.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


في الشعريـة والنص

عبد الحفيظ بن جلولي

تتحرر الأداة الفاعلة في انجاز المقول الشعري، ليتخذ المنجز الإبداعي صورة المختلف، الذي يطرح أسئلة الملح والراهن بلغة خاصة، " وهذه اللغة، منذ بدايتها الأولى، تتحدث إلينا عن كائن هي منه بمثابة العصب الرابط."1 كما يقول ميشيل فوكو في نظام الخطاب، وهي في مجال الشعر تهيّء الاندراج ألمقولي خارج فضاءات المباشر والتعيي

يؤسّس الزمن ألمقولي الشعري لفعل تغييري، يسعى انطلاقا من شرفات الذات إلى المزاوجة بين ما هو تجربة، وما هو انفعال لحظي يشتبك مع فتنة اللغة وفتوحات المعطى الموغل في الاستفزاز، لهذا فلحظة الشعرية هي زمن للاندماج ومسافة للرؤية الداخلية، التي تؤجج هامش الانتماء للغة، من حيث هي كون الدلالات اللامنتهية بالمعنى الذي حددها به إميل بنفنيست، حيث يرى "أن الوحدة الأولى لمعنى اللغة الحية ليست هي العلامة المعجمية، ولكنّها الجملة التي كان يسميها محفل الخطاب"2.

 

خارج التسطير/سلطة الغياب:

تنبني الجمالية الشعرية على السراح ألعفويي، المتاخم للوعي بدلالات "الإنتاجية النصية"، فالأبعاد المسعفة على تأثيث الفراغ، تمتح من قلق المحايثة القرباتية لتفاصيل عادية تتواءم وقناعات رتيبة يستقيم وجودها على جادة الظاهر القار، بينما الانفلات المقولي يشبك انفعاله مع المرتّب البديهي لشرعنة هامش التوتير والاختلاف، فيتأسّس المعنى "الذي هو محتمل كل خطاب"3 في الشعر من الإيغال في ما لا تستطيع العتبة القولبة المستهلكة الإبحار فيه، لاقتناعها بأن الظاهر هو نهائي التجربة، بينما التجربة الشعرية تقتنع أصلا باللانهائي.

فالقصيدة تنكتب على حين غفلة من حضور الذات الشاعرة، الواعية بتفاصيل ما يجري، إلاّ أن السطحي يتحول عمقا والانا يتشكل آخرا والمعتم يستحيل شفافا والظاهر لا يتلبس رقع اللسان إلا باجتيازه حضرة المقول، وتلك هي اللعبة الأعسر في انخراط الذات في شواطئ مغايرة تماما لطبيعة الوجود المتتالي في دوائر الاستتباع ألغرائزي البسيط، فـ "واحدة من مؤثرات الشعر هي أن يمنحنا الإحساس، ليس باكتشاف شيء ما جديد، بل بتذكر شيء ما كنا قد نسيناه."4

سلطة المقول تستجيب في حركتها لانفعال مباغت، ترتجّ على وقعه الكيانات العديدة المنفلتة من هيمنة التوحّد، والتي هي هيمنة مرشِّدة ومدجِّنة للرؤيا، تكرّس إغلاق زوايا الاكتشاف، وتهوي بالوعي القارىء في تعمية مطبقة، تحجب انخطافه المهيّأ للنبش في خفايا الوجودات عن استكمال متعته، وبالتالي غياب نزعة التوحد، تقود إلى استظهار الانوجاد الفاعل خارج التعاليم والمعالم المنمطة بتسطير القواعد والمناهج، ذلك أن "الأشياء تهمس مسبقا بمعنى ليس على لغتنا سوى أن تقوم بإنهاضه.."5

على هامش النهائي/اضاءات العقل الشعري:

لا يتجلّى الإبهار في التجربة الشعرية من كونه مخالفا للمستهلك من حيث اللغة فحسب، وان كان ذلك مِفْصلا جوهريا في عملية التمايز، إلا أن العنصر الأكثر جوهرية هو انبثاق العقل الشعري كعلامة مستشعرَة من توهجات المناطق الأشد حساسية وخطورة، تلك التي يداهمها المقول الشعري، فالبحث في ما وراء الهوّة التي يقف عندها العقل العلمي بكافة تمظهراته على مستوى التحليل أو الإدراك أو الكم أو التفسير أو غير ذلك، تحتاج إلى استنارات جوانية تمتح من كون مضاء بعتمات تتقاطع أساسا مع عتمات المناطق الأشد غورا في الذات والكون والسيرورة على العموم، منطقة العتمات تُلهم العقل الشعري من حيث تمرده العصي واستعداده للمغامرة وعدم الاقتناع بالتفسير أو التحليل، فالعقل الشعري يتيح للمقول ان يتكلم بإفضاءات الكامن في صلب المتاح ألإلهامي، مستشعرا دبيب الحركة في أصقاع وجودانية بعيدة، وارى ذلك هو المفهوم الأعمق للدازين أو الوجود ـ في ـ العالم كما يراه هايدغر، ذلك أن "الفهم الذي يدرك عبره 'الدازين' ذاته في وجوده وفي عالمه، لا يقتصر على وجود وتصرف اتجاه موضوعات المعرفة ولكنه الوجود ـ في ـ العالم نفسه 'للدازين'"6.

إن الفتوحات الشعرية تتجاوز التنميط خارج سلطة النص، وتسجّل عبورها منجزة لحظة التجلي الكامنة خلف ستائر الذات المندمجة كينوناتيا في مجاز الوجود، فواقع الوجود هو الذات في العالم، أي تفاعل وانفعال حتى تكتمل دورة الحياة النصية في ترتيب الأسانيد الوجودية على مشارف السحري والمتعوي، والنهوض داخل وخارج أوردة النسغ الجمالية، التي تقرأ قبح الواقع جمالية أخرى، مضافة إلى ريتمية الحركة الصائرة نحو مداها المنتج داخل انساق النص والنص وحده، وهو ما يعمِّق من الدلالات المعرفية في مقولات الكون المنظور والمسطور، لان المنظور يتحول نصا عند أول ملامسة حفرية في أنساقه المستفزة للوعي، وشعريا يمكن أن نحيط هذه الالتفاتة بمفهوم الانخطاف الذي يتجاوز مناطق الشّبع إلى فضاءات الحذر.

إشكالية النص/شعرية العقل:

يتحدد النص في العقل العربي انبناء على جدلية المفاضلة، حيث تتموقع النصوص تراتبيا، فالأسبقية للنص العلمي الذي تقام على أسسه في زعم العقل العربي معالم التطور المادي، ثم بعد ذلك يأتي النص الأدبي الذي لا محل له في عالم الواقع حيث يهيمن عليه التخييل.

إن هذه الفرضية تمنح شرعية مطلقة لبنية ثقافية مختلّة تقبل التجزئة بدل أن تتشكل في دائرة التكامل.

خلاف ذلك، فإن العقل الغربي  بلور رؤيته للنص عكس ما انهمك العقل العربي في تكريس جذوره، حيث يقوم النص في التصور الغربي على عاملي الإحالة والتكامل، كمفهومين تدرّجا في التكوّن انطلاقا من التراكم النصي، الذي حدث نتيجة حركة النهضة، وأنتج ما يسمى بالنص المتعالق.

إن (التعالق النصي في ابسط تعريفاته هو "القراءة غير الخطية"، أو هو بكلمات جورج لاندو "تقنية معلوماتية تتألف من كتل نصية، أو مفردات، إضافة إلى حلقات الوصل بينها ومسارات الربط التي تفضي إليها")7، والملاحظ أن التعريف لم يخصّص مجال النص بل استعمل مفهوم الكتل النصية كدلالة على التنوع والتراكم النصي، هذا من جهة، و أَلْحَقَ ذلك بالتكامل، الذي نفهمه من إشارة التعريف إلى "حلقات الوصل" أو "مسارات الربط".

