن الهم السياسي فهو شغله الشاغل، وعصب هدفه الشعري، فقد خاض المعارك السياسية بجدارة فائقة، واختزل الزمن والمسافات، مفسراً كاشفاً منظراً محللاً، وحاملاً لهموم يقتضيه طموح لا نهاية له، فهو المتنبي الكبير تارة، والبحتري تارة أخرى، أو رهين المحبسين أبو العلاء المعري مرة، وأبو نؤاس بغداد أخرى، فهو عمر بن أبي ربيعة مرة، والشريف الرضي أخرى. ونود الاشارة الى جل شهرته يعود الى تعاطيه الشعر السياسي، فالسياسة كانت لب حياته، ويأتي في المرتبة الثانية شعره في المرأة أو الغزل، فقد كان شعره في المرأة لاسيما غزله المكشوف دائماً المثير للضجة، والجدل والتساؤل. وان كان غزله الأكثر اثارة وعنفاً، فلقد كان يكمن وراءه بواعث ودوافع وعوامل تطرق اليها النقاد وباحثو الأدب العربي، سنشير اليها بشكل خاص من خلال طرح أغراضه الشعرية.

1- المدح:

    اذا كان المدح يعتبر من أهم وأكثر وأشهر الأغراض الشعرية في تاريخ الأدب العربي، فقد تطرق اليه جل شعراء العرب، وما من ديوان لشاعر عربى الا وللمدح بصمات واضحة عليه ومعلوم أن المدح في الشعر العربي كان دوماً ينحى من خلال منحيين ويساق على محورين، فقد كان المدح التكسبي والمدح غير التكسبي، يعني مدح القيم، أو المدح النموذجي، الذي يرى الشاعر في الممدوح النموذج الأمثل، والأحسن، وهو المدح الحقيقي الذي يتقصى الظواهر الحقيقية الكامنة في شخصية الممدوح.

    لقد مدح الجواهري الكثيرين، علماء، رجال حكم، أدباء، شخصيات وطنية، ورموز ثائرة في كل مكان. لا يختلف لديه ان كان الممدوح عراقياً أو عربياً، أو كان من قوم غير العرب، يكفي أن تتطابق شخصية الممدوح مع القيم والموازين أو الشروط التي كان يراها لزاماً لكل ممدوح حتى يكون في مستوى مدح شاعر كالجواهري. فلم يكن مدحه مدحاً يهدف من ورائه مطامع مادية أو يهدف الی الحصول على مواقع اجتماعية أو سياسية، فقد كان مدحه دائماً يستند على الأحوال والظروف الخاصة من الناحية الزمنية والسياسية والاجتماعية. ومن مميزات مدحه، أنه يتفرع في المدح ويخرج الى آفاق خارج الممدوح، أو يقصد في مدحه افادة الممدوح وتحذيره أو توجيهه بالجهة التي يريدها، وهو صادق في مدحه، ذو شفافية، يرسم لوحة رنانة، يبقى مع الممدوح ويشتهر به، وحتى أن السمات البارعة التي ينسبها الى ممدوحه قد تطغي على شخصيته وقد تخلق منه شخصية أخرى في عيون الآخرين.

    انه في العشرينيات وفي بداية نبوغه الشعري وفي خضم أحداث ثورة العشرين وما تلاها مدح رجال الثورة ومجدهم أيما تمجيد. (من قصيدة ثورة العراق، الجواهري في العيون ...، ص 45)

وَدعوةٌ مشهودةٌ            تَدعُو لِيومٍ يَشهَدُ

قامَ بها مُقَلّدٌ              بعزمِهِ مجتهدُ

محمدٌ ومُعْجِزٌ          مثلُكَ يا محمدُ

 ويأتي بعد تعظيم قائد الثورة ومحركها آية الله الشيرازي الى دور أبناء الشعب في هذه الثورة العارمة:

يَرَوْنَ أَقْصَى مَطْمَعٍ                في الحربِ أَنْ يَسْتَشْهدُوا

كأنَّما ليستْ لهم                           نفوسُهُمْ والولدُ

 ثم يميل ليعتبر هذه الثورة ثورة كل العرب:

يا ثورةَ العُرْبِ انْهَضِي               لا تخلقِي ما جَدَّدُوا

لا عاشَ شَعْبٌ أهلُهُ                     لسانهم مُقَيَّدُ

    عمل الجواهري في تشريفات الملك فيصل الأول مدة، وقد خص الملك بعدة قصائد مدح فيها الملك وخصه بصفات وخصال مميزة:

للهِ درُّكَ مِنْ خبيرٍ بارعٍ                     يَزِنُ الأمورَ بحكمةٍ وصوابِ

يُعنَی بما تَلِدُ اللَّياليَ حِيطَةً                    و يعدُّ للأيامِ ألفَ حسابِ

مُتمكنٌ مما يريدُ يَنَالهُ                   موفورُ جأشٍ هادى‏ءُ الأعصابِ

و اذا الشُّعوبُ تفاخَرَتْ بِدهاتِها                   في فضِّ مشكلةٍ وحَلِّ صِعابِ

جاءَ العراق مباهياً بسميدعٍ                 بادي المهابةِ رائع جذابِ

    وبعد أن يستمر بالقاء الصفات والمآثر على الملك، يرجع الى طرح نفسه بعنوان الشاعر النبيه الذي بامكانه أن يترصد الأمور: (ديوان الجواهري، ج 2، من قصيدة الى جنيف، ص 56)

إنِّي هززتُكَ بالقوافي قاصداً              بكَ خدمةَ التاريخِ والآدابِ

أَطنَبتُ في غُصَصٍ لدي كثيرةٍ          تبيانُها يدعُو الى الإطنابِ

لي حَقُ تَمحيصِ الأمورِ كَوَاحِدٍ         مِنْ سائرِ الشُّعراءِ والكتابِ

إذا أُصبتُ فَخَصلَةٌ محمودةٌ                واذا زَلَلتُ فلَستُ فاقدَ عابِ

    وبعد وقوع ثورة 14 تموز عام 1958م سارع الى تأييدها ومباركتها باعتبارها تحقيقاً لأمل كل الجماهير، وقد مدح زعيم الثورة عبد الكريم قاسم بقصائد عديدة، وكان بينهما علاقات صميمية حتى قيل ان الجواهري قد وجد فيه سيف الدولة: (نفسه، ج 5 ، ص 38 ؛ من قصيدة المستنصرية)

أَعِدْ مَجْدَ بغدادَ ومجدُك أغلبُ                وجَدِّدْ لها عهداً وعهدُك أطيبُ

وأَطْلِعْ عَلَى المُستنصريةِ كوكباً                 وأَطْلَعْتَهُ حَقّاً، فإنَّكَ كوكبُ

أقمتَ بها عزاً عريقاً مُكَعَّباً                    وكانَ بها ذُلٌّ عريقٌ مُكعبٌ

ثم يملي على الزعيم مايراه مناسباً ومقام الثورة من ألقاب وأوسمة:

أبا كلِّ حرٍّ لا أبا الشَّعْبِ وَحْدَهُ              إذا احْتَضَنَ الأَحرار في أمَّةِ أبِ

    انه لم يقتنع باعتبار عبد الكريم قاسم أباً للشعب العراقي بل تعداه في ذلك الى أب جميع الأحرار في العالم، حينذاك يرى نفسه وقد تقرب الى قلبه مستغلاً المناسبة ليطلب منه إطلاق سراح بعض المسجونين ويكون لهم لديه شفيعاً:

أَبا كُلِّ حُرٍّ لِي إليكَ شَفَاعَةٌ               فهلْ أنا ذَياكَ الشَّفيعُ المُقَرَّبُ

ويقول:

هنالكَ فيما بين مَثْوىً وآخر          شباب عن الأفراحِ في العيدِ غيبُ

حنانَيْكَ لاتَغْضَبْ عَلَيهم بِظنَّه          فَلَلْمَوتُ مِنْ سُخْطِ المُحِبِّينَ أَطْيَبُ

ومن هنا بدأ الجواهري بتحذير عبد الكريم قاسم من مؤامرات قد تحاك ضد الثورة:

أبا الشَّعْبِ لاأُخْفِيكَ بَثّاً يَهُزُّنِي                   وما أنا لِلْخلِّ الصَّريحِ مُرَوِّبُ

تَسَرَّبَ هَمْسٌ أنَّ فَقْعاً بِقَرْقرٍ                          يُعِيدُ شراكاً للهزبرِ ويَنْصبُ(2)

 (2) مروب: غاش؛ فقع بقرقر: كنايه عن مخلوق ضعيف، الهزبر: الأسد الكاسر.

