..... 
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قوافل الشهداء (( مقاطع من سيرة نادر بن آدم الفلسطيني.. ))

انتصار صبري

- 1 - 

في مستشفى الدكتور سامح حسن بالعجوزة، تم افتتاح قسم خاص برئاسة الدكتورة ندى سامح، أخصائية الأطفال والأطراف التعويضية، ويطالع الزائر عند مدخل القسم صورة بالحجم الطبيعي لشاب وسيم يسكن وجهه حزن عميق.. كتب أسفلها:
" قسم الشهيد الدكتور نادر آدم لعلاج جرحى الانتفاضة الفلسطينية "
ويلفت نظر الزائر للقسم شبه الكبير بين السيد آدم مدير إدارة القسم ذلك الرجل العجوز وبين الصورة.. وكذلك، ذلك الطفل "نادر" الذي يحبو من حول المدير، فالطفل له ذات الملامح أيضاً.. وكأن هناك ثلاثة وجوه أحدها غائب في مهمة حتى يعود.. ويتحدث المرافقون لمرضاهم، بأن الدكتورة ندى تصطحب الطفل نادر عندما تغادر المستشفى، أما المدير الإداري آدم الكبير، فيظل في المستشفى ليل نهار يقوم، على تلبية طلبات المرضى ويسامر المرافقين، بحكايات عن فلسطين، ويقص عليهم أجزاء من سيرة نادر الفلسطيني.. فيزداد حبهم للطفل واحترمهم للدكتورة ويذرفون الدمع كلما حدقوا في الصورة وتعمقوا في الابتسامة الحزينة.. وكلما وقعت أعينه م على الدكتور سامح حسن وهو يقرأ الفاتحة خاشعاً أمام الصورة قبل أن يتوجه إلى عمله..

 



- 2 -
بعد عشر سنوات انتظار، يقف في حالة توتر وترقب.. سترى سعاد ولدنا الذي انتظرته طويلا وعانت من أجله طويلاً، ورفضت تحذيرات الأطباء من استمرار الحمل..
- حياتي فداك يا آدم.. يجب أن نرى ابننا الذي سيرثنا على الأرض، يشفع لنا في السماء سيأتي وستصبح أباً يا آدم وأصبح أنا أماً، ونرى امتدادنا على أرض الله الواسعة..
" بعد لحظات سأرى ابني الذي يحمل اسمي ويكرس امتدادي في الحياة.. وسيصبح للحياة طعم آخر.. وسأعوضك عن آلامكِ.."
وفجأة يصحو من هواجسه على صرخة رفيعة حادة ومضيئة مثل خيط الفجر.. طفل يبكي.. صرخة استقبال الدنيا.. صرخة الحياة.. كاد يسقط مغشياً عليه.. ها هي لحظة اللقاء، سيحضن بين كفيه الأمير المنتظر، وسيرى الدنيا تضحك على ثغره الصغير.. و يرى كل الموجودات ترقص وتهلل طرباً لاستقبال القادم العزيز..
وها هي الطبيبة تأتي به.. يحتضنه ويقبله.. يتلفت نحو الممرضات سيقدم لهن الهدايا، لا أحد في المكان، وجه الطبيبة جامد وكأن ملامحها قدت من صخر.. صوتها هامس خجول تعتذر بوجل:
-آسفة يا سيد ي قدر الله أن يهبك طفلاً جميلاً، ولكن إرادة الله نفذت.. لم نتمكن من إنقاذ الأم.. عضلة القلب كانت أضعف من الحياة.. البقية في حياتك..
اختفت الطبيبة..وهبط وهو يحتضن الوليد على الأرض، وغاب في بكاء طويل يحدث الطفل..
"..هل رأتك أمك يا حبيبي، هل كحلت عينيها بوجهك قبل أن ترحل.. هل قبلتك.. وهل حضنتك.. لماذا تركتها تذهب يا حبيبي.."
ينظر إلي الطفل يحمله بين ذراعيه يحضنه إلى صدره.. يضرب رأسه بالجدار.. يهبط عاجزاً..ويرقد على الأرض.. زوجة أخيه عبد الرحمن تأخذ الطفل وتمضي به، وأخوه يأخذه إلى صدره مثل طفل فقد أمه في الزحام.. يمسح دموعه ويقبله من كل وجهه.. يتوسل إليه:
- لا اعتراض على أمر الله.. الله أعطى.. الله أخذ.. أنت ملك ابنك يا أخي.. تماسك من أجله..
- ماتت سعاد قبل أن تراه وتفرح به ولو لحظة.. كم حلمت به، وكم عانت في انتظاره، وكم كان شوقها لمناغاته وإرضاعه الحنان.. حتى يكون سندي.. سامحيني يا سعاد.. ذهبتِ وتركتِ الأمانة.. وداعاً يا رفيقة روحي..

