.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


القيمة الجمالية للاحتفالبيوم (اكيتو) هو بث الوعي القومي بين أبناء الأمة الاشورية

فؤاد الكنجي

الاحتفال بيوم(اكيتو) كمناسبة  قومية (للاشوريين) مبدأمقرر يعزز القيم الروحية في ذات الإنسان وهو يعيش في هذا العالم المتعدد الأجناسوالأطياف؛ ليكون هذا اليوم فرصة  لتقاربوالبحث في أحاديث التاريخ ليعلم الأجيال المعاصرة جذورهم وأصولهم وعاداتهموتقاليدهم ليحسنوا الاقتداء بالجوانب المشرق من حضارتهم (الاشورية) في (بلاد اشور –بلاد وادي الرافدين – العراق الحالي) الذين مجدوا أعيادهم بشكل الذي يليق بأمجادهمالخالدة. 

إنها حقا فرصة طيبةلتذكر ولتذكير من أجل بناء مقومات الأمة وتثقيف أبنائها وإشراكهم بما يتيح لهمتنمية مفاهيم متقدمة للحضارة لبناء مستقبلهم وتحقيق طموحاتهم في حق تقرير المصيروالحرية وفي زيادة الوعي العام للمجتمع (الاشوري)، ليدركوا مدى أهمية ذلك لتطويرهوتوسيع مدارك الإنسان (الاشوري) والحفاظ على أمنه وسلامته ومستقبلة بهدف الحصولعلي شتى وسائل الدعم ومؤازرة المجتمعات الأخرى لتحقيق أهدافهم في الحريةوالاستقلال .

فأكثر من سبعة ألافعام من (التاريخ الأشوري في بلاد وادي الرافدين) وحتى الآن؛ مازالت هذه الحضارةمركز اشعاء وتنوير يشع العالم والبشرية بشمس المعارف بما تم ابتكاره وصناعتهوتدوينه ونشره وبما جرى وحدث على هذا المسرح من أحداث وأفعال وأعمال مهمة ابتدءامن نشأت الزراعة.. والحرف اليدوية.. والصناعات ومنها صناعة الخزف المطلي المصقول..وصناعة الحلي والحديد.. والتجارة.. والفن.. وابتكار الحروف الهجائية والكتابة..والآداب.. والموسيقى.. والنحت.. والهندسة.. وتشريع القوانين والشرائع السماوية..وعلوم الرياضة.. والطب.. والهندسة.. والفلك.. وغيرها من المعارف، ومن هذهالانجازات استمدت منها وعلى مدى قرون كل الحضارات الأخرى في (أوربا) و(أمريكا) عنطريق (كريت) و(اليونان) و(الرومان)؛ وهذه الحضارات لم ينشئوا ولم يبتكروا الحضارةبقدر ما ورثوه من (الحضارة الاشورية) أكثر مما ابتدعوه؛ هذه حقيقة يجب إن تقال فيكل مقام ومناسبة؛ لان كل الوثائق التاريخية تؤكد ذلك؛ وهذا ما قاله وأكده  الباحث الكبير (ولي ديورانت) في موسوعتهالشهيرة (قصة الحضارة)، فالتاريخ الذي يتداول اليوم هو إنتاج (المستشرقينالغربيين) الذي غزوا (بلاد وادي الرافدين) ونقبوا عن (الآثار الاشورية) وصاغواالنتائج وفق غاياتهم – لا كما هي الحقيقة –  رغم إن ما اكتشف إلى يومنا هذا لم يتجاوز عنخمسة بالمائة من (الآثار الاشورية) فحسب؛ لنجد بان اغلب (الميثيولوجيا الاشورية)اقتبس منها لبناء مفاهيم الديانات ومعتقدات التي نشأة في العالم وتحديدا في (أسيا)كما نجد ذلك في كتاب (التوراة) و(الإنجيل) و(القران)؛ لتكون لـ(ميثيولوجياالاشورية) دورا كبيرا في تطور المعرفة عند الإنسان ومنها (قصة الخلق – إينوماإيليش) التي تستمد من طقوسها احتفالات (اكيتو) التي نتناولها في هذا المقال .

فـ(الاشوريون) اعتادواالاحتفال بأعيادهم وفق عادات وتقاليد ومناسبات خاصة بهم؛ فأقاموا لكل مناسبةمراسيم خاصة وبشكل ثابت لما تمثله هذه المناسبة وتلك من قيم معنوية وشعور واعتزازبكيانهم وشخصيتهم فضلا عما لهذه المناسبات من مدلولات دينية.. واجتماعية.. وثقافية..ناهيك عن الجانب السياسي والوطني منها.

الأساطير التي اعتمدتلتنظيم طقوس الاحتفال بعيد اكيتو

       ومن تلك العادات والتقاليدالثابتة عند (الاشوريين) هو الاحتفال بـ(عيد اكيتوا) الذي يصادف في (الأول مننيسان) سنويا كأول يوم من (بداية أيام السنة  الاشورية)؛ والذي يمثل كرمز لميلاد الأرضوالحياة؛ ولعظمة وقدسية هذا اليوم لديهم كانت هذه (الاحتفالات) من أعظم الاحتفالاتتقام في بلادهم  باعتبارها احتفالات دينية لهاطابع قومي يجتمع كل أبناء الشعب في موقع الاحتفال للاحتفال والمشاركة إفراد الشعب فيالبلاد بهذه المناسبة (مناسبة رأس السنة الاشورية)، حيث يتم في هذا اليوم تجديدالملوكية والزواج المقدس واجتماع الآلهة في مجلسهم لرسم صورة الإعمال والأفعالالتي سيتم تنفيذها وتقرير مصير البشر والعالم والكون للسنة التالية .

ويعود احتفال أبناءالشعب في (بلاد وادي الرافدين) برأس السنة إلى (أساطير) كانوا يعتقدون بها ويقدسونها؛وهذه الأساطير تأخذ أبعادها لدى كل شعوب الأرض ويبنوا على ضوءها ووفق معطياتها أسسموادلجة لبناء معتقداتهم وكما جاءت في الديانة (اليهودية) و(المسيحية)، وقد بحث فيهذا الجانب وبشكل موسع العلامة العراقي الدكتور (فاضل عبد الواحد) في كتابهالموسوم (من ألواح سومر إلى التوراة 1989)، حيث أكد في بحوثه بان اغلب قصص(التوراة) منقولة من حضارة (الأشورية) في بلاد الرافدين وتحديدا قصة (الخلق) و(جنةعدن) و(الفردوس المفقود) و(قصة هابيل وقابيل) و(زقورة بابل) و(بين موسى وسرجونالاكدي)، كما إن كثير من الباحثين وعلماء الآثار العراقيين سلطوا الضوء على هذهالجوانب وقد ورد ذلك في مؤلفات وترجمات وبحوث الدكتور (طه باقر) والدكتور (ساميسعيد الأحمد) والدكتور (بهنام ابو الصوف) وآخرين، وهي منشورة ومتواجدة في المكتباتالعراقية والعربية ومترجمة إلى عدد من اللغات الأجنبية، إضافة إلى ذلك فان الكثيرمن الديانات والمعتقدات في بلاد (الفرس) و(الهند) و(الصين) و(اليابان) وغيرها من البلدانالأسيوية تأثرت وأخذت واقتبست منها لبناء معتقداتهم؛ واهم الأساطير هي:

.. أسطورة (الطوفان).

..  أسطورة (كلكامش).

..  أسطورة (قصة الخليقة –إينوما إيليش).

.. أسطورة ( عشتار)و( تموز).