    في عام 1953م وبمناسبة تتويج الملك فيصل الثاني على عرش العراق وذلك بوصاية خاله الأمير عبد الاله، ألقى الجواهري في حفل التتويج قصيدة في مدح الملك والوصي، وبعد سنين من ذلك اعتبر الجواهري هذه القصيدة هاوية وقع فيها، أو لحظات ضعف، وانتقد نفسه وشاعريته في ذلك، وهذه من خصائصه فهو على الرغم من اباءه وغروره لكنه في لحظات الهفوة يعترف اعتراف التائب العائد. في كتاب الجواهري صناجة الشعر العربي في القرن العشرين، تناول الدكتور زاهد محمد زهدي هذا الموضوع بالتفصيل. وعلى الرغم من أن الدكتور يضم صوته الى أصوات منتقدي هذه القصيدة، لأنها كانت في زمن كان الألم يعصر بالعراقيين والتعسف والظلم كان ينهش جسم المجتمع العراقي، لقد أخطأ الجواهري في تقديره لزمن انشاد هذه القصيدة، على الرغم من كل هذا فقد دافع الدكتور دفاعاً حسناً عن الشاعر وقال: فاذا كان السادة الذين تصدوا للجواهري يأخذون عليه قصيدة مدح لهذا أو ذاك من رجال الدولة في الثلاثينيات من هذا القرن فيطالبون برأسه لهذه الأسباب وبشطبه من قائمة القوى الوطنية، فماذا يتوجب علينا أن نفعل بشعر أبي عبادة البحتري مثلاً حين يمدح خليفة العباسي المتوكل قائلاً:

قد جَعَلَ اللهُ الى "جعفرٍ"                    حياطةَ الدِّينِ وقَمْعَ النِّفاقْ

طاعتُهُ فَرْضٌ وعِصيانُهُ              مِنْ أعظمِ الكُفرِ وأَعْلى الشِّقاقْ

 وما هو رأيهم حين يعزي البحتري المتوكل بوفاة أمه:

لَئنْ رُزِئْتَ التي مامثلُهَا امرأةٌ                   لقد أتيت الذي مامثلُهُ رجلٌ

والناسُ كلُّهُم في كُلِّ حادثةٍ                  "فداءُ نَعْلِكَ" أنْ يَغْتَالَكَ الزَّلَلُ

ثم ما رأى هؤلاء السادة، شانئي الجواهري بالشاعر العظيم أبي الطيب المتنبي وهو يمدح كافوراً:

قالوا هجرت اليه الغيث، قلت لهم:                    الى غُيُوثِ يَدَيْهِ والشَّآبِيبِ(1)

إلَى الذي تَهبُ الدَّولات راحتُُهُ           ولا يَمُنُُّ عَلََى آثارِ مَوهوبِ

(1) الشؤبوب الدفعة من المطر الشديدة وجمعه شآبيب قال أبن جنى يقول تركت القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه.

ثم يقول هاجياً الأستاذ الذي مدحه، يعني كافوراً، فيقول في هجائه:

إِنّي نَزَلتُ بِكَذّابينَ ضَيفُهُمُ                    عَنِ القِرى وَعَنِ التَرحالِ مَحدودُ

جودُ الرِجالِ مِنَ الأَيدي وَجودُهُمُ           مِنَ اللِّسانِ فَلا كانُوا وَلا الجودُ

    هل نشطب على البحتري وعلى المتنبي مثلما يحاول البعض من هؤلاء السادة الأفاضل أن يشطبوا على الجواهري العظيم لمجرد أنه مدح بعض رجالات العهد الملكي؟ واذن فنحن انما ندرج قصائد الجواهري في مدح بعض أقطاب الحكم في العراق في أوقات مختلفة في باب الصراعات والمناورات بين هؤلاء الحاكمين. ولقد قال في نقد قصيدته في التتويج "لقد اغتصبت في تلك الزلة ضميري. لأني وبمحض ارادتي هرولت مسرعاً الى تلك الهاوية" ولكن هذا لم يرض خصومه على الاطلاق.  (زهدي، ص 349) نورد مقاطع من قصيدة التتويج:  (الجبوري، ص 126)

تِهْ يا ربيعُ بِزَهْرِكَ العَطِرِ النَّدى            وبضوئك الزَّاهِي ربيع المولدِ(1)

باهَ السَّما ونجومها مُتَشعشعٌ                   عريان مِنْ نجمِ الرُّبَى المُتَوقدِ

يا أيها "الملكُ" الأغَرُّ تحيَّة                    مِنْ شاعرٍ باللُّطْفِ منكَ مُؤيّدِ

أنا غرسُكُم أعلى أبوكَ محلَّتي                 نبلاً وشَرَّفَ فَضْلُ جدِّكَ مقعدِي

ما كانتِ الزُّلْفَى ذريعةََ مغنمٍ                   يُرْجى ولست عَلََى اللهي بِمُعَوّدِ

يا ابنَ البتولِ وفيكَ عزُّ شمائل                مِنْ جدِّكَ النُّور الأغرّ محمدِ

(1) تِهْ: مِنْ تاه يتيه تيهاً: تكبر، تائهة: المتكبر؛ شعشع: انتشر، شعشع الضوء انتشر.

2 - الرثاء:

    اذا كان الرثاء ممزوجاً مع المدح في الشعر العربي، أي أن الرثاء في الواقع هو مدح بفارق أن الممدوح هنا ميت. ولقد كان للموت وقع خاص لديه سواء بالنسبة اليه أو بالنسبة الى أطرافه. فقد أجاد الجواهري رثاء أحبائه أو الذين كان يعتبرهم نماذج تاريخية، فقد رثاهم ورثا معهم المجتمع وحتى رثا نفسه معهم. مما يمتاز به رثائه قياساً الى رثاء بقية الشعراء هو أن الشاعر قد يتخذ الرثاء ذريعة للدخول في مفردات كثيرة ومتنوعة، وأغلب الرثاء في شعره يتخذ بالتالي طابعاً سياسياً تهكمياً، أو انتقاداً لظروف خاصة، أو مطالعات سياسية واجتماعية يبين فيها الشاعر آرائه المستخلصة من تجاربه السياسية والاجتماعية. فالرثاء عنده ينقسم الى رثاء خاص وهو للمقربين من أهله ومعارفه، ورثاء عام ينشده لرموز وشخصيات سياسية، أجتماعية، أدبية. رثاءه، رثاء عاطفي يجيش مع الأحاسيس الصادقة التي تعبر عن احتراق داخلى للمفقود. و هو من القلائل في اتخاذه رثاء نفسه، ويعود رثاء النفس هذا، الى ما كان يراه من غمائم سود في رحاب الأفق السياسية، والأجواء التي كانت تحيط به، وهو على الرغم من كونه مشهوراً بالتفاؤل بحتمية حصول التغيير وعدم بقاء الأرضية لظلم الظالمين وطغيان الطغاة، لكنه لا يفتأ يتذكر الموت، هذا الهاجس الخطير الذي ليس لأحد ابعاده عن نفسه. وهو القائل:

مَنْ منكُمُ رغمَ الحياةِ وعيبها              لم يحْتسبْ للموتِ ألْفَ حسابِ

أنا أبغضُ الموتَ اللئيمَ وَطيفَهُ             بغضي طيوف مخاتل نصابِ

ذئبٌ تُرَصِّدُنِي وفوقَ نُيوبِهِ               دمُ اِخْوتِي وأقاربي وصحابي

    في قصيدة "حافظ ابراهيم"، رثى الجواهري الشاعر حافظ ابراهيم وكان رثاءه في الواقع رثاءً لنفسه وللآخرين الذين يخطفهم الموت لا محالة، قال: (الجواهري في العيون من أشعاره، ص 112)

نفوا إلى الشِّعْر حُراً كان يَرْعَاه                 ومن يشق على الأحرار منعاه(1)

أَفْنَى الزَّمانُ عَلَى نادٍ "زَها" زَمَناً                  بِحَافِظ واكْتَسَى بِالحُزْنِ مَغْنَاهُ

(1) منعاه: نعيه؛ مغناه: نشيده.

ثم يستغل الجواهري رثاء حافظ ابراهيم ليطرح من جديد نظراته وتشائمه من الموت:

ضَحيَّةَ الموتِ هَلْ تَهوِي معاودَهُ              لعالمٍ كنتَ قيلاً من ضحاياهُ

ما لذَّةُ العيشِ جَهْلُ العيشِ مَبْدَأُهُ             والهمُّ واسطةٌ، والموتُ عُقباهُ

أما في رثاءه لأمير الشعراء أحمد شوقي ومن خلال قصيدته عام 1932م فانه قد جعل حفل التأبين، مجلساً للبكاء على الأدباء والمفكرين، بل رثاءً للفكر والإنسانية: (ديوان الجواهري ج2 ص133)

طَوَى الموتُ رَبَّ القوافي الغُرَرْ                و أَصْبَحَ شوقي رَهينَ الحُفَرْ

وجِئْنَا نُعَزِّي بِهِ الحاضِرينْ                     كأنْ لم يكُنْ أمسِ فيمَنْ حَضَرْ

ومن هنا يقفز الجواهري الى نظريه تنازع البقاء وحتمية الصراع وبالتالي الرحيل والموت ان شئنا أو أبينا:

ولكنْ يريدُ الفَتَى أنْ يَدُومْ                    ولو دامَ سادَ عليهِ الضَّجَرْ

ويَأْبَى التَّنازُعُ طُولَ البَقاءْ                    وتَأْباهُ بَغْياً نُفُوسٌ أُخَرْ

وهنا يسجل الجواهري قمة التصوير والتمثيل في رداء الرثاء:

"شكسبير" أُمَّتُهُ لَمْ يُصِبْ................هُ بِالْعِي داء ولا بالحصرْ

كأنَّ عيونَ القوافِي الحِسا               نِ مِنْ قبلُ كانَتْ لَهُ تدخرْ

وان اصدقنَ "فشَوْقِي" لَهُ               عيونٌ منَ الشِّعرِ فيها حَوَرْ

    ولقد أبدع الجواهري في مجال الرثاء أجمل الابداع، وخلق معجزة شعرية قد لا تضاهيها أخرى، وهي قصيدته الرائعة في رثاء أبي الأحرار الأمام الحسين (ع) «آمنت بالحسين»، فقد سجل سطوراً حماسية خالدة، أضافها الى ما قيل من شعر النعي والرثاء على الحسين (ع). ولم يكن عبثاً بكتابة خمسةعشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيسي الذي يؤدي الى الرواق الحسيني (من المتقارب)

فداءً لمثواكَ مِنْ مَضْجَعٍ                  تَنَوَّرَ بالأَبْلَجِ الأروعِ(1)

بأعَبْقَ مِنْ نَفَحَاتِ الجنَا..................نِ روحاً ومنْ مِسْكِهَا الأَضوعِ

ورعياً لِيَوْمكَ يَوْمَ الطُّفُوفْ               وَسَقْياً لأرْضِكَ مِنْ مَصْرَعِ

فيابنَ "البتولِ" وَحَسْبِي بها                   ضَماناً عَلَى كلِّ ما أدَّعِي

 (1) الأبلج: وضّاء الوجه؛ الأروع: المعجب بشجاعته أو حسنه.

