.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مسرحيَّة: منبِّه لأجلِ إليزا

فاطمة حفيظ

كلمة لا بدَّ منهَا  

طالمَا كانَ كلٌّ منَّا يخلو إلى نفسهِ ليفكِّرَ في طبيعةِ القيمِ التِّي استهلكهَا الإنسان منذُ الأزل ويُحاكيِ  طبيعتهَا الحقيقيَّة وفقًا للزَّمن، قدْ تموتُ القيم بداخلِ الإنسان لوهلةٍ وقدْ تعيشُ بداخلهِ تاريخيًّا  مثلَ مادَّةٍ داكنة وكامنة  لأجلِ ابتكار عالمٍ  جديد، ، منْ كانَ يظنُّ لمرَّة واحدة  أنَّ " الأمل" تلكَ القيمة التَّي تتسيّد الكون وتثير النَّفس الإنسانيَّة ضدَّ الأدواتْ الحقيقة التِّي يمتلكهَا العقل لفهم واقعهِ. من خلال هذا العمل المسرحيّ المتواضع، يرتفعُ صوتُ العقل الإنساني لمواجهةِ الإنسان المفرط ِ في أملهِ، ذلكَ الكائن الذّي تكثُرُ ظنونهُ بأنَّ مغالاتهُ في الإزهار بالأملِ قدْ تجعلهُ بعيدًا عن إدارةِ  تحوُّلاته. فهل يمكن للأملِ أن يستعبدَ الإنسان كمَا تفعلُ عاداتٌ أخرى مقيتة مثلَ الكذب؟ 

بلا شك، كانَ الأمل خلالَ العديدِ من تجاربِ حياتنَا عقدًا من الخيانة وإن احتفظَ بنواياهِ الحسنة إزاءَ ذاتِ الإنسان، ولا يمكنُ أبدًا أنْ يخونَ  الإنسانُ نفسهُ إلاَّ في حالةِ اعتبارهَا كيانًا آخر مستقلّاً عنه أو تجرّدِهِ من أدواتِ معرفةِ الوعي. 

فاطمة حفيظ 

28/09/ 2021 – بسكرة : الجزائر. 



**********


شخصيَّات المسرحيّة 


أمل : الخيَّاطة المنسيَّة ذات الملامح المتبرّمة، آنسة تجاوزت الخمسين، كثيرةَ الحركة والتدقيق بتفاصيلِ غرفتها الكبيرة، تُعاني اضطرابًا سُلوكيًّا وحركيًّا.   

مسترْ لايتْ: صَوتُ العقلِ الإنساني وصوتُ ضميرهِ، رجُلٌ يرتدي عبر المشاهد أزياء مختلفة:  الّرمادي والأسود والأبيض، ذاتَ أشكالٍ فضفاضة  تشبهُ حجابَ الصّلاة ويجلسُ على الأرضية المتّسخة قربَ النَّافذة. 

المكان: غرفة قديمة ذات نافذة  تطلُّ على شجرةٍ عارية و جدارٍ منقضّ مكسوٌّ بطبقةٍ من العفن والأعشابِ الضَّارة. تتكوَّن الغرفة من سرير بملاءة بيضاء، دولاب يحوي فساتين مناسبات اجتماعيّة، ماكينة خياطة من طراز الفراشة، و منبّه بنغمةٍ واحدة : نغمة لأجلِ إليزا لبتهوفن. 

الزَّمان: ليلة شتاء طويلة وعاصفة .  


**********


المشهد الأول

( يُرفعُ الستار عن أمل ْ الجالسة فوقَ سريرهَا بملء الكآبة مُواجهةً عتمةَ منتصفُ ليليَّة تمتدُّ إلى بقيَّة الغرفة بالتّدريج، و رجلٌ بزيٍّ رماديّ يجلسُ أسفلَ النّافذة وعلى يمينه مصباحُ جانبيّ خافت ينطفئ ويشتعل) 

أمل: مدينةٌ لهذه الأضواء التِّي تنتشلني إلى ملابسي المزركشة، ولكن لا أجدُ بدًّا من حملِ جُثَّتي هذه إلى عالم الأزياء..

مسترْ لايت: تبدونَ أكثرَ جودةُ حينمَا يلبسكنْ فستانًا.. 

(تُواصلُ أملْ الحديثَ إلى نفسهَا دونَ أنْ تعير مسترْ لايت أيّ اهتمام) 

أمل: لا بأسْ سأنام كيْ أبدو أكثرَ جمالاً 

مسترْ لايتْ: تراؤون أنفسكم.. 

أمل: أشهد أن لا إله إلّا الله محمّدًا رسول الله..

(تنقلبُ على جنبهَا الأيمن)

مستر لايتْ: لستُ هوَ ..

أمل: هُوَ لا يخيفني..لكنَّهُ مزعج ويمكنهُ أكلُ هذهِ الجدران و التَّقيّؤ وإعادتهَا إلى مكانهَا كلَّمَا شاء ذلك..