فالعقل ينصرف إلى تثبيت وظائفيته عبر المسلك الدقيق للتجميع والتشعب والاستخلاص، وهو ما حققه العقل العارف عبر تاريخ الابستمولوجيا، من حيث أن هدفها أو مشروعها هو الجواب عن سؤال كانط التقليدي، "ماذا استطيع أن اعرف؟"، ومن هذا المنطلق تحققت الموسوعية عند الكثير من المفكرين والأدباء، فباسكال كان فيلسوفا ورياضيا، وابن سينا كان فقيها وطبيبا وفيلسوفا، وهو ما يجعل التفكير مبرَّرا من حيث عملية انتقال العقل بين الحقول المعرفية المختلفة، أي بين نصوص تختلف اختلافا بيّنا من حيث طبيعتها.

يقودنا التساؤل إلى الوقوف على نتيجتين، أولاهما أن العقل الشعري يستطيع أن يرتاد المناطق التي يقف عندها الفعل الممنهج للعلم، والتي تتطلب جرأة تحتك بالبداهات، انطلاقا من رؤية ميشيل فوكو الذي "ما انفك يسعى إلى فهم سر تشكل البداهات التي تحكم المشهد الراهن كي يشوش نظامه."8، حيث أن فوكو يعلن انه خارج المنظومة التي تكمن ضمن السيرورات التي "عليها أن تكون دائما هي نفسها، ومنها مثلا صراع الطبقات"9 كما تدعي الفلسفة الهيغلية البعدية.

والنتيجة الثانية هي أن منطق النص يوافق الاتصال وليس القطيعة، أي انزياح العقل عبر النصوص هو الذي يؤدّي به إلى الموسوعية ويؤكّد شعرية العقل في ربط ما لا يربط ظاهرا.

الشعرية العربية/ التواصل اوالقطيعة:

يأخذنا الحديث عن الشعرية العربية إلى اقتحام فضاءات الاختلاف، التي جعلت من الشعر ضربا من ضروب المشهديات الأشد انغلاقا أو انفتاحا، حيث يعود التأسيس الشعري إلى منحى تعبيري واحدي غير قابل للتعدد، أو عكس ذلك يتوزع ذات التأسيس إلى نماذج تعبيرية تفرضها الضرورة الافضائية، ومما لا شك فيه أن الاتجاه الأول يجعل من الاستعداد للتعاطي الشعري ممنهجا يخضع في جوهره لقالب معين لا تتفتق القريحة إلا به وفيه، وهو ما يصادر على الإحساس بالجمالية الوجدانية التي تُمعلم وتختار انفعالا طرق التعبير عنها.

أما الاتجاه الثاني، فهو وان وافق المسلك البوحي في الذات، الذي لا يتقيّد بالشكل وإنما ينساق مع الانسياب ألمقولي في إبداعيته الخلاقة، المتوافقة أكثر مع حرية الحركة النصية، إلا أنه يثير حساسية القطيعة مع المنجز النصي التاريخي، ويبدو لي من خلال متابعة الحركة التنظيرية أن مربض الفرس هو في عدم القدرة على تجاوز هذا المنطق الذي يغرّب الفعل الشعري العربي داخل اطر الآخر التنظيرية، وهو ما أدّى بالفكر العربي إلى عقد مراجعات لا داخل البنينة10(مفهوم بارثي) الشعرية، بل في المحيط الابداعي للمنجز النصّي عامة، حيث راح محي الدين اللاذقاني في كتابه "آباء الحداثة العربية" يبحث عن جذور تأصيلية للنص العربي الحداثي في انتاجينه النصية المتنوعة، منقبا عن تلك العلائق التأسيسية للنص الحداثي الشعري في انطراحه النثراني، فيقارب الحلاّج ويرى أن في "طواسينه الإرهاصات الأولى لقصيدة تتململ داخل قيدها الفراهيدي وتحاول أن تخلق شكلا تعبيريا جديدا يتسع لتجربة فذة وغنية."11