وفي هذا المقال سنسلطالضوء الى أسطورة (قصة الخليقة – إينوما إيليش)؛ فالأسطورة ((كما وردت في كتاب (الطوفانفي المراجع المسمارية – تأليف الدكتور فاضل عبد الواحد – الطبعة الأولى بغدادمطبعة الإخلاص لسنة 1975)) مفادها كما وردت في كتاب ( الحياة اليومية في بابلواشور) هي قصة لملحمة خلق (إينوما إيليش) والتي فيها الكثير من المدلولات الفكريةالرصينة والتي تم الاقتباس الكثير من مضامينها في قصص (التوراة) و(الإنجيل)، فحينتسرد ملحمة الخلق ( إينوما إيليش – عندما في العلى) بان الكون في البدء كانمعدوما؛ إي لم يكن هناك أي شيء يذكر؛ وبعد ذلك بدا الكون يتكون من العنصر (الذكر)والذي سمي (إله) المياه العذبة ( آبسو) والعنصر (الأنثى) التي هي (إلهة) المياهالمالحة وسميت (تيامة)؛ ولم تكن هناك ارض ولا سماوات ( حسب اعتقادهم)، كما إن الإلهةالأخرى لم تكن قد خلقت بعد؛ ولكن في اعتقادهم كان بين الأرض والسموات (إله) يرفرفسمي بـ(ممو) وهو كان يمثل السماء أو (إله) السحاب؛ لتتشابه هذه الفكرة مع (سفرالتكوين) في اليوم الأول من (طقوس بداية قصة الخلق – إينوما إيليش) إلى حدالتطابق، ثم يتكون الجيل السادس من بداية الخلق حيث الإله (مردوخ – آشور) الذييخلق (لالو– الإنسان) ليخدم الآلهة فتستريح في الجيل السابع، وهذا أيضا يتطابقتماما مع ما نص في (التوراة) حين ذكر فيه (خلق الله الإنسان في اليوم السادسواستراح في اليوم السابع – انظر إلى (سفر التكوين).

 وعند تزاوج هذين الإلهين ( آبسو) و(تيامة) أصبحتهناك أجيال من الإلهة منهم الجيل الأول (لخمو ولخامو) والجيل الثاني (انشار وكيشار)والجيل الثالث ( انو وانليل وايا)، ولسبب غير معروف بالضبط استاءت الالهة ( تيامة)وزوجها الاله ( ابسو) من هذه الالهة؛ وقررا التخلص منها؛ وكانت ( تيامة) تنويالتخلص من أحفادها المزعجين لتنعم بالراحة مع زوجها ( آبسو)، فأتت بالوحوش المخيفةاستعدادا للمعركة، لتقاتل بهم الالهة الصغار يقود هذه الوحوش كبيرهم ( كنكو)؛ ولكنفي هذه الإثناء يولد للأله ( ايا) ولدا عظيما له صفات جليلة تدل على القوة والعظمةاسمه (مردوخ) لدى البابليين و( اشور) لدى (الاشوريون)؛ وعندما سمع الالهة الصغاربالجيش الذي هيئاته الالهة (تيامة) عقدوا اجتماعا وعينوا ( اشور –  مردوخ) زعيمهم وقائدهم لمقاتلة ( تيامة) ومنحوهكل قوة يملكونها, وتعهدوا له بان يطيعوا أمره؛ فاعترض إله (مردوخ – آشور) هذهالقوى الشيطانية واخذ يصارعها حتى تمكن ( اشور) القبض على ( كنكو) وأخذه أسيرافينتصر على (تيامة) فيقوم بشطرها إلى نصفين:

 القسم الأول يصنع منها (السماء) حيث يخلق النجوموالكواكب.

 القسم الثاني فيصنع منه (الأرض) حيث يخلقالحيوانات والنباتات.

 وهذا النص أيضا يتطابق ما ورد في (التوراة) انظرإلى (سفر تكوين)، حيث ( يفصل الله بين مياه ومياه ويصنع السماء والأرض)؛ وبعد أنينتهي (مردوخ – اشور) من هذا الخلق؛ يخلف أيضا زوجا من الإنسان بواسطة الدم والطين؛وقام (مردوخ – أشور) ببناء بيتا له في بلاد (أشور) ليستريح فيه، كلما نزل إلىالأرض في (نيسان) وهذه القصة تتطابق مع ما ورد في (التوراة) تماما؛ حيث ورد النص (كما سيبني رب الجنود فيما بعد، بيتاً له في إسرائيل) انظر إلى (صموئيل الثاني) .

ولهذا اعتبرت ملحمة (إينوما إيليش- عندما في العلى)، في التاريخ المعاصر من أهم مكتشفات العلميةوالتاريخية المتعلقة بالفكر الإنساني ودياناتهم، فان قيمة هذه الأسطورة التي تعتبرمن أقدم الأساطير الملحمية في التاريخ، فهذه الملحمة كان لها إبعادا عظيمة في بلاد(أشور) وكان (الأشوريين) يجسدون طقوسها والاحتفال بهذه المناسبة سنويا في عمومبلادهم، فكانت تقام مهرجانات ومواكب الملك بشكل احتفالي كبير يقيمها الشعب بتلاوةطقوس خاصة مجسدين فكرة (خلود سيد الآلهة وبداية الحياة)، حيث كانت الاحتفالات تبدفي (الأول من نيسان) كل عام، وكان (العام الواحد) عندهم يتكون من (اثني عشر شهرا)؛وكل (أربعة أشهر) يتكون موسم؛ ويبدأ الموسم الأول في أول نيسان حيث (الربيع)ويعقبه (الصيف) ومن ثم (الخريف) و(الشتاء ) وهكذا دواليك، وما زال هذا التصنيف أوتقسيم مواسم السنة  قائما إلى يومنا هذا؛ وتعملبموجبه كل الشعوب وأمم الأرض، وكانت تسمى احتفالات التي تقام في الأول من نيسان(اكيتو)، وكان (الأشوريين) يعتبرون بان (اليوم الأول من شهر نيسان) هو يوم البدايةالحقيقية لدورة الحياة الطبيعية على الأرض كونه في (نيسان) تبدأ الطبيعة بالتجددوالانبعاث .

وهنا لا بد إن نذكربأن (تأريخ اليوم الأشوري الواحد) منذ سلالتهم الأولى في (سومر) كان يقسم مدة (النهار)و(الليل) باعتماد على عدة عناصر طبيعية وأهمها (القمر) و(حركة النجوم) و(قرصالشمس)، وقد استطاعوا (الأشوريون) من تحديد يوم (الاعتدال الربيعي) في شهر سموه(نيسانو) وما زال يسمى هذا الشهر بنفس الاسم، فقد كان معلوماتهم وحسب التقويم(الآشوري) يبدأ (الاعتدال الربيعي) في ليلة (الأول من نيسان)، كما هو موجود فيمدونات الأثرية والتي كتبت في الألواح الطينية والتي تم اكتشافها في مكتبة (اشوربانيبال الذي عاش في القرن السابع ق. م. حوالي 668 ق.م  وتوفي في 626 ق.م)، والذي كتب فوق بوابة مكتبته((مكتبة اشور بانيبال ملك العالم))، وهو آخر ملوك (الإمبراطورية الاشورية)الحديثة، عرفه (اليوناني) باسم (ساردانابالوس) وسمي في (التوراة) تحت اسم(أوسنابير).