 



- 3 -
يوم لا ينسى في حياة نادر.. ظل محفوراً في ذاكرته، ولم يفارقه أبداً..
كان يوم جمعة.. وكان أبوه قد أهداه ساعة يد ثمينة بمناسبة نجاحه بتفوق في السنة الأولى الابتدائية.. وبر بوعده بأن يصطحبه معه إلى القدس لأداء صلاة الجمعة، نهض مبكراً كعادته وصلى الفجر حاضراً مع أبيه.. وتناولا طعام الإفطار وانطلقا بالسيارة إلى القدس.. كان يتأمل الطريق ويسأل أبيه عن كل مكان يصلان إليه.. وعندما غادرا بلدة بيت حانون، قال أبوه:
- انتبه جيدا يا نادر، سنمر من معبر إيرز.. لا تخف من اليهود.
توقفت السيارة عند الحاجز، وتم تفتيشها من قبل الجنود الإسرائيليين، كان ثمة مجندة بينهم تحمل رشاشاً وتحدق في نادر، وتحدث أحد الجنود بالعبرية وتقلب شفتيها.. قهقه الجندي وسمح لهم بالمرور.. سأل نادر أبيه:
- ماذا كانت تقول المجندة يا أبي، لم ترفع عينيها عني..
- لا عليك منهم يا نادر، كانت تقول لزميلها الجندي معقول هذا الطفل الجميل سيكون إرهابياً عندما سيكبر!.
- وماذا رد عليها الجندي؟
انقبض صدر الأب وظهرت عليه علامات التوتر والغضب وأخذ نادر إلى صدره.. قال:
- الجندي اللعين قال لها سيكبر وسيصبح إرهابياً وسأقتله، هل تعرف يا نادر ما معنى كلمة ايرز..
- ما معناها يا أبي؟
- معناها بالعبرية أرض إسرائيل، سرقوا أرض نا وهجرونا منها وسموها إسرائيل..
وأخذ الأب كلما مرا على قرية أو مدينة يعرف ابنه عليها، حتى يتعرف على وطنه السليب.. حتى اقتربا من وادي اللطرون ومرا على الدير المسيحي الكبير، وارتاحا في ظل كروم العنب المحيطة به، قبل أن يصعدا الجبل باتجاه القدس، وعندما اقتربا من قمة الجبل أشار الأب إلى غابة كثيفة وقال:
- هنا القسطل الذي استشهد فيها البطل عبد القادر الحسيني..
.. في القدس تركا السيارة في المرآب، واتجه نحو المدينة القديمة.. وعند السور الخارجي لفت نظر نادر مجموعة من اليهود يلبسون قبعات طويلة ولهم سوالف طويلة يحملون كتباً ويولون وجوههم نحو جدار في سور المدينة، استغرب من أفعالهم..:
- من هؤلاء يا أبي.. وماذا يفعلون؟؟!!
- هؤلاء اليهود المتشددون ويطلقون على حائط البراق هذا اسم حائط المبكى، وهذا الرقص الوحشي هو صلاتهم.
وانطلقا إلى باب العامود بوابة القدس القديمة الرئيسة، وداخل السور مرا بالأسواق وسارا في طريق الآلام التي سار فيها السيد المسيح مكللاً بإكليل الشوك، كان موعد الصلاة قد اقترب فأسرعا الخطى إلى المسجد الأقصى، وأخذا مكانهما بالقرب من الصخرة الشريفة التي صعد منه ا سيدنا محمد ليلة الإسراء والمعرج إلى السماء..
وأقيمت الصلاة وبينما المصلون سجود في الركعة الأولى، فإذا بإطلاق نار كثيف من بنادق رشاشة آلية ينهمر على المصلين يعقبه انفجارات مدوية للقنابل في مختلف الجهات.. حضنه أبوه.. وزحف به هرباً يحتمي بالدعاء إلى الله الواحد القهار أن يحمي ولده، حتى خرجا من دائرة الخطر، فيما هو مذعور يردد:
- هذا حرام.. حرام.. لماذا يفعلون ذلك؟؟
يحتضنه أبوه.. يهدئ من روعه..
- لأنهم لا يحبون الأطفال يا ولدي، ولا يحبون الحياة..
الطفل تأخذه المفاجأة يسأل بذهول:
- ألهذا الحد يا أبي يأتي الموت بسرعة وعلى غفلة من البشر..!!
- نحن نموت ببطء يا ولدي، يلاحقنا الموت في بلادنا حتى ونحن سجود بين يدي الله.. نموت ونحن نبتسم للشهادة، والقلب يدمع على أمة عربية غابت عنها النخوة والشهامة ومات فيها الضمير.. أمة عقيمة يا نادر..
- أين أمة العرب يا أبي؟
- قادة العرب يا ولدي غافلون عنا وعن شعوبهم نحن نموت هنا، مرتين.. موت الذبح على يد الأعداء، وموت الإهمال من الصمت ولا من مغيث.. لو يتذكرون قول رسول الله: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجلٍ مسلم) لأ دركوا أنهم شركاء في موت الآلاف في فلسطين.
- أبي ما معنى عقيمة؟
- العقيم الذي لا ينجب يا نادر.
- أبي أريد أن أصبح طبيباً للقلوب العقيمة.
- أتقصد طبيباً لجراحة القلب؟
- لا يا أبي طبيب في تخصص هو عقم القلوب، من المؤكد أن الذين يرون ما يصيبنا، ولا تتحرك عواطفهم، هم أصحاب قلوب عقيمة، ولا بد من علاج لقلوبهم.
وارتمى نادر في أحضان والده وبكى بحرقة العاجز..
كيف ينسى ذلك اليوم الذي انطبع بكل تفاصيله ولم تمحه الأيام، والذي أخذ فيه قراره الذي رسمه لمستقبل حياته، ومن يومها أصبح أبوه يناديه بالدكتور نادر، وعرف في العائلة والحي والمدرسة بهذا اللقب.. ولتحقيق أمنيته اشترى أبوه قطعة أرض واسعة تقع على رابية في منطقة النصيرات جنوب مدينة غزة، وتطل على البحر وقسمها على ثلاثة أقسام الأول لبناء فيلا للدكتور، والثاني لبناء مستشفى تخصصي صغير للدكتور.. والثالث حديقة ومزرعة تحيط بالفيلا والمستشفى، وشرع في تنظيم وزراعة الحديقة منذ ذلك العام.. وترك أمر الفيلا والمستشفى حتى ينهي الدكتور تعليمه..