مسترْ لايتْ: من؟ 

أمل: هوَ.. 

مسترْ لايتْ:  ليسَ هُوَ..

( تنهضُ أملْ وتهرول بين النَّافذة والباب وتنظر أسفَلَ السَّرير وتُخرجُ من أسفلهِ صرصورًا ميتًا) 

مسترْ لايتْ: ليسَ هُوَ.. لقدْ ماتَ خوفًا..ماتَ قصفًا.. ماتَ أسفًا.. 

أمل: (تلتفتُ باشمئزاز)  المهمّ أنَّهُ ماتْ..هل يهُمُّ كيف؟

مسترْ لايتْ: (يرفعُ رأسهُ بشموخٍ مبالغٍ فيه)  يتماثلُ إلى  أملهُ وضمَّة سيف ولامبالاته بال"كيف" ..

أمل: (تستديرُ نحوَ النَّافذة وَ تضعهُ على قطعةِ منديلٍ ورقيّ و تعقّمُ أصابعهَا بجيلِ التّنظيف)  كنتُ أخافهُ  حتَّى الموت..

مستر لايتْ: كانَ يَخافكِ أكثر فماتْ..

( تفتحُ أمل ربطةَ شعرهَا الشَّائب وتتغنّجُ ذهابًا و جيئًةً أمام المرآة الثَّابتة على الحائط، تحملُ في يدهَا أثار الطّلاء الأبيض ) 

مستر لايتْ: أوراق فصل الأمل..بقايَا عروس..بقايَا نفوس

(تسقطُ أمل جاثيةً على ركبتيهَا متأمِّلةً النَّافذة بعينين حانيتين) 

مستر لايتْ: لا يأتي من هنَا سوى اللُّصوص والعشَّاق وشظايَا زجاجٍ مهزوم..

( تناقصت الأضواء المتسلَّلة من النَّافذة حتَّى أصبحتْ شبه معتمة) 

أمل: تفضّل أيُّهَا السَّوادُ بالدّخول..إنَّني أرغبُ بأن أخيطَ لكَ قميصًا جديدًا..

مسترْ لايتْ: لا مقاسَ لهُ ..

( تسيرُ أمل من الرّكن إلى الرّكن وترقبُ النَّافذة، تعود الأضواء الباهتة من النَّافذة) 

 أمل: كمْ عددُ الأيام التِّي ستعيشهَا يا ترى، ليلٍ وأيَّام أنتظرُ اليومَ الذِّي أعلّقُ فيه المشنقة عند الفجر، أتمنَّى موتكْ، أتمنَّى رحيلك منّي.. 

( وأخذتْ تهزُّ وتضربُ جسده المكوَّم بلا حراك حتَّى سقط على الأرض) 

مستر لايتْ: إنَّني لا أموتُ ولا أعيشُ أيضًا..

( تأخذُ فستانَ البلوزون الأحمرَ بأكمامٍهِ الطويلة من الدُّولاب وتبدأُ بمراقصتهِ رقصةَ السلو، ترميهِ بعد لحظات، وتأخذُ فستانَ الزّعنفةِ  الفضّيً لمراقصتهِ ذات الرَّقصة، ترميهِ  بعد لحظات أخرى، ثمَّ قفطانَ القطيفة الأزرق والمُطرّزِ بالخيطِ المغربي، و تتمسّكُ بهِ بكلِّ شغفْ) 

  مسترْ لايتْ: ستقودكِ حفلاتُ المجون هذهِ إلى مرضٍ يشبهُ الإيدز ولكنُّهُ لنْ يُصيبَ جسدكِ..

(تستمرُّ أمل بمراقصةِ قفطان القطيفة الأزرق و ترفع ذيلهُ المتدلّي على الأرض)

أمل: أنتَ لا تعرفُ شيئًا عنْ عقولٍ فقدتْ مناعتهَا بشكلٍ كامل بسببكْ، ماذا نفعلُ بالنّدم و الحسرة الجديدة و الأمل الذِّي نصبُّهُ كلَّ يومٍ في فراغٍ لا ينته؟

مسترْ لايتْ: (بنبرةِ مواساة)،  نعم، نعم ، الواقع مريض

أمل: (بنبرةٍ انتقاميَّة تتحدَّثُ وهي تأخذُ  كأسًا لشُربِ الماء)  وأنتَ عاجز..

مسترْ لايتْ: ( بنبرة ردَّة فعلٍ باردة يُنَاولهَا قارورة الماء المغطَّاة بشرشف السَّرير)  وأنتِ بَائر..

أمل: وأنتَ جبانٌ ثائر..

مسترْ لايتْ: (يُشيرُ إليهَا محرّكًا سبَّابتهُ من أعلى جسدهَا إلى أسفلهِ) إنًّني الملكُ الفقيرُ لدى حضرتكم القذرة ، لا تسمعونَ شيئًا من تعاليمي المقدَّسة..

أمل: ههْ، تعاليم بعدَ نهاية أصداءِ القضاء والقدر..لستَ سوىَ مُضطهدٌ لجثثِ الموتى..

