هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نحن والآخر: من الفرقة إلى التّوحد (حالة العراق نموذجا )

د. صالح هويدي

"ينبغي لنا أن لا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بخس الحق، ولا تصغيرٌ بقائله ولا بالآتي به؛ ولا أحد بخس بالحق، بل كل يشرفه الحق".

الكندي

حضارة العراق القديم:

ستعنى هذه المقاربة بموضوعة علاقتنا بالآخر، من خلال موضوعة الوحدة والتنوع، منطلقة من واقع التجربة الحضارية لبلاد الرافدين. فلقد ظهرت في أرض الرافدين، مهبط النبوات وبدء أول شعلة للحضارة عرفتها البشرية، أولى المدن في العالم: أريدو، أور، الوركاء، وأولى المدارس، حين ابتكر السومريون الكتابة ونشروها في حدود 3200 ق. م وعرفوا الزراعة والتخطيط للسيطرة على الفيضانات وإنشاء السدود والحفر والجداول والقنوات التي غدت شبكاتها واحدة من معجزات الري، منذ الألف الخامس قبل الميلاد."1"

لقد جسدت حضارة العراق أجناسه وأعراقه التي عاشت في كنفه، فكان تعددها وتنوعها عامل قوة وإغناء وتقدم، إذ حكمها السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون والكلدانيون، فخلفوا لنا من المعارف البشرية منجزات ضخمة في علم الفلك الرياضي والكيمياء والتاريخ والجغرافية والرياضيات والطب والتنجيم والأمثال والفلسفة وأدب الرحلات والزراعة والصناعة اليدوية والعمران وتشييد المعابد الفخمة والمعادلات الجبرية الأساسية بأنواعها، فضلا عن الآداب والفنون وغيرها من المعارف.

---------------------

* ورقة بحث مقدمة لفعاليات منتدى عجمان الثقافية، للفترة من 26-27 نوفمبر 2007، بعنوان" نحن والآخر: من التنابذ إلى التفاعل الخلاق: "حالة العراق نموذجا".

ولعله لا ينبغي لنا ونحن نشير تلميحا إلى منجزات الحضارة العراقية أن نغفل

 التنويه بأولى الشرائع المدونة في العالم، ونعني بها شريعة حمورابي بقوانينها المدنية والأحوال الشخصية والجزائية التي دونت بأسلوب علمي وبلغة قانونية دقيقة."2"

بواعث التعدد:

إن اتسام مجتمع أو دولة ما كالعراق، بتعدد أديانه وطوائفه وأعراقه وقومياته الإثنية، إنما يعود إلى الغنى الذاتي للبلد وامتلاك أرضه موارد وثروات ومصادر كانت على الدوام عوامل جذب للناس الذين وجدوا فيه أرضا مفتوحة وفيرة الخيرات، غنية الموارد، خلافا للبلدان والمجتمعات الطاردة الأخرى. وهذا هو ما يفسر لنا سر التنوع السكاني لهذه البلاد. فلقد انطوت أرض وادي الرافدين على تنوع جغرافي باهر؛ من جبال وهضاب وتلال وسهول وأنهار ووديان وبحيرات، شكلت المعالم الرئيسة لتربته،"3" إلى جانب غناه بالثروات المعدنية، من نفط وغاز وكبريت وفوسفات ومعادن أُخر لم تتح للدولة فرصة الكشف عنها بعد.

لقد قدر للعراق أن يحقق نهضته الحضارية وأن يكون مركز إشعاع، يتجاوز حدوده إلى سائر أمم الأرض وشعوبها، حين ارتضت أعراقه  وقومياته وطوائفه، بمختلف أطيافها وأشكالها، الانصهار في بوتقة الوطن الواحد والثقافة الموحدة، من دون أن يتاح لمعطى ما أن يكون على حساب سائر المعطيات المشاركة.

ولا ريب في أن ذلك لم يكن ليتحقق لولا وجود قيادة قوية تمتلك إرادة وطنية حرة وحكمة راجحة، نجحت في إشاعة قيم العدل والرخاء، خلافا لما قادت إليه السياسات المعاصرة، من تغليب للمعطيات الجزئية واستبداد وتغييب للعدل الذي لم ينتج سوى كوارث وانهيارات وتفكك للنسيج الاجتماعي المتلاحم.