كان( آشور بانيبال)هو حفيد الملك (سنحاريب) وقد ذاعت شهرته ليعرف بـ(ملك العالم) او (ملك الجهاتالأربع) وقد وصل الملك (أشور بانيبال) إلى ذروة العظمة التي لم يشهدها العالم فيتاريخها؛ وقد اشتهر بصورة خاصة بتدوين جميع أنواع المعارف وإحداث التاريخ وتصنيفهاوجمعها في جناح خاص من أجنحة قصره العظيم في (نينوى) والذي زين جدرانه الداخليةبالمنحوتات والتماثيل الرئعة، وفي جناح الذي جمع فيه كل مدونات العلوم والذي كانبمثابة مكتبة عظيمة بما احتوت هذه المكتبة على مجموعة تقدر على آلاف منالألواح الطينية احتوت على موضوعات مختلفة تعود للقرن السابع قبل الميلاد؛ وهذهالمكتبة تعتبر أشهر المكتبات ليس في بلاد (وادي الرافدين –  العراق) فحسب بل في العالم اجمع، وقد اختلفالعلماء حول عدد مقتنياتها؛ حيث قال البعض بأنها تحتوي على إلف رقم طيني، ويذهبالبعض الأخر بالقول بأنها أكثر من ذلك بكثير، حيث احتوت هذه المكتبة على موضوعاتمختلفة تعود للقرن السابع قبل الميلاد؛ ومن ثابت القول بأن الملك (آشور بانيبال)قد جمع في هذه المكتبة كل ما وجده في القصور الملكية لأجداده من الملوك السابقينوأضاف إليها كل ما استطاع جمعه في عصره وحفظ فيها ألاف الألواح الطينية التي تمثلتراث حضارات (بلاد وادي الرافدين) في جميع فروع المعرفة وكانت المكتبة مفهرسةومنظمة بصورة جيدة. لقد تم العثور على بعض البقايا المتعلقة بالمكتبة في موقع حفرأثري في (كيونجيك) نينوى القديمة عاصمة (الاشوريين) والتي بنيت عليها مدينة (نينوى)الحالية، فمعظم اكتشافات الموقع تمت من قبل الرحالة وعالم الآثار البريطاني (اوستنهنري لايارد) حيث تم نقل معظمها إلى (انجلترا)  وتعرض بعض من بقايا المكتبة  في (المتحف البريطاني– لندن) ومتحف (اللوفربباريس) .

ومن هنا تكمن قيمةالتراث في الفكر القومي وخلفياته الفلسفية عند (الآشوريين) في (الأول من نيسان)،بسبب انبعاث الطبيعة ونزول سيد الآلهة إلى الأرض لتحارب الآلهة الشريرة ثم القضاءعليها وانتصارها ليتم زواجه من الإلهة (عشتار) لتبعث الحياة بتجددها في بدايةالربيع، وكانت هذه الاحتفالات والتي – كما قلنا تسمى بـ(اكيتو)  –  وهوعيد (رأس السنة الأشورية) والذي يعد من أقدم احتفالات بمناسبة الأعياد التي عرفتهاالحضارة الإنسانية منذ القدم، ويحدد تاريخ بداية هذا الاحتفال في مطلع الألفالثالث قبل الميلاد، واستمر حتى القرن الثاني منه.  

وهنا لابد إن نشيربملاحظة تاريخية مهمة في بيان وتوضيح كيفية التي تم تحدد تاريخ السنة (الاشورية)ونحن نحتفل بدخول إلى (العام الاشوري الجديدة) – كما ذكرناها في مقالاتنا السابق – فتحديد السنة (الاشورية) قد جاء بعداكتشاف (اثري) مهم وصل إليه خبراء وباحثين ألآثار اثر عمليات تنقيب لمستوطناتزراعية في منطقة (جرموا) قرب مدينة (كركوك – العراق)؛ وقد أجريت اختبارات عن طريقالمسح بالاشعاء الكربوني لطبقات الأرض فوجدوا بأنها تعود للفترة لمحصورة ما بين (11240  –  8830) سنة قبل الميلاد، وخلال الرقم الطينية المكتشفة في (جرمو) ومواقع أخرى من بلاد (واديالرافدين) وجدوا أسماء لسبعة عشر ملكا حكموا منطقة (جرمو) وكان الملك الخامس عشرمن بين هؤلاء الملوك اسمه (اشبويا)  كما ذكر في إحدى الرقم الطيني، الذي أمرببناء بيتا ليكون بمثابة (هيكل الإله اشور) مبني من الحجر والطين وكتب بالخطالمسماري على رقم حجري وضع فوق بوابة الهيكل ((انا ملك اشبويا بنيت هذا البيتللإله اشور))؛ وقد كتب وصية لكل من يأتي بعده من ملوك ليحكم المدينة بعدم مساس هذاالبيت وأمرهم بان يعيدوا بناه من جديد كل (مائتان وخمسون سنه) لكي يرسلوا رسالةإلى الإله (اشور) بأنه ما زال يعيش في بيت جديد، وفي فترة لاحقة اكتشفوا هؤلاءألباحثي عن  لوحة طينية تعود إلى (القرنالتاسع قبل الميلاد) أشير فيها بان احد ملوك (الاشوريين) أعاد بناء هذا الهيكلللمرة (22) للإله (اشور)،   ومن خلال اكتشاف لهذا الرقم الطيني تم تحديد (سنة4700 سنة ق.م) فترة التي حكم فيها الملك الاشوري (اشبويا) منطقة (جرمو).

وهكذا اعتمدت سنة(4750) وهي سنة التي تم بناء هيكل (الإله اشور) واعتبرت بداية لسنة (الاشورية)وعليه سيكون تاريخ (السنة الاشورية) لهذا العام (2022 - ميلادي)  هو (6772 -اشوري)، حيث تنطلق (الأمة الاشورية) باحتفالاتها بعيدهم القومي الذي يصادف ا(لأولمن نيسان) من ذلك التاريخ والى يومنا هذا .

ليكون الاحتفال بهذا اليوممن بداية السنة (الاشورية)، قد شكلت منطلقا فكريا وثقافيا أخذت أبعادة تؤثر علىالمجتمعات التي اختلطت بالمجتمع (الاشوري) بطبيعة الغزوات (الاشورية) وتوسيع رقعةالجغرافية للإمبراطورية (الاشورية) شرقا.. وغربا.. وشمالا.. وجنوبا، لذلك فان هذهالمجتمعات والأقوام الغير (الاشورية) اقتبست الكثير من طقوس احتفال بعيد (اكيتو –رأس السنة الاشورية) في المراحل لاحقة من التاريخ وبشكل معدل؛ كما نجد ذلك فياحتفالات التي يقوم بها (الفرس) و(الأكراد) و(المصريين)، والتي سميت لاحقا بـ( عيدالربيع وعيد نوروز أو عيد شم النسيم…الخ) والذين يحتفلون في( يوم 21 آذار ) من كلعام؛ وقسم الأخر يحتفل في الأول من نيسان كما عند أبناء وأحفاد (الأشوريين)القدامى في العصور الحديثة .

إن جوهر (الاحتفال)بهذا العيد تعود فكرته بان (من الموت تولد الحياة) وبان (الحياة تنتهي بالموت)بشكل (دايلكتيك) ولادة وموت.. وموت و ولادة.. وهكذا تستمر الحياة ضمن دائرة كونيةﻻ تنتهي، والتي ترتب حلقات الحياة بشكلها المتوالي والتي انطبعت في عقلية حياةسكان (بلاد ما بين النهرين) سواء من الناحية الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية،لذلك يكون الاحتفال بعيد (اكيتو) صورة لإعادة إحياء التراث والتاريخ الفكر الإنسانيالذي يعرف الأمم على هوية (الاشوريين) .