    ومن الممكن القول أن براعة هذه القصيدة تعود الى الأرضية النجفية للجواهري، حيث المنابر الحسينية وأيام عاشوراء ومجالسه، وهنا يصل الى بيان صراع الحق مع الباطل وعدم استسلام الامام الحسين (ع) للباطل، و اباءه وشجاعته بتقديم نفسه رخيصاً للهدف الأسمى:

وعَفَّرت خدِّي بحيثُ استرا.............حَ خَدٌّ تَفَرَّى ولم يضرعِ(1)

وحيثُ سنابكِ خيلِ الطُّغَا.....................ةِ جالتْ عليهِ ولم يَخْشَعِ

(1)  لم يضرع: لم يضعف ولم يتذلل.

    وفي لحظات قدسية يتأمل الجواهري ويرى أنه قد يتقن بالاعتماد على عقله دون أي مصدر آخر، بأن السر في هذا الاباء وفي هذا الشموخ الذي يستنكف عن عرض الحياة الداني ويتسلق سلم المجد، يكمن في عظمة الامتداد النبوي عبر الامامة، والذي هو امتداد للوحي:

وَآمَنت إيمانَ مَنْ لايَرى                 سِوَى العقلِ في الشَّكِّ مِن مَرْجَعِ

بأنَّ الاباء، ووحيَ السَّماء                             وفيضَ النبوةِ، مِنْ مَنْبَعِ

تَجَمَّعَ في جوهرٍ خالصٍ                           تَنَزَّهَ عَنْ عَرَضِ المَطْمَعِ

    في عام 1956م دُعي الجواهري الى دمشق للاشتراك في حفل تأبين الشهيد عدنان المالكي، وقد نظم قصيدة في رثاء الشهيد ولكنها كانت قصيدة سياسية أشار فيها الشاعر الى جملة أمور سياسية ومؤامرات كانت تحاك ضد الأمة العربية في العراق وسوريا وقد اشتهرت هذه القصيدة اشتهاراً بالغاً وأي محفل يذكر فيها الجواهري يذكر معه غاشية الخنوع: (الجواهري في العيون من أشعاره، ص 376)

خَلَّفْتُ غاشيةََ الخُنوعِ وَرائي                وأتيتُ أقبسَ جمرةَ الشهداءِ

مِنْ عَهْدِ "قابيل" وَ كلُّ ضحيَّةٍ                 رمزُ اصطراعِ الحَقِّ والأهواءِ

    وعندما يتم توصيف حالته السياسية وهروبه من العراق، يرجع ليرثي المالكي، يجعل من رثاءه مجلساً لعرسه فالشهادة في عرف الأبطال عرس للعروج والارتقاء.

قِفْ بي فلستُ بمأتمِ الرِّثاء        أيهان عرس رُجُولةٍ ببكاءِ

    ثم يحاول استنطاق الشهيد لتكتمل اللوحة وليتطرق الى الأوضاع السياسية في بلده وقيود الأحلاف:

عدنانُ أنْطَقَنِي فَقَدْ حنقَ الشَّجا             بفمِي البليغِ مقالةَ البُلَغاءِ

حاسبت نفسَ الأناةِ تردها            في معرضِ التَّصريح للايماءِ

أسطورةُ "الأحلافِ" سوفَ يَمجُّها        التاريخُ مثلَ خرافَةِ الحُلَفاءِ(1)

(1)  المقصود هو- حلف بغداد - الذي كان الشهيد في جملة الاحرار الشجعان الذين يناصبونه العداء.

3- الوصف

    لقد قيل قديماً ان الأصل في الأغراض الشعرية هو الوصف، بل أن بقية الأغراض عمادها الوصف، سواء كانت مدحاً أو رثاء، أو حماسة، أو غزلاً، أو فخراً، أو أي غرض آخر، فالوصف هو الغرض الشعري الذي به يستبان قدرة الشاعر الابداعية ونفوذ خياله في تجسيد الرموز المطلوبة وترسيمه في لوحة فنية يستذوقها المتلقي، فبراعة التصوير هي التي تجعل المتلقي يحس بلذة الشعر، ومن ثم يحمله التأثر بوقعه الفني، وتأتي المضامين والأشكال الفنية الاخرى في مرتبة بعد هذا الوصف.

    على الرغم من أنه قد بدأ مشواره مع الشعر متفاعلاً مع قضايا سياسية كبرى، الا أن الوصف لديه قد بدأ يتفجر عنده من خلال تأثره العميق بالطبيعة الايرانية عبر زيارتين قام بهما لايران في عامي 1926  -1924م وهو ينبهر انبهاراً بجمال وروعة الجغرافية والطبيعة في ايران وتراه قال عن ذلك: (ذكرياتي ج1، ص 122) فمن النجف المحاطة بالسور العتيق المتهاوي وقبورها، لا أريد أن أظلم شواطئها الصغيرة والجميلة معاً، من هذه البيئة وبحق وأمانة ففيما يفصل بين صورها الحزينة هذه وبين بهجة الرملة الحمراء، فقد شاءت الصدفة أن أتجاوز ذلك بسفرتي الأولى ربوع ايران، واذا بي بين الينابيع الدرارة والسهول الخضراء والجبال الشاهقة العملاقة وأغاني الرعاة والبدو الرحل أصحاب المقامات الشهيرة وبأنغام الناي الجميل والحان "التار" الساحرة اللذين ظلا يأسران النفوس قبل الأسماع منذ آلاف السنين« فأنشد قصائد عديدة في وصف الطبيعة الخلابة لايران، مثل قصيدة الريف الضاحك، وقفة على كرند، على دربند، الخريف في فارس، في شميرانات طهران.. وغيرها. وكانت أغلبية هذه القصائد جاءت من وحى صفاء الجو، واعتدال المناخ وعذوبه الهواء للطبيعة الايرانية الساحرة على حد قول نفسه. ولقد قال أيضاً: ففي هذه المقاطع، وقليل من غيرها، استطعت أن أعرف ما هو الشعر الطبيعي، وكيف تثور النفس الشاعرة، وتختلج الفكرة، ويدب المعنى ويختلق النفس. جاء في قصيدة بريد الغربة في وصف شميرانات طهران: (ديوان الجواهري ، ج 1، ص 360)

هَبَّ النَّسيمُ فَهَبَّتِ الأشواقُ                       وهفا اليكُم قلبُهُ الخفاقُ

هي "فارسٌ" وهواءُها ريحُ الصَّبا          وسماؤُها الأغصانُ والأوراقُ

"شمرانُ" تُعْجبنِي، وزهرةُ روضِها           وهواءُها ونميرُها الرّقْراقُ

 الى أن يقول:

وعليهِ مِن وَرَقِ الغُصُونِ سرادقُ               مَمدودةٌ ومِنَ الضلال رواقُ

في كلِّ غُصْنٍ لِلْبَلابِلِ ندوةٌ                     وبِكُلِّ عُودٍ لِلغِنا إسحاقُ

 وقال في قصيدته "على دربند" عام 1926م:

قُرىً نُظِّمَت نَظمَ الجمانِ قلائداً                  أو الدُّرِ مزداناً أو الماسِ رصعاً

صفوفٌ من الأشجارِ قابلنَ مثلها             كما مصرع في الشِّعرِ قابل مصرعاً

وَقَفْتُ عَلَى النَّهرِ الذَّي مِنْ خَرِيرِهِ                فرعتُ منَ الشِّعْرِ الإلهي مَطْلَعا

    لقد عبر عن جمال وبداعة مصيف دربند في طهران، ففكر فلم يجد أحلى وأدق ترتيباً وتنظيماً للصورة الرائعة في قلائد الجمان أو الدرر والالماس الذي يبهر العيون والقلوب معاً، ليقرب التشبية لدرك سحر و جذابية هذه الطبيعة. و هو في وصفياته لايبتعد عن شاعره المحبوب رسام الوصف الشعري أبي عبادة البحتري، فهو يحاكي الطبيعة والجمادات ليشكل رباط حي مع الانسان ويزقها بالحركة والنشاط. رغم أنه لا يوصف بشاعر الوصف ولم يصل في هذا الى محبوبه البحتري الا أنه مارس الوصف ورسم صور النهر والنخيل والشواطى‏ء والجبال فقدم لوحات براقة في سماء الشعر العربي، مثل "بغداد على الغرق"، "الفرات الطاغي"، "الغراف الميت"، "بعد المطر"، "يا فراتي" و "دجلة في الخريف" و"دجلة الخير"، أنه في لوحاته هذه يقف على الماء رمز الحيوية ليضفى حياتاً ونشاطاً على كل شي‏ء، ولعل هذا يرجع الى عشقه الكبير لرافدين العراق الخالدين واللذين هما رمز البقاء والحيوية في العراق، قال في قصيدة "بعد المطر": (نفسه، ج 1، ص 306)

عاطَى نباتَ الأرضِ ماءُ السَّما            ما لاتُعاطِيهِ كُؤوسُ الرَّحِيق

أوشَكَتِ القِيعانُ إذْ فتحت                 لها السَّما، مما عَرَاها تضيق

    ويتحول الى ما بوسع المطر أن يبعث الروح والحياة في كل شي‏ء لاسيما حين يأتي الربيع الطلق:

جاءَ الربيعُ الطَّلِقُ فاستبشري                     غريمك البرد طريد طليق

كُلُّ وجوهِ الأرضِ مكسوة                      لفائف الأزهار حتَّى الطَّرِيق

    و ها هو يصل الى أعلى صُوَره الوصفية في "يا دجلة الخير"، وهو بعيد عنها ليخطط على قلبه الخفاق ماءها، وشواطئها، وسفحيها، فيناديها، ويشكو اليها، ويوعدها اللقاء: )الجواهري في العيون ...، ص 428(

يادجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ               على الكراهةِ بينَ الحينِ والحينِ

حييتُ سفحَكِ ظمآناً ألوذُ بِهِ             لَوذَ الحَمائمِ بين الماءِ والطينِ

يا دجلة الخير: يا أطياف ساحرةٍ             يا خمرَ خابيةٍ في ظِلِّ عُرجونِ

 وفجأة يصف دجلة الحب، دجلة الخير بوصف جديد فيه خشونة فيه شكوى سببتها الغربة و البعد:

يا سكتةََ الموتِ، يا إعصارَ زَوْبَعَةٍ           يا خِنْجَرَ الغَدْرِ، يا أغصانَ زيتونِ

4- الشعر السياسي

    يعتبر الشعر السياسي الغرض الاكبر حجماً في ديوان الجواهري، وذلك أن هذا الغرض هو الوسيلة والهدف معاً، لقد جمع بينهما، أي جمع بين روعة وقمة الفن الشعري وبين الاحتراف السياسي، والسياسة في مذهبه لا تعني سوى، الخوض في غمار الأحداث، الأحداث التي ترتبط بمصير الجميع، فهي ليست من باب التملق السياسي وارتداء زي السياسيين بغية مطالب ومكاسب، بل السياسة عنده المقاومة، عدم الركون، الغربة والابعاد، هذه هي مفرداته السياسية و الشعرية. وقد تشابكت وتلاحمت قصائده مع حياته السياسية، فلا شعر دون مقاومة الطغاة، و دون الوقوف في الصف الامامي في مظاهرات الشعب، ولا شعر دون تمجيد الشهداء والوقوف مع المظلومين والمنكوبين، ومقارعة أعوان الاستعمار وأذنابه، فهو سجل حافل بالتاريخ السياسي للعراق والأمة العربية. لا يمكن لمن يريد أن يدرس الأوضاع السياسية في العراق منذ مطلع القرن العشرين وحتى الثمانينيات، تجاهله، شاعراً سياسياً، صانعاً للأحداث، محركاً للتطلع والآمال، حامياً للضعفاء والمحرومين، حاضراً في قلب المسيرة وكأنما السياسة عاجزة عن التخلي عنه ولا الجواهري بامكانه التجزؤ والانفراد دونها، ولعله الشاعر الذي امتاز بين أقرانه من فطاحل الشعراء لم يركن، ولم يهدأ، ولم يخمد وكانت عصاه في كل حال على أهبة الاستعداد ودون كلل:

أنا حتفُكم أَلِجُ البيوتَ عليكم               أغري الوليدَ بِشَتْمِكُم والحاجِبا

    بعيداً عن كل ماقاله الجواهري تبقى الصورة السياسية والغرض السياسي هو الطابع الأكثر وضوحاً والأكبر مساحة في شعره. واليوم لا يمكن للمؤرخ المنصف لتأريخ العراق الحديث أن يكون صورة موضوعية عن نضال الشعب العراقي في سبيل حرياته الديمقراطية وحقه في المواطنة الكريمة، والمشاركة في الحكم دون أن يقرأ ديوانه قراءة متفحصة، وأيا كانت الصورة التي يخرج بها فانه لا يستطيع أن يهمل دور الكلمة الشعرية هذه، لسنا نقصد بذلك أن شعره أصبح وثيقة تاريخية بالمعنى الضيق للكلمة، بل نعني أن شعره كان التعبير الفني الأكثر صدقاً ونضوجاً عن معاناة الشعب العراقي ومأساته الدامية، وبالأخص منذ أربعينيات هذا القرن وحتى الوقت الحاضر.(الراضي، مجلة المدى، عدد 19) لقد ذاعت شهرته ذيوعاً كبيراً لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد أن وصل صوته الى ساحة شعر الوطن العربي كله، واقترن اسمه بتاريخ العراق السياسي الحديث. (علوان، ص 257) فقد صرخ للعراق، وصرخ لكل العرب في مصر، ولبنان، وفلسطين، والمغرب، والجزائر وسوريا، فقد استوعب فضلاً عن العراق ومصائبه هموم الوطن العربي:

يتبَجحوُنَ بأنّ مَوجاً طاغياً        سَدُّوا عليهِ مَنافذاً ومَساربا

كذبوا فَمِلء فمِ الزمان قصائدي    أبداً تجوبُ مشارقاً ومَغاربا

تستَلُّ من أظفارِهم وتحطُّ من       أقدارِهمْ ، وتثلُّ مجداً كاذبا

    لقد أكتنز في خياله كل ما مر على قومه وبلاده من عسف وجور من الحاكمين خلال القرون السبعة المظلمة، ورأى مجتمعه الذي يعج بالمشاكل والعقد، فاندفع يصور ذلك ويفهم الجيل الحائر بما يتصوره من مثل وآراء وسلوك (الخاقاني، ص160) اشتهر بلقب شاعر العراق الأكبر، وصار من مشاهير الشعراء وأكثرهم نظماً في الشعر السياسي والاجتماعي، وربما لا تجد حدثاً في العراق والوطن العربي لم يتناوله في شعره (الفتلاوي، ص 613) فلاعجب أن يشتمل شعره على السياسة، اشتمال الجسم للروح، فهو يعيش أحداثاً جسام، يرى سقوط الدولة العثمانية ويسمع تراتيل الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، ومن ثم خمود الثورة ونفي قائدها، وقد جسد الحادثة بقصيدته "سجين قبرص" حين قال:

هي الحياةُ بإحْلاء وإمْراء                     تَمْضي شعاعاً كزندِ القادحِ الواري

سجيةُ الدهرِ والبَلْوى سجيتُهُ                           تقلبُ بين اقبالٍ و إدبارِ

من هنا يستهزأ بالاستعمار البريطاني ووعوده الكاذبة:

ما للتَّمدنِ لاينفكُّ ذا بِدَعٍ            في الكونِ يأنف منها وحشة الضاري

كم ذا يسمون أحراراً وقد شهدت     فـعـالهم أنـــها من غير أحـــرار

    ثم على عادته ينهض بالعرب ويدعوهم الى الوعي والفطنة وتجنب الاغفال والوقوع فريسة لخداع وخيانة الاعداء: (من قصيدة سجين قبرص، الجواهري في العيون ....، ص 62)

نهضاً بني العرب العرباء إنَّكُم                  فرائسٌ بينَ أنيابٍ وأظفارٍ

أَ رقدةً وهواناً أنَّ بعضَهما                       مما يفت بأصفادٍ وأحجارٍ

    ولا يفوت الجواهري وهو يعيش أعظم حدث سياسي في تاريخ العراق الا وهو ثورة العشرين ضد الاستعمار الانكليزي. فانبرى لها وساندها ونظم قصيدة "الثورة العراقية" التي ناهزت الخمسة وثمانين بيتاً، متباهياً ببطولات الثوار وخاصة زعيم الثورة المرجع الديني الشيرازي داعياً الشعب الى وحدة الكفاح وازالة الخلافات المذهبية من أجل وحدة الامة وانتصارها حينما قال:

لَعَلَّ الذي وَلَّى مِنَ الدَّهرِ راجعُ                 فلا عيش إن لم تبقَ الا المطامعُ

تُحَدِّثُ أوضاعُ العِراقِ بِنهضةٍ                         تُرَدِّدُها أسواقُهُ والشَّوارِعُ

وصرخَةُ أغيارٍ لانهاضِ شَعْبِهِمْ                   وإنعاشُهُ تَسْتَكُّ منها المسامعُ

    ثم يوجه خطابه الى ناشئة العراق وشبابه باعتبارهم الأمل والعمود الفقري لمستقبل ثورة العراق:

لنا فيك يا ناشى‏ءَ العراقِ رغائب                        أيسعفُ فيها دهرُنا أم يُمانعُ

ستأتيكَ يا طفلَ العراقِ قصائدِي                       وتَعْرفُ فحواهن اذ أنتَ يافِعُ

    وهنا يخاطب قائد الثورة العشرينية ويوصفه بالقائد الذي ينام بعين وبأخرى ساهرة عن أبناء الشعب ليتقيهم شرور الأعداء: (من قصيدة الثورة العراقية، ديوان الجواهري، ج 1،ص 101)

ومحى لليل ألتم يحمي بطرفه                    ثغوراً أضاعتها العيونُ الهواجعُ(1)

مهيب اذا رامَ البلاد بلفظةٍ                      تدانَتْ لَهُ أطرفُهُنَّ الشَّواسِعُ

ينامُ بإحدَى مُقْلَتَيْهِ ويَتَّقِي                      بأخُرَى الأعادِى فَهْوَ يقظان هاجِعُ

