هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


درس في تفـنيد الخرافة ....

علي الاسكندري

 أورام خرافـية

مرة اصطحبني صديقي ح إلى وليمة خرافية وأصـرّ من ناحيته بأنها حقا خرافية على حد وصفه وأكّـد لي باني سأفـّوت الفرصة على نفسي في حال تغيبي عن هذه المأدبة وكان هذا الصديق مولوعا بالغرائبيات والفنتازيا والمقالب الساخنة وبعد إن حان موعدنا أدخلني صالة الاستقبال
شعرت حينها وكأنني دخلت عالم السعادين والحّيات الهائلة والبحور والمغارات التي تحرسها المَـرَدَة والقيامات الموصوفة في بعض كـُتب الميثولوجيات ,فالجدران مغـلـّـفة بورق يغلب عليه اللون الكابي وعليها كائنات مشوهة رُسمت كيف ما اتفق وكانت هناك فوانيس ولالات وشموع مختلفة الأحجام وكذلك أغصان لنباتات وشجيرات برية شوكية معـلـّـقة بحبال من القـنـّب تعرفـّتُ على بعضها كالصريم والكسوب والحسك وكان يتهادى إلى سمعي أصوات ضفادع وصراصير ليلية ونباح كلاب خافت ..تبين فيما بعد إن هذه الأصوات كانت مسجلة على شريط كاسيت وتنطلق من سماعات موزعة على أركان الغرفة , والمكان تفوح منه رائحة يختلط فيها الحرمل البري بالبخور إضافة إلى روائح نفـّاثة لا تـُشم إلا في الأضرحة والمزارات وفي زاويتين متقابلتين من الصالة جلس صبيان منغوليان يمسك كل واحد منهما تيس مخطـّط على هيئة حمار الوحش وفي وسط الأرضية امتدتْ سفرة عليها مواعين وصحون كبيرة الحجم من الفافـون وكانت تلك الصحون خالية الامن أوراق بحجم دفتر مدرسي مكتوب على كل واحدة صنف من الأكلات والتراكيب الغريبة .. فورقة القصعة الرئيسية التي تتوسط المائدة مكتوب عليها ثـريد الارآمل.. والأخرى.. رز مطبوخ بزيت السمرمر وفي الجـفنة المحاذية كانت هناك كبدة الطنطل ..وغير ذلك الكثير ممـّا لـذ ّ وطاب من الأكلات الخرافية المّحررة على تلك القصاصات , ولم ينسَ صاحبي سِـقاية الضيف إذ وضع بجانب سُـفرته علبة صفيح "تنكة" مطلية بدهان اسود مكتوب عليها عبارة "اشرب من مياه القارة البائـدة" وربما كانت هناك ترميزات وإكسسوارات تنتمي إلى هذه التخريفات لا يسـع المجال لذكرها , ورغم طرافة الموقف الاّ إن صديقي قد نجح في لجم غريزة الجوع لدي وتطويقها بزخرف الخرافة والوصول إلى نقطة التماس مع اقانيمها وتوفير صدمة ودهشة بحيث انه نقلني من الفضاء السائد والنمطي إلى مشهدية مغايرة أربكتْ تـلقي المشهد وأحدثتْ شـللا مؤقتا في منظومة الاستقبـال لاستيعاب المتـغير لديّ