أما الأسطورة الأخرىالتي يؤخذ منها في مراسم الاحتفالات بعيد (اكيتو) فهي أسطورة (عشتار) او (انانا)إلهة الحب والجمال والجنس والحرب؛ وزواجها من (تموز) او (دموزي) الملك الذي جعلتمنه ( اله)؛ والتي وردت في كتاب (عشتار ومأساة تموز.. تأليف الدكتور فاضل عبدالواحد)، وتذهب هذه الأسطورة بأنه دار في البدء حوارا بين (عشتار) وزوجها الإله (اوتو)تعلن فيه (عشتار) حبها للفلاح ورغبتها في الزواج منه؛ إلا إن أخيها أقنعها بالزواجمن الراعي (تموز)؛ وبعد إن تسمع (عشتار) كلمات (تموز) التي يفخر بها بنفسه ويبينتفوقه على الفلاح؛ تعلن عن رأيها وتقع في حب الراعي (تموز), وبعد لقاء بينهما يقرر(تموز) إن يخطب (عشتار) من أمها (منكال)؛ وهكذا تتزوج (عشتار) الهة الحب والجنس من(تموز) الذي أصبح اله للخصب؛ ونتيجة لهذا التزاوج امتلأت الأرض خصبا وتتكاثر البشر،وهنالابد ن نذكر بان قصة حب بين (عشتار وتموز) اقتبس منها (نشيد الأناشيد) التي وردةفي (التوراة)؛ بعد إن استطاع عالم الاثار (تيوفيل ميك) فك الرموز المسمارية لهذهالملحمة (الاشورية) بعد إن وضع نظريته عن اصل (نشيد الأناشيد) والمدعومة بالأدلةفقال:

 إن (نشيد الأناشيد) التي وردت في (التوراة) هيصيغة معدلة أو منسوخة تم وضع أسماء أجنبية عليها لتتلاءم مع ناسخيها وتاريخهم وأساسهاهو (الزواج المقدس) الموجود عند (الاشوريين) والذي كان هذا الزواج بين (اله الشمستموز وبين عشتار) .

 وتقول الأسطورة : إن الإلهة (عشتار) تقرر النزولإلى العالم السفلي (عالم الأموات) حيث مقر أختها (ايرشكيكال) ولم يعرف السببالحقيقي لنزول (عشتار) إلى مراسيم دفن زواج أختها كما جاء في عالم الأموات؛ وقديكون لحضورها في النص (السومري) من الأسطورة هو لإطلاق سراح بعض الأموات كما جاءفي النص (الاشوري) من الأسطورة، ومهما يكن السبب فان الإلهة (ايرشكيكال) تبدي عدمارتياحها من هذه الزيارة؛ وعندما تمر الإلهة (عشتار) عبر البوابات السبع ينزع عندكل باب جزء مما ترتدي إلى إن تبدو عارية إمام أختها (ايرشكيكال) والتي تلقي إليهابنظرات الموت وتحيلها إلى جثة هامدة.

وكانت ( عشتار) قدطلبت من رسولها المفضل (بيوكال) انه في حالة عدم رجوعها من عالم الأموات بعد ثلاثةأيام فان عليه إن يذهب إلى (ايا) اله الحكمة لكي يساعدها في إطلاق سراحها, ومرت الأيامالثلاثة ولم تعد (عشتار) مما حدا بـ (بيشوكال) إن يذهب إلى الإله (ايا) ويتوسلإليه لإطلاق سراح (عشتار) من العالم السفلي؛ وعندما سمع (ايا) ما حل بالإله (عشتار)اوجد مخلوقا اسمه (اسو شو نامر) وكان هذا المخلوق جميل الخلق إلى حد كبير وطلب منهإن ينزل إلى (ايرشكيكال) في العالم السفلي ويحاول كسب قلبها ثم يطلب منها إطلاقسراح (عشتار)؛ وفعلا يهبط (اسو شو نامر) إلى العالم السفلي؛ وما إن تقع عينا الإلهة(ايرشيكيكال)  وتواجهه وجها لوجه حتى تفتنبجماله الباهر؛ وعندما يتأكد (اسو شو نامر) بأن (ايرشيكيكال) قد وقعت بحبه فيطلب منها إن تقسم قسم الإلهةالعظيمة بان لا ترد له طلب فتؤدي (ايرشيكيكال) القسم المطلوب؛ وعندها يطلب منهاماء الحياة ليرشها على (عشتار) ويعيدها إلى الحياة، وحين تعلم (ايرشكيكال) إلىالخدعة التي قام بها (اسو شو نامر)  فيملكهاحزن وغضب عميقين؛ ولكنها لا تستطيع الرجوع عن قسمها؛ فتعيد (عشتار) إلى الحياة بعدإن تكيل اللعنات والغضب إلى (اسو شو نامر) وتشترط إن تأتي (عشتار) ببديل يحل محلهافي عالم الأموات؛ وعندما تخرج (عشتار) من عالم الأموات يكون برفقتها زمرة منالشياطين لكي يأخذوا شخصا أخر إلى عالم الأموات بدلا من (عشتار).

تمر(عشتار) بعدد منالمدن فترى بان سكانها قد رفعوا شعائر الحزن بسبب موتها؛ ولكنها عندما تصل إلى بابزوجها (تموز) تراه غير أبه بما حصل وغير مكترث لموتها؛ بل تراه جالسا تحف به مظاهرالإجلال وقد ارتدى افخر الثياب, فتلقى عليه (عشتار) نظرات الموت ويهجم الشياطينعليه ويتمكن إن يفلت منهم عدة مرات بمساعدة صهره الإله (اوتو)؛ إلا انه أخيرا يقعفي قبضة الشياطين فيضربونه حتى الموت ويأخذونه إلى عالم الأموات فتحزن أخته (كشتن-انا) وتبكيه وتتوسل إلى (عشتار) إن تطلق سراحه؛ كما إن (عشتار) أيضا تحزن لموتزوجها وحبيبها (تموز) بعد إن هد توترها وغضبها فتلجئ إلى مجلس الإلهة متوسلة إليهمإن يعيدوا (تموز) إلى الحياة؛ ولكن المجلس يقرر منح الخلود النصفي لـ(تموز) أييبعث إلى الحياة ستة أشهر وينزل إلى عالم الأموات ستة أشهر أخرى من السنة، هكذايبعث (تموز) إلى الحياة في اليوم (الأول من شهر نيسان) الذي كان الشهر الأول منالربيع في ذلك العهد, وتكون علامة بعث ( تموز) إلى الحياة هي نمو العشب وتفتح الإزهاروتكاثر الطيور والحيوانات؛ فعملية التناسل في الطبية التي تحدث في موسم الربيع هو رمزالبدء الحياة على الأرض, ويعود ( تموز) إلى عالم الأموات في نهاية شهر (اب) أي معبدء فصل الخريف 

وهنا نذكر بان(عشتار) تورد لها قصة مع (كلكامش) الذي رفض الزواج منها كما تورد في تفاصيل مثيرهفي اسطورة (كلكامش)  ويذكر بان (كلكامش كانكاهنا في معبد (اينانا – عشتار) .

ومن خلال هاتين الأسطورتيناتخذ (الاشوريون) و(البابليون) طقوسهم للاحتفال بعيد (اكيتو) في (الأول من نيسانكعيد رأس السنة وبدء الحياة على الأرض)؛ لان في هذا اليوم يتعادل الليل مع النهار وتأخذجميع النباتات بالاخضرار وحمل الإزهار للإثمار والتكاثر عبر عملية التلقيح الإزهار؛وكذلك تبد الحيوانات بالتزاوج فالكل في هذه الطبيعة يبدأ حياته من جديد، ولهذااقتبسوا (الاشوريين) من هذه المظاهر في الطبيعة طقوسا للاحتفال بـ(الأول من نيسان)والتي رسميا كانت تبدأ من أول ليلة الاعتدال الربيعي في (21 آذار ) وتستمر لغاية(الأول من نيسان ) حيث يختتم الاحتفال بطقوس احتفالية مهيبة يقيمها الشعب (الاشوري)وتشارك فيه كافة طبقاته؛ وهذه الاحتفال في نهاية هذا الطقوس التي تستمر (اثنا عشريوما) تنتهي بيوم الأخير وهو يوم الذي أطلق علية عيد (اكيتو) أي (عيد  بداية رأس السنة الآشورية – أكيتو).

طقوس مهرجان اكيتوبحلول السنة الاشورية الجديدة

        ابتداءا من اليوم الأول ولغاية اليومالأخير؛ تقام في كل يوم طقوس معينه خاصة تتخللها فعاليات ضخمة على شكل مهرجاناتشعبية يشارك فيها الشعب من كافة الطبقات، حيث يواكب الجماهير المحتشدة خلف مسيرةالكهنة الذين يحملون نماذج تمثل الآلهة، كوسيلة لتعبير عن أفراح الشعب بحلول السنة(الاشورية) الجديدة.