(1) الهواجع: جمع هجع، النوم، العيون الهواجع: العيون النائمة

   هذا هو الجواهري الشاعر السياسي الذي يتزاحم رؤساء الأحزاب السياسية والقواد ببابه، فقد كان صوتاً يطالب بالاستماع اليه كل قادم الى العراق مما اضطر رجال السلطة الى دعوته، مما زاد في شهرته تلك، الصحف التي أصدرها (الموسوي،، ص 159) فالجواهري من شاعر نجفي، ثم مدرس في المدارس، الى رئيس تشريفات أقوى ملك عربي في حينه، وهو الملك فيصل الأول ملك العراق، والى الجواهري الصحفي المحرك للأحداث، والنائب الممثل للشعب في المجلس الوطني، هذه كلها عوامل أصقلت الروح الشعرية لديه نحو السياسة، لتكون السياسة هي البعد التعبيرى المجسد لآلام وأماني الأمة. أما على مستوى الوطن العربي فقد غنى الجواهري للعرب جميعاً أنشد للمظلومين في فلسطين، أنشد لمصر وسوريا، والجزائر، وتونس، وبقية أرجاء الوطن العربي، أما قصائده الذائعة الصيت "غاشية الخنوع"، و«فاحت جروح فلسطين» و«باق أعمار الطغاة قصار» و«الثورة السورية»، و«أطبق دجى» و «يوم الشهيد» و«أخي جعفر»، و«يا دجلة الخير» و«يا أمتي يا عصبة الأمم» الا غيض من فيض ابداعياته لتسخير القافية في خدمة الأحداث السياسية. هذا و تأثر الجواهري من البعد العالمي والعوامل الأخرى التي أوجدت لديه توجهاً سياسياً أدبياً، وأثرت تأثيراً مباشراً على الشعر السياسي لديه صعوداً وتألقاً. فلقد كان له حضور في أرقى وأشهر المؤتمرات الدولية، وألتقى في حياته بأعلام مشهورة لهم الأثر الخالد على الابداع البشري بشكل عام. فقد حضر عام 1948م أول مؤتمر للسلام العالمي في بولندا وكان ضمن الوفد الثنائي هو وطه حسين لتمثيل العالم العربي في هذا المؤتمر، ولأسباب مجهولة يتفرد بالحضور ويتغيب طه حسين عن المؤتمر ليصبح هو ممثل العرب الوحيد، ولقد التقى على هامش هذا المؤتمر بالفنان العالمي «بيكاسو»، والشاعر «بابلو»، والروائي الشهير «البرتومورافيا» و«مدام كوري» وغيرهم (الراضي، مجلة المدى، عدد 19) وطالما قال: (نفسه)«لا يزال في نفسي أثر لا يمحى لأولئك الرجال العظام الذين تركوا بصماتهم الخالدة في كل مجال من مجالات الحياة وفي سير الاحداث في العالم» لقد كان في موقع تكريم وتمجيد من قبل مؤسسات عالمية ثقافية وسياسية، فالموسوعة البريطانية العالمية الشهيرة اختصت الجواهري باعتباره واحداً من المشاهير في العالم وكذلك الموسوعة البريطانية، العربية الجديدة أشارت اليه بصفته من مشاهير الشخصيات في العالم وذلك في رسالة بعثتها الى الشاعر (الجواهري في العيون، ص 39.) لا ريب انه لا يستطيع أن يتخلص من نزعته السياسية حتى وهو يلتقي بصديقيه ابراهيم عبد القادر المازني واسعد داغر ببغداد:( الموسوي، ص 161)

أَأسْعَدُ إنَّ حديثي اليكْ                             حديثَ مقيمٍ الى ظاعِنٍ

حديثَ أخٍ لكَ مُسْتَأْنسٍ                              لِلُطْفِ مُسامرِهِ راكِنِ

أخافُ السياسةَ خوف اللَّدِيـ                    ـغِ مِنْ أَرْقَمٍ نافِخٍ شاحنٍ

    وحتى في مناجاته مع نفسه وحواراته النفسية تطفح بالقضايا السياسية ويتحرق ويتلوع لامر السياسة التي لم تأت على ما يريده، أو لم تكن متآلفة مع طموحاته وآماله.

 في قصيدة يا "أبن الثمانين" قالها وكأنه يخاطب العراق في ثمانينه بعد عقود من المسرات والأوجاع عاشها الجواهري والعراق في بدن واحد، قال "ياابن الثمانين" وفي نفسه غصة أن يرى العراق ويموت فيه ولكن: (جريدة الزوراء، عدد 155)

حَربٌ عَلَى كُلِّ مَوْهوبٍ وموهبةٍ               لديهِ مُسرجة الأضواءِ والشُّعَلِ

ثَبِّت جنانكَ لِلْبَلْوَى فَقَدْ نُصِبَتْ                 لكَ الكمائنُ مِنْ غدرٍ ومِنْ خَتَلِ

    لقد كان الشعر السياسي للجواهري شعراً ملتزماً واعياً للظرف السياسي، مترجماً لجزءيات الأحداث السياسية للعامة من الناس يفوح منه رايحد الدم والتحدي المكشوف متبعاً للنظرية الجواهرية التي تقول "أقول الشعر وليحدث ما يحدث" وجامع الحيدرخانه شاهد باق، وكذلك مناطق أخرى من بغداد. وها هو يتصدر غضبه الجماهير وتجمعهم في تأبين شهداء الوثبه عام 1948م، شهداء الجسر بما فيهم الشهيد جعفر أخو الجواهري، حيث يصرخ بوجه الطغاة ويعلن:

أتعْلمُ أمْ أنتَ لا تعْلمُ؟                   بأنَّ جراحَ الضَّحايا فَم ُّ؟

فمّ ٌ ليسَ كالمدَّعِي قولة ً                   وليسَ كآخرَ يسترحم ُ

يَصِيحُ عَلَى المُدْقِعينَ الجياعْ            أَرِيقُوا دماءَكُمُ تطعَموا(1)

ويَهْتفُ بالنَّفَرِ المُهْطِعين                        أهينوا لِئامَكمُ تُكرَمُوا

أَتَعَلْمُ أنَّ رقابَ الطغا.............................ةِ أثقلَها الغنْمُ والمأثمُ

وأنَّ بطونَ العُتاةِ التي                     منَ السُّحْتِ تهضمُ ما تهضمُ

(1) المدقعين: الأشد فقراً؛ المهطع: الذليل؛ العتاة: الطواغيت، السحت: المال الحرام.

 ثم يلملم هتاف الجماهير وغضبهم، ليزقهم بشحنات ساخنة يفور بها السخط الدموي والاعتراض الصارخ:

أَتَعَلْمُ أن جـِراحَ الشَّـهيـد                تـَظـَلُّ عن الثأر ِ تـَسْـتـَـفِهـمُ

أَتَعَلْمُ أن جـِراحَ الشهيـد                          منَ الجوعِ تـَهضِمُ ما تـَلهمُ

تـَمُصُّ دما ً ثـمَّ تَبْغِي دما ً                    وتبقى تُـلِـحُّ وتـَسْـتـَـطعِـم

الى أن يصل الى الأعلان عن طلب الثأر، وأنه لا محالة فالقتلة سوف يحاسبون، وأن دماء الشهداء لا تذهب هدراً: (ديوان الجواهري، ج3، ص 263)

أخي جعفراً لا أقولُ الخَيالْ                وذو الثأرِ يَقْظانُ لا يَحلُم

ولكنْ بما أُلهِمَ الصابرونْ                        وقد يقرأُُ الغيبَ مُستَلهِمُ

أرَى أُفُـقاً بنجيــعِ الدمـــا............................ءِ َنوّرَ وَ اخْتَفَتِ الأَنجُمُ

صُرِعْتَ فحامَتْ عليكَ  القلوبْ           وَخَفَّ  لكَ  الملأُ  الأعظمُ

أخي جعفراً بعهــودِ  الإخا...........................ءِخالِصَةً بيننا  أُقْسِمُ

وبالدمعِ بعدكَ لاينثني                           وبالحُزْنِ بَعْدكَ لايُهْزَمُ

    اما حادثة المسبح ومناسبة تكريم هاشم الوتري عميد كلية الطب، فحدث ولا حرج، حيث أن الأوضاع العامة في العراق كانت أوضاع اعتقالات، تعسف، مداهمات والبلد في فوضى عارمة يُدعَى الجواهري الى الحضور في هذه المناسبة، أي مناسبة قبول الدكتور هاشم الوتري في الجمعية الطبية البريطانية، ولمواقف الدكتور الوطنية، ولرغبة جامحة للجواهري بتحدي الطغاة يقبل الدعوة، الحضور رسمي وشعبي، وزراء، وزراء سابقين، ممثل البلاط الملكي وكان ذلك في العام 1949م، لم تمضي الا شهور على قنبلة الجواهري في أخي جعفر، ويصعد الجواهري والعيون تترقب البلبل العنيف:

مجَّدْتُ فيكَ مَشاعِراً ومَواهبا                     وقضيْتُ فَرضاً للنوابغِ واجِبا

بالمُبدعينَ الخالقينَ تنوَّرَتْ                        شتَّى عوالمَ كُنَّ قبلُ خرائبا

شرفاً « عميدَ الدارِ» عليا رُتبةٍ                     بُوِّئْتَها في الخالدين مراتبا

ولأنتَ صُنْتَ الدارَ يومَ أباحها                    باغٍ يُنازلُ في الكريهةِ طالبا(1)

(1) بوأ: نزل فيه واقام او دخل فيه، بوئتها: دخلت في اعلى مقام؛ أباحها: هتك حرمتها، باغ: طاغ

    ثم يميل بسيفه نحو كبار القوم الجالسين في الصفوف الأمامية ليقول:

إيهٍ عميدَ الدارِ كلُّ لئيمةٍ                        لابُدَّ - واجدةٌ لئيماً صاحبا

ولقد رأى المستعمِرونَ فرائساً                    منَّا ، وألفَوْا كلبَ صَيْدٍ سائبا(1)

أعَرَفتَ مملكةً يُباحُ " شهيدُها "                     للخائنينَ الخادمينَ أجانبا

خُبِّرْتُ أنَّكَ لستَ تبرحُ سائلاً                        عنّي ، تُناشدُ ذاهباً ، أو آيِبا

وتقولُ كيفَ يَظَلُّ  نجم ساطعٌ               ملءُ العيونِ ، عن المحافل غائبا

أُنبئكَ عن شرِّ الطّغامِ مَفاجراً                         ومَفاخراً ، ومساعياً ومكاسبا

(1) سائب: مشرد، لاصاحب له.