صـدمة الخرافــة
من هنا نرى إن الصدم والإدهاش والخروج على النمط هو ليس في كل الأحوال يؤدي إلى نتائج ايجابية فالخرافة في طبيعة تكوينها هي ضد العقل والمنطق والمقبول والحياتي لذا فهي غالبا ما تؤدي إلى تعـطـيل الجهد الإنساني الخلاّق وتعمدُ إلى التخفي وراء الحـُجـُب والغيب.. فالعقلية الخرافية عقلية جاهلة مريضة وجبانة أمام أي ظاهرة لأنها تأخذ الأمور بظواهرها وتهمل الجوهر وتعجز عن تفسير أي مشكلة أو أشكال حياتي فلا سببية عندها ولا ربط بين سبب ومسبب فجميع ما يجري حولها مقـدّر بمقادير ومـُحـدّد بيوم موعود لذلك فأن القدرية هي العمود الفقري لفلسفتها والسمة التي تـتـّسـمُ بها فقد فـوُضَــتْ أمرها إلى معبودها حتى في مسألة قضاء الحاجة والنية في السفر واقتناء الحاجات البسيطة فهي تعمد إلى الاستخارة مـذ تشكلتْ ملامح الحياة الأولى ومنذ كان ذلك المعبود شجرة أو جبل أو صنم حتى مجيء الديانات الواحدية وتحوّلها إلى أيدلوجيات وأنظمة وتحت هذه الراية صار للخرافة تشريعاتْ وطروحاتْ وتنظيراتْ بحيث انـّها أجهزتْ على ما تـبـقـّى من المنطق والعقلانية, وعلى امتداد الأزمنة فرّختْ هذه العقلية مليارات العقول والثقافات بل تسرّبـَتْ تلك الثقافات إلى التراث الإنساني كالملحمة والأسطورة والحكاية والشعر , وألاّ ماذا نسمـّي "انكيدو" في ملحمة كلكامش ذلك الذي نصفهُ وحش ونصفه الآخر إنسان ..؟ وماذا نسمي خمبابا..؟ ومن ترى يستطيع أن يستوعب سرّ أخيل وعوليس وعرائس البحر وجنياته في البحر الأجاج في ملحمتي هوميروس " الأوديسة والالياذه"..؟ بل إننا نرى إن الخرافة قد استـُثمِـرَتْ بطريقة أو بأخرى في الاجناس الابداعية الحديثة وتحت مـُسميات كثيرة منها الواقعية السحرية واسطرة الواقع وغيرها
وخير مثال على ذلك روائع ماركيز في الواقعية السحرية ونخـصّ بالذكر رائعته الشهيرة
(مئة عام من العزلة) حيث يتناسل بطل الرواية اورليانو إلى نسخ متعددة حتى يصل إلى اورليانو الخمسين في حين تطير البطلة من حبال الغسيل أثناء قيامها بنشر الملابس فوق سطح الدار في أشـارة لاختفائها من المجتمع وهو توظيف فـذّ ورائع من قبل عبقرية هذا المبدع لكنه على أية حال هو تسريب واضح وضاغط ووافد من عصور أتلفتها الخرافة وأغرقتها في وحولها ..



إسـتنـساخ الخرافة
وما صديقي الذي دعاني إلى وليمته الخرافية كما سماها هو إلا سليل تلك العقول التي سكنت المغارات والكهوف والمرويـّات الشعبية المستهلكة التي كانت ترويها لنا الجدات والعجائز عن ألسعالي والسـباع الهائلة والمخلوقات المرعبة المتصـارعة والتي أخذتْ مآخـذ كثيرة من ثقافتنا والتي تحـدّث ويتحـدّث عنها كبار المـبدعين الآن بوصفها زادا لمخيلة المبدع وهذا صحيح إلى حد ما , غير إن هذه الأخيلة المجنحة حملت في تلافيـفها سُـمّـيـةٌ عالية لم تخلو من ضرر نراه اليوم يتجـلـّى في الثقافة التي تتسيـّدْ في النسيج العام للمجتمع والذي يستهلك من الخرافة ما يستهلكه العالم مجتمعا من بترول