تكمن الإشكالية الرئيسة في الرؤية للنص، في عدم الاعتراف بأبعاده الذاتية، من جانب الانهمام القرائي المنصب عليه، حيث لا يُربط باشتراطاته الجمالية الكامنة فيه، والتي تحدّد تموقعه في الزمن وفي انخراطه المتتالي في الوعي المتلقي، بل تستبصر المنجزات الاداتية والتنظيرية في راهن الزمن، وكأنها منتج لحظتها، فتغدو بذلك مبتورة عن سياقاتها، وهو ما يفصل الجمالية عن مكوّنات المنتج الإبداعي على مستوى الوعي، وان كانت الإحاطات الاشتغالية الواقعية تخالف هذا الاندراج التسفيهي للمنتج الإبداعي، حيث ما زال النص الشعري العربي القديم، انطلاقا من الشنفرى الى لبيد الى أبي تمام والمتنبي وغيرهم، يستأثر بالذائقة، وينجز مستهلاته الفنية الرائعة حسب ما توصلت إليه آخر آليات الحفر النصي(بتعبير فوكو).

إصرار النص العربي التاريخي على مزاولة انوجاده الانطولوجي المزاحم، يعلق في الوعي سؤال الاستمرارية، وهو ما تنبّه إليه الشاعر جمال الدين بن الشيخ في "الشعرية العربية"، "إذ يرى أن الاستمرارية استغرقت خمسة عشر قرنا وهي تشهد على مثال نادر في الشعر الإنساني ندرة تستحق الوقوف عندها حيث (تم اعتبار الشعر العربي على الدوام، مستودع هذه الثقافة وتاريخها..)12

هذه الاستمرارية لها ما يبررها على المستوى الحركي لجدلية النص، فالمنطق التفاعلي ينبني على تجاور الأنساق في الوعي، حتى تتم عملية التقابل المنتجة لصراعية الفكرة، أي أن التراكم النصي لا يعكس حالة الانفصال بالبداهة، وإنما يقوم على ركيزة الاتصال والتواصل، وهو ما يعتبره البعض عقدة وإعاقة تمنع الفكر والإبداع من تجاوز النص التاريخي، ولكنها وان كانت كذلك فهي "إعاقة جمالية" من منظور حاتم الصكر الذي يرى ان سر العقدة يكمن في "ضخامة الجسم الشعري العربي الموروث" وقوة الإيقاعات الشعرية المستقرة، واكتمال دراسة النظم الشعري في جوانبه المختلفة، وتكوّن أفق القراءة وفق تلك القواعد التي أضحت جزءا من ماضي الأمة وتاريخها القومي الذي لا يجب ان يمس كأي مقدس آخر"13.

مما سبق، نستطيع أن نتلمس بوادر التواصلية الإبداعية التي لا تنطلق من فراغ، وان ركيزة المنجز النصي الحداثي تتمثل في جانبها التأسيسي على الإبداعية النصية التراثية، وهذا لا يعني البتة الانطلاق من مظاهرها الجمالية، أي تمثلها كاندراج متواز يلعب على وتر الاستراق الفني والبلاغي والبنيوي، ولكن الاستحضار التراثي يقوم على توسّل النص من حيث لا ينبثق الكيان النصي الراهن مبتورا عن سياقاته التاريخية وشروط انجازه البيئية هذا من جهة، ومن جهة أخرى هو استجابة لمشترك اللغة، "فالجديد في الشعر العربي ليس تراكما على الشعر القديم أو استعادة له أو تنويعا عليه، بل هما كلاهما تموجان، لكل منهما فرادته، في البحر الشامل: اللسان العربي."14 وما يجعل العملية الإبداعية تحايث النصية في أبعادها الإنسانية هو مركّب الدلالة والاصاتة، بحيث الاقتراب من النص والانصات إلى طبقاته المضمرة، تفتح التخوم النصية على مقاربات العمق النفسي والتجربة الذاتية المتفردة في انفتاحها الشعري واصرارها الوجودي.