    هنا تصل القلوب الى الحناجر، الكل في صمت قاتل، هدوء قبل العاصفة، عيون المتصدرين بدأت تقدح شراراً، وتملأ غيضاً وتحدق هنا وهناك، لعل الجواهري يهدأ أو على الأقل لا يكمل القصيدة، أما الجواهري العنيد، السياسي الشاعر هذه هي فرصته الذهبية، وساحته القتالية. اذن ليغتنم الفرصة وليحصل ما يحصل، فهو يدري بعاقبه الأمور، أنه السجن طبعاً، ألم يجهز عائلته، ألم يرسلهم الى النجف بعيداً، فليقو كلمته، فليجهز عليهم جميعاً: (من قصيدة هاشم الوتري، ديوان الجواهري، ج 3، ص 391)

ماذا يضرّ الجوعُ ؟  مجدٌ شامخٌ                      أني أظلّ مع الرعية ساغِبا

أعلِمتَ هاشمُ أيُّ وَقْدٍ جاحمٍ              هذا الأديمُ تَراهُ نِضواً شاحِبا ؟

أنا ذا أمامَكَ ماثلاً متَجبِّراً                     أطأ الطُغاة بِشَسْعِ نَعْلِيَ عازبا (1)

آليتُ أقْتَحمَ الطُغاةَ مُصَرِّحاً                            إذ لم أُعَوَّدْ أنْ أكونَ الرّائبا

(1) شسع النعل: خيط النعل.

    وفي ذكرى تأبين الزعيم الوطني اللبناني عبد الحميد كرامي، دُعي الجواهري عام 1951م للمشاركة في هذا الحفل التأبيني وأنشد قصيدته المشهورة التي فيها:

باقٍ، وأعمارُ الطغاةِ قصارٌ                 مِنْ سِفْرِ مجدِكَ عاطرٌ وموارٌ

متجاوبُ الأصداءِ نَفْحُ عبيرِهِ                 لطفٌ، ونفحُ شذاتِهِ أعصارٌ

    ثم يخاطب لبنان ويناجيه و يدخل الموضوع الذي يريده وان سيكون في ذلك طرده وابعاده عن لبنان، فهو لابد له من القاء مايريد وما يقصد وان كان ضيفاً، وان كان في لبنان فلبنان عنده هو العراق، لا اختلاف في أمر السياسة والظالمين:

لبنانُ نجوى مرةٌ وسرارُ‏                  إنا بحكمِ بلائِنا سَمَّارُ‏ (1)

ماذا يُرادُ بنا وأين يُسارُ‏                 واللَّيْلُ داجٍ والطَّرِيقُ عثارُ‏

أ عُقابَ لبنانٍ تُدَنس وَكْرُهُ                   للأجنبي قواعدٌ ومطارُ؟

 (1) سمار: جمع سامر أي الذي يتحدث مع جليسه ليلا ً ويقال لا افعله ابداً ما تسمر سامر «المعجم الوسيط».

 وأخيراً يأتي على بيت القصيد، أو الهدف من القصيدة، ليلقي نفسه بعد الالقاء مطروداً وممنوعاً من دخول لبنان، لا يضره ذلك، فلن يخاف من هذا: (الجواهري في العيون ، ص 322؛ من قصيدة عبد الحميد كرامي)

تَنْهَى وتأمرُ في البلادِ عِصَابَةٌ‏                       يَنْهَى ويأمُرُ فوقَها استعمارُ

َخويتْ خزائنُها لما عَصَفَتْ بها                الشَّهَواتُ، والأسباطُ والاصهارُ

وتَيَقَّنُوا أنْ لا وجار يَقِيهِمُ                         حتفاً وللضَّبِّ الضَّليلِ وِجَارُ

فَهُمْ وفَرْطُ الحِقْدِ لاثَ دماءَهُم                         كلبٌ بهم لدمائِنا وسعارُ

    خلاصة القول أن هناك عوامل كثيرة، منها تتعلق بالشخصية الفذة للجواهري ومنها تتعلق بالظروف السياسية الدولية على المنطقة العربية، قد أثرت على قريحته الشعرية، وأصبح الشعر السياسي سواءً كان مدحاً، أو رثاءً، أو حدثاً، أو مناسبة الطابع الغالب على مجمل شعره، فهو شاعر الوطن والأمة الانسانية.

5- الغزل

    عندما نقول الغزل في شعر الجواهري، طبعاً لا نقصد الغزل المعهود، ذلك الغرض الشعري الذي تطرق اليه جل شعراء العرب من الجاهلية الى الزمن المعاصر، فالغزل في أغراض الجواهري الشعرية يختلف تماماً، فهو ليس عرضاً شعرياً فنياً وحسب، بل له وجهة نظر خاص، تختص به في نظراته وتلقياته للمرأة. فللدخول في بحث غزله، يقتضي التريث، والأناة، أو بالاحرى لنتهيأ ولنقول الجواهري والمرأة، أو الجواهري والنساء، فله كما لبقية الشعراء، جولات ومواقف تتحدد في أطار جملة عوامل دفعته لنحت تمثال المرأة في قلبه وفي حياته. ذلك تعود الى تلك المسحة المزاجية الحادة الساخنة، المنقلبة التي لا تستقر على قرار، التي لا تهدأ، لا تخمد، تعترض بسرعة، تثور بسرعة، تعطي بسرعة، انها علاقة ذو اشكالية يصحبها الجدل المتعنف ما بين حدة المزاج والثورية الراسخة في الجواهري وما بين اللطافة والبداعة والجمال الساحر، التي يهويها ويذيب فيها أبداً. وطبعاً شعره في غزلياته المنحصرة به، لا يرتقي الى مستوى شعره في السياسة والاجتماع، فهو قياساً الى مجمل شعره يعد قليلاً، بل قليلاً جداً. وحتى في قياس الابداع الشعري فان شعره في المرأة يظل دون بقية أشعاره مرتبة وبراعة، وان أضفاه بقدرته التراثية وخلفيته الثقافية. لا يمكن لغزله أن يذكرنا بغزل العرب و العذريين الذين ساروا في هيام الحب، ونسوا فيه حتى أنفسهم، بل كانت المرأة معابد للالهام والنشوان والسعادة الروحية والنفسية، فهي عندهم أبداً نماذج سامية، وأثمار ممنوعة القطف، يكفي أن يحترق القلب ويهيم الشاعر وينظر اليها وان على بعد، لتكون قمراً وبدراً وأزاهير. فبمجرد التقرب منها أو لمسها واحساسها أو قطفها من شجرتها العالية، اذاً ذلك طعن في نموذجيتها وتقليل من هيبتها وتكفير لألهة العشق والعشاق. أما نموذج الجواهري، فالأمر يختلف كثيراً، ولتبيان العلاقة الجواهرية بالمرأة يتطلب في البدايه أن نلقي نظرة سريعة على المرأة في رحاب فكره، لنرى كيف ينظر الى المرأة، أو ما هي بواعث نظرته الخاصة، دواعيه وأسبابها، ثم نميل الى النموذج النسائي على أساس رؤيتهِ وخطابه فيه. حيث یمکننا تقسيم رؤيته للمرأة من خلال محورين: الأول: المرأة في البعد الاجتماعي والحضاري. الثاني: المرأة في دائرة الارتباط العاطفي.

الف: المرأة في البعد الاجتماعي والحضاري

    بالنسبة للمحور الاول فان الجواهري كان ضمن الشعراء المعدودين الذين طالبوا بتحرر المرأة من الكثير من التقاليد السائدة في عصره. والتي كانت تجلب الغبن والاحتقار لها، فطالب ودافع بكل جدية بتجديد النظرة الى مكانة المرأة ودورها في المجتمع، لاسيما في التعليم، وخاض في وقت مبكر في النجف مع غيره من شعراء النجف الذين طالبوا بتثقيفها وتعليمها. وقد قال في هذا المجال من خلال قصيدته "علموها": (ديوان الجواهري، ج 1 ص، 461)

عَلِّمُوها فقد ْ كَفاكُم ْ شنارا      وَ كَفَاها أن تحسب َ العِلم َ عارا (1)

وكفانا من التقهقر أنا                    لم نعالج حتى الأمور الصغارا

تحكم البرلمانَ من أمم الدني                  ا نساءٌ تمثِّلُ الأقطارا

ونساءُ العراقِِ تُمنَعُ أن تر                     سمَ خطاً أو تقرأ الأسفارا

(1) شنار: العار والعيب والنقص؛ التقهقر: الرجوع الى الوراء.

    والمرأة الأم، الزوجة، المربية... فان للجواهري معها مواقف مشرفة ورؤية تدل على العمق في الانسانية والعلاقة الحضارية التي تتطلب النظر اليها بقدسية واحترام فائقين.  وعن مربيته «تفاحة» المرأة الزنجية التي كان لها الأثر الكبير فى تلقين الجواهري أسطورة الحب للخير والعطاء. فقد جاء في قصيدته «احببت الناس»: (الجواهري، خيال...، ص 346)

لحبِ الناسِ للناسِ                     حببتُ الناسَ والأجناسَ

في الزنجيةِ الحلوةِ من لفت                   وأهلوها بأكياس (1)

    أنشد الجواهري قصيدة «ناجيت قبرك» بعد وفاة زوجته أم فرات وكان في حينه في بيروت وعند سماع خبر رحيل زوجته قفل راجعاً وأنشد القصيدة على قبرها: (ديوان الجواهري، ج2، ص 351.)