مستر لايتْ: وأنتِ  لستِ سوى معذَّبةٌ أكثرَ من عاقرِ النَّاقةِ وقاتلُ عليّ ..والطَّاووس وعدي بن مسافر..  

أملْ: كلاَّ ، عدي كان مُسلمًا أمويًّا..

مسترْ لايتْ: نعم، نعم، يمكنُ تعذيبُ الموتى حينَ لا يمكنهم الدّفاعُ عن حقيقتهم كاملةً..

( وفي هذه الأثناء دقّتْ السَّاعة الواحدة صباحًا وكانتْ نغمة لأجل  إليزا  قدْ جعلتْ أملْ تنهارُ أرضًا وتركضُ لإيقافِ نغمتهِ) 


**********

المشهد الثَّاني 

(دمية باربي عارية بلا أقدام و نصف شعر أشقر وممتلئة بدبابيسِ الخياطة على سطحِ ماكينة الخياطة من طراز الفراشة، وعودةٌ للأنوار بشكلهَا السَّاطع، تجلسُ أمل قرب ماكينة الخياطة وتبدأ بتشغيل الماكينة دونَ أن يكون هناكَ قماشٌ للخياطة). 

مستر لايتْ: ( عودتهُ لوضعية جلوسهِ السَّابقة بالمشهد الأوَّل) هَا لماذَا لم تواصلي الرَّقصَ مع صديقتكِ ..أعني صاحبةَ القفطانِ الأزرق، ماذَا جرى؟ 

أمل: كانتْ ساذجة ولمْ تكنْ هناكَ موسيقى..

مسترْ لايتْ: (بنبرة المستغرب الحقيقي)   ولمَّا عزفَ المنبّهُ اللّحظة، توقَّفتِ عن الرَّقص؟ 

أمل: كانتْ إليزا..إليزا..هِيَ 

مسترْ لايتْ: ( صوتُ رعد صادم ، ينظرُ إلى السَّقف، ويتحدَّثُ بخيبة)  كلَّا، لم تكن هِيَ ، كانتْ مُجرّدَ خطّ بتهوفن السيئ.. 

أمل: (بحزن)  كانتْ لُعبتهُ في الحقبةِ الرُّومانسية..ثمَّ أصبحتْ موسيقَاهُ للأبد..

(يغيَّر مستر لايتْ مكانهُ ويقتربَ من ماكينة الخياطة، يأخذَ الدُّمية بطرفي أصابعه السّبابة والإبهام فقط كأنَّهَا مصدرٌ للقذارة) 

مستر لايتْ: لعبةٌ كهذه؟ 

أمل: لعبتهُ (هوَ) ..

مستر لايتْ: ولكنَّهَا كانتْ (هي)؟ 

 أمل: (تُخرجُ من جسدهَا دبّوسًا) مسحورةً بالفودو.. 

مسترْ لايتْ: الدُّمى أعداء للبشر.. 

أمل: الدُّمى هم بشرٌ محنّطون بالعضال ..يستحقُّونَ الموتْ بالدَّبابيسِ وقطعَ الأرجل كيْ لا يقبلوا بالفرارِ من معاناتهم..  

(يَعودُ مستر لايتْ إلى مكانهِ السَّابق) 

مسترْ لايتْ: ربَّمَا كانتْ فكرةً رائعةً لمْ تولدْ بعدْ ..

أمل: ( تَقولُ في صوت خافتٍ جدًّا) ولمْ تخلدْ ولمْ يكنْ لهَا كُفؤًا أبدْ..

( تحرّكُ أملْ دوَّاسة القدمِ بسرعة فائقة حتَّى تتوقَّف الدّواسة بلا حراك) 

مسترْ لايتْ: على أيَّةِ حال، لم يكنْ هناك شيء للخياطة.. 

أمل: أرواحٌ ممزّقة مرَّتْ من هنَا..تكدّستْ فوقَ السَّرير مثلَ السّمك  أنظر إليها.. 

(يديرُ مسترْ لايتْ وجههُ صوبَ السّرير، ويصَابُ بالدَّهشَةِ لأنَّهُ لا يستطيع إيجاد شيء، يصمُتانِ لبُرهةٍ ويشتدُّ عويلُ الرِّياح) 

مستر لايتْ: (يُخرجُ من الدُّولابِ ثوبًا أسودًا من الدَّانتيل و يُحاولُ تجربتهُ على مقاسهِ ممسكًا إيَّاه من الجانبين) هَا ، كنتِ تخيطينَ الأرواح إذن، لقدْ كانتْ كلّهَا ثوبًا واحدًا يلبسُ آدم ..

أمل: بعدَ أن سمعَ الموسيقى..وأكلَ من يدهِ ..