إن عدم إدراك هذه الحقيقة أو الاعتراف بها كان وراء دفع العراق ثمنا باهظا، من دماء أبنائه وأرواحهم وممتلكاتهم وحاضرهم ومستقبلهم جميعا، عبر نزيف لم يزل مستمرا منذ ما يزيد على أربع سنوات ونصف السنة. في وقت لم يعرف العراق على امتداد تاريخه الطويل حالة الاستقطاب والتطرف الفئوي والطائفي والقومي الغريب. كما أن غياب هذا الدرس هو الذي يجعل جهود العالم ونبضات قلوب العرب تترقب بحذر وأسى ما يمكن أن يسفر عنه وضع لبنان في حل معضلة اختيار رئيس للدولة، فما أبهظه من ثمن وأمره من درس!

إن علينا أن نتوقف عند مشكلة ما حدث في العراق، لمعرفة ما إذا كان يشكل حدثا استثنائيا يخص دولة في ظروف خاصة وتكوين محدد أم أنه جزء من قانون عام، يمكن أن ينتج أحداثا مماثلة في أي قطر عربي آخر؟

وعلى الرغم من صحة القول إن للمتغيرات السياسية وطبيعة التركيبة السياسية أثرا واضحا وسببا أساسيا في ما نتج من اضطرابات واحتراب ومظاهر عنف وقتل وتدمير، فإننا نميل إلى الذهاب إلى أبعد من ذلك، بالانتقال من هذه الأسباب الظاهرية إلى مصادرها الأولى وحاضنتها الأساس.

وفي ظننا أن طبيعة السياسات السابقة للعراق، وهي سياسات افتقرت إلى تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية، وفشلت من ثم في تعميق مفهوم المواطنة في نفوس أبناء المجتمع وتعزيز مفهوم الوطن، بعد أن جعلت الولاء للتنظيمات الحزبية وللمشاعر العرقية والإقليمية وللأشخاص مقدماً على ما سواه، وفوق كل اعتبار، تماماً   مثلما فشلت في وضع حد للأمية الألفبائية والارتقاء بالثقافة عن مستواها السياسي(الحزبي). إن هذه السياسات أسهمت في تعزيز الثقافة الجهوية والفئوية، بمختلف أشكالها: الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية، مع تفاقم نزعة الاستعداء والثأرية، بعد أن أضعفت عبر تاريخها الطويل الإيمان بوحدة الثقافة الوطنية. إنها ببساطة سياسات وضعت الإنسان في آخر سلم اهتماماتها، وأهملت التنمية الإنسانية والتنمية الثقافية الحقة. ولعل هذا ما يفسر لنا لجوء التجربة السياسية الجديدة إلى تملق أصوات الجماهير المغيبة البسيطة التي همشتها السياسات وأفقرت وعيها من المحتوى الثقافي والوعي النقدي القائم على مرتكزات إبستمولوجية لا أيديولوجية، فضلا عن إفقارها روحها من القيم المبدئية.

إن ما حدث في العراق يجد له ما يشبهه بشكل أو بآخر في تجارب أُخر مماثلة، في الجزائر والسودان ولبنان إلى حد ما، بل وفي أي قطر عربي آخر يمكن أن يشهد - لا سمح الله- ظروفا ومتغيرات سياسية وثقافية واجتماعية مماثلة كالتي شهدها المجتمع العراقي.

