هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ما لم يُكتب أو يُقال في حكاية فيرا المُقال

علي الحسناوي

كان قد صَدَرَ لي من قبل كتاب (فيرا العراقي .. بساطة الرجل وصعوبة المهمة) وكل من قرأ كتابي هذا وجد فيه تجسيد حقيقي وصادق لمرحلة ما قبل وبعد انجاز آسيا إضافة إلى دراسة بعض التقاطعات الإدارية والفنية التي واجهها فيرا خلال تلك المرحلة. فأنا بطبيعتي وتوجهاتي لا أكتب عن تأريخ الأنسان بقدر تعلقي بكتابة تأريخ المرحلة التي يساعد هذا الأنسان, كائناً من يكون, على صنعها والمشاركة في تحقيقها. وحينما تم توزيع الكتاب في كل من العاصمتين الأثيرتين ستوكهولم وبغداد مطرزاً بإمضاء فيرا لكل من احتفى به, حينها, وصلتني بعض الدعوات لكتابة السير الذاتية لمدربين آخرين كانت لهم البصمة الواضحة والأنيقة على صحف تأريخ الكرة العراقية من قبل ومن بعد. قد يعتقد البعض جزافاً أن فيرا لم يدخل بقوة سوق المدربين, خصوصا وهو لازال منتشياً بالإنجاز الآسيوي, ولكنني أجزم أنني كنت أرد على مكالمات مسؤولين أتحاديين ووكلاء من دولٍ عدة تدعو فيرا لقيادة منتخباتها أو نواديها وهو ماكان الرجل يرفضه جملة وتفصيلا. يرفضه لأسبابٍ كانت في حينها منطقية ومعقولة وهو يتعلل بالإهتمام العائلي أولاً وبحد سنوات العمر الستين التي لم يكن راغبا في دخولها وهو لازال يعمل في مجال التدريب. أما السبب الأكاديمي والمهني فكان يكمن في رغبة فيرا الإهتمام بأكاديميتيه الفعالتين في كل من المغرب والبرتغال والتي كان ينوي إستثمارهما في تأهيل واقع الكرة العراقية.

وضع فيرا أمامي مشروع المليون دولار والذي أراد من خلاله تسيد الكرة العراقية بطريقة ذكية والتزامية والتي كانت تعطيه الحق في إدارة المنتخب الوطني الأول مع تعديل وتغيير الطاقم العراقي الفني المشرف على المنتخب الأولمبي, خلال منافسات تصفيات أولمبياد بكين, ومن خلال إستقدام مدرب برازيلي يشبهه في الطباع ويجاريه في القيادة على أن يُبقي على مساعد عراقي واحد (سعدي توما) مع المنتخب الأولمبي إضافة إلى إعادة هيكلية منتخبي الشباب والناشئين بقيادة عراقية ومساعدة برازيلية لشؤون اللياقة البدنية والتخطيط ولكن بعيدة عن إستثمار فرناندو في هذا المستوى. كما كان مشروع المليون يمتد ليشمل إفتتاح الأكاديمية العراقية لكرة القدم بإستثمارات برتغالية ودعم تدريبي مغاربي.

وبعد أن تبخر حلم فيرا مع رفض مشروع المليون لاسباب تتعلق بنقص التمويل أو رفض الفكرة أو عدم وضوح الخطة, توجه فيرا بكل أسلحته للقتال في دول الخليج التي غازلته طويلا إلا أنها لم تخطب وده بعد أن حقّ الحق ووضح المنطق. وهنا كان للنادي الإيراني القول الفصل مع تواجد ما تبقى من شتات اسود الرافدين  مثل عماد محمد وأبو الهيل إلا أن فيرا عاد ليرفض تدخلات الهيئة الإدارية الجديدة بعد تعاقده مع القديمة وهو ما أبعده لفترة عن الملاعب الإيرانية ليعود بعد تطميناتٍ جديدة. وكلنا نتذكر المباراة الفاصلة التي اضاف فيها الحكم الايراني عدد غير معقول من الدقائق الإضافية بغية كسر جناح فيرا وتغليب سمعة المدرب دائي على سمعته. لم تكن زيارة فيرا لقَطر إلا لتحسس الأجواء ومعايشة القبول من خلال مقابلة بعض المدربين البرازيليين العاملين هناك والذين يكنّون لفيرا إحترام خاص مشفوع بالإنجاز العراقي الآسيوي وهو ما وثقته الصحف القَطَرية حينها بالصوت والصورة المرئية والمتلفزة.