ففي اليوم الأول:

يخصص لتطهير النفس منالخطايا حيث يقوم كاهن (الإيساغيلا) الذي هو يشرف على معبد الإله ( مردوخ – اشور) بإقامةطقوس الحزن وتطهير وتنظيف المعابد يقوم بأدائها الكاهن (الإيساغيلا)، و(الإيساغيلا)هو (بيت إله مردوخ – اشور) بمشاركة كهنة المعبد، ويرد عليهم أبناء الشعب بترانيمباكية تعبيرا عن خوف الإنسان من المجهول، بغية تطهير نفوسهم من الذنوب وبعدها يقومالكاهن بتخطية تمثال الاله ( اشور– مردوخ) بكسوة قشيبة وتقدم الضحايا والقرابين؛ويقوم الكهنة بأخذ مكانهم من الاحتفالات.

وفي اليوم الثاني:

يقوم الكاهن الأعلى(الإيساغيلا) في كل صباح الاغتسال من مياه (دجلة والفرات) لتظهير وطلب الغفران منإله (مردوخ – اشور)، راجيا إياه حماية مدن (اشور)عبر تقديم الصلوات والابتهالات .

في اليوم الثالث:

وفي هذا اليوم يقومالحرفيين من النجارين والصباغين والحدادين وصاغه الذهب لعمل عربات وتماثيل ورموزأخرى لتحضير للاحتفالات.

في اليوم الرابع:

حيث في مطلع الفجرتقام طقوس على نحو الأيام السابقة لغاية المساء حيث يقرءا الكاهن الأكبر (الشيشكالو ) ملحمة الخلق (إينوما إيليش – عندما في العلى) بتفاصيلها المؤثرةوبالنص الكامل؛ والتي تحكي ((عن بدء الكون وتكون الفصول وإتحاد قوة كافة الآلهة فيالإله (مردوخ – اشور) بعد انتصاره على التنين (تيامات) وتعتبر تلاوة هذه الملحمةتحضيرا لطقوس خضوع (اشور) ملك بلاد (اشور) أمام الإله (مردوخ – اشور)، ليتسلمالملك صولجانه من الكاهن الأكبر ويذهب إلى مملكتهم او دولتهم ( بورسيبا ) حيث يعيشالإله ( نابو) أبن الإله (مردوخ- أشور)، حيث يقضي ليلة واحدة في ( أي زيدا) وهومعبد الإله ( نابو ) وفي الصباح يطلب مساعدة الإله ( نابو) في مهمة تحرير أبيهالإله ( مردوخ – اشور ) من أسره وأغلاله في عالم الظلام الكوني.

وهنا يجب توضيح نقطةمهمة حول اسم (اشور) الذي يورد تارة كـ(اسم لالهة) وتارة كـ(اسم للملك) وتارةكـ(اسم للمملكة) لان كما هو معروف عند (الاشوريين) بان ألإلههم في السماء يطلقعليه اسم (اشور) وتيمننا به يطلق على ملك بلادهم اسم (اشور) وكذلك يطلق لجغرافيةمملكتهم اسم (اشور)، ولرمزية هذا الاسم وقدسيته فان اغلب عوائل (الاشوريين) والىيومنا هذا حين يرزقون بمولود ذكر يطلقون عليه اسم (اشور) وان كان المولود أنثىيسمونها (اشوريتا) .

وفي اليوم الخامس:

 هو يوم لخضوع (ملك الإمبراطورية الاشورية)  أمامالإله (مردوخ – اشور) حيث يدخل (ملك الإمبراطورية الاشورية)  إلى(الإيساغيلا) برفقة الكهنة ويتجهون نحو المذبح؛  فيتقدم الكاهن الأعلى(الإيساغيلا) من الملك آخذا دور الإله (مردوخ – اشور)،  ويبدأ بتجريدهمن حليه وصولجانه وحتى تاجه؛ وبعدها يقوم الكاهن الأعلى (الإيساغيلا) بصفع الملكبقوة حيث يركع الأخير ويبدأ بتلاوة الغفران وإعلان خضوعه الإله (مردوخ – اشور)  قائلا:

–  ((أنا لم أخطئ يا سيدالكون، ولم أهمل أبدا جبروتك السماوي…))، ويرد عليه الكاهن الذي يقوم بتمثيل دورالإله (مردوخ – اشور):

– ((لا تخف مما يقولهالإله (مردوخ – اشور) فسوف يسمع صلواتك ويوسع سلطانك ويزيد عظمة  ملكك...)).

وبعدها يقف (ملكالإمبراطورية الاشورية) فيعيد إليه الكاهن حليه وتاجه ثم يصفعه مرة أخرى بقوةعلى أمل أن يذرف الملك دموعه؛ لأن ذلك سيعبر عن المزيد من الخشوع الإله (مردوخ – اشور)والإجلال لسلطانه، وبعد ذلك يقوم الكاهن بإعادة التاج إلى الملك، كتعبير بان الإله(مردوخ – اشور) يجدد السلطة على الدولة (الاشورية)، كما إن (الأول من نيسان) يجددالحياة في بداية موسم الربيع؛ ومن هنا يكون رمز (الأول من نيسان) ليس لتجديدالطبيعة والحياة فحسب بل في تجديد نظام الدولة.

لنستشف من هذهالمراسيم بان أعظم شخصيات التي تحكم (بلاد اشور) تخضع لسلطة للإله الأعظم – (الغيرالمنظور) – الذي عندهم كان يسمى(مردوخ – اشور) فتعيش هذه الشخصيات لحظات تواضع مععامة الشعب في المدن (الاشورية)، متضرعين جميعا بالصلوات وطلب المغفرة من الإله(مردوخ – اشور) وبعد إن يثبت الجميع إيمانهم بسلطة الإله (الغير المنظور) الذييوكل للملك حكمه وينزل الملك من بيت الإله (مردوخ – اشور) ليبقى الإله في (جبلالعالم السفلي) الذي هو بمثابة برج مؤلف من سبع طوابق قائم تحت السماء لذلك يسمى(برج العالم السفلي)، وهكذا يكون الإله (مردوخ – اشور) قد دخل بيته ويفاجئ بالآلهةالتي سيتعارك معها ويؤسر في هذا الجبل؛ بانتظار وصول أبنه الإله (نابو) الذيسينقذه من (العدم) ويعيد مجده.

وهنا لتوضيح نقفقليلا بان ما جاء بـ(التوراة) وما تم اقتباسه من مجريات هذا الحدث الذي يدور فياحتفاليات بأيام (اكيتو)، تم ذكره في (التوراة) تحت اسم (برج بابل)؛ وهذا البرج هو(برج العالم السفلي) فيه بيت (مردوخ – اشور) فيأتي القول كما ورد في (التوراة) فينص الأتي :

–  ((كماسيسكن الله في جبل…. حسب التوراة، مزامير:74 : 2)) .