في ذمةِ اللهِ ما ألقَى وما أجدُ                    أهذهِ صخرةٌ أمْ هذهِ كَبدُ

قد يقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابُهُ بَعُدُوا             عنهُ فكيفَ بِمَنْ أحبابُهُ فُقِدُوا

حُيِّيتِ (أمَّ فُرَاتٍ) إنَّ والدةًً                 بمثلِ ما انجبتْ  تُكْنى بما تَلِدُ

غَطَّى جناحَاكِ أطفالي فكُنْتِ لَهُمْ       ثَغْرَاً إذا استيقظوا, عَيْنَاً إذا رَقَدوا

ب: المرأة في دائرة الارتباط العاطفي

    أما المحور الثاني من علاقته بالمرأة، فهو الموضوع والقضية، التي قيل في شأنها الكثير، كيف للجواهري صاحب الأسرة العريقة بالدين والوجاهة الاجتماعية، أن يميل مع العاطفة، أن يعشق، أن يحب، والمجتمع والبيئة هو مجتمع النجف، حيث التحفظ والتزمت فضلاً عن التقاليد الموروثة بالنسبة للمرأة والعلاقة بينها وبين الرجل. ولكن الجواهري الذي كان قد ضاق ذرعاً بهذه القيود والحدود وهو المتمرد العنيف! ولعل تمرده على واقعه كان يلازمه التصرف المتطرف والتعامل الساخن مع المرأة في شعره. وقد هزته هزات حب عنيفة وهو لا يزال بالنجف الأشرف وهو كطبيعة أي شاعر متفجر بدأت ثورة الشعر تنمو فيه شيئاً فشيئاً يصاحبها دوافع داخلية نحو مملكه العشق والغرام. فقد عشق المرأة وهو في الثامنة من عمره: (الجواهري، ذكرياتي، ج 1، ص 61.)«فيما أنا بين السابعة والثامنة من عمري، تلقيت درساً جديداً عليَّ وهو الأعجب والألطف من بين كل الدروس التي تعلمتها، وهو العشق العنيف والعميق، وأن التقي بفتاة ما أروع صورتها الماثلة أمام عيني وقد كانت تكبرني في أقل تقدير بما يزيد على عشر سنوات، وأياً كان الأمر فقد عشقتها، وهي بدورها أحبتني حباً عنيفاً حب الفتوة للصبوة» لقد أحب فتاة أخرى في العشرين من عمره كان اسمها نهاية، وقد قال عنها:(نفسه، ص 63) «كنت وأياها وأنا في الصبوة وجهاً لوجه وعيناً لعين، وصورة لصورة، فقد وجدتني هذه المرة في صميم الفراغ من استلهام هذا الجمال أو من اختطافه واقتطافه». ولكن لم يتوقف الحب عنده على هذا الحد، فلقد كان يحمل في قلبه غليان ثورة عارمة، لا يمكن لهكذا صور غرامية يسد جماح قلبه الطاغي، ولم يكن لمجتمع النجف وبيئته استيعاب هذا الفوران السائر نحو التمرد والطغيان. قال: انني عشت في بيئة تسيطر عليها الأعراف والتقاليد البالية بيئة يكاد يمنع فيها حتى مجرد التلامس والتقابل بين الرجل والمرأة، فيما هو أمر مفروغ منه في المجتمعات الأخرى (نفسه، ص 127) وهنا يبدأ تمرده على البيئة، التقاليد، الأعراف، الضوابط الشرعية وينزع ثوبه البالي ليبدأ مسيرة أخرى:

أنا إنْ كنتُ مرهقاً في شبابِي               مُثقلاً بالهمومِ والأَوْصَابِ

فمتى أعرف الطلاقة والأنس                ألما أكون تحت التراب

    فهو أحب النساء كثيراً، الا أن حبه أياهن كان له مزاياه الخاصة جداً، مزايا الشخصية الحادة، المزاج، رقتها او عنفها وبتعبير آخر الشخصية المتطرفة في تعاملها مع الناس والأشياء، علاقة الجواهري بالنساء علاقة اشكالية معقدة محفوفة بالمخاطر، وكم مرة تراه فيها يذوب جداً حيال حضور امرأة جميلة (بغدادي، مجلة المدى،عدد19) ومن هنا جاءت فترة الغزل المكشوف أو الماجن في قصائده ابتداءً بـ«جربيني» و«النزغة» و«ليلة معها» و «وادي العرائس»، «بنت بيروت»، و«عريانة» و«صورة للخواطر»، وغيرها من القصائد الماجنة، وتمتاز هذه القصائد بدقة تصوير مفاتن المرأة وجسدها وتصوير هذا الجسد تصويراً غريزياً، جنسياً ذات عاطفة حسية لا تهدف الا لتحقيق المرام مع المرأة واعتبارها وسيله للتمتع واللذة و لا غير. جدير بالذكر أن أشعاره المجونية والغزل المكشوف بقيت تقريباً لأوائل عقد الثلاثينيات، وهي قصائد غزل ماجن، خيالية صرفة لم يكن الجواهري صاحب أي تجربة في هذا المجال، وما تلك القصائد الا استجابة لرفض واقع غير مقبول لديه، أو استجابة لانطلاق غرائز مكبوتة كانت تبحث عن متنفس تتحرر من خلالها. من قصيدة جربيني نظمها الشاعر وهو في ريعان شبابه عام 1927م ونشرتها جريدة العراق آنذاك وكان نشرها فاتحة عالم الشعر المكشوف، وقد أثارت في حينها ضجة كبيرة، وكان يعمل في بلاط الملك فيصل الأول وعلى أثرها استقال من البلاط. (ذكرياتي، ج 1، ص 217)

جَرِّبِيني مِنْ قبل أنْ تَزْدَرِيني                    واذا ما ذَمَّمْتِيني فاهْجُريني

ويقيناً ستندمينَ عَلَى أنَّكِ                        مِنْ قبل كنتِ لمْ تعرفيِني

لاتَقِيسى عَلَى ملامحِ وجهِى                      وتقاطيعِهِ جميعَ شؤونِي

أنا لى في الحياةِ طبعٌ رقيقٌ                      يتنافَى ولونَ وجهِيَ الحزينِ

أنا ضدُّ الجمهورِ في العيشِ والتَّفْـ.........................ـكيرِ طُرّا وضدُّهُ في الدِّينِ

مَتِّعِيني قبلَ المماتِ فما يُدْ................................ريكُما بعدَهُ، وما يُدريني

    بعد ضجة هذه الفصيدة وعتاب الملك فيصل له، يقول خرجت من عند الملك وأنا أقسم بالطارق والنجم الثاقب، ان أعود،  وأضحي بألف ألف وظيفة في سبيل أن أعود، وقد عُدتُ بعد ذلك عَوْداً بمالا يقل ان لم يزد على جربيني أي النزغة هذه هي أبيات من قصيدة النزغة: (نفسه، ص 216)

لك في هذه الحياة نصيب                          أغنمية انتهازه وافتراسه

فالليالي بلهاء فيها لمن يحسن                         ابساسه لها، اسلاسه(1)

كل هذا ولست أنكر اني                      من لذاذاتها اختلست اختلاسه

ثم كانت دعابه فمجون                     فارتخاء ...............................

(1) الابساس: المداراة والتلطف. الأسلاس: الرقة والانسجام والخفة.

 فهو أنشد في قصيدة "عريانة" صفحة أخرى من الأدب المكشوف في عام 1932م، والقصيدة تصوير حسي لجسد المرأة ومفاتنها من الصدر الى القدمين، ورأينا أن لانأتي بالقصيدة هنا اجلالاً للأدب والحشمة. ( الجواهري في العيون، ص 109)

أنتِ تدرينَ أنَّني ذو لبانة                    الهوى يستشيرُ في المجانَهْ

وقَوافي مِثْلُ حُسْنِكِ لمَّا                            تتعرِّين حرةً عُريانَهْ

واذا الحب ثار فيّ فلا تمنع                        أي احتشامة ثورانَهْ

فلماذا تحاولين بأنْ أُعْلِنَ                        ما ينْكُرُ الورى إعلانَهْ

    لقد مر الغزل لديه بما فيه شعره الماجن المكشوف بمراحل ابتدأ بالشعر العنيف والحسي الماجن مرحلة العشرينيات ومروراً في بداية الثلاثينيات الى نوع من التخفيف في حدة المجون وانتهاء بمرحلة الاربعينيات والعودة الى الغزل الوصفي دون الحسي وهو مرحلة كهولة الشاعر وتأثير عامل السن عليه. يقول الدكتور زاهد محمد زهدي (الجواهري صناجة ...،ص 153) يمكن أن نضع قاعدة مطردة لنفسية الجواهري فيما يخص الجنس والغزل، ان أهم ما يشغله في فترة شبابه كشرقي في بيئة محافظة هو الجنس المطلق، مهما كان مصدره، مادام يوفر للشاعر شعور الانتصار، ومادام يجعله مخدوعاً يتصور أنه حصل على ما يريد، وهذا لا يمكن أن يتحقق قطعاً في بيئة مغلقة، فالاختيار لا يتنافى الا في مجتمع منفتح كالمجتمعات الغربية، أما البيئة المغلقه فالمعروض قليل والطلب شديد لذلك لا يمكن اعتبار الشاعر مختاراً في تجاربه الجنسية الأولى. قد بدأ الاحساس الجنسي الحاد يتبدل بتقدم السن وهذا طبيعي، ثم أثر به الاتصال البعيد بالبيئات الخارجية وزيادة أفقه الثقافي في الموضوعات التي تعالج هذا الباب، لا من زاوية الشرقي ابن الفترة المظلمة ووريثها والتي تقوم على الشك ولكن من زاوية التقديس للمرأة والارتفاع بها وتسجيل دوافع الشوق اليها قبل تصوير التجارب التي تجري عليها عند الحصول عليها، وتصوير دوافع الشوق هو شعر الغزل الحق. ورغم التبدل الذي أصاب الجواهري فاننا لا نجد الغزل عنده يصل الى نفس مستوى أشعاره الاجتماعية الاخرى. وخير مصداق على ما قاله الدكتور زهدي هو قصيدة "أنيتا" والتي تعبر عن قصة عشق حقيقية عاشها الشاعر وهو في باريس عام 1949م، حيث كانت بمثابة التحول العاطفي لديه، وهو مرحلة وصف العاطفة والنفس بدلاً من الوصف الحسي لجسد المرأة. وقد قال عنها الجواهري نفسه (ديوان الجواهري، ج3 ص 352) «كان حباً عارماً لا يريد، ولا يقدر لو أراد، أن يقف عند حد، كان كأنه يتفجر عند "ينبوع" خفي ثجاج».