لم تكن إتصالاتي الودية الحميمة قد انقطعت يوماً بالكابتن حسين سعيد وخصوصاً بعد أن شرّفني بتقدمة رائعة قدمني فيها إلى قيادات الإتحاد الأردني لكرة القدم صحبة زميلي الكابتن رافد القادم من كندا وهو ما أضفى على تفاهمنا مع الإتحاد الأردني أهمية خاصة بعد أن اعطاهم الكابتن سعيد إنطباعاً خاصاً عن قدراتي الأكاديمية وتوجهاتي العلمية وهو , أيظاً, ما دفع بهم إلى إستشارتي بمشروع تطوير الشباب خلال تلك الجلسة الغير عادية.

ومع ازدياد توجه الشارع الكروي العراقي نحو إعادة إستقدام فيرا بعد الإنهيار الحقيقي للكرة العراقية في تصفيات كأس العالم 2010 , هذه التوجهات التي أدارها فيرا بكل وعي وحرفية عالية من خلال تواجده في ملعب البطولة صحبة زوجته السيدة خديجة, لم يكن أمام الحكومة العراقية إلا الضغط من أجل التفاهم مع فيرا. هذا الضغط لم يتأتى عن وعي علمي ومهنية كروية مؤطرة بدراسة مستفيضة لواقع فيرا خلال تلك المرحلة, أقصد المرحلة التي تأخر فيها كثيراً عن اللحاق بركب موسم التعاقدات الوطني والدولي وعلى صعيدي الأندية والمنتخبات, بل جاء مبنياً على دفقات العواطف الشعبية ومساحات الحزن المستديمة والتي بللها فيرا بدموعه الساخنة بعد لحظات من إعلان فوز قطر على اسود الرافدين وبالتالي إقصائنا من المونديال الجنوب أفريقي سواء بوجود أميرسون أو بعدم وجوده. إن تواجد فيرا في هذه المباراة بالذات هو الذي فتح عليه قنوات التعارف والتلاطف مع المسؤولين الحكوميين العراقيين والذين بادلوه الأسى وتقبلوا منه التعازي بوفاة الكرة العراقية التي كان هو, وكما يعتقد هو ومن جاملوه, أوكسجينها الوحيد ورئتها الوحيدة التي يتنفس منها المنتخب بحرية ونقاء. هذا التلاحم الحكومي مع فيرا منحه دفقة القوة التي كان يحتاجها بغية مصارعة توجهات الاتحاد العراقي الذي رفضه من قبل ومن ثم الإستعداد لمراسيم التتويج على عرش الكرة العراقية. وكلنا نتذكر ان فيرا لم يُغادر بلد المباراة بعد انتهائها بل عمل على تجديد إقامته كونها كانت نقطة تواجد والتقاء العديد من المسؤولين الحكوميين العراقيين. في ليلتها قال لي فيرا, أنه كان قادراً على صنع الفوز لو قُدّر له أن يكون بدلاً من حمد وأن إنجاز آسيا يُسرق من العراق في وضح النهار نتيجة للتلاعبات والتقاطعات في عمل البعض من المشرفين على الكرة العراقية. كان فيرا عادة ما يستخدم كلمة (مكتوب) ويقصد النصيب حينما كان يكتبها عربيا وباللغة الإنكليزية ويعني (أن ما حصل كان المكتوب بعينه وليس هنالك من أحد قادر على تغييره).

لم أكن من النوع الذي يتصيد المناسبات الحزينة للتحاور مع رئاسة الاتحاد العراقي لكرة القدم بل عادة ماكنت اترك هذا التواصل للمناسبات الأكثر سعادة وخصوصاً الأعياد والمناسبات الخاصة ولكني وفي الوقت نفسه كنت على تواصل مباشر ودائم مع فيرا من خلال الهاتف والانترنت بشكلٍ يكاد يكون يومي معبرين عن توجهاتنا المشتركة في سبيل إعادة الروح للكرة العراقية والتي أعلن فيرا رفضه ولأكثر من مناسبة العمل فيها وتسيد ساحتها التدريبية على اساس تقاطعاته القديمة الجديدة مع رجال الإتحاد العراقي وتعبيراً عن عدم قناعته برفض مشروعه المليوني من الاساس.