ازدهار الداخل .. قوة الخارج:

إن في تاريخ العراق القديم، كما في تاريخ الأمم والشعوب الأخرى، شواهد شاخصة على أن انكساراته العسكرية أمام الأطماع الأجنبية، وتعرضه للغزو والاحتلال والتشرذم، لم يتحقق إلا في ظل وجود حكام ضعاف وتدهور لأوضاع البلد وسيادة للنعرات الإثنية الضيقة. ففي عام 539 ق. م، تمكن (كورش)؛ ملك بلاد فارس، بمساعدة الأجانب أول مرة من غزو مدينة بابل وإسقاط إمبراطوريتها العظيمة، بعد أن حانت له فرصة لذلك، في ظل حكم ملوك ضعاف اعتلوا عرش الحكم، ولم يكن لهم إسهام يذكر في مسيرة الدولة الحضارية، ولم يهتموا بوحدة الشعب ومصالحه. كما كان الاضطراب الذي شهدته البلاد أواخر الحكم الأكدي، عقب حكم (نرام- سين)،  من جراء تولي الحكام الضعاف، سببا في غزو (الكوتيين) الأجانب للمملكة."4"

وقد تكرر الأمر نفسه في أواخر العصر البابلي، حين قاد ضعف الحكام واضطراب أحوال الدولة وتفشي روح الفرقة، إلى غزو البلاد من قبل (الكشيين) الذين وفدوا من جهة الشمال الشرقي للبلاد."5"

في مقابل ذلك استطاع حمورابي، القائد السياسي البابلي والمصلح والمشرع أن يصد (العيلاميين) الدخلاء في حرب ضروس وأن يقضي عليهم قضاء مبرما، في وقت كانت البلاد فيه تشهد ازدهارا ووحدة وتقدما حضاريا، مصحوبا بقيم العدل. كما استطاع سرجون الثاني، الملك الآشوري القضاء على التحالف القائم بين الفراعنة ودويلات فلسطين وسوريا ودحر قواتهم وفرار قائدهم الفرعوني، مستندا إلى وحدة شعبه وتقدم مجتمعه.

ولعل واقعة إسقاط الملك البابلي نبوخذ نصر مدينة أورشليم عام 596 ق.م في حملته إثر إعلانها العصيان مع الدويلات الشامية المدعومة من الفراعنة، مرتين، ووصول الملك البابلي في المرة الثانية إلى المدينة وإحراقه هيكلها ووضع حد لمملكتها أورشليم، دليلا آخر يعزز ما نذهب إليه. "6"

والحق فإن تساوق كل من النهضة والتدهور لأية دولة مع طبيعة العلاقة القائمة بين ثقافتها العامة وخصوصياتها المحلية، يمكن متابعته في مسيرة التاريخ العربي والإفادة منه في صياغة مشروعنا لثقافة المستقبل. فلقد كانت الفرق والمذاهب التي نشأت لمواجهة مشكلات الواقع عامل خصب وإغناء للفقه الإسلامي الذي يعد أعظم ما أنجزه الفكر الإسلامي. ولم تأخذ تلك الفرق والمدارس أشكالا منغلقة ومظاهر متطرفة وأدوارا تخريبية إلا في عصور التشرذم والانغلاق وغياب العدل وهيمنة الظروف الخانقة والأزمات السياسية والاقتصادية والفكرية. يؤكد هذا أننا سرعان ما نلمس تقلص خلافاتها وتقارب آرائها في عهود الازدهار والاستقرار."7"

لنلحظ أيضا أن بدء الحملات الصليبية لم يحدث إلا في الربع الأخير من القرن الحادي عشر، في وقت شهد فيه العالم الإسلامي حالة من الانقسام والفرقة والتمزق، مثلما دخل الفكر العربي مرحلة من الجمود والشلل إثر سقوط دولة بني العباس وإمارات الأندلس، وخضوع المنطقة العربية للدولة العثمانية في بداية القرن السادس عشر.

جدل الخاص والعام:

إن التعدد والتنوع في الاتجاهات والعقائد والملل والمذاهب والفرق والإثنيات من شأنه أن يخلق حالة من التمايز والمغايرة التي تتيح فرصا ذهبية لضروب من المقاربات المختلفة والتفسيرات المتنوعة والاجتهادات المتعددة والتأويلات التي تستولد الجديد الخصب المبتكر، متجاوزة هيمنة الأطر الجاهزة والصيغ التقليدية والنماذج المسبقة. "8"