 


- 4-

ها هو نادر في السنة النهائية من كلية طب في جامعة عين شمس.. يجلس مع زمي لته وحبيبته ندى في كافتيريا الكلية.. يبدو عليه القلق والحيرة..
- أبي يصر على إكمال تعليمي وتخصصي، يحلم أن يراني طبيباً كبيراً، وأنا أحلم بالعودة إلى بلدي، والوقوف مع أهلي وشعبي لأساعدهم في محنتهم..
ندى قلقة من قراره العودة إلى فلسطين، خاصة بعد موقف أبيها من سفرها إلى هناك في ظل ظروف التوتر والاحتلال، ووجدت في بقائه لإكمال التخصص حلاً لقلقها عليه من جهة، ولموقف أبيها من السفر إلى فلسطين.
- أما زلت مُصراً على العودة إلى غزة، رغم العذاب الذي لحقك أنت وأبيك..
- منذ أن وعيت على الحياة لم أر أمي، كنت أتمنى أن تكون بجانبي، ولكنها مشيئة الرحمن، ولكن الله رزقني بعائلة كريمة، فقد تعهدت بي زوجة عمي، واعتبرتني ابناً لها وكذلك عماتي وخالاتي وحتى الجارات صديقات أمي، القدر حرمني من أمي وعوضني بدلاً منها أمهات كثيرات، كل واحدة منهن تفاخر أنها أم الدكتور نادر، متى سأفي ما علي من دين لهن، وخاصة في هذه الظروف الصعبة.. أما أبي هو كل شيء في حياتي، هو الأب والأم والرفيق والصديق والسند، أوقف أعماله وتفرغ لرعايتي واعتبرني مشروع عمره وهدفه في هذه الدنيا، هو أب مثالي بكل المقاييس، ولابد أن يجيء دوري أمام أبي، سيعد لي المستشفى والفيلا أما الحديقة فأصبحت يانعة مليئة بالأشجار والأزهار..
- خوفي عليك كبير يا نادر، تختلط مشاعري، أريد أن أشاركك حلمك وأكون إلى جانبك، ولا أريدك أن ترحل من مصر، لنبقى إلى جانب أبي الذي يحبك مثلي وأكثر، ويضع المستشفى بتصرفك.. وهو الذي سيشرف على تدريبك وتخصصك، وكذلك الوضع في غزة يزداد خطراً كل يوم..
- لو تخلى كل منا عن وطنه لضاعت البلاد، وكفى أن نخوتنا العربية ضاعت يا ندى، مات عرفات مسموماً، ورفضت فرنسا عرض التقرير الطبي لأنه يثير الشبهات حول إسرائيل، وأعدم صدام علناً بإيعاز من أمريكا أمام العالم كله وفي يوم عيد الأضحى..
- معك حق يا نادر، لكنك حلم عمري يا نادر وخوفي عليك شيء طبيعي وهذا حقي، لا يمكن أن أعيش بعيداً عنك.. وسأكون إلى جانبك حتى تحقق أحلامك.
- ندى أنتِ تعلمين أنكِ نبض قلبي وأنفاسي والأمل الذي يعلقني بهذه الحياة، وما يربكني موقف والدك، فهو بقدر ما يحبني ويحب فلسطين يحبك، ويخاف عليكِ من مخاطر الحياة في غزة خاصة، بعد أن حضر إلى غزة أكثر من مرة لعلاج الجرحى مع الوفود الطبية المصرية التي تبرعت لإغاثة الفلسطينيين.. أنا لا أشك في وطنيته.. فهو كأب من حقه أن يخاف عليكِ.. أنت ووطني نقطتا ضعفي يا ندى..
- نادر.. لو خيرتك بيني وبين فلسطين من منا ستختار؟
انطلقت العبرة المكبوتة من عينه فجأة وهتفت:
- أنتما معاً.. فلسطين جذوري.. وأنتِ نبض روحي.. ما أصعب الخيار.. لا تكتمل سعادتي إلا بكما معاً..
سقطت دمعة من عينيها، مسحها بطرف أنامله، ارتمت على صدره، فاض الحزن والأسى المكبوت بداخله..رفع وجهها ونظر إليها بعينين مغرورقتين بالدموع.. عض على شفتيه وأغمض عينيه بألم..