لنعترف أن لرئيس الاتحاد العراقي المركزي لكرة القدم نظرته المهنية الخاصة والموضوعية في قدرات وسيَر المدربين, هذه النظرة المستقاة من أنه صاحب تأريخ كروي مشرِّف وحرفة ميدانية توجها خلال المراحل الحديثة برؤيته الدولية والأممية لكل ما يدور في فلك كرة القدم من اخفاقاتٍ وانتصارات. ولعلّ لرئيس الاتحاد فلسفته الخاصة في عدم قبول فيرا كونه يرى الإنجاز الآسيوي من زاوية تختلف تماماً عن تلك التي ينظر فيها فيرا لإنجازه الأفضل على مَر تأريخه الكروي الحافل بالعديد من المؤشرات السلبية والإيجابية. هنا لابد من التذكير بأن الإعلام العراقي المنصف والمحايد وكذلك الإعلام الرياضي العربي الذي يتسم بتوجهات مختلفة كانت لهما أيظاً شؤون وشجون في عَرض مقومات واسباب نجاح العراق في إنجاز آسيا وهو أمر مقبول للجميع كونه يصب في خانة حقيقة واقع الإعلام الرياضي العربي الذي لازال يتصف ببعض سمات الميول والقبول.

جاءت عودة المسؤولين الحكوميين العراقيين إلى بغداد, بعد الاندحار المونديالي, وهم يضربون أخماساً بأسداس عن الكيفية التي سيتم من خلالها إعادة تطبيق شعار (ارفع راسك أنت عراقي). ومن هنا كان لابد من إعتماد مبدأ التضحية بالقديم واستقدام الجديد فكان المدرب العراقي حمد أول ضحايا الإقصاء بقرار حكومي أثار ولازال يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الرياضية عن مدى جدية وأهمية هذا القرار في إعادة هيبة الكرة العراقية وخصوصاً مع بقاء المؤسسة الكروية العراقية بكامل عدتها وعددهها على راس الهرم الكروي العراقي. ومن ضمن التوجهات الجديدة كان البحث عن المنقذ فيرا وذلك من خلال ضغط جماهيري وإعلامي مورس بكل عفوية وتلقائية بعيداً عن دراسة الواقع دراسة مستفيضة وبالتالي تحليل وإعادة تقييم ماحدث بغية الوصول إلى بدائل أكثر عقلانية. وهنا لابد من الإعتراف أن فيرا كان الأذكى ميدانياً في التعامل مع مصالحه في الحدث العراقي, والأفضل في شد الأوتار المتشنجة بين الاتحاد والحكومة حتى أنه فيكان الراقص الاشطر على مطاطية تلك الحبال بغية العبور عن ضفة القبول العراقي. ولعلَّ أكثر ما كان يُخيف فيرا ويرعبه في الجانب العراقي هو الإعلام الرياضي العراقي المثقف والمتابع, من ناحية, ونخبة المثقفين والأكاديميين, من ناحية أخرى, وهنا لابد من التوقف عند نقطة محددة هي وصول فيرا إلى قناعة, وعبر بعض أحاديث المسؤولين, أن فيرا سيعمل في فضاءٍ تام من الحرية وخالٍ تماماً من التدخلات الأتحادية وهو بالتالي سوف لن يتعرّض إلى أي نقد علمي أو أكاديمي. هذه الأجواء التي أُشيعت عمداً حول محيط فيرا دفعته إلى النظر نحو أكاديميينا ومدربينا وخبرائنا نظرة دونية وازدرائية وخصوصاً فئة المدربين من لاعبينا الدوليين السابقين الذين كانوا يتبارون فيقمة هرم الدوري العراقي. وهنا اعتمد فيرا على الحجب الإعلامي وعدم مقابلة الصحفيين أو التقرب من أماكنهم والذين كانوا يحملون العشرات من الأسئلة عن توجهاته واهدافه