لكن هذا التعدد ينتقل من كونه عامل تنوع مثمر وغنى إلى عامل إضرار وأداة زعزعة وإضعاف إن هو لم يصب ضمن إطار قاسم ثقافي مشترك، ليعزز الهوية المركزية ويصهر التمايز والتعدد في إطار الوحدة الشاملة الكلية. "9"

ولما كان التعدد الداخلي في حقيقته جزءا من التعدد الخارجي أو صورة أو امتدادا له، فإن خروج هذا التعدد من دائرة النسق المتناغم والاستعلاء على مكوناته، من شأنه أن يجعل من الخارج عامل استقواء على الداخل الموحد وتهديد له بالتقويض والفوضى، وهنا تكمن مخاطر الفرقة وأضرار التشرذم.

ولعل من مخاطر زعزعة الكيان الداخلي للمجتمع أو الدولة أن أية دولة تفشل في صهر مكوناتها الداخلية ضمن نسق ثقافتها الكلية، لن تكون قادرة على التعامل مع العالم الخارجي الذي سيمثل لها تحديا آخر من تحديات التعددية التي فشلت في التعامل معها. فالقبول بالتعددية والاعتراف بها يقتضي اعترافا بوجود آخر مفارق لنا، وإيمانا بثقافة الخروج من سجن الذات.

لكن تحقيق التضامن الثقافي وصهر مكونات الثقافة الواحدة لن يتأتى له أن يتحقق بإصدار مراسيم أو فرمانات من أعلى السلطة أو بالإكراهات التي جربتها دول في الشرق والغرب ولم تجن منها سوى الخسارة والفشل والويلات، بل يتم بالمصالحة الداخلية والتعايش والاعتراف بخصوصية الأطياف واحترامها وإشاعة مقومات العدل والتسامح بين تياراتها المختلفة، ضمن رؤية إستراتيجية متكاملة لتحقيق مشروعها النهضوي. إن ذلك وحده ما يضمن تماسك البناء الداخلي ووحدته الوطنية بوجه مختلف التحديات الخارجية التي يمكن أن تتعرض لها الثقافة الوطنية، ومنها تحديات العولمة التي تفرض نفسها اليوم على عالمنا المعاصر. وهو تحد لا يعدم معطيات إيجابية ينبغي لنا استثمارها، فليست العولمة كلها شراً.

مساءلة الذات:

إن علينا عربا أن نعترف بأننا نخشى الانفتاح على الآخر ونعيش عقدة الخوف من التفاعل معه ومحاورته، ونبالغ في تصويره وهو يتربص بنا ويتآمر علينا للحيلولة دون تقدمنا وتحقيق نهضتنا المنشودة، في وقت لم نتصالح فيه مع ذاتنا لإنجاز وعي علمي بتاريخنا. وهي عقدة خوف تلازمنا منذ قرون تدهور مسيرة حضارتنا وانسحابنا من الإسهام الفاعل في الحضارة العالمية.

إن الأمم العريقة لا تدفن رأسها عن الحقائق الموضوعية ولا تعادي الرأي الآخر، بل تسعى إليه وتحاوره، ففي حوارها معه كسب لها وإغناء لنسقها واكتشاف لخصوصيتها عبر هذا التحاور. فليس الآخر هو الأجنبي البعيد عنا، المفارق لرؤيتنا، بل هو البعد الآخر القار فينا والذي لا نستطيع بدونه امتحان رؤيتنا. إنه شرط اكتمال وعينا بذاتنا، عبر مرآته. فكيف يمكن لنا فهم الآخر من دونما محاورة؟ وكيف يمكننا امتحان رؤيتنا من دون سماع الرأي الآخر بها ورؤيتها من زاوية مختلفة؟ "9"

لقد كان الحوار عماد الرسالات السماوية ومنطلقها الأساس للوصول إلى المجتمع المنشود: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا."10" آية ، بل إن وراء اختلاف البشر، أفرادا وشعوبا وأمما وحضارات حكمة أرادها الله وبشر بها كي تتجلى رسالته في خلقه، وليكشفوا هم في المقابل عن مظاهر رقيهم وسمو أفعالهم: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم."11"