 



- 5 -
تخرج نادر طبيباً بتقدير امتياز، وكان الأول على الدفعة، وكذلك تخرجت ندى بتقدير جيد.. وحضر الأب آدم حفل التخرج، وعندما عادا إلى الشقة.. مسح الأب دمعة حبسها عن ابنه ولكنه لم يسيطر على نفسه أمام صورة زوجته المرحومة التي تتوسط صالون الشقة..
قال وكل جسمه يرتجف.. كما لو كان خارجاً من عاصفة ثلجية..
- كنت أتمنى أن تعيش أمك يا ولدي لتشاركنا هذه اللحظة والفرحة.
- روحها تشعر بنا الآن يا أبي..
وحبس نادر دمعة تخلقت في قلبه وصعدت إلى عينيه.. ولكنه استدرك حزن أبيه.. وتظاهر بالمزاح:
- البركة فيك يا عم أدم، أنت الأ م والأب والصديق والرفيق وحبيب العمر.
تحاضنا وتبادلا الدموع والبكاء بين الحزن والفرح، وفجأة سمعا طرقاً خفيفاً على الباب.. لم يقرع جرس.. فتح نادر الباب بحذر.. ندى تمسك يده في فرح وتدور به..
- مبروك يا دكتور نادر.
- وألف مبروك لكِ يا أجمل وأحن طبيبة بالدنيا.
قبلت ندى يد آدم وباركت له بنجاح نادر وتفوقه وداعبته..
-حزر فزر، من معي بالخارج يا عمي آدم؟
ارتسم السؤال على وجه نادر؟ هتفت بفرح..
- اظهر وبان يا دكتور سامح..
دخل دكتور سامح حاملاً تورتة النجاح، وبارك لنادر ووالده، وتوجت السعادة، بطلب أدم يد الدكتورة ندى لأبنه الدكتور نادر..