وطريقته القادمة في العمل. ومن جانبي فقد أرسلت له العشرات من الأسئلة المحددة والخاصة ببعض الزملاء إلا أن فيرا لم يكن يلتفت اليها بل كان يتهرب منها على الاصح بداعي أنه سيعقد مؤتمراً صحفياً موّسعاً خلال المرحلة القادمة وهو ما لم يفعله إطلاقاً. إن حالة القلق النفسي وحالة اللاإستقرار الذهني تبلورت أول ما تبلورت لدى فيرا من قَدَر تغيرات الوضع الأمني في بغداد ومن إحتمال تواجد الكابتن حسين سعيد في العراق تحت اية لحظة وهو ماكان سوف يدفع بفيرا إلى البقاء تحت هاجس الرعب والعمل في العراق وتحت رقابة شاملة من أكبر متحديه على مستقبله الكروي الاحترافي. أسّرّ لي فيرا وقبل ساعتين من إقلاع طائرته المتوجهة نحو العراق صحبة مُضيّفه الحسيني أنه سوف يعقد مؤتمراً صحفياً شاملاً على أرض مطار بغداد حتى قبل أن يُغادر بوابة المغادرة إلا أن شيء ما حصل أو تغيّر دعاه إلى عدم الوفاء بوعده. المصيبة هنا أنني طلبت من بعض الزملاء التوجه وتغطية الحدث وهو ما أوقعني في حرجٍ شديد فيما بعد. ومن الأمور التي لم يعرفها أحد أن فيرا كان يعتقد أنه قادر على الترشح لمنصب رئاسة الاتحاد العراقي المركزي لكرة القدم مدعوماً بحب وثقة الجماهير به وذلك بعد حصوله على الجنسية العراقية التي قاتل من أجلها بكل ما أوتيَ من فوةٍ ومن رباط الخيل إلا أن طلباته كانت تواجه بحالة من التريث والتخدير المقصود والغير مقصود. وهنا طلب مني فيرا إستقراء آراء الإعلام والمعنيين بهذا الأمر. كان فيرا , ومن خلال تواصلي معه, على علم كامل بكل ما يدور وراء أو أمام كواليس الكرة العراقية وخصوصاً أنه سبق له وأن بدأ الدخول في حوارات هاتفية ومناقشات جانبية مع الأطراف الحكومية التي بدأت هي الأخرى تخطب وده بغية تحقيق مبدأ الإلتصاق الجماهيري وإرتداء بدلات الفرسان الذين لا غنى عنهم بغية إنقاذ واقع الكرة العراقية. المفاجأة التي أوصلتني إلى هذه المعلومة كانت وقوف فيرا على كل ما كان يجري من مباحثات وتقاطعات في سبيل إعادته إلى حضرة الكرة العراقية إلى الحد الذي كان معه يعرف من خلاله بكل ما كُتب عنه اليوم وماذا سيُكتب عنه غدا . تسلّح فيرا جيداً بقدرات السادة المسؤولين الحكوميين الذين كانوا على تواصل دائم معه, بعد أن عقدوا مع فيرا إتفاقية العمر الإعلامية , كما أنه تسلّح بالسلاح الفتاك ألا وهو الرغبة الجماهيرية العفوية العارمة الحمراء التي أكتسحت المنطقة الخضراء خلال تلك الفترة. حاولت التخفيف من زخم التواصل الفني والإستشاري مع فيرا بعد أن وجدت فيه إندفاعاً محموماً لركوب الموجة الحكومية وضرب كل توجهات الاتحاد بعَرض الحائط وكأنه أراد بذلك إصطياد عصفور الرفض الاتحادي له وعصفور مبلغ العقد بحجرٍ واحد خصوصاً وأنه كان قد ضحى بالكثير من أمواله السابقة في سبيل إعادة الروحية الجمالية والإجتماعية لمسكنه القابع أمام أحد ابواب ملعب محمد الخامس في العاصمة المغربية وأيظاً في توجهاتٍ أُخرى لا تعنينا في شيء هنا في هذه الشهادة.