الشعرية بين الكينونة في النص والكينونة في التلقي:

ينغلق النص الإبداعي ـ الأدبي ـ على تركيب نسقي، يكسبه فرادة تجعل تلقيه يتطلب إتقان ذات الجمالية التي موقعته في مستوى الفرادة، بمعنى أن النص الأدبي يسمو على ما درج عليه الوعي الاستهلاكي اليومي من حيث اللغة، وهي من وجهة نظر النقد البنيوي "لغة خاصة تختلف تماما عن اللغة المستعملة في الحياة اليومية، وفي بقية المجالات التواصلية والاجتماعية، فهي بالنسبة لهؤلاء النقاد لغة مستنبطة، لها تنظيم خاص،.. وهي إضافة إلى ذلك لغة الوعي، بمعنى أنها تخضع لرقابة الكاتب والمجتمع والقارئ.." 15

تحدّد البنيوية اشتمالات التركيب النسقي للغة الأدبية، وهو ما يجعلها تنطبع بإفضاء جمالي ينبع من تميّزها، أو ما يُقارَب نقديا بالشعرية، التي تتحدد عند هذا المستوى باللغة.

ونجد ان الناقد الاميريكي جونثان كولر يحاول أن ينشر مصطلح "القدرة الأدبية/الكفاءة الأدبية"

"كأساس لشعرية بنيوية"، حيث يتبنّى هذا المفهوم كاستعاضة عن ما أرساه تشومسكي من مفهوم القدرة/الكفاءة بالنسبة للغة، "وتكون الأدائية هي الأعمال الأدبية المختلفة التي لا يتسنى لها الظهور أو الفهم إلا إذا تمتع القارئ أو الناقد بالقدرة/الكفاءة الأدبية"16.

فجونثان كولر يعزو التفاعل مع النص إلى استعداد مفاهيمي/أداتي لدى القارئ، يمكِّنه من اختراق حجب النص، والنفاذ إلى ما يشكل عائقا للقراءة السطحية المجردة من مستلزمات الانصات، وهو ما يكشف عن تصور لعملية الاشتباك مع النص قائمة على البحث فيه عن مبررات الانغماس في طبقاته ومشاكلة أنساقه، بمعنى من المعاني، الوصول إلى ما يسمّيه رولان بارث بـ "لذة النص"، وهو ما يجعل من الشعرية إحساس ينبع داخل المتلقي، لكن من خلال ما يمتلكه من مؤهل العُدّة القراءاتية.

إن جدلية تفاعل النص/المتلقي لا تجعل بالضرورة كل نص يصل مستوى الشعرية، كما ان كل قارئ/ناقد لا يتذوقها إلا إذا استوفى شروطها.

عند هذا المستوى يصبح طرح سؤال الشعرية مبررا من حيث الوجود، فهل هو كامن في النص، أو مندمج في إحساس المتلقي؟

من خلال معالجة النص، وترتيب عتبات تفكيكه، على اعتبار ان التفكيك "يمنح متعة لأنه يمنح رغبة. فان تفكيك نص ما يعني ان تكشف كيف يملي رغبة ما، وبحثا عن وجود ما، وانجاز يؤجل باستمرار."17 كما يقول جاك دريدا، قلت من خلال معالجة النص يبدو ان الشعرية تقع في منتصف العلاقة نص/قارئ، بحيث تنضج لما يمتلك كلا النص والقارئ استعدادهما الجمالي لمباشرة البحث عن الرغبة التي تتولد انطلاقا من حب النص فـ " من غير حب خاص للنص ليس ثمة قراءة ممكنة. ثمة رابطة متبادلة في كل قراءة بين قارئ ونص: دمج بين رغبة القارئ بالرغبة في النص."18

النص المرآة والنص القياس:

إن كل نص يمتلك جمالية، تتمثل في لحظة انكتابه، فهي جمالية ترتبط بالزمن، من حيث أن الإنتاج الإبداعي، يمثل رؤيا داخلية تنقدح خارج الزمن في انفلات ذاتي يقع بين الوعي واللاوعي، إلا أن هذا لا يكسب النص جواز مرور الى الجدة ومتانة الصياغة والتركيب، وعليه فهو يخضع بعد ذلك لمعيارية تحدد جماليته المتعلقة بشرط التلقي النقدي، أي إعادة إنتاجه.