- 6 -

في فترة الامتياز عمل نادر مساعداً للدكتور سامح في إجراء العمليات في المستشفى الخاص به.. وفي يوم كانا يجلسان في المكتب، بعد إجراء عملية معقدة تكللت بالنجاح.. قال الدكتور سامح باعتزاز:
- أنت طبيب معجزة يا نادر، هذه ثالث عملية في القلب تكون فيها مساعدي، وتأتي النجاة على يدك..
- الفضل لله ولك يا أستاذي.
- الفضل لله ثم لعبقريتك، الكل هنا يجمع على عبقريتك، أنت حقاً طبيب فذ.
-الفضل يعود لرعايتك لي، وعلمك الغزير وخبرتك يا دكتور سامح.
- بل الفضل لله أولا، ثم لمجهودك وذكائك وإخلاصك في العمل، أؤكد لك أنك خلال سنوات قليلة ستصبح من أشهر جراحي قلب، المهم أن تحضر الماجستير قريباً وتستعد له.
- بكل تأكيد يا دكتور سامح.
.. يسرح نادر ويغرق في صمت عميق..
- ما بك يا نادر؟
- الحقيقة يا دكتور سامح هناك قرار بالفعل اتخذته.
- ما هو هذا القرار؟
- سأتزوج ندى وأعود إلى فلسطين.
ارتسم الغضب والحزن على وجه الدكتور سامح وقال متوتراً:
- هذا الموضوع تحدثنا فيه كثيراً، فلماذا تُصر على الحديث في موضوع انتهى، اسمع يا دكتور نادر أعلم أنك تحب بلدك كثيراً، وأنا حبي لندى كحبك لفلسطين، وليس لأن ابنتي نقطة ضعفك وتحبك أن أوافق على زواجها منك وأنت تصر لذهابك فلسطين.
- دكتور سامح أنا أصارحك، كان من الممكن أن أتزوجها وتسافر معي بصفتها زوجتي.
- أنت تعلم أنني أستطيع منعها بطرقي ونفوذي، ولكن بغض النظر عن مشاعري كأب يخاف على ابنته في بلاد تخوض حروباً وغير مستقرة.. الأمر أكبر من ذلك بكثير، أنت طبيب نابغة يا نادر، ويجب أن تكمل تعليمك وتأخذ خبرة وتستطيع أن تخدم شعبك وأنت هنا، وأنا أتع هد بفتح قسم خاص ومجاني لعلاج الحالات الصعبة التي تأتي من فلسطين، أما أن تذهب كطبيب عام يستطيع ذلك مئات الأطباء العاديين.. فكر جيداً ولقد اقتنع أبوك بذلك..
- لقد أتيت مصر وتعلمت فيها من أجل بلدي فلسطين، لأفيد أُمتي المعذبة، هل تريدني أن أتخلى عن شعبي في وقت الشدة؟.. ألم تترك أنت المستشفى وتلتحق طبيباً مع الجيش في حرب العبور المجيدة..
وطفحت العبرات المكبوتة في عيون نادر على وجهه وهو يتحدث.
-.. نادر الذي أمامك الآن يا دكتور سامح، كان سيصبح من عداد الأموات، لقد رأيت الموت بعيني وأنا في السابعة من عمري، لم أنس منظر المصلين وكلمة الله أكبر الذي هزت المسجد الأقصى، عندما انهمرت علينا القنابل كالمطر وتناثر الجميع إلى أشلاء، وسالت الدماء كالبحار، استشهد من تخيرهم الله وعاش من تخيره الله، لذلك أشعر أن حياتي أمانة عند الله، فما فائدتها إن تخليت عن بلادي التي تُذبح يومياً عشرات المرات..
رق قلب الدكتور سامح، وحاول منع دموع الأب الخائف على ابنته.. قال:
-هل فكرت في ندى ومصيرها؟
- ندى تمثل روحي، هي الحب الذي يتملكني حتى نخاع أعماقي، فلا طعم لحياتي بدونها، ولكني متأكد أن ند ى لو وضعت في مكاني ستختار وطنها..
- أسمع يا دكتور نادر لأنك تحدثني بصراحة، فيجب أيضاً أن أكون صريحاً معك، أنا غير راض عن سفر ابنتي إلى منطقة الخطر طالما تستطيع خدمة بلدك هنا.. وأرى في ذلك مغامرة مؤلمة العواقب، ويمكنك أن تسافر بدونها..، فجأة انشقت الأرض عن ندى وقفت بينهما.. وقالت:
- لقد سمعت كل ما درار بينكما من حديث..
والتفتت نحو والدها.
- أبي لقد عشت عمري كله ملك طوعك، لم أغضبك يوماً، كل شيء في حياتي اخترته لي حتى، ولو كان رغماً عني، كانت أمنيتي أن ألتحق بالفنون الجميلة، فأدخلتني كلية الطب، ومع ذلك دفنت موهبتي وطموحي من أجل إرضائك، والتحقت بالطب رغماً عني، ونجحت فيه لأجلك، أرجوك دعني مرة واحدة في حياتي أختار شيئاً أحبه، احرمني من كل شيء في الدنيا يا أبي ولكن أرجوك لا تحرمني من نادر.
نظر الدكتور سامح لهما بألم.. وتركهما دون أن يجيب، وارتمت ندى على صدر نادر وتركت لدموعها العنان..
وفي الشقة ارتمى نادر في حضن أبيه مثل طفل وأخذ يبكي، حبس الأب مخاوفه عن ابنه.. وحدق في عينيه.. وهمس بحنان:
- الرجال لا تبكي يا نادر.
- أعلم يا أبي أن دموع الرجال غالية، ولكني أحب ندى ولا أتخيل حياتي دونها، ولا أريدها أن تغضب أباها لأني أعرف مقدار تعلقه بها..
- يا نادر يا حبيبي.. أنت تعرف مقدار تعلقي بالوطن.. ومقدار حبي لك.. ورغبتي أن تكون الطبيب المشهور في غزة وفلسطين والعالم، ولكن بعيداً عن العواطف، أنا مع رأي الدكتور سامح، دعنا نقيم هنا في مصر، حتى تكمل تعليمك وتخصصك.. حتى تحقق حلمك الجميل..
- أنت الذي تقول هذا يا أبي؟
- نعم يا نادر أقوله لأنك ابني الوحيد، وأخاف عليك من النسمة ولا يهمني شيء في هذه الحياة غير سعادتك..
ـ يا أبي لا تيأس من رحمة الله ( بسم الله الرحمن الرحيم... لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بما كتب الله لك.. صدق الله العظيم..)
ومرت الأيام..
وواصل نادر دراسته تحت إشراف الدكتور سامح، وواصلت ندي تخصصها في طب الأطفال،.. وانشغل آدم بالتنقل والسفر بين غزة والقاهرة رغم صعوبة اجتياز المعابر، لمتابعة تنفيذ بناء الفيلا والمستشفى في النصيرات على بحر غزة، والبحث والتشاور مع نادر والدكتور سامح في متطلبات المستشفى من تجهيزات ولوازم..
أصبح نادر المساعد الأول للدكتور سامح، الذي لم يعد يستغني عنه، وي حمل عنه الكثير من الأعباء.. وكان شديد الاعتزاز والفخر به في الأوساط الطبية، يتنبأ أن يكون خليفته في جراحة القلب..
أما ندى فقد عاشت أجمل أيامها في ظل زوج يحبها حتى العبادة ومتفوق علمياً، ينال رضا الناس، الجميع يشهدون له بدماثة الخلق ورقي التعامل..، وكانت ندى محل غيرة وحسد صديقاتها على ما حباها الله من نعم المال والجمال والزوج الجميل الراقي وكأنها شهرزاد العصر الحديث الحب الحالي..