من هنا وافقت رئاسة الإتحاد العراقي على الدخول في مفاوضاتٍ تجريبية مع فيرا لمعرفة توجهاته ونواياه والتي لم تكن قطعاً, وحسب ما خبرت الرجل, ذات صبغة فنية أو مهنية هذه المرة, حتى أنه ذكر لي أن تواجده مع العراق في بطولة القارات أهم لديه من الانجاز ذاته. أما الحديث عن كاس الخليج فلم يكن يعنيه بالمرّة كونه كان يعتبره تحصيل حاصل ضمن عقده التدريبي وأيظاً لأنه كان واثقاً من الفوز في المونديال الخليجي وإنطلاقاً من نفس نظرة مَن كانوا يتكأون على المنجز الآسيوي في صنع نصر خليجي لاغبار عليه. وهذه أولى الكبوات الفنية التي وقع فيها فيرا كونه لم يكن مطلّعاً في حقيقة الأمر على شبابية وقوة المنتخبات الخليجية المشاركة من الناحية الفنية علاوة على أنه اراد تحقيق تحديات ذاتية وانتصارات شخصية على رجالٍ لم يوافقوا يوماً على طموحاته العريضة من الناحية السايكولوجية. لم يكن فيرا مرتاحا بشكل كبير في الوسط الإجتماعي الذي كان يشكو منه بشكل دائم وهو ماكان يدفعه للسفر إلى أماكن أخرى في العالم أكثر هدوءاً ومتعة وراحة بال.

لم يكن اتصال الكابتن حسين بنا يحمل في دلالاته الكثير من الجدية في التعامل مع فيرا كون الأخير كان قد اختار له منتجعاً شخصياً وآثر الإنزواء بعد أن أغلق هواتفه. إن تحليلي الثابت والأكيد لهذا السلوك النفسي الإجتماعي لحالة التصومع التي دخل فيها فيرا كانت قد أتت بعد أن وصلت لفيرا إشارات بقرب موعد مفاتحته بالعودة إلى أحضان البلد الذي بكى من أجله وفارقه مرغماً. قال لي الكابتن حسين بالحرف الواحد (أين صاحبك لقد ضاع من بين ايدينا). بعد دقائق كان الكابتن حسين وفيرا في حديث أولي بعد ان كان فيرا في رحلة بالسيارة بين مدينتين وهو ما دفعني إلى نصحه بالتوقف في أقرب موقف والاتصال بالكابتن حسين.

هنا أفرغ فيرا وخلال دقائق كل ما في جعبته من قهر وتحدث إلي بشكل مستفيض وواقعي عن قدراته الحالية المدعومة بحب الجماهير ودعم المسؤول الحكومي الذي لم ينفك عن تحقيق مبدأ المصلحة المشتركة معه. وختم حديثه بالقول أنه لديه عقد خليجي بمبلغ مليوني يورو فإذا كان الاتحاد قادر على الدفع اكثر من ذلك فإنه مستعد للتفاوض. هنا قلت لفيرا (انت تعي تماماً مع مَن تتحدث لأني لا أمثل اي طرف من الأطراف) وهنا هدأت حدة فيرا وقال (مليونا يورو ومع فرناندو الذي سأتفاوض بدلاً عنه). الذي يعنينا في الأمر أن تلك الواقعة كانت بداية العهد الجديد بين فيرا وسعيد. يبدو أن الكابتن حسين قد أعلن لفيرا رغبته الصادقة في التحاور مع فيرا في الأردن ولكن ليس بهذا المنطق المادي الكبير) هنا عاود فيرا الاتصال بي معلناً عن رغبته بتجاوز الاتحاد والعبور مباشرة نحو العراق بغية التفاوض خصوصاً وأنه ذكر لي بأن أحد المسؤولين الحكوميين كان قد وجه له دعوة فعلية للتعامل معه بهذا الاسلوب إلا أنه رفض الفكرة جملة وتفصيلا بسبب رهبته من الأوضاع الأمنية السائدة. من هنا سادت في الأوساط الإعلامية الرياضية مواقف تنتقد دعوة الكابتن حسين لفيرا بغية لقائه في الأردن وعلى اساس أن هذا الأمر سيُثير حساسية الحكومة في حالة ما تم توقيع العقد في عمّان بعيداً عن مصدر صنع القرار العراقي في بغداد في حين اراد الكابتن حسين, وحسب تقديري الشخصي, إبعاد فيرا عن المساندة الحكومية التي ستعمل على تقليل سلطة المراقبة الفنية على عمل فيرا عند تواجده في بغداد والعمل فيها. لا يُمكن لأحد ان يعقل ومن الناحية الفنية أن فيرا قد تمكن من جمع اللاعبين الشباب خلال اسبوع تواجده في العراق وبالتالي أعد العدة لانتمائهم للمنتخب الوطني بعد مشاهدتهم والوقوف على الأفضل منهم إذ أن هذه التسوية غير مقبولة علمياً وفنياً خصوصاً وأن فيرا لا يفقه شيئاً في تقلبات مستوى الدوري العراقي.