وفي اليوم السادس:

 ففي هذا اليوم تجري أحداثه بوصول الإله (نابو)برفقة أعوانه من الآلهة الشجعان القادمون من (نيبور) و(أوروك) و(كيش) و(أريدو)–  وهي مدن الإمبراطورية (الاشورية) تقع حاليا في جنوب (العراق)–  بواسطة المراكب كانت الآلهة المرافقة لـ(نابو) متمثلة بتماثيل توضعفي مراكب وكانت تصنع لهذه الاحتفالات، حيث تبدأ بانطلاق مواكب القادمة من مدن(الاشورية) من (اشور) و(أوروك) و(نيبور) و(أور) و(أريدو) ولكل مدينة من هذه المدن(إله) خاص يخصها تحديدا، بعض المواكب كان يأتي عن طريق البر إلى موقع الاحتفال؛وبعضها عن طريق السفن في نهر (دجلة والفرات) ومن مختلف أماكن الدولة (الاشورية)للمشاركة في الاحتفال؛ يتقدمها موكب إله (نابو) أبن (مردوخ – اشور) كذلك يقوم إله(نابو) بزيارة إله الحرب (ننورتا) في معبده الخاص، ويتفقان على خطة لقتال إلهين منآلهة الظلام في محاولة لتحرير والده (مردوخ – اشور)، ويقومان بتنفيذ الخطة بنجاح،وشيئا فشيئا يزداد هياج الشعب وغضبه وعنفوان مشاعره وقلقه أثناء مرور عربة إله(مردوخ – اشور) بخيولها، ولكن بدون إن يقودها أي شخص، في شوارع المدينة التي تضجبالناس الذين سلبتهم قوى الشر والظلام إلههم (مردوخ – اشور) وكانت العربة التيتسير بدون إن يقودها احد، ترمز لفوضى الكون قبل أن يقوم (مردوخ – اشور) بتنظيمه، وهنايبدأ الشعب بالسير وراء (ملك الإمبراطورية الاشورية) باتجاه (الإيساغيلا) حيثالإله (مردوخ – اشور) أسير وهم ينشدون ترتيلا مطلعها:

– ((..هو ذا القادممن بعيد ليعيد المجد إلى أبينا الأسير..)).

في اليوم السابع:

ففي هذا اليوم يتملـ(نابو) تحرير الإله (مردوخ – اشور) في اليوم الثالث من الأسر بعد إن أغلقتالآلهة الشريرة بابا كبيرا وراء الإله (مردوخ – اشور) بعد إن تم دخوله فيبيته؛ ويتصارع الإله (مردوخ – اشور) معها؛ لحين مجيء (نابو) الذي يكسر الباب وتبدأمعركة بينهما ينتهي الأمر إلى انتصار الإله (نابو) وتحرير الإله (مردوخ – اشور).

وهنا تمثل درامامحزنه لموت الإله (مردوخ – اشور) وصعوده إلى السماء ويبحث الناس عنه في كل مكانمولولين وحائرين ويسود المكان الفوضى ويحل الاضطراب في البلاد, حيث يسلم (الحكم فيالبلاد) لأحد الغوغاء ويلتف حوله المجانين والفوضويين فيحكم ويقتل وينهب ويغتصبكيفما يشاء ويعبث بأمور البلاد طوال النهار حتى مغيب الشمس؛ وعندها يتنازل الملك عنالعرش وينتزع منه التاج والصولجان ويقدمان إلى الملك الشرعي فيعود إلى عرشه ويجلسعليه وسط أفراح الشعب، والغاية من هذه العملية هي تذكر الناس بالحكم المستقرالمنظم ومقارنته بحكم الفوضى وانتصار سلطة الخير على سلطة الشر.

في اليوم الثامن:

 يرجع الإله (مردوخ – اشور) إلى الحياة وتجتمع الإلهةلتعيين أجيال البشر للسنة الجديدة وتبدأ مسيرة عندما يأخذ الملك فيها يد الإلهويعيد إليه رئيس الكهنة شارة الملك والصولجان والعصا والسلاح والتاج ويصبح الملكالشرعي للبلاد.

ففي هذا اليوم تجري طقوسهابعد تحرير الإله (مردوخ – اشور) تجميع جميع تماثيل الآلهة في غرفة الأقدار التيتسمى (أوبشو أوككينا) فتجتمع الآلهة لتقرر مصير الإله (مردوخ – اشور)، لينتهيالأمر بتجميع قوى جميع هذه الآلهة لتوهب مجدداً إلى الإله (مردوخ – اشور)؛ وهنايأتي (ملك الإمبراطورية الاشورية) راجيا جميع الآلهة للسير مع الإله (مردوخ – اشور)إكراما له؛ وهذا التقليد يرمز على خضوع كافة الآلهة إلى سيدها الإله (مردوخ – اشور)الإله العظيم في عظمته؛ وهنا وكما ورد في إحدى مدونات (الملك الآشوري – سركونالثاني) عن زياراته لبابل يقول:

 – ((..في بابل.. بيت سيد الآلهة..بكل فرح دخلت (الإيساغيلا) ووجهي يشع بهجة؛ حيث أمسكت بشدة يدي سيدي الإله (مردوخ– اشور) العظيم وسرنا سوية إلى (بيت أكيتو)، كذلك جاءت عدة آلهة من مختلف بقاعالأرض...)) .

في اليوم التاسع:

ففي هذا اليوم تسيرموكب النصر إلى بيت (أكيتو)؛ و(أكيتو) هو المكان الذي فيه (بيت الصلاة) حيث يجتمعهناك الشعب ويبدأ الاحتفال بانتصار الإله (مردوخ – اشور)، حيث يعطي الملكأوامره لتبدأ الفرقة المقدسة بإنشاد التراتيل، حيث يعبر هذا التقليد (موكب النصر)عن مشاركة عامة الشعب بالفرحة بتجدد سلطان الإله (مردوخ – اشور)، وتدمير قوى الشرالتي كادت أن تتحكم بالحياة منذ البدء، حيث يسير موكب النصر وتقوم النساء بجمعباقات الورود وسنابل القمح الأخضر وتعليقها على مداخل البيوت ترحيبا بقدوم نيسانالخير، وهذا الطقس ما زال قائما إلى يومنا هذا، فان اغلب العوائل (الاشورية) تقوممنذ مطلع الفجر بوضع باقة من عشب الأخر على مداخل بيوتهم رمزا لقدوم الربيع، وهذاالبيت يقع خارج سور المدينة حيث هناك توجد حديقة واسعة مرتبة بعناية فائقة لتليقبمستوى الإله الذي يعتبر واهب الحياة في الطبيعة ويعبر هذا التقليد (موكب النصر)عن مشاركة عامة الشعب بالفرحة بتجديد الحب والطاعة إلى الإلهة (مردوخ – اشور)وتدمير قوى الشر التي كانت تتحكم بالحياة منذ البدء.

في اليوم العاشر:

 ففي هذا اليوم يكون الاحتفال بتجمهر الشعب بعدوصوله في موقع (أكيتو) موقع بيت الصلاة حيث يبدأ الإله (مردوخ – اشور) بالاحتفالمع آلهة العالمين العلوي والسفلي وتوضع تماثيل الآلهة حول طاولة كبيرة بشبه وليمة؛وبعدها يعود إلى قلب المدينة للاحتفال بزواجه من الآلهة في السماء، حيث تتحد الأرضمع السماء ومع زواج الإلهة في (السماء) يتزوج (ملك الإمبراطورية الاشورية) على(الأرض)،  فيقوم الملك بتمثيل هذا الزواج مع كبرى كاهنات (الإيساغيلا)حيث يجلسان سوية على العرش أمام الشعب ويبدآن بتبادل الأشعار الخاصة بهذهالمناسبة، على أن هذا الحب هو الذي سيولد الحياة في الربيع.

وفي اليوم الحادي عشر:

 ففي هذا اليوم تعود الآلهة إلى المعبد الرئيسيحيث تعقد فيه اجتماعا أخيرا لتؤكد فيه أجيال البشر إطاعتهم؛ والتي عينها الإله ( اشور),إما الإله ( اشور) فيقضي ليلته في المعبد العالي مع سيدة من أجمل بنات البلادينتخبها كهنة المعبد, وهذا هو الزواج المقدس لتشجيع التكاثر.

وبعد عودة الإلهةبرفقة سيدها الإله (مردوخ – اشور) لتجتمع في بيت الأقدار (أوبشو أوككينا)؛ الذياجتمعت فيه في اليوم الثامن للمرة الأولى، ولكن في هذه المرة تجتمع لتقرير مصيرالشعب حيث يتم التعهد بين (الأرض) و(السماء) على أن يخدم الإنسان الآلهة حتىمماته، وبالتالي لا تكمل سعادة الآلهة إلاّ بسعادة الإنسان الذي يخدمها؛ لذا سيكونمصير الإنسان السعادة ولكن شرط أن يخدم الآلهة، وبعد هذا العهد يصعد الإله (مردوخ– اشور) عائدا إلى بيته العلوي في السماء. 