مسترْ لايتْ : (متّجهًا نحوَ الباب كيْ يفتحهُ، يُديرُ مقبضَ الباب يمينًا وشمالاً فلا يُفتحُ لهُ، ويهُزُّ أضلاعَ الباب نحو الخارج ، يلفُّ بنظرهِ  دونَ أن يتحرّك ، يأخذُ قطعةَ طبشور فصالة القماش من ماكينة الخياطة ويبدأ بالرَّسمْ على الباب) ..عالقون جدًّا..   هلْ كانَ هُوَ ؟ 

أمل:  بلْ كلُّ من غوى.. 

مسترْ لايتْ : (متحمّسًا وهامسًا بشغف)   كانتْ حوَّاء وكلُّ من رغبَ بالمعرفة.. ظننتُ أنَّ الباب لمْ يقفلْ..أو ربَّمَا شككتُ ..

أمل: بِمَ ؟ تطلبُ نجدة  جديدة حينمَا تشكُّ بشيء مَا؟ لقد كانَ تخطيطًا جماعيًّا للهروبِ من الجنَّة، وأُغلقَ البابُ منذُ..

مسترْ لايتْ: (متأفِّفًا) منذُ؟  لماذَا الرَّغبة في العودة إليهَا مجدّدًا؟ 

أمل:  (ممتعضةً) تخطيطٌ جماعيٌّ لغزوهَا واحترامِ مالا يجبُ أن نعرفهُ أبدًا.. 

مستر لايتْ: لكنَّهُ (هُوَ) يعرف و (هوَ يتلصَّصُ) المعرفة.. 

أمل: كانَ كلٌّ منهمَا أحبُّ إلى ال(هُوَ) من الآخر..

مستر لايتْ: من؟ 

أمل: لا أعلم تمامًا من يكونَا.. أظنُّ أنَّني أتحدث عن لعبتي ودبابيسهَا، فهي الوحيدة التِّي لا تعلمُ شيئًا.. 

مسترْ لايتْ:( يتحدَّثُ إلى نفسهِ بعقلٍ مختلط)  وأنَا لم أعدْ  أعلمُ شيئًا..

أمل: (متيقّنة) حلمتُ ذاتَ ليلةٍ أنّكَ َستُجنْ..

مسترْ لايتْ: لأنَّني سجنك 

أمل: وأنتَ سجنٌ لي..

(متّجهًا نحوَ الباب كيْ يفتحهُ، يُديرُ مقبضَ الباب يمينًا وشمالاً فلا يُفتحُ لهُ، ويهُزُّ أضلاعَ الباب نحو الخارج ، يركّزُ على قطعة الطّبشور بينَ أصابعهِ ويُواصلُ الرَّسمْ على الباب، فيرسمُ قفصًا و طيرًا أكبرَ حجمًا من القفص)

أمل: (مقهقهةً بصوتٍ عالٍ وهي تضربُ يديهَا على فخذيهَا معبِّرةً عن شدَّةِ الضّحك) فأنتَ معاقٌ بنصفِ المعرفةِ ونصفكَ الآخر جهلٌ مُطبقْ بنكهة الأمل..

( وترفعُ يديهَا مشيرةً إليهِ بالسّبابة كمنْ تُحاولُ أن تتَّهمه) 

أمل: أتظنُّ أنّكَ طائر الفينق؟  أنتَ طائر حقًّا ولا فكرة لديّ عن سببِ حبسكَ هنَا.. 

مسترْ لايتْ: إنَّني أحاول أن أتجدَّد بعدَ أن متّ ..

أمل: لا أخيطُ الرَّماد مثلك ..أخبرْ أحدًا مَا أن يأتيكَ بجناحين..

مسترْ لايتْ: (محتجًّا) ستنمو مكانهمَا جمجمتين ..

أمل: (تزفرُ زفرةً محاولةً إخمادَ ضحكتهَا)  نعم، نعم، واحدةٌ لك، وأخرى له..

مستر لايتْ: من؟ 

أمل: هُوَ ..

(تهرعُ للنَّافذة وتسند إليهَا جسدهَا لتسدَّ صوتَ الرّياح) 

مسترْ لايتْ: هَاه، عروسٌ بشريَّة تطوّقُ عروسًا من الطَّبيعة ..تقول الرّياح دائمًا:   ( كِي ننسى تفكَّرني  النسَا) ..

( وفي هذه الأثناء تدقّ السَّاعة الواحدة وعشر دقائق وكانتْ نغمة لأجلِ إليزا،  تنهارُ أملْ  أرضًا وتركضُ لإيقافِ نغمتهِ)

مسترْ لايتْ: مهلاً، ما ذنبُ المنبّه، ما ذنبُ السَّاعات ، ما ذنب قانونِ لا نحميه؟ 

( يَركضُ صوبَ المنبّه ليحميهِ من مصيرهِ المحطّمِ على يد أمل) 

أمل:  أنتَ لا تريدُ أن تعرفَ حتَّى فائدةً واحدةً حول التخلِّي عن مُحاكمة الدَّقائق.. 