 


- 7 -

اجتاز نادر دراسة الماجستير في زمن قياسي أثار إعجاب الجميع، ونال من الخبرة الشيء الكثير لكثرة ما شارك فيه من عمليات تحت إشراف الدكتور سامح، واقترب العمل في المستشفى في غزة من النهاية، فقرر السفر رغم اضطراب الأحوال، لمعاينته واستلامه من المقاول، الذي أعطى الأولوية للانتهاء من المستشفى، وأجل العمل في الفيلا بناءً على توجيهاته دوت علم أبيه الذي يعتقد أن الاستقرار في غزة سيكون بعد تجهيز الفيلا..
وافق آدم على سفر نادر على مضض.. لقد صار أكثر خوفاً عليه وأكثر اعتزازاً به.. ولكنه رافقه إلى غزة ونزلا كالعادة في منزل أخيه الأصغر عبد الرحمن الذي يصر على أن تكون الإقامة عنده للتمتع بصحبة نادر والاحتفاء به، ولأن الكبير حسب العادة الفلسطينية له مقام الأب ولابنه منزلة الابن..
وفي غزة قضيا وقتاً جميلاً مع العائلة، وازداد نادر قرباً وتفاعلاً مع زملاء دفعته من الأطباء، وتواصل مع الأصدقاء القدامى وعايش الحياة على الأرض، وشاهد وسمع من الحكايات الكثير الذي جعله يتمسك بخيار العودة إلى غزة والعمل في مشروعه بمساعدة فريق من الأطباء الفلسطينيين من ذوي الخبرة، وعندما رجع إلى القاهرة كان في استقباله أسعد خبر في حياته وحياة أبيه آدم:
ندى حامل في شهرها الثاني.
تعلقت ندى بعنقه ودفنت رأسها في صدره، تدمع عيناها من الفرحة..
- سنصبح ثلاثة يا نادر..
- ثم ارتمت على صدر آدم، وقبلت يديه وبللت وجهه بدموعها..
- ستصبح جداً وترى ابن نادر يا عمي إن شاء الله
أخذها آدم إلى صدره وهبط على الكنبة من شدة التأثر..
-أريد أن أصرخ لكل الدنيا أن زوجة ابني أعظم امرأة، وابني أعظم ابن في الدنيا، لقد حققت حلمي وزيادة.
" خير متاع الدنيا الابن الصالح.."