ولم يكتف القرآن الكريم بتوكيد أهمية الحوار في حياة البشرية، بل راح يوصي باتخاذ أكثره جدوى ونجاعة: "وجادلهم بالتي هي أحسن.." "12"، كاشفا عن أن النتيجة الطبيعية للتنكب عن لغة الحوار ستكون مزيدا من العنف والكراهية والفشل والدمار: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.""13"

لكن هذا الحوار لا يمكن أن يؤتي أكله ما لم ينهض على إيمان حقيقي به، وتنشئة اجتماعية وثقافية عليه، انطلاقا من شعور المنخرطين فيه بالنديّة واحترام كل منهما للآخر، بعيدا عن الممارسات المنطلقة من عقدتي التفوق أو الشعور بالنقص؛ لأنه في هذه الحالة لن ينتج سوى إملاءات وألوان من التبعية. إن علينا اليوم أن نؤمن أنه ليس بين البشر أو الأمم والشعوب من يحق له ادعاء امتلاك الحقيقة وحده أو تنصيب نفسه وصيا على الآخرين، فالحقيقة التي يسعى البشر إليها ليس لها وطن أو لغة أو زمان محدد، وأن ما ننعم به من خير ورفاهية إنما هو محصلة لجهد بشري مشترك، تضافرت فيه إمكانات الأمم والشعوب جميعا على سبيل تتميم الفائدة واستكمال اللاحق ما بدأه السابق، تبعا لسنة الزمان، كما يقول فيلسوف العرب الكبير، الكندي:

"فحسن بنا- إذا كنا حراصا على تتميم نوعنا، إذ الحق في ذلك- أن نلزم في كتابنا هذا عاداتنا في جميع موضوعاتنا من إحضار ما قال القدماء في ذلك قولا تاما، على أقصد سبله وأسهلها سلوكاً على أبناء هذه السبيل، وتتميم ما لم يقولوا فيه قولاً تاماً، على مجرى عادة اللسان وسنة الزمان"."14"

وليس عبثاً أن العصر الذهبي للحضارة العربية الذي نهض على تراث علمي تجريبي قد شهد انفتاحه الرحب والإيجابي على الآخر، حواراً وتلاقحاً وترجمة للفكر والفلسفة والعلوم، في حين شهدت عصور التخلف والتدهور حالات من التوتر واتهام الآخر بتهم الغزو الفكري وبالتخطيط للنيل منا والتآمر على هويتنا، وبضرورة تحصين ذواتنا من هذه المخاطر، بالتقوقع داخل ثقافتنا والاعتصام بقناعاتنا ورؤيتنا، في وقت تتفكك فيه كل يوم كثير من البنى والأنساق أمام أعيننا"15" ، وتتبدل صورتنا وصورة العالم من حولنا في كل ساعة وحين، من دون أن تنجح وسائلنا التقليدية في منع اقتحام الثقافة العالمية لنا أو في إيقاف احتياجنا لمعطياتها التقنية أو العقلية أو المنهجية.

إن كثيرا من هذه المبالغات والأوهام لا تعدو كونها حيلاً سيكولوجية أو ضرباً من ضروب الميكانيزم الدفاعي عن الذات المقهورة، إذ تلتجئ الذات، زمن زحف نموذج حضاري متقدم على نموذج آخر، إلى الاحتماء بالماضي وتمجيده طالما ظل الخطر الخارجي قائماً ومهدداً إياها، في وقت تغيب هذه الآلية ولا نراها زمن التقدم الحضاري. "16"

والحق فلقد آن الأوان للتحرر من كثير من الأوهام التي لما تزل تتلبسنا، ومنها مجابهتنا ما لا يسرنا أو يتفق مع رغباتنا وآرائنا، إذ لا ينبغي مجابهة الآخر المفارق لنا بنفيه، بل بمقاربته وتحليله وتفكيك صورته، بهدف فهمه واتخاذ موقف نقدي منه. فلم يعد اليوم ثمة مكان آمن أو ثقافة منعزلة أو عقيدة محصّنة، بعد أن تقلص العالم إلى حدود القرية الصغيرة والحقيقة إلى رمز رقمي ورسائل وصور عابرة للحدود والقارات."17"، بل بعد أن لم يعد فضاؤنا الثقافي ملكنا تماماً."18"