( تهرولُ غاضبةً لتغمسَ وجههَا  بين مخدّتين) 



**********

المشهد الثّالث 

( تضمُّ أمل ركبتيهَا وتضعُ رأسهَا بينهمَا ويتضاعف عويلُ الرِّياح خارجًا، يرتدي مسترْ لايتْ  زيًّا أسودًا فضفاض) 

أمل: ألاَ تكفُّ عن ملاحقتي.. 

مسترْ لايتْ: تلاحقينني أنتِ ..لقدْ تغيَّرتُ  وامتقعتُ بلونك..

أمل: كحمارٍ يحملُ عليهِ الاندثار..

مسترْ لايتْ: بل الأسفار..

أمل: فكرةٌ ثيولوجية..  ذاتَ يوم، كنتُ أرغبُ بأنْ أتحايل على الفناء بطفلٍ أعطيهِ للعالم فأضعُ جنَّةً تحتَ أقدامي.. 

( يعلوُ صوت بكاءِ طفل، وينفجرُ مستر لايتْ ضاحكًا) 

مسترْ لايتْ: أخذَ الطُّوفان أمَّ سام وأنجدَ الأنعام.. ( يعود لحالة عبوسْ ويتحدّث بلهجةٍ ساذجة) أتسمعين هذَا الطّفلَ المسكين؟ منذُ ولادتهِ خلعَ كلَّ شيء منْ جثّتهِ، يستدفئُ  بالأملْ، فالخطايَا شديدةٌ جدًّا في الخارج (اقتربَ من المدفأة بكفَّيهِ متحدّثًا بهمس) هكذَا ..متسلّلاً إلى الحياة.. 

(أخذتْ أمل تزحفُ إليهِ أرضًا وحين اقتربتْ منهُ بصقتْ على وجههِ) 

أمل: جنّتكَ هذهِ  جناية جنون..لا أدري.." بَلَّعْ" 

مسترْ لايتْ: من المؤسفِ العيشُ في ظلِّ حماقة الأخريين ..

(تنهض أملْ من مكانهَا لترسمَ تصاميمَ فساتينً جديدة على أنصافِ أوراق على طاولةِ ماكينةِ الخياطة)    

أمل: ومن الحقير العيشُ في كنفِ عبقريتهم.. 

مسترْ لايتْ: نحن نعيشُ أقوياءَ في كنفهِ.. 

أمل: هَا، منْ تقصد؟ 

مسترْ لايتْ: هُوَ ..هلْ تغمّدُهُ النّسيانُ حينَ فكّرتي بالجنَّة؟ 

أمل: كلّا.. ولكنَّهُ يتأوَّهُ الآن محاولاً تخليصَ المؤمنينَ من أزمنتهم...ربَّمَا عاجزٌ مثلك..

مسترْ لايتْ: (قهقهَ ساخرًا) عيوننَا خُلِقتْ من الأفيون ودودة تحلّلِ الأحياء

أملْ: وما الدُّودة؟  

مسترْ لايتْ: الأمل طبعًا..

أملْ :  فلتصمتْ ..لقدْ كانَت صورتهُ السَّابقة إنسان وفقط.. 

مستر لايتْ: (مواصلاً قهقهتهُ)  وَسَقطْ.. 

( عزفٌ متواصل لمقطوعة لأحلِ إليزا دونَ أن يكون مصدرُ النّغمة رنينِ المنبّه، تبحثُ أملْ عن المنبّه بجنون لأجل إسكاتِ صوتهِ المزعج وكان المنبّهُ بلا رنين)

مسترْ لايتْ: عمَّا تبحثين؟ 

أمل: عن إليزا...عنهَا أبحث..

مستر لايتْ: (بنبرة حزن) أُصابتهَا عدوى الصَّمم..

أمل: كانَ بتهوفن أصمَّا أجل..أجل.. لقدْ كانتْ أنغامهُ صورتهُ السَّابقة لإنسان وفقط..

 (تستمرُّ أمل في البحثِ عن مصدرِ النّغمة) 

أمل: فليوقفهَا أحدكم.. إنَّهُ يعزفهَا ..

مسترْ لايتْ: لا احدَ هُنَا غيرنَا..ظننتهُ عويلُ الرِّياحِ والجًا غرفةَ الاعتراف.. 

أمل: وما كانت كلماتها؟ 

( مُميلاً فمهُ نحوَ الأسفل) 

مسترْ لايتْ: ( أخذَ رسم فستان من فوق ماكينة الخياطة) لاشيء تقريبًا، أخبرتنَا فقطْ بأنَّهُ لا وقتَ لديهِ لسماعِ الموسيقى، فهُوَ مصابٌ بدوارِ الأذن الوسطى.. وربَّمَا كانَ أصمًا منذُ زمن..

(تتنهَّد أمل بملء الملل، تجحظ عينيهَا، وتتسمَّرُ في مكانهَا شاخصةً) 

أملْ: وربَّما تشنّجات رفضٍ بلا حولٍ ولا  قوَّة..لا..لا..لمْ يتمكّنْ من مُواجهةِ من كانَ لهمْ قرارُ القبولِ تحتَ الإمرةَ....لمْ لأقبلَ أنْ أكونَ بائرًا وقلبي مُداسٌ بالأحلام.. 