  ومن الآثار التي بقيت من هذه الاحتفالات أيضاانه في اليوم الحادي عشر وهو يوم الزواج المقدس – حسبما جاء أعلاه – فان عدداكبيرا من حفلات الزواج كانت تقام في هذا اليوم في المدن (الاشورية) المختلفة؛وعليه لم يكن من المستطاع إن تقام كل حفلة زواج لوحدها بل كانت العرائس تطوف في أحياءالمدينة من بيت إلى بيت، ولا يزال (الاشوريون) يمارسون هذه العادة ولكن بطقوستمثيلية حيث يجمعن فتيات بأعمار دون الخامسة ويزينونهم بأثواب العروس الأبيض ويقمنبتجول في أحياء القرى والمدن (الاشورية) وهو اليوم يسمى بيوم عيد ( سولافا) حيثتمر العرائس من بيت إلى أخر في الإحياء السكنية فيجمعون الهدايا ويوزعونها بينهم،  ونستطيع أيضا إن نؤول (كذبة نيسان) إلى ما كانيجري في اليوم السابع من أيام الاحتفالات حيث كانت تمر بيوم يسود فيه الفوضى وعدمالاستقرار.

وفي اليوم الثاني عشر:

 فهو اليوم الأخير من احتفالات بيوم (أكيتو) حيثتعود الآلهة إلى معبد سيدها الإله (مردوخ – اشور) وتعاد تماثيل الآلهة إلى المعبدوتعود الحياة اليومية إلى كل المدن (الاشورية) .

وأخيرا فان قيام الإلهةبتعيين الأجيال للبشر في اجتماعهم لكل سنة ما زال أثاره في المجتمع (الاشوري)المعاصر قائم؛ حيث يمارسون العاب الحظ لمعرفة حظوظهم لتلك السنة وتطور من ذلك لعب (القمار)الذي يمارسه البعض ليلة رأس السنة كما إن (الاشوريون) من سكنه قرى شمال (العراق)اليوم يضعون شدة او باقة من الحشائش الخضراء أو شدة من الزهور–  كما ذكرنا سابقا –  فوق عتبة باب الدار في اليوم (الأول من نيسان)كدلالة للخضرة والازدهار ورخاء العيش والتفاؤل بالسنة الجديدة.

لتشكل هذه الممارساتطقوس عقائدية للالتزام وللإيفاء بالمستلزمات الدينية عند أبناء بلاد (واديالرافدين) في (سومر) و(اكد) و(اشور) لتؤخذ هذه الطقوس عند (الاشوريين) إبعادا أخرىفي التطهير والصلاة والتراتيل وتقديم القرابين والنذور عبر احتفالات مهيبة يشتركفيها الملك والشعب على حد سواء في أداء الترانيم الدينية والأدعية والتعاويذ التيكانت تشكل عندهم جزءا من الكل الواحد العظيم لتبجيل اله (اشور)، وهذه الطقوس التيكانت تمارس آنذاك كانت بمثابة صلاة العبادة والتي ارتبطت بتقدمها التطهير التام منالوضوء بغسل اليدين والركوع والسجود ورفع اليدين إلى الآلهة والدعاء ببعض الابتهالاتوالأدعية وعبارات الشكر والطاعة والعفو والمغفرة والشكاوى والتوسل من اجل تلبيةالنداء ومن اجل المغفرة لتشكل هذه الطقوس في الصلاة طريقة لاتصال الفرد بـ(الإِله)والتي أخذت عنها في هذه الممارسات كل الديانات المعروفة اليوم.

 ومن خلال هذه الطقوس في التعبد والتي تشكل جزءامن العقيدة الدينية كان يتم دعوة الإِله لنصر جنودهم وإكثار من خيرات بلادهمولاستدرار المطر؛ وكان الملك في (اشور) عندما يحدث جفاف وقحط في البلاد؛ كان الملكشخصيا يكتب الرسائل إلى الحكام التابعين لـه لتنظيم مشاركة الناس في الابتهال إلىإِله الجو (اداد) ليسقط المطر على أراضي بلاده وهذه الممارسات مازال (الاشوريين)يمارسونها في قراهم وبلداتهم في شمال (العراق) وهي أيضا تمارس عند كل أقوام الأرض إلىيومنا هذا والمأخوذة أصلا من بلاد (وادي الرافدين) ومنها الطقوس المتبعة فيالديانة (الإسلامية) باستعطاف الله من أجل إسقاط المطر عند حدوث جفاف أو قحطبتنظيم صلاة الجماعة والتي تسمى (صلاة الاستسقاء)، كما وشكلت تماثيل الآلهة فيالمعبد جانبا محوريا من عقيدة القوم وطقوسهم الدينية باعتبارها وسيلة لاتصالالإنسان بالآلهة حيث أُعتبر الإِله حاضرا في تمثاله وهذه الظاهرة ما زالت موجودة عندبعض من الطوائف المذهبية في الديانة (المسيحية) التي أخذت من هذه الطقوس وسيلة لتقاربالعباد إلى الله، وكذلك كان يؤتى بالطعام إلى المعبد ليوضع تحت تمثال الإِله ليعطيالبركة ليعتبر مباركا، ومن ثم تؤخذ هذه الأواني من الأطعمة وترسل إلى الملك ليأكلمنها لكي تنتقل البركة إليه ومن ثم ترسل هذه الأطعمة إلى أبناء الشعب ليتباركوابها، وهذا الطقس ما زال (الاشوريون) يمارسونه وكذلك كل الديانات بما فيه منعادة رش الماء (ماء الورد) من الإِناء الذي تم مسحه بتمثال الإله ليأخذالبركة منه على الملك وأبناء الشعب، إضافة إلى كل ما كان يمارس من إشكال الطقوسالدينية والمناسبات الاجتماعية بما فيها احتفالات الزواج والمراسيم الجنائزيةوالتي اليوم تمارس على نفس نمط طقوس (الاشوريين) قبل سبعة ألاف عام.

اكيتو من منظور الفكرالقومي الاشوري

       ولهذا فان الاحتفالات (اكيتو) التي نشأتفي الأصل كعيد من أعياد الطبيعة كانت الأكثر أهمية وشمولية وبهجة وحضورا في (بلاداشور) لكونها كانت تجسد مهرجان (بداية السنة الجديدة)؛ لذلك كانت حدثا دينيا مهماتمارس كل عام جديد في جميع أرجاء بلاد (اشور)، ولعظمة هذا اليوم شكل على مر التاريخنقطة ارتكاز لبلورة (الفكر القومي الاشوري) من اجل استعادة دور الأمة وأمجادهاوقوتها وقدرتها على مواجهة مشاريع ومخططات الأعداء ولكي تستطيع الأمة استعادةحقوقها المسلوبة من أرضها واستقلالها وحريتها وكرامتها؛ وخاصة عندما تبلور (الفكرالقومي) كفكر مع بداية الثورة الفرنسية عام 1789 م؛ وعندما تكونت العديد منالنظريات القومية، منها:

أولا ... نظرية التيتعتبر (اللغة) و(التاريخ) كأهم عوامل تكوين (الأمة)؛ كما تذهب بهذا نحو الدولة (الألمانية).

وثانيا... نظرية التيتعطي للعوامل الجغرافية دورا كبيرا في نشوء (الأمة) كما تذهب (فرنسا) بهذا النحو.

وثالثا... نظرية التيتذهب باعتبار أن (الأمة) ما هي إلا حصيلة عدة عوامل هي الجماعة المستقرة على أرضمحدودة.. ولغة واحدة.. وذات تراث ثقافي مشترك.. وذات اقتصاد مشترك كما تذهب نظرية (الستالينية).