إن علينا اليوم أن نواجه مشكلاتنا بصراحة ومسؤولية وجرأة وأن ننظر إلى أمتنا بوصفها واحدة من هذه الأمم، لا بوصفها أفضل الأمم. فمقياس الأفضلية إنما يكون حيث يكون للأمة إسهامها الفاعل وتأثيرها الواضح في ركب المسيرة الحضارية للبشرية."19"، كما أن علينا أن نؤمن بمتغيرات الزمان والمكان وبنسبية الحقائق ومتغيرات العصر والفكر. فليس كل ما في تراثنا قابلا للحياة والاستمرار، وأن علينا أن نتخلص من كل ما يعوق مسيرتنا ويحول دون تقدمنا، من أفكار وثقافات وأعراف، بالوقوف موقفاً نقدياً من مرجعية الماضي الآسر، تماماً مثلما نقف موقفاً نقدياً من مرجعية الآخر.

لقد فشلت المشاريع التي أرادت أن تستبدل مرجعية الغرب المعاصر بمرجعيتنا التراثية، استبدالاً آلياً، للانتظام بمرجعية الأخر والتماهي بهويته، لسبب واضح بسيط هو أن هذه الآلية لن تجلب سوى التغريب والانسلاخ،"20"، مثلما فشلت مشاريع الاعتصام بسجن الذات والتعلق بوهم الهوية الصافية السرمدية، لتنتهي إلى لون من الغربة وإلى حالة من الانسلاخ عن لحظة الحاضر المعيش.

الطريق إلى المستقبل:

إن امتلاك مناهج العلم والسعي نحو فهم لغة العصر ومعارفه والتسلح بها، مع الوقوف من كل من مرجعيتي الأنا والآخر موقفاً نقدياً، للخروج برؤية عقلية، هو الطريق الوحيد لتجاوز أزمتنا وتحقيق مشروعنا  النهضوي الحضاري.

لكن ذلك لا يمكن له أن يتحقق من دون الإعداد المتكامل له، من قبل حكوماتنا ومؤسساتنا الرسمية والمدنية، عن طريق تهيئة المناخ الملائم لإنجاز البحوث، ودعم العلم والعلماء ومحو الأمية والإعلاء من سوية الثقافة، وإشاعة قيم الحرية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإلغاء النظرة الدونية للمرأة، وإنصافها في حقوقها، ومغادرة أسر التفكير النمطي والرؤية الأيديولوجية إلى فضاء النقد والاجتهاد الإبستمولوجي، لإعادة إنتاج ما نراه خليقاً بالبقاء.