مسترْ لايتْ: هل تجدين فرقًا بين الخطيئة و سوءَ التّفاهم في فهمِ الحياة؟  

أمل: خطأ منهجيّ مهمل لا يمكن تمييزهُ في كومةِ  بشرْ ..

(يرتفعُ صوتُ النّغمة بعدَ أن هدأت الرِّياحُ نسبيًّا، وتستمرُّ أملْ في البحث عن مصدرهَا) 

 


**********


المشهد الرّابع

(كمَا في المشهدِ السَّابق)

(يتقدَّمُ مسترْ لايتْ مُحاولاً مُراقصَة أمل بهدوءْ ، فترفضُ رفضًا قاطعًا ) 

أمل: لقدْ أصابتني موسيقاهُ بالمذلَّة.. 

مسترْ لايتْ: هَا، ولمَ ؟ 

أمل: لا أعرفُ كيفَ يولدُ إنسانٌ إلى الحياة ويديهِ مُجهضتانِ منهَا..هذهِ الموسيقى احتفتْ بأربعينية بتهوفن السّنوية، وأنتَ ترقصُ في عقبِ رحيلهِ؟

مسترْ لايتْ: حقًّا، لقدْ وُلدنَا خلالَ حدثٍ تاريخيّ لا منتصرَ فيه..

أمل: استسلمَا كليهمَا للخطيئة..ولكنَّهُ ظلَّ يمُسُّ أرواحنَا ويقبّلهَا و يسكنهَا ولا يمكننَا أن نحتقرَ أبدًا ما يرغبُ فيه..

مسترْ لايتْ: من؟ أجل، أجل، إنَّهُ هُوَ..

(تشعرُ أمل بغضبٍ شديد مفاجئ، وتنقبضُ ملامحهَا) 

أمل: ألاَ تملُّ طرحَ السُّؤال؟ 

مسترْ لايتْ: أظنُّ أنَّكِ تتحدّثينَ عنِّي بصفتي غائبًا وأنَا موجود..

أمل: ربَّمَا كُنتَ غائبًا.. 

(يسجدُ مسترْ لايتْ سجودًا مفاجئًا قربَ ركبتيْ أملْ) 

مسترْ لايتْ: وإنَّني أعتذر..

أملْ: لقدْ كانَ الكبرُ والعظمةُ يجعلانني أرفضُ كلَّ عريس.. 

مسترْ لايتْ: والآن؟ 

أمل: والآن؟ 

(وتُضيفُ بحزمٍ وغضبْ) 

سجودكَ لصنمٍ بسنّ اليأس.. خطيئة أخرى.. خرقة ندم.. 

(يستمرُّ  ساجدًا وهو يضربُ كفّيهِ على الأرض)

مسترْ لايتْ: أدينُ لكِ بالغفران..

( تنهضُ آمل وتركلهُ إبَّان سجوده، وتُعزَفُ مقطوعة لأجلِ إليزَا) 

أمل: لستُ من الآلهة.. 

مسترْ لايتْ: لقدْ جعلتكِ ترينَ حينمَا كنتِ عمياءْ.. وتسمعينَ حينَ كانَ يُشبْهُكِ الصَّمم.. 

أمل: لمْ تكنْ هناكَ موسيقى إذن؟ 

مسترْ لايتْ: كان هناك دافعٌ كيْ لا أحزن أو أصابَ بالملل أو أُقدِمَ على لعبِ الميسَرِ دونَ تقديمِ رهانٍ حقيقي.. 

(يَنتفضُ من سجودهِ ساخطًا) 

لمْ تكنْ هُناكَ أصواتٌ للرّياح حتَّى.. إنَّني أصنعُ من الذَّاكرةِ كلَّ شيء كيْ لا أشعرَ بالوحدةِ والملل داخلَ هذه الغرفة..

(تطاردهُ أملْ داخل الغرفةِ وهيَ تحملُ بيدهَا كرسيَّ ماكينة الخياطة دونَ أن تنالَ منهُ) 



**********

المشهد الخامس

(يرتدي مسترْ لايتْ هذهِ المرَّة زيًّا أبيضًا ناصعًا يُشبهُ الكفن، يقفُ بشموخٍ  في مكانهِ كمَا في السَّابق، وضعَ حبلاً مشدودًا على خصرهِ وبدأَ يتمتم ويدورُ مثلَ الدَّراويش، تُعزَفُ موسيقَى لأجلِ  إليزا كاملةً على أضواءَ خافتة، ويقتحمُ الغرفةَ شيخانِ أسودانِ يرتديانِ ثوبانِ وعمامتان بلونٍ أبيضَ ناصعَ وهمَا يحملانِ الغايطة والبندير )

أمل: (في رعب)  من؟ إنَّني أقول من؟ منْ أنتمَا لا يحقُّ لكمَا المجيء إلى هنَا واقتحامُ غرفتي

مسترْ لايتْ: ربَّما من الملائكة الذّين ماتوا منذُ ألفِ عام لأجلِ طاعةٍ وسعادةٍ مَا..  