هذه التوجهات دفعتني حقيقة إلى الإتصال بالكابتن حسين معبرا عن وجهة نظر فيرا والذي افادني بأن الحكومة غير قادرة على توفير الغطاء المالي لفيرا بين ليلة وضحاها فهذا الأمر يحتاج الى تفاوض وبنود ولكن الاتحاد قادر على الأقل على المساهمة بالقسم الأولي لقيمة العقد. وبعد أخذٍ ورد بيني وبين فيرا , وبحضور أحد الدبلوماسيين العراقيين الذين تواجدوا بالصدفة والكابتن أحمد الفلوجي مدير نادي عراقنا, أفصح فيرا عن رغبته بالسفر الى الأردن والتعاقد على مبلغ سبعمائة يورو. وفي نفس الفترة وخلال مساء نفس اليوم توصلت مع فيرا إلى تغيير المبلغ إلى سبعمائة ألف دولار والكف تماماً عن الحديث باليورو وهو ما باركه الكابتن حسين معلناً عن إرسال التذاكر للسيد فيرا وفعلاً تم إستقباله في اليوم المحدد. كان من المفترض أن نقوم أنا والكابتن احمد الفلوجي بمرافقة فيرا في رحلته إلى العراق وبناءا على رغبته التي أعلنها مراراً وتكراراً, ليس من أجل الدخول في معترك التدريب, وإنما من أجل إضفاء جو الطمأنينة في نفس فيرا الذي كان خائفا من خوض التجربة حد الرعب. ولكن الأمر الذي الغى هذه المرافقة هو وصول السيد بسام الحسيني وهو ما اعتقدناه كان كافياً جداً لتحقيق نفس المعنى إن لم يكن بشكلٍ أفضل. والنص الحقيقي والموثق لديّ في هذا الخصوص أن فيرا قال (لن أدخل العراق إلا وأنتم على يميني وعلى يساري). ولو أن فيرا عرض عليّ إدارة المنتخب قبل أن يلغي الفكرة بسبب عدم موافقة بعض الاطراف على هذا المقترح  حسب ادعائه هو اي إدعاء فيرا, إلا أن أوساط اقرب مني إلى فيرا أبلغتني فيما بعد أن فيرا كان في حالة لم تسمح له بتغيير اي شيء على خارطة الإدارة الحالية للمنتخب ولم يقُم بمفاتحة أي من المعنيين بشان ذلك في حين أن فيرا أوضح لي وخلال ليلة هروبه إلى الأردن أنه كان قد فاتح المعنيين في الإتحاد لكنهم كانوا يفتحون عيونهم من الدهشة والتعجب, وهو التعبير الخالص كما ذكره لي فيرا,, وهنا أتذكر قول الكابتن حسين حينما صرّح لي بأن عملي مع المنتخبات مرهون بفيرا وحده كونه الآن يحمل القرار الوحيد وإمكانية البت فيه وذلك بعد أن حصل على كل هذا الدعم الحكومي والشعبي. كنت قد اشرت إلى فيرا وفي آخر ليلة أردنية جمعتني معه ان يعمد إلى مراقبة الدوري العراقي وتأهيل اللاعبين الشباب لبناء منتخب جديد وبالتالي اختبارهم والمراهنة عليهم من خلال بطولة النروج على أن يتم تطعيم المجموعة ببعض لاعبي الخبرة من القادرين على التكيف والتأقلم مع المجموعة الجديدة. وهنا أعلن لي فيرا بصراحة بأنه سوف لن يعتمد في بطولة الخليج التاسعة عشرة إلا على لاعبي آسيا بكامل عددهم حتى لو وقع اختياره على اربعين لاعب محلي بمستوى جيد ولائق. حتى أنني كنت قد ابلغت الكابتن عامر عبد الوهاب في ليلتها بوقوع اختيار فيرا عليه لقيادة الحراس متمنياً عليه حُسن التعامل مع الحدث. وحينما عرضت على فيرا تواجد الكابتن راضي شنيشل وجدت أن فيرا لم يكن يعي حقيقة الإنجازات المحلية والخليجية التي عليها السيد راضي إذ أنه اثار في حينها حديث طويل وغريب وشائك عن السيد راضي تبيّن لي فيما بعد ومن خلال تحليل ومساعدة الكابتن الفلوجي أن فيرا كان يتحدث عن الكابتن عدنان درجال متوهماً أنه السيد راضي. هذا الخلط أعطاني الدليل على أن فيرا لم يكن يفقه في الكرة العراقية ابعد من لاعبي آسيا وهو لم تكن له اية دراية واقعية بمكانة اللاعب والمدرب العراقي المحلي أكثر ما كان يُشار إليه في هذا الأمر. لم تدخل وزارة الرياضة والشباب حتى هذه اللحظة, بناءا على معلوماتي الصراع العراقي الفيروي , إلا أن دخولها أو حشرها