اني وجدتُ "انيت" لاح يهزني                 طيف لوجهك رائع القسمات(1)

ألق الجبين أكادُ أمسحُ سطحَهُ                 بِفَمِي، وأنشق عطره بشذاتي

 (1) انيت  او (أنيتا) اسم معشوقته الفرنسية؛ ألق: اضاءة ولمعان.

 

المصادر و المراجع

- بصري، مير، أعلام الأدب في العراق الحديث، الطبعة الأولى، لندن: دار الحكمة، بدون تاريخ.

- بيضون توفيق، حيدر، محمد مهدي الجواهري شاعر العراق الأكبر، بيروت: دار الكتب العلمية 1993م.

- الجبوري، عبد الله، الجواهري نظرات في شعره وحياته، بيروت: دار الكتب العلمية 1993م.

- الجواهري، خيال، الجواهري وسمفونية الرحيل، دمشق: وزارة الثقافة، 1999م.

- الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام، ج1، طهران: دار الكتب الاسلامية.

- الجواهري، محمد مهدي، الجمهرة، بتحقيق واشراف الدكتور عدنان درويش، دمشق: 1985م.

- الجواهري، محمد مهدي، الجواهري في العيون من أشعاره، دمشق: دار طلاس للدراسات والنشر، 1986م.

- الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري، سبع مجلدات، بغداد: مطبعه الأديب، 1972م.

- الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري، الجزء الأول والثاني، صيدا: المكتبة العصرية 1967م.

- الجواهري، محمد مهدي، ذكرياتي، الجزء الأول والثاني، الطبعة الأولى، دمشق: دار الرافدين، 1998م.

- الخاقاني، علي، شعراء الغري، الجزء العاشر، الطبعة الثانية، قم: مطبعه بهمن، 1408 ه.ق.

- الخياط، جلال، الشعر العراقي الحديث، الطبعة الثانية، بيروت: دار الرائد العربي.

- زهدي، محمد زاهد، الجواهري صناجة الشعر في القرن العشرين، بيروت: دار القلم.

- شامي، يحيى، موسوعة شعراء العرب، الجزء الثالث، بيروت: دار الفكر العربي.

- شعبان، عبد الحسين، الجواهري جدل الشعر والحياة، بيروت: دار الكنوز الاسلامية، 1997م، الموقع على الأنترنت: www.nfsl-libya.com/arabic/artides/jawahiri

- الطاهر، علي جواد، مقدمة على الجزء الأول من ديوان الجواهري، ط: بغداد.

- عباس علوان، علي، تطور الشعر العربي الحديث في العراق، بغداد: وزارة الاعلام، بدون تاريخ.

- العلوي، هادي، محمد مهدي الجواهري دراسات نقدية، بغداد 1969م.

- الفتلاوي، كاظم عبود، المنتخب من أعلام الفكر والأدب، ط:1، بيروت: مؤسسة المواهب، 1999م.

- المظفر، محمد رضا، عقائد الأمامية، الطبعة الثانية، قم: مكتبة شكورى، بدون تاريخ.

- الموسوي، عبد الصاحب، حركة الشعر في النجف الاشرف وأطواره خلال القرن الرابع عشر الهجري، ط:1 ، بيروت: دار الزهراء، 1988م.

- مغنية، محمد جواد، مع علماء النجف الاشرف، بيروت: دار ومكتبة الهلال.

- مقدمه الدكتورة نجاح العطار، ديوان الجواهري في العيون من أشعاره.

- المندلاوي، صباح،  في رحاب الجواهري، ط: 1، دمشق: دار علاء الدين، 2000م.

 

 

  

الصحف والمجلات

- صحيفة الاتجاه الآخر، هولندا: العدد 23، تموز 2001م.

- صحيفة الاتحاد، سليمانية: العدد 394، أيلول 2000م.

- صحيفة الزوراء، النرويج: العدد 155، تشرين الثاني، 2001م.

- صحيفة الوركاء، دمشق: العدد 3، تشرين الأول، 1994م.

- صحيفة خه بات، أربيل: العدد 1000 ، 2تشرين الثاني، 2000م.

- مجلة الأقلام، بغداد، العدد 2،   1978م.

- مجلة الثقافة الجديدة، دمشق، الموقع على الأنترنت: w.iraqcp.org/thakafajadidaww

- مجلة العالم، لندن: العدد  534 ، 1995م.

- مجلة العالم، لندن: العدد  580،  1998 م.

- مجلة العالم، لندن: العدد 619 ،  1998م.

- مجلة المدى، دمشق: العدد  19 ،  1998م.

- مجلة الهدف، دمشق: العدد  1266 ،  1997م.

- مطبوعة الكتب، دمشق: 1997م الموقع على الانترنت: www.kuwtob.com/author

- مطبوعة الواحة، الموقع على الانترنت: www.alwaha.com/issue

 

 

 

د. يحيي معروف


التعليقات

الاسم: karwan87ali@gmail.com
التاريخ: 08/03/2014 18:13:36
انافي كردستان العراق يادكتورالكريم جزاكةالله لكم مقالك جميل جدا

الاسم: غزوان الحنين
التاريخ: 25/11/2013 20:11:04
شكرا لكم جميعا على المقالة لان استفدت منها في دراستي

الاسم: فاطمه
التاريخ: 04/11/2013 08:56:36
شکرا من هذه المقاله لانها عاونت علیی فی رساله المقاله الاخری حول محمد مهدی الجواهری

الاسم: أحمد الجراح
التاريخ: 02/06/2013 09:08:33
تحيه طيبه روعه وأبداع

الاسم: د. يحيی معروف
التاريخ: 03/05/2013 17:32:34
الاخت الفاضلةمريم والاخ الفاضل السيدعلاء عبد الحسن جبر
اشکرکما لمرورکما علی نافذتي اتمنی المزيد من ملاحظاتکما القيمة

الاسم: مرييم
التاريخ: 03/05/2013 01:00:43
اعجبني

الاسم: علاء عبد الحسن جبر
التاريخ: 03/01/2012 00:09:44
بارك الله بكم على هذا الجهد الرائع

الاسم: د.يحيی معروف
التاريخ: 10/06/2009 06:06:05
العزيزة الغالية سوسن السعادة
الف شكر لمرورك الجميل
اتشرف ان اقرأ ملاحظاتک القيمة
دمت بخير
مع فائق محبتي وتقديري

الاسم: سوسن السعادة
التاريخ: 09/06/2009 03:12:07
اشكرك ايها الرائع على هذا المقال واتمنى لك المزيد من الابداعات والنجاح الدائم دمت بخير

الاسم: د. يحيی معروف
التاريخ: 31/05/2009 19:49:27
الاخ العزيز خطاب الطائي
شکرا لمرورک اتمنی ان أتلقی ملاحظاتک في المستقبل

الاسم: خطاب الطائي
التاريخ: 28/05/2009 23:27:38
شكرا اخي على هذا المقال الجميل عن شاعر العرب الاكبر المرحوم الجواهري وفقك الله اخي العزيز

الاسم: . يحيی معروف
التاريخ: 25/05/2009 19:48:08
أخي العزيز حسام
اشکرک لملاحظتک القيمة و أقول إن الجواهري رحمه الله ليس شاعر العرب فقط بل هو شاعر الامة الاسلامية کافة
دمت سالما

الاسم: حسام
التاريخ: 25/05/2009 11:15:54
اشكرك يااخي علئ هذه المقالة الراعة عن شاعر العرب

الاسم: يحيی معروف
التاريخ: 21/04/2009 20:05:14
الاديبة الفاضلة والبارعة المبدعة رشا فاضل المحترمة
شكرا لمرورك الذي يفوح عطرا
دمت متألقة في سماء الادب العربي
مع فائق محبتي وتقديري

الاسم: رشا فاضل
التاريخ: 18/04/2009 20:55:48
الاستاذ يحيى معروف
احييك على هذه الدراسة الفذة
انها من اهم الدراسات التي كتبت عن الجواهري
اتمنى لك دوام التألق

الاسم: د.مهدي صالحي معروف
التاريخ: 16/04/2009 09:36:12
اشکرک يا أختي لمرورک علی نافذتي

الاسم: جميلة حسن
التاريخ: 15/04/2009 20:04:05
شكرا لك أيها الرائع

الاسم: يحيی معروف
التاريخ: 14/04/2009 02:08:01
اشکر الاخ الفاضل صباح محسن كاظم و الاخ صادق حسن و الاخت نادية علي لملاحظاتهم القيمة اتمنی ان لا تنسوني من ارشاداتکم المتالقة. دمتم بخير و سعادة

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 13/04/2009 20:35:20
أهلا وسهلا بك د. يحيی معروف ... في نورنا المليء بالعطاء
وفي بحث عن نهر العراق الثالث الجواهري الخالد

الاسم: صادق حسن من العراق
التاريخ: 13/04/2009 17:12:15
الدکتور يحيی المحترم
هسة شفت المقال و الله کتير حلوه
رحم الله والديک

الاسم: نادية علي
التاريخ: 13/04/2009 15:11:39
الاخ الفاضل الدکتور يحيی معروف
مقالک ممتاز و رائع جدا
جزاک الله عنا خير الجزاء




5000