إن مستوى المعيارية يستجيب لترتيب دلالي لا يملك من التضمين سوى التوضيح لعملية انجاز المنتج النصي، التي تمر في تشكلها عبر مرحلة النص المرآة، ثم بعد ذلك مرحلة النص القياس.

إن علاقة الناص بالنص تقدم علاقة آخرية، من حيث إنتاج النص، لأنها ذاتية تنزع إلى التوحد به، ولا يمكن أن تحقق انفكاكها منه إلا عن طريق علاقة أخرى تتحدد عبر "القارئ المجهول" كما يسمّيه النقد التواصلي، الذي هو "رمز لتعددية المتلقي (أي القراء) من جهة، ولتعدد القراءات وإمكانات الفهم، من جهة أخرى."19

ففي المرحلة الأولى، يرى الكاتب ذاته في النص، فهي متوحدة معه، وبقدر ما يجنح الناص كشخص تحكمه الطبيعة البشرية، إلى تضخيم ذاته، فإن ذلك ينعكس على النص، حيث يصبح النص الأنا، بمعنى اتصالي أناني يتجاوز فيه الناص الرؤية الفحصية التصحيحية لإنتاجية النص، وهي مرحلة مرآوية بمفهوم لاكان، حيث "يعترف لاكان بان بنية الذات تنبني على التشبث النرجسي بالمتخيل ، خاصة في مرحلة المرآة حيث يبني الفرد لنفسه ذاتا مثالية يتماهى معها."20

هذه المرحلة رغم سلبيتها إلا أنها تلعب دورا مهما في الانكباب على بناء علاقة جمالية مع الأشياء، تتمثل في تنصيص التواصل، لأنها تفتح الوعي على الدربة اللازمة للتهيؤ لمرحلة أخرى من العلاقة بالنص وهي مرحلة النص القياس.

في مرحلة النص القياس، يخرج النص من دائرة الناص الحمائية إلى فضاءات الآخر القرائية،

ومرحلة القياس لا تعالج النص قياسا إلى الناص، لأنها بذلك سوف تكون عملية هدمية انحلالية، ولكن قياسا إلى ما ترتب في ذهن القارئ المنتج ـ النموذجي ـ من وعي بالنص، حيث حينها تكون تفكيكية، بالمعنى الذي قصده جاك دريدا بالتفكيك من انه ليس "الانحلال أو الهدم بل تحليل البنى المترسبة التي تشكل العنصر الخطابي أو الخطابية الفلسفية التي نفكر داخلها."21

وبالتالي تنصب ثقافة المتلقي على النص حفرا في مستوياته وكشفا عن أنساقه المضمرة، لإنتاج جمالية إبداعية على غرار جمالية النص الأصل، ومن هنا يكتسب القياس شرعية الملكية الجمالية للنص، حيث بعد انطراح النص وانفكاكه من مرآوية الكاتب النرجسية، يصبح ملكا للقارئ، يخضع لإحاطاته التأويلية والرؤيوية، تماشيا مع ما تقدمه القرائن النصية وما يحتمله من إمكانات قرائية.

إن أدبية النص تنطلق من اللغة، من حيث كونها لغة خاصة، معبِّرة ومؤثرة، وبالتالي تخلق أنظمتها التواصلية الخاصة، التي تخرج عن نطاق التواصل التجريدي المميِّز للنصوص الفكرية، لان محل الأدبي هو الوجدان، بينما محل تفاعل الفكري هو خلايا العقل المجرّدة، لهذا فالنص الأدبي ينجز شعريته الماثلة شراكة بين إحساس القارئ وبنية النص، فـ "الشعر هو شيء يشعره المرء. إذا لم تشعروا الشعر، إذا لم يكن لديكم إحساس بالجمال، إذا لم تستطع القصة أن تجعلكم تريدون أن تعرفوا ماذا سيحدث لاحقا، عندها فان الكاتب لا يكتب لكم"22 كما يقول خورخي لويس بورخس.