(تزدادُ خوفًا وتخفي نفسهَا خلفَ مسترْ لايتْ) 

أمل: ربَّمَا جاءوا ليثيروا ال...يا يمَّة زغرتي بنتكْ رحْ تتزوَّج..بلا شكْ، قَدِمَا لأجلِ حفلِ العرس، صح؟ 

(ينصرفُ الشّيخانِ الغرفة كمَا أتيَا ) 

مسترْ لايتْ: كانَا من الزَّبانية ، وربَّمَا جاءوا لتعذيبكِ بالأمل.. 

أمل: (بكآبة) عذاب الأمل في غبطة العشواءْ..

مسترْ لايتْ: من مخلَّفاتِ الطّبيعةِ ..كالدّماء..كالأمل..كاللّصوصْ..

(تتناسى أمل خوفهَا بشكلٍ جزئيّ، وتنظرُ إليهِ نظرةً حانيةً) 

أمل: وربَّمَا كالحانقين على أنفسهمْ ولا 

مسترْ لايتْ: ( مُقاطعًا) ولا يعرفونَ أنفسهمْ إلاَّ حينمَا تتشابهُ عليهم الأشياء..

(بأخذَ مسترْ لايتْ الحبلَ بيدهِ ويضيف) 

الموت هو المُنجزُ الوحيدْ الذِّي لا يحتاجُ أملاً ولا إلى إتقان ولا إلى مجهودٍ إضافيّ.. ربَّمَا سأذهبُ إليهِ لأعرفَ ما خطبُ تأخيرهِ ..

أمل: سيمنعكَ الأملُ في الحصولِ على موقفٍ أفضل ..

مسترْ لايتْ: (رافعًا يدهُ) أتقنوا موتكم..

(تتوقَّفُ مقطوعة لأجلِ إليزَا فجأةً و يعقبهَا صمت داخلَ الغرفة وعويل عاصفة شديد خارجهَا) 

أمل: أنقذونَا من تُخمةِ الأمل.. 

مسترْ لايتْ: (أنقذوني) فقطْ.. أمَّا أملْ 

أملْ: سترحل معكْ..

مسترْ لايتْ: بلْ ستبقَى.. 

أملْ: البقاءُ للأشقى ومنْ أفنىَ نفسهُ عملاً..

مسترْ لايتْ: البقاءُ  مجرّدُ أمل والحياةُ لمنْ يفهمُ خيبتهُ ..

(تشهق أملْ شهقة بكاء وانكسار، تنظرُ إلى الباب وتقول) 

أملْ: تصبحُ الأمورُ أكثرَ تعقيدًا لوْ أُحيلتُ إلى العقل.. 

(يضعُ مسترْ لايتْ الحبلَ على عنقهِ ويبدأ بتدويرهِ بهدوء، تقتربٌ أملْ مُشفقةً) 

أملْ: ستُعاقبْ بعدَ أنْ تُعاقبَ نفسكْ..

مسترْ لايتْ: ما تُهمتي؟ 

أمل: تختارُ حريَّة الإرادة بدلَ إجلالٍ بلا معرفة..كانَ يفعلُ ذلك..

مسترْ لايتْ: هُوَ ، أجل، أجل.. عاشَ بلا أمل .. ما الفضيلة ؟ أكانتْ الصّدق أم الولاء؟

أملْ: ربَّمَا كانَ في عينِ نفسهِ بطل.. 

(تتهالك ببطء ، و تأخذُ تبحثُ مجدّدًا عن مكان الصّرصارِ الميت وتتأمَّله للحظاتْ) 

أملْ: إذنْ مُتْ، فلكَ جنازةُ صرصار..تابوتًا من أفكار.. أو ربَّمَا زوجةً مثلي عائدةٌ من الزّمنْ كالإعصار..

مسترْ لايتْ: لدي اعترافٌ  أخير..

أمل: ما هو؟ 

مسترْ لايتْ: لقدْ كنتُ هُوَ لخمسينَ عامًا تقريبًا..

أمل: أكنتَ إبليسًا ؟ 

مسترْ لايتْ:  لقدْ كنتُ في سنِّ (إبليس) ومقامهِ حينَمَا رافقتُ جمالكِ و ريعانَ الحياة..لمْ أجدْ شيئًا أفضلَ من التملّق..

(ويُضيفُ متنهّدًا، يزفرُ زفراتًا متلاحقة) 

وإنني الآن أولدُ من جديد بعدَ أنْ انتهيتُ من توزيع الخطايَا ومنحهَا كاملةً.. أنا العريس الباحثُ عن عروسٍ لي...أنا مْلحُ العشرة..أنا سُكَّرُ النَّار.. أو مُحاربٌ ميّت يشعرُ بالانتصار..

أمل: أظنُّ أنَّكَ تخيفني بالانتحار ..الموتُ ثمنُ خطيئة السُّقوط..على أيِّ زمن.. 