لذلك فان الأساس فيتكوين أية الأمة وبناء القومية يكون عبر وجود (وحدة اللغة والتاريخ)، لأن الوحدةفي هذين الميدانين يؤديان إلى وحدة الناس؛ لكونهم يشعرون بأنهم أبناء (أمة واحدة)،متميزين عن الأمم الأخرى تجمعهم وحدة الثقافة.. وحدة الآلام والآمال؛ ومن هذاالفهم نجد بان (لا الدين) و(لا السياسة) و(لا الاقتصاد) و(لا الجغرافية) يدخل فيمقومات الفكر القومي للأمة الأساسية بقدر ما يكون لتاريخ واللغة دورا أساسيا فيبلورة الفكر القومي لأية امة باعتبار إن (اللغة) تمثل روح الأمة وحياتهاو(التاريخ) يمثل ذاكرة الأمة وشعورها.

ومن هذه المعطياتتبلورت لدى (الاشوريين) الفهم القومي للأمة ليشكل لهم محورا لبناء تطلعاتهم للخروجمن الأزمات التي كانت تعصف بهم في القرن التاسع عشر في (العراق) و(سوريا) و(لبنان)و(تركيا) و(إيران)؛ ليجدوا من مقومات الفكر القومي في (اللغة) و(التاريخ) منطلقا يؤسسلتحقيق وحدة الأمة (الاشورية) وصون هويتها ليتم صياغة المشروع النهضوي للأمة (الاشورية)؛عبر تجمع طاقات وإمكانات الأمة وجعلها قادرة على مواجهة أعداء الأمة ودرء الأخطارالمحدقة بها والتصدي لاستغلالها وسلب قرارها السيادي؛ لان القوى المعادية للأمةكانت تشن حملات عدائية شرسة ضد (الفكر القومي الاشوري) لتجزئة الأمة وتشتيتهاوتحويلها إلى كيانات هزيلة غير قادرة على القيام بمهامها القومي والوطني التي تخدممصالح الأمة، وعليه نؤكد على ضرورة النضال الوحدوي للأمة (الاشورية) ومقاومةالعوامل السلبية التي تحول دون استنهاض الأمة وحشد كل طاقاتها لمواجهة مشاريعأعداء الأمة وسياساتهم ومخططاتهم التي تستهدفها في استقلالها ووحدتها والتي تحاولبشتى الوسائل تشتيتهم في بلاد المهجر.

 ومن هنا يأتي أهمية ودور النضال والإرادةالجماعية لجماهير الأمة المؤمنة بأمتها (الاشورية) ومن اجل الخلاص من الواقعالمرير السائد في مجتمعنا (الاشوري) عبر تحقيق أهداف الأمة في الحرية وحق تقريرالمصير بما يحفظ أمنها وحريتها وكرامتها واسترداد حقوقها المسلوب من أرضها في بلاد(وادي الرافدين) والحفاظ على قرارها السيادي وحقهم بالحرية والحياة الكريمة.

ومن هنا لابد منالعمل لإحياء الشعور القومي بين أبناء الأمة (الاشورية) وإعادة اعتباره كعاملالأهم من عوامل ومقومات القومية وهي (اللغة) و(التاريخ)، ومن هنا يأتي دورالمفكرين الأمة وأساتذتهم ومدرسيهم والأدباء والإعلاميين لبث روح التوعية في المدارسالقومية لدراسة التاريخ الأمة (الاشورية) وحضارتها العرقية ولغتها بقراءة معاصرةلإعادة بعثها من جديد برسالتها الحضارية وبقيمتها الإنسانية التي اتسمت بها الأمة (الاشورية)منذ فجر التاريخ والى يومنا هذا؛ والعلاقة البينية التي حققتها لتنوير واغناءالثقافة الإنسانية بكافة فروعها؛ ولهذا تعرضت الأمة (الاشورية) لأبشع أشكالالمؤامرات بغية الحيلولة دون استفاقتها ونهضتها، ولذلك تتابعت المؤامرات عليها منمذابح وتهجير واستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم منذ القرن التاسع العشر والى يومناهذا، وعملوا الأعداء بكل ما أتى لهم من قوة إلى تفكيك الأمة (الاشورية) وشرذمتهاوإضعافها؛ وعلى الرغم من المآسي التي مرت على أبناء الأمة (الاشورية) عبر التاريخإلا أنهم بقوا ملتزمين ومتعلقين بعاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم ولغتهم وبأصولهمالتربوية والثقافية؛ فحافظوا عليها جيلا بعد جيل ليأتي القومين (الاشوريين) منأمثال (نعوم فائق) و(اشور يوسف) و(فريدون آتورايا) و(فريد نزها) و(بنيامينارسانيس) و(بشار حلمي بوراجي) و(الأب لويس شيخو) و(مار شمعون بنيامين) و(يوخناموشي) و(شموئيل بادل) و(شليمون دسالامس) و( يوئيل وردا) و(سنحاريب بالي) و(ابراهيمصوما) و(بنيامين ارسانيس) و(بولص انويا) وغيرهم من رواد الفكر القومي (الاشوري)والإعلامي من الذين واصلوا مسيرة أبنائهم ومن الذين سبقوهم مسيرة النضال والكفاح عبرحركاتهم النضالية وتصدوا للأعداء بكل ما أتيح لهم من قوة ومن نضال واستشهاد وواصلوامسيرة الكفاح تحت كل الظروف ومن خلال نضالهم للعمل القومي والسعي من اجل التحرير والتحررالحقيقي من تسلط الأعداء والصمود في وجوههم المدعومة من قبل الامبريالية العالمية؛لذلك فان هذا الصمود وإرادة التحدي هي من مقومات النصر الدائم عبر الاعتزازبالانتماء القومي الذي ينجم دائما عن فهم الأجيال لتاريخ أمتهم ولغتهم والشعوربالفخر الذي ينتابهم عند معرفة الانجازات الحضارية والإنسانية التي قدمتها للبشريةهذه الأمة، إذ أن جميع مظاهر الحياة تبدو في هذه الحضارة (الحضارة الاشورية) مناللغة والشرائع والأنظمة والفنون والآداب التي تبدوا كتجليات لعبقرية هذه الأمة، ليأتيالفكر القومي ليعمق هذا الفهم عند أبناء الأمة، لان القوميون (الاشوريين) أناسيؤمنون بجدلية الدايلكتيك ويعتبرون أن الحرية والإنسانية تتلازمان، وعلى تلازمهماتقوم القيم الأخلاقية عند أبناء الآمة (الاشورية) الذين يلتزمون بها كل الالتزام لأنهالالتزام الحضاري يبعث الحياة الجديدة في الأمة يفجر إمكانياتها على كل المستوياتالحياة.

ومن هنا لا بد منتوعية أبناء الأمة والمجتمع (الاشوري) والتركيز على تعزيز عوامل تقوية الذاتالقومية؛ لان لا مستقبل للأمة بدون تعزيزها وإنمائها في النفوس إلى درجة الاعتزاز؛لان الانتماء الحقيقي للأمة (الاشورية) هو التزام قومي لا مر منه؛ ولا يستطيع الفردأن يخرج من هويته القومية لأن القومية ليست كهوية فكرية أو دينية يستطيع خروج منهاوالتحول في أي وقت يشاء المرء؛ وهذا الخروج لا ينفي بانتمائهم القومي ضمن أبناءأقوامهم وجذورهم وأصولهم؛ ومن هذه الحقيقية يجب تأهيل الأجيال الناشئة وإعدادهم فكرياوسلوكيا لأن مستقبل الأمة (الاشورية) مرهون بالأجيال القادمة ليقفوا في وجهالمؤامرة وهم مؤهلين نفسيا وسلوكيا بقيم الفكر القومي (الاشوري) .


فؤاد الكنجي


التعليقات




5000