إننا لا ننكر بهذا تلك التحديات التي يفرضها واقع التقدم الحضاري والعلمي للآخر، في ظل حالة التقهقر والانسحاب الحضاري التي نعيشها. كما لا ننكر رغبة بعض القوى الكبرى في تحقيق أهدافها خارج إطارها أحياناً، واستثمار موارد الشعوب المتخلفة وثروات الدول التي لم تحسن استثمارها بعد. ولا ريب في أن في بعض التحديات الخارجية للآخر محمولاً أيديولوجياً أو توجهات سياسية بعيدة عن معطيات العلم، مثل أطروحة نهاية التاريخ لهنتنجتون وصراع الحضارات لفوكوياما، وهي تحديات تلقي بظلالها على صيرورة إدراكنا لتاريخنا ووعينا بتراثنا، فضلاً عما يمكن أن تسببه من إذكاء لحدة الخلاف المنهجي بين الباحثين والانحراف به إلى حالة من التمذهب الأيديولوجي والتقوقع داخل أحبولة الماضي التليد، لكننا نجد أن من الأولى أن يكون هذا الوضع غير الطبيعي للأمة منطلقاً للوقوف مع النفس وقفة نقد ومساءلة أكثر منه موقفا لتأنيب الآخر ولومه واتهامه وحده. فمما يؤسف له أننا لم ننجز بعد رؤية منهجية متسقة لتراثنا تنأى بنا عن الفرقة والاختلاف، وتتجه بنا صوب وعيه بوصفه بنية كلية تحكمه شروط ومعطيات موضوعية وليس محض أمشاج وحوادث مستقلة أو نزاعات جهوية. لذا فإن بنا حاجة ماسة لإعادة(بَنْيَنة) التراث وجعله معطى مستقلاً عن ذواتنا، لا علاقة له بأهوائنا وما نرغب فيه ونتمنى، بل بأناسه الذين أنتجوه وبحاجاتهم ومصالحهم، والتأسيس من ثم على كل ما يصلح منه ويبقى، من منطلق مصالحنا الراهنة وحاضرنا والتحديات التي تحيط بنا. كما أن الوقوف بوجه الحداثة المعاصرة على إطلاقها وعدها شراً محضاً ونقيضا للتراث والهوية لا يعكس فهما حريا بالنظر أو بالتقييم، فثمة جدل دائم بين ثقافات الشعوب، يكسبها وعياً إضافياً بما في تراثاتها من خصوصية وقيم وأفكار، عن طريق استخدامها المناهج الحديثة والمفاهيم والنظريات العلمية،"21"، فضلاً عن أنه يساعدها على طرح أسئلة جديدة ويقودها إلى تجاوز إشكالاتها والحصول على أجوبة ليس لها عهد بها.

ولا ريب في أن تحقيق حالة الانسجام في ما بيننا وبين ثقافة العصر والانخراط الفاعل فيها، فضلاً عن كونه مطلباً قومياً وحضارياً، فإنه يمثل فرضاً شرعياً، يتطلب السعي الحثيث لاتخاذ الخطوات اللازمة التي ألمحنا إليها من قبل، من تهيئة المناخ اللازم لذلك وعوامل الاستنبات الملائمة، وعلى رأسها إصلاح النظام التربوي والتعليمي الأبوي، القائم على التعليم البنكي وضعف الوعي النقدي وعدم الاحتفاء بالرأي الآخر، إلى جانب إرساء قاعدة بنية تحتية علمية وثقافية عربية مشتركة تشكل ورشة للإنتاج الفكري والعلمي وبيئة لجذب الكفاءات المهاجرة والمغيبة، بدلا من استمرارها في وظيفتها الحالية كبيئة طاردة، تقدم للثقافات الأخرى العقول والكفاءات التي لا تجد لها فرصاً لتحقيق ذواتها وطموحاتها الكبرى."22"

وبدون موقف التصالح والتواصل والتسامح مع الأنا(الداخلي) أولاً ومع الآخر (الخارجي) ثانيا، وبلورة رؤية علمية إزاء مرجعيته، للتعامل مع لحظة العولمة التي تغذ السير بخطى حثيثة، فإننا لن نلحق بقطار الحضارة السريع، وسيفوت علينا اكتشاف أنفسنا والآخر في عصر دائم التبدل والتغير، توقع ج. ليوتار لحروبه المستقبلية في حال نشوبها، أن يكون الصراع فيها هذه المرة على المعلومات وليس على المستعمرات أو الأسواق، كما هو الحال في الماضي القريب.

إن البديل عن الحوار والتفاعل بين أمم العالم وشعوبه اليوم لن يكون سوى استمرار لمظاهر العنف والاستعلاء والتمركز حول الذات، ولموجات العداء والكراهية والتطرف وألوان القطيعة والدمار.

الإحالات:

1.    ينظر http://www.almawsem.net

2.    ينظر http://www.aljazeera.net/

 والمصدر نفسه http://www.almawsem.net

3.    المصدر نفسه.

4.    ينظر http://www.aljazeera.net، مصدر سابق.

5.    المصدر نفسه.

6.   ينظر التراث وثقافة المستقبل: محمود إسماعيل، مستقبل الثقافة العربية، سلسلة أبحاث المؤتمرات(2)، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1997، 194.

7.        ينظر الثقافة، الوسائط، السوق: علي حرب، المصدر نفسه، 336.