تـأصيل جذور الـخرافة
إن الجذور التأصيلية لهذا المصطلح تعود إلى المراحل الشفاهية من عمر البشرية المنقولة عن الروايات التي رّوجتْ لها أزمنة الخوف والرعب والفقر المتقع والجهل في مراحل الإنسان الأولى،أيام كان الإنسان يتوسـّل الطبيعة ويتملقها للابقاء على وجوده الفيزيائي حيث نشوء التديـّن وبروز المؤسسة الدينية الأولى بشكلها البدائي وانتقال الإنسان من كونه سيد المـوجودات وصاحب الأمر إلى الرف الثاني في علاقته بالوجود بعد أن عجزت العقلية الأولى عن إدراك الأسباب وراء ثورات الطبيعية المتعاقبة وقسوتها وفورانها فلجأت تلك العقلية إلى قراءة البيئة وظواهرها قراءة تـلـفـيـقـية خاطـئـة مما أنتج عنها علاقة قهرية مشوّهة بين الإنسان الأول وبيئته . فـثورات الطبيعة المتكررة وانسحاق ذلك الإنسان تحت عجلاتها بلا رحمة مثل العواصف المدمرة والأعاصير والزلازل والفيضانات وحرائق الغابات التي يعيش فيها وعليها إضافة إلى التهديد المستمر له ولعائلته من قبل الحيوانات المفترسة والظروف البيئية القاهرة جعلته يعتقد بوجود قوى غيبية خارقة تسكن في مفردات الطبيعة وعنـاصرها وهي تراقبه وتـتـرصّـده بقصدية وتـحـاوّل الإيقاع به والنيل منه لذلك لجأ إلى محاباة تلك القوى وترضيتها بطرائق ووسائل ساذجة وبسيطة وصل البعض منها إلى التضحية بأحد أفراد الأسرة كما حدث عند قدماء المصرين والذين كانوا يهبون النيل أحدى الصبايا الجميلات في كل حَـْول إتـقـاء لغـضب ذلك النهر العنيد وكما حاول النبي إبراهيم إن يـَنحر ابنه إسماعيل عند بناء الكعبة "بحسب القران الكريم" وهذه إنما هي طقوس وشعائر بدائية تسرّبت إلى هذه الأقوام وبقيت كامنة في لاوعيها الجمعي, لكن هذه الوسائل والطرائق تحولت وبمرور الأزمنة إلى طـقوس وشعائـر مقـدسة ممّـا مـهـّد لظهور المؤسسة الدينية والتي وجدتْ في النذور والأضاحي والـقـرابـيـن إضافة إلى النفوذ الواسع والسلطة المطلقة التي يتمتع بها هذا الكيان خير وسيلة للمكاسب السهلة والاستحواذ والاستمرارية في الحياة على حساب جهد الأخر واستغلال طـاقاته وتعبه ولعلّ المـطـّلـع على كتب .. "الأساطير" أو "الأسطورة" لعلي الشوك "ومغامرة العقل الأولى" لفراس السواح "والحداثة عبر العصور" لحنا عبود يدرك بوضوح ادوار الاستحالة التي مرّتْ بها عقلية الإنسان الأول منذ سكن الكهوف وتبلور أفكاره ونزوعه إلى المُغـَـيـّبْ والى فكرة التماهي مع وجدان الطبيعة والتحولات التي مـّرتْ بها التعـبـّداتْ والعبادات حتى وصولها إلى ما هي عليه الآن
غير إن تطور عقلية ذلك الإنسان واكتشافه الكثير من أسرار الطبيعة وعناصرها ومفرداتها وفـّر له الكثير من الفرص المهمة للخلاص من الأفكار والمعتقدات الخرافية العمياء التي علقتْ بتاريخ الإنسان وعقليته وثقافته .. في حين تمسكت المؤسسة الدينية بتلك الأفكار وأخذت على عاتقها تطوير ذلك الجانب وتجميل صورة الخرافة وإضافة الكثير من الخزعبلات والهرطقات إلى قاموسها من اجل مصالحها ذلك لان وجود تلك المؤسسة وكينونتها واستمراريتها مرتبط أساسا بديموية الخرافة وافانينها وأحابيلها وكأنهما وجهين لعملة واحدة حتى صارت كل واحدة منهما قرينة للأخرى بل إننا نلحظ انه حتى في عصور العلوم والمبتكرات الحديثة بقيت تلك المؤسسة مولعة بتسويق بضاعتها الكاسدة والرديئة إلى أنسجة المجتمع المقهور الواقع تحت سحريتها وسلطتها الفجة يساعدها في ذلك انحطاط الوعي عند عامة الناس ووجود التابوات المرعبة التي تستخدم كمصدّاتْ للمرتدّين عن هذا التوجه المتخلف, وبهذا نستخلص إن المهاد الأول لنشوء الخرافة وتعميم مفاهيمها هو مهاد غرائزي ينتمي إلى إشباع غرائز كالجوع والحفاظ على النوع وغيرها من الغرائز التي كونت هذا المفهوم البائد منذ عصور سحيقة هذا الذي نصطلح عليه اليوم بـ(الخرافة) والذي يدين بالفضل الكامل والشكران والولاء المطلق للمؤسسة الكهنوتية التي حافظت عليه من التلف والانقراض ...
أنها سلطة الخرافة تلك الوافدة من كهوف التاريخ وهذه ورقتي لعلها تصلح أن تكون درسا للتذكير وتفنيد وجه من وجوه الخرافة لاغير.





علي الاسكندري


التعليقات

الاسم: جمال المظفر
التاريخ: 2009-01-27 14:19:30
علي الاسكندري
ناقد محترف وكاتب نص متميز
دراسة جميلة وواعية
شكرا لك ايها الصديق المبدع
جمال المظفر

الاسم: علي الاسكندري
التاريخ: 2009-01-27 11:49:17
شكرا لك يا صديقي جبار وما ذلك الا دليل وعيك
مع فائق محبتي

الاسم: جبار عودة الخطاط
التاريخ: 2009-01-26 16:23:44
الاخ العزيز الشاعر علي الاسكندري
جميل يا صديقي موضوعك هذا
وهو يتوغل في دهاليز الخرافة
باسلوب مشوق دعمته حكاية صاحبك الذي
اصطحبك الى الوليمة الخرافية !
دمت مبدعا




5000