وعليه تكون مرحلة المرآة بمثابة المحرّر لشحنة الشعرية في النص على أساس الالتحام الحميمي للناص به من جهة، ومن جهة أخرى ما يفرز من بحث عن المتخيّل المتّسق جماليا من خلال المرآة.

إن الشعرية التي تعتبر العنصر الأكثر دلالة لتمييز أدبية النص، تنبثق في مرحلة المرآة وذلك لسببين:

السبب الأول، كون مرحلة المرآة يقترب فيها الناص من نصه اقترابا حمائيا توحُّديا، بمعنى أن العلاقة تأخذ بعدا حنانيا وبالتالي يعكس رقة الكتابة وشفافيتها، أو اندراج عنصر المحبة فيها، ذاك الذي يجدب القارئ إليها، ويثير فيه حدس السؤال ومعنى القراءة، وهو ما نشير إليه نقديا بالشعرية، تلك التي جعلت خورخي بورخس يؤمن "بالشعور بالشعر وليس بتعليمه."23

السبب الثاني: يتعلق بالمرآة، حيث أن مرحلة المرآة تعني أن الذات تبحث عن آخر لها، فهي حالة نرجسية، هذا الآخر يتحقق عبر الانعكاس، وبالنتيجة يتبيّن بحث الذات المستمر عن متخيّل متّسق جماليا، على اساس أن الانعكاس موضوع ظل وليس حقيقة، والاتساق الجمالي هو انهماك الذات في الوصول بالصورة المنعكسة إلى مستوى جمالي مقبول، وهو ما يجعل من  مرحلة المرآة أكثر استعدادا لتفجير سيول الشعرية في تضاعيف النص الأدبي.

الهـوامـش:

1 ـ ميشيل فوكو، نظام الخطاب، تر د. محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2007 ،ص36.

2 ـ بول ريكور، بعد طول تأمل، تر/ فؤاد مليت، م ث ع، منشورات الاختلاف، د ع ع، ط1، 2006، ص61.

3 ـ جوليا كريستيفا، علم النص، تر فريد الزاهي، دار توبقال، ص77.

4 ـ خورخي بورخس، سبع ليال، تر/ د.عابد إسماعيل، دار الينابيع، ط1، 1999، ص108. 

5 ـ نظام الخطاب، م س، ص36.

6 ـ هانس غ غادامير، فلسفة التاويل، تر/ محمد ش الزين، دع ع، منشورات الاختلاف، م ث ع، ط2، 2006، ص176.

7 ـ د.م الرويلي، د. سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المغرب، م ث ع، ط3، 2002، ص269.

8 ـ ميشيل فوكو_ جاك دريدا، حوارات ونصوص، تر/ محمد ميلاد، دار الحوار، ط1، 2006، ص17.

9 ـ نفس المرجع، ص50.

10 ـ فانسون جوق، رولان بارت والأدب، تر محمد سويوتي، أفريقيا الشرق، ط1، 1994، ص29.

11 ـ محي الدين اللاذقاني، آباء الحداثة العربية، مؤسسة الانتشار العربي،ط 2، 1998، ص 90.

12 ـ ضد الذاكرة، محمد العباس، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2000، ص88.

13 ـ م ن، 88.

14 ـ ادونيس، زمن الشعر، دار الساقي،ط6، 2005، ص78.

15 ـ  مبادئ تحليل النصوص الأدبية، مجموعة من الأساتذة، مكتبة لبنان،الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان،ط1، 2002، ص30.

16 ـ دليل الناقد الأدبي، م س، ص208.

17 ـ جدل العقل، ريتشارد كيرني، تر إ/فركوح وحنان شرايخة، م ث ع، المغرب، ط1، 2005، ص187.

18 ـ المرجع نفسه، ص187.

19 ـ مبادئ تحليل النصوص الأدبية، م س، ص36.

20 ـ دليل الناقد الأدبي، م س، ص45.

21 ـ حوارات ونصوص، م س، 143.

22 ـ سبع ليال، م س، ص109.

23 ـ م ن، ص109.

 

  

 

 

عبد الحفيظ بن جلولي


التعليقات




5000