8.    ينظر التراث وثقافة المستقبل، مرجع سابق، 193.

9.    ينظر، مستقبل الثقافة العربية بين قوسين: عبد الحميد إبراهيم، المصدر نفسه، 708.

10.  سورة هود، آية 118- 119.

11.   سورة النحل، آية 125.

12.  سورة الأنفال، آية 46.

13. رسائل الكندي الفلسفية: الكندي، حققها وأخرجها محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، مصر، 1/ 103.

14.   ينظر، دور العلم في تأسيس ثقافة المستقبل: أحمد عباس صالح، مرجع سابق، 649.

15.  يصدر الجابري عن هذه النظرة في أكثر من كتاب له.

16. ينظر، الثقافة، الوسائط، السوق: مرجع سابق، 349.

17.   ينظر، العولمة ومصير الثقافات القومية: برهان غليون، المصدر نفسه، 386.

18.  ينظر، نحو إطار معرفي جديد للثقافة العربية: تركي الحمد، المصدر نفسه، 53.

19. ينظر،  سؤال المستقبل في الثقافة العربية: جورج طرابيشي، المصدر نفسه، 661.

20.   ينظر، المصدر نفسه، 663.

21.    ينظر، العولمة ومصير الثقافات القومية، مصدر سابق، 387. 

 

د. صالح هويدي


التعليقات

الاسم: د. صالح هويدي
التاريخ: 2012-02-29 06:23:52
أشكرك أخي الأستاذ ماهر قاصاً مجتهداً ودؤؤبا، وأشكر لك كلماتك التي تصدر عن قلب محب، آمل أن أكون في مستوى ما عبرت عنه
تقبل أطيب الأمنيات
صالح هويدي

الاسم: ماهر نصرت
التاريخ: 2012-02-06 19:01:39
يزيدنا فخراً أن يكون لدينا كاتباً ومفكراً وأديباً كشخص الأستاذ صالح هويدي فأسلوبه الممتع يجعل القارىء أسير سطوره التي تخرج لنا بجديد دائم وشوق لاينضب .

وفقك الله .. ولك منا الف تحية أيها المخلص الفاضل .

الاسم: صالح هويدي
التاريخ: 2011-08-13 15:51:52
أشكرك أخي الأستاذ ضياء على مشاعرك وحسن ظنك، متمنياً أن ينتبه السياسيون إلى ما فاتهم وما فوتوه على العراق من فرص، والمثقفون إلى ما يمكن أن يكون لهم من دور حيال ما يجري وما ينبغي أن يكون
مع المحبة
صالح هويدي

الاسم: ضياء
التاريخ: 2009-10-17 20:35:40
الاستاذ الدكتور صالح المحترم
أسعتدني كلماتكم وتحليلاتكم الدقيقة وتشخيصكم للكثير من مشاكل الوطن والأفات التي تلم به والمت به سابقا. وما ابديته من حلول انما هي العلاج الناجع لكل واحدة من تلك الامراض التي تضرب في نفوس الكثيرين من ضعفاء العقول ومتخلفي عصر التقنيات والذين قدر لهم ان يكونوا ظواهر عامة.بوركت جهودكم يا أخي العزيز ودمتم

الاسم: د. صالح هويدي
التاريخ: 2009-10-15 05:05:12
أخي وصديقي العزيز الدكتور خليل
سعدت أيما سعادة أن أرى كلماتك التي عرفت بها وتحليلاتك التاريخية الموضوعية، وزادني سعادة أنني أطمأننت عليك. شكري متصل لك أخي الكريم، آملاً في ألا تحرمنا من أخبارك وأبحاثك
صالح هويدي

الاسم: دكتور خليل شاكر حسين الزبيدي
التاريخ: 2009-10-04 09:47:05
الصديق الحبيب دكتور صالح هويدي
ومرة اخرى نلتقي عبر الانترنيت نطوي المسافات عبر الاثير لنحاكي قصة الغربة المفروضة علينا يوم كنا سوية في كلية التربية بجامعة المستنصرية,فاليك ياالحبيب شوق لايحده بحر ولا جبل.




5000