 



- 8 -
ندى مثل فراشة تتمايل حول نادر، تتأمل في ملامحه الرائقة الحزينة التي تضفي عليه سحراً غامضاً يمس شغاف قلبها، وت شعر به كل لحظة ملاك رحمة هبط بين يديها، وجثا على صدرها وهمس بود عذب.. "أنا بين يدي مليكة قلبي.." قبلته وقالت بدلال..
- ستكون حفلة عيد ميلادك حدثاً نادراً.. أترك الأمر لي يا حبيبي..
- افعلي ما طاب لك بعد عودتي من غزة..
لم يستجيب لطلبها في تأجيل السفر إلى ما بعد حفلة عيد الميلاد، فلجأت إلى عمها آدم للتأثير فيه..
دخلت غرفة حماها الذي كان جالساً على سجادة الصلاة وعيناه مغرورقتان بالدموع، ذهلت من مقدار الحزن الظاهر على تقاسم وجهه.. طوقته بذراعيها مثل طفل:
- لمَ كل هذه الدموع؟
فوجئ بوجودها، مسح دموعه على عجل، ولكنه فشل في رسم ابتسامته المعتادة الجميلة..
- زوجك عنيد يا ندى.. وأنا قلبي مقبوض من هذه السفرة، ورجوته أن يؤجل السفر حتى تهدأ الأحوال.. ولكنه تغلب علي بمنطقه وصمم على السفر..
"لم يحدث آدم أحداً عن سبب انقباضه، ولا عن الحلم الذي رآه في غفوته بعد صلاة الفجر.. رأى في ما يرى النائم أنه كان يتناول طعام الإفطار المكون من كسرة خبز وقطعة جبنه بيضاء صغيرة.. وقبل أن يمد يده إلى قطعة الجبن هبط عليه فجأة غراب أسود وأخذ الجبنة وطار وهو يصدر نعيق الانتصار.."
د خل نادر وكعادته قبل يد أبيه ومازحه بحب..
- ما بك يا عم آدم راسم تكشير الحزن، توكل على الله لا تخب، وادعُ لي حتى أخرج إلى عملي مطمئناً، لقد تأخرت على الدكتور سامح..
ظل آدم على سهومه وصمته.. قالت ندى:
- سأسافر أنا وعمي معك هذه المرة، وسنحتفل بعيد ميلادك مع الأسرة هناك..
قال نادر:
- لكنكِ متعبة يا ندى وأخاف عليكِ.
- لا تخف يا نادر، ما دمت معك فلمَ القلق؟، وسيكون تعبي وقلقي وأنت بعيد عني أكثر.

 



- 9-
في غزة عاشت ندى عالماً آخر بنشوة لم تكن تتوقعها، الحياة هنا لها إيقاع حميمي خاص، يشعر الفرد بأنه عضو له دوره في الجماعة وله التزاماته اتجاه الغير، وبدأت تعيد فهمها لكثير من تصرفات زوجها وعمها..وتتعرف على مغزى الأحاديث التي كانت غامضة عليها.. أقاموا في بيت حماها آدم باعتباره كبير الأسرة، وتفرغت زوجة عم نادر وبناتها للإقامة معها لخدمتها والعناية براحتها، واستقبال العمات والخالات والجيران والمعارف الذين توافدوا للسلام على زوجة الدكتور نادر، ولفت نظرها، أن زوجة عم نادر تعرف الناس عليها:
- هذه الدكتورة ندى المصرية زوجة ابننا الدكتور نادر.
وفهمت لماذا نادر يناديها يا أمي، وليس يا زوجة عمي..وعرفت أنها قامت على تربيته وأرضعته هي وخالاته وعماته، وبذلك أصبح أخاً في الرضاعة لعدد كبير من الأولاد والبنات الذين في جيله.. وتعجبت كيف يبتكر الشعب الفلسطيني أساليبه في تعويض الفقد والغياب لكثرة ما فقد من الأعزاء على امتداد نصف قرن ويزيد من الزمان.. في غزة تغير لديها مفهوم الحب والوفاء والخوف والكراهية..هنا الحياة صعبة ولذيذة..شاهدت تكافل الناس.. وكيف كان يهب أقارب نادر، ونادر معهم عندما يحدث قصف أحد المنازل في الحي.. يتبارون في نقل الجرحى ودفن الموتى، واستضافة أهل البيت المنسوف ورعاية الصغار حتى تعود أمهاتهم.. للناس هنا هموم مختلفة وأحلام مختلفة وعادات مختلفة.. في الفترة القصيرة التي مكثتها، كان نادر وأبوه مشغولين في متابعة أمور المستشفى، وتعرفت هي على الأصدقاء والأقارب، ورافقت زوجة العم وبناته في بعض المناسبات.. شاركت في عزاءات، وباركت في مواليد وحملت الهدايا إلى المستشفى لعيادة المرضى، وذهبت لعرس جار في الحارة.. وانبهرت من تقاليد الفرح الفلسطيني وكثرة المشاركات فيه من الصبايا والنساء، ورقصت مع زوجة العم وبناتها.. وفي طريق العودة حضنتها زوجة العم وسألتها:
- كيف رأيت العروس يا ندى؟
- جميله جداً.
- عروستنا ندى أجمل وأحلى.. والله كنا نتمنى أن نحضر عرسكما ونرقص والحمد لله سنرقص ونغني ونهيص..
وفي البيت أعلنت زوجة العم ودون الرجوع لأحد:
يا بنات اعزموا الأقارب والحبايب عصر يوم الجمعة، على عرس ندى ونادر إحنا لازم نشهر العرس في غزة..
هللت الصبايا وتبارين في تقبيل ندى التي فوجئت بالقرار..ستزف من جديد وعلى الطريقة الفلسطينية..
وعندما حضر نادر أبلغوه بالقرار، ضحك ولم يعترض، وقبل رأس زوجة عمه التي أخذته إلى حضنها وبللت وجهه بدموع الفرحة.. ونهنهت..:
- عشت وشفتك عريس يا حبيبي..