في الأمر كله جاء بعد ان تأخر صرف الدفعة الأولى من مبلغ عقد فيرا وهو ما دفع بفيرا إلى الاحتجاج الغير مُبرّر وبالتالي إظهار وجهه الحقيقي والمادي من خلال مغادرته العراق وفقاً لتصرف لم يكن يرتقي إلى عالم الإحتراف بشيء. كان هذا التصرف أول تعبير عن الفكرة الخاطئة التي صدمت الجمهور الكروي العراقي والذي لم يكن أمامه من منفذ إلا انزال جام غضبه على المتسببين بتأخر الدفع كائناً من يكون, هنا لا بد من الاشارة إلى أنني وطوال تعاملاتي الاجتماعية والمهنية مع فيرا لم أجده يوما وهو يُرعد ويُزبد ويخرج عن طوره الإنساني وثقافته الفرنسية في التعامل مع الحدث وهو ما أعلنته ووثقته خلال تلك الفترة لثلاثة من أقرب الإعلاميين الأعزّاء على قلبي متيقناً في الوقت ذاته أنه لم تكن لفيرا أية طموحات تطويرية أو توجهات تربوية في توليف منتخب عراقي جديد. ولو كانت تلك الأحاديث قد نُشرت في حينها لكادت تتسبب بأزمة كروية أخلاقية حادة بين فيرا من جهة وبين المؤسسة الكروية العراقية باتحادها وحكومتها وبرلمانها من جهة أُخرى. وللتأريخ اقول أن فيرا شكى لي هنا من محاولة تسيّد السيد عبد الخالق مسعود على مقدرات المنتخب العراقي من حيث إختيار نوع وعدد اللاعبين حتى أن فيرا عمل وبشكل مستميت من أجل إبعاد السيد عبد الخالق عن إدارة المنتخب إعتماداً على قوته الحكومية إلا أنه رضخ للأمر الواقع فيما بعد حينما عَرف أنه لا يُمكن أن تقوم للمنتخب قائمة دون قيادة الملا مسعود. لم يكن فيرا ومسعود على وفاق دائم فهو, أي فيرا كان دائم التذمر والشكوى من تواجد مسعود قريباً منه وكأنه رقيباً على عمله, إلا أن السيد مسعود ورفاقه كانوا يحاولون الوصول إلى برنامج العمل الذي لابد وأن يكون فيرا قد أعدّه حاله حال اي مدرب آخر. هنا كتب لي فيرا أنه غير مستعد لتقديم برنامجه إلا لأناس يعرفون ما فيه وإنه سيقدمه أما للكابتن حسين أو لنائبه الأول عند انتقاله للمرحلة الثانية من تدريب المنتخب. ومن خلال سلسلة التصرفات السلبية والامتعاض الحاد الذي كان يبديه فيرا لتواجد أعضاء الاتحاد في ملعب الشعب أثناء الوحدات التدريبية, دخلت العصا الأخرى في عجلة المنتخب من خلال إعتماد فيرا على الاسناد الحكومي بالتعامل الغير مهني مع اعضاء الاتحاد حتى وإن كان تواجدهم لا مبرر له خلال وقت التدريب خصوصاً وأن فيرا كان يأتي ويعود من خلال هالة من الحمايات المدججة بالسلاح والمفعمة بالألوان الزرقاء والحمراء وهي تشق شوارع العاصمة بضجيجٍ مفتعل. أما العصا الثالثة التي أعاقت مسيرة العمل فكانت إعطاء فيرا الحق لنفسه, وبعيداً عن اي إعتراض من أحد, بممارسة أدوار إدارية بعيدة كل البعد عن تخصصه الفني وذلك من خلال قضاء نزهات طويلة في جنوب افريقيا لحضور قرعة بطولة كأس القارات أو من خلال قضاءه لنزهات أخرى للمساعدة في إعادة اللاعب هوار إلى حضن المنتخب على الرغم من أن البطولة لم تكن تعطي الحق للمدربين بالضغط لإستثمار اللاعبين المحترفين على اساس أن بطولة الخليج غير مُعترف بها دولياً. ومن وجهة نظري فإنه على الرغم من عدم أهلية بطولة النروج للإرتقاء بامكانيات اللاعب العراقي وبالتالي الإفصاح عن قدراته الحقيقية إلا أنها كان لابد منها للعبور بنفسية اللاعبين الشباب وإحداث حالة التكيف النفسي والتركيز الذهني لإدخالهم في بطولة الخليج التي تلتها. لابد من التاشير هنا إلى ضياع دور الرقابة الفنية على عمل فيرا حتى ولو من قبل لجنة أكاديمية محايدة وهو ما أعطاه حرية السفر للمغرب وقضاء فترة العيدين مع بعض بعيداً عن أداء مهامه الفنية مع المنتخب وتلبية لبرنامج تعاقده مع الحكومة.