مسترْ لايتْ: (بلهجة الحالم) يا لجمالِ التَّوقّعات عزيزتي..

أمل: فلتقلْ أنَّ واعظًا جديدًا قدْ استيقظَ لتوّْه كيْ يُشعركَ بطعمِ الخوفِ والارتباك..  

(يرمي مسترْ لايتْ الحبلَ وبشكلٍ مُهتاج يبدأ بتفقّدِ نفسهِ صارخًا) 

مسترْ لايتْ: الوشاية.. إنَّهَا وشاية.. سأنتقمُ من كلّ واشي وخائن.. 

( يجوبُ الغرفةَ مثلَ الكلبِ المسعور حتَّى يُصيبهُ اليأس) 



**********

المشهد السادس

( وتعالى صوتٌ رخيم من خلفِ النَّافذة:  

"لا تَسْعَ فِي الوشايةِ بينَ شعبكَ ، لا تَقِفْ على دمِ قريبكْ . أنا الرَّب وسأقتلُ كلَّ أملٍ فيكْ لقدْ متّ بطريقتي قبلَ أنْ تعيشْ " ) 

مسترْ لايتْ: من ؟ 

أملْ: هذَا صوتُ المرآة يمتدُّ من  داخلكْ.. 

مسترْ لايتْ: المرايَا لا تتحدَّثْ..لا ترىَ نعيمَ النَّار ولا عذابَ الجنَّة ولا فضيحةَ الدُّنيَا..

أملْ: الرَّب لا يكلّْمُنَا سوىَ مرَّةً واحدةً ..أمّا المرايَا فتفعلُ ذلكَ كلَّمَا طلبتَ منهَا ذلك..

مسترْ لايتْ: لقدْ كانَ يريدُ أن يرتقي من ملاكٍ مدلَّل إلى إله.. أعني عالمًا بكلِّ شيء..

أملْ: وإنْ حطَّ من قدرِ نفسهِ أضحَى إنسانًا في كلِّ شيء ..مكبٌّ للوشاية  ودمية للأمل..

مسترْ لايتْ: ربيبُ الحريَّة الأخرق..

أملْ: وأنت؟ ربيبُ المعرفة أمْ الزّنبقة السَّامة بين الذّين يعيثونَ في الأرضِ أملاً ؟

مسترْ لايتْ: فكرة وجوديَّة جدًّا.. " إنَّني بلا أمل ، إذن فأنَا موجود" ..

أملْ : عروسٌ بائر.. إمبراطورية مسلم وأرضُ يهود.. 

مسترْ لايتْ: إنَّ ماضي البشرية لمْ يمتْ.. وكلُّ ما لا يمكنهُ الموتْ يؤول إلى..

(تقاطعه أملْ  مجيبةً بوجههِ إجابة التّْلميذِ المجتهد) 

أملْ: ..إلى الخلودْ..

(مُفاخرًا ومُختالاً بين الرُّكنِ والرُّكن) 

مسترْ لايتْ: ..إلى الأملْ ..

أملْ:..ربَّمَا يحمي أرواحنَا من الملل .. إنَّني أرىَ النُّورَ وأنتَ تُغمضهُ على نفسكَ ليستحيلَ ظلامًا.. 

(وبحماسةٍ مبالغٍ فيهَا) 

مسترْ لايتْ: وربَّما هوَ حالةٌ أخرى من الشَّلل..إنَّني أرىَ الحقيقةَ وأنتِ تغمضينهَا على أملك لتستحيلَ أحلامًا.. 

( تنظرُ إليهِ أمل نظرةً حاقدة كردٍّ على وقاحتهِ ويضيف) 

يجبُ النَّظرُ حقًّا إلى الخدِّ المتدلّي والشّاحب..

..مُلامسةُ بشرتكِ الجافَّة مثلَ قطعةِ الخشبِ القديمة..

وشعركِ مدخنةُ المشيبِ والأصباغ الفاتحة.. 

هل تتوخّينَ ثمارًا يانعةً في عقرِ بطنك؟ أمْ ستلسعُ عقارب السَّاعة كلَّ دقيقةٍ ميتّة في طريقهَا لتعودَ أدراجها إلى الماضي؟ 

(عزفٌ بطيء لمقطوعة لأجلٍ إليزَا واهتياج أملْ جيئةً وذهابًا بين ركنِ الغرفة والنَّافذة ) 

أملْ : يا عاشقَ الظلِّ وقدْ غويتنَا بفراقِ الشّجرة..

مسترْ لايتْ: لا تطيقون غيرَ مزماري ولا تذعنون.. هناكَ ، عاليًا في كتلةِ النُّور..أجسُّ نبضهَا و أصنعُ علمًا مُتوارثًا منذُ العصيان..إليك،  نظرةٌ من النَّافذة يا عزيزتي، كمْ تبدوا الشَّجرةُ شامخةً بعدَ أن فقدتْ شعبهَا الميّت منذُ زمن