 



- 10 -
الوقت يمضي سريعاً في غزة.. سرعة الأحداث تجعل كل لحظة تأتي بجديد، لا أحد يتوقع الآتي.. القصف والموت هو الخبر المتكرر.. والحياة تمضي على مقاديرها.. وها هي ندى وعمها آدم يجهزان الأمتعة للعودة إلى القاهرة، بينما نادر قد اصطحب ابن عمة لتفقد المستشفى الذي من المقرر افتتاحه بعد وصول آخر دفعة من الأجهزة.. ووصول سيارة الإسعاف الخاصة بالمستشفى التي تبرع بها مستشفى الدكتور سامح، بينما زوجة العم والبنات يشاهدن حلقة من مسلسل باب الحارة.. فجأة يقطع المذيع الإرسال فينتظر الجميع خبراً عاجلاً..
يطل المذيع على عجل ويذيع الخبر مقتضباً..
تتعرض المنطقة الوسطى في قطاع غزة إلى قصف مركز من طائرات أف16 الحربية وإلى قصف من الزوارق البحرية، ويفيد مراسلنا في قطاع غزة أن القصف يتركز على منطقة النصيرات، وتفيد المعلومات الأولية أنه تم قصف مدرسة وسيارة مدنية ومستشفى..
فجأة صرخ آدم..
- يا ولدي..
وسقط مغشياً عليه.. ينتفض.. وبهذي بكلمات مبهمة.. هو اللي شفته.. الغراب الأسود.. أخذ قطعة الجبنة وطار، هي قطعة واحدة قبل ما أتذوق طعمها أخذها وطار..
وهمد الرجل، وأخذ الزبد يخرج من فمه ويسيل حول شدقيه..و.. ولم يسمع صرخة ندى..

انتصار صبري


التعليقات

الاسم: فادي انطون
التاريخ: 13/02/2009 23:05:52
ما قرأته هنا كان بمثابة ضوء خارق على شواهد حقيقية
من منا ينكر اعجابه بما كتبتي , هنا مقاطع من روح فلسطنية بمشاهد حقيقية , كيف استطعتِ كونك مصرية سبك الحبكة
أحييكِ بشدة واقبل يدكِ سيدتي

الاسم: شادي المشير
التاريخ: 29/01/2009 22:46:58
لا أجد كلمات تصف انبهاري بما قرأت
هذه فتحة خير يا انتصار جعلتني اتابع كل ما يخصك
لكِ كل السعادة وتمنياتي لكِ بالتوفيق
شادي

الاسم: حنان يوسف
التاريخ: 23/01/2009 14:52:00
لله دركِ يا أديبة تعتلي الوجود بكلمة
لله دركِ بحق الدموع التي ابكتني هنا
كيف استطعتِ أيتها الفراشة أن تندمجي عالم المرار الفلسطيني بقطعة سكر تذوب على قلوبنا
كيف استطعتِ أنت تترجمي ألف شهيد في قصة قوافل الشهداء
نادر بن أدم هو إحدى ضحايا فلسطين , حلم جميل يموت على يد الأعداء
دعواتي لكِ يا ابنة الشرق الجميل
أينما كنتِ
حنان يوسف




5000