للأسف لم يكن فيرا مستقراً على أمرٍ ما بل على العكس كان قلقا بين المراهنة على صنع انجاز آخر يضاف إلى سيرته الذاتية بمنتخب آسيا, وبين المراهنة على اللاعبين الشباب لبناء منتخب عرافي جديد فادر على المنافسة بروحه الشبابية في كاس القارات. هذه المفاضلة كانت تعني لفيرا أما العراق أو أنا. وهو من هذا المنطلق لم يفلح في الوصول إلى البديل الثالث (العراق وأنا) من خلال إستثمار قدرات اللاعبين الشباب الذين اثبتوا جدارتهم في مباراة الكويت بشكلٍ لا يقبل الجدل كبديل موضوعي وعملي عن منتخب آسيا المبتلى بالاصابات وتقدم العمر وروح اللا انضباط. دخل فيرا العراق منتصراً حتى قبل أن تبدأ المعركة الخليجية وكل هذا الوهم تلبّس فيرا بسبب الحفاوة الحكومية والإستقبال الرسمي والشعبي الذي أعطاه حجماً أكبر من مصداقيته الفنية في التعامل مع بطولات من هذا النوع. ومن هنا دخل فيرا التأريخ كأول مدرب يُحتفى به متأخراً عن بطولة أكل عليها الدهر وشرب أو منتصراً في بطولة لم يُكسر له فيها سيفاً بعد. ولو كان الاتحاد على مقدرة من التعامل بعيدا عن التأثيرات الحكومية والضغط الشعبي لكان قد عمد إلى إقالة فيرا بعد مباراة البحرين والإبقاء على فرناندو وحميد للمباريتين المتبقيتين وهي حالة تحصل في كل العالم. ولو كانت الحكومة قد شكلّت هيئة من الأكاديميين والخبراء الحقيقيين للتعامل العلمي والمهني مع قضية فيرا وابعدت الساسة والمروجين عنه لما حصل ما حصل. ولو كان البرلمان, وهو سلطة الشعب, قد فرض على فيرا البقاء في الداخل وممارسة دوره الفني الحقيقي وعدم التسيب من خلال إستغلال الدعم الحكومي له لما كان ماكان من أخبار المنتخب في ذلك الزمان. من شهادتي هذه نجد أنه لبيس هنالك من مذنب وحيد في ما آلت إليه سمعة الكرة العراقية من قبل ومن بعد, بل الأدهى من ذلك كله أنه يتوجب علينا جميعاً أن نقف في قفص اتهامٍ واحد بمساحة خارطة الوطن, ولكن المشكلة حينها أننا سوف لن نجد من يحاكمنا أو من يدافع عنا, ببساطة, لأننا كلنا مذنبون. إنه لمن المُعيب, الآن, حقاً أن تُستغل قضية الرياضة العراقية الراقدة في غرفة الإنعاش من أجل تحقيق المكاسب على حساب النبش بما آلت اليه المناقب وإستغلال عاديات النوائب بدلاً من أن نترفع على المصائب ونخرج في خِضَمّ المواكب كي نلعن الناصب والمناصب فلا آنَ لصاحبٍ من غير صاحب ولا لعدوّ من غير مُحارب. رُفِعَت الجلسة.

 

علي الحسناوي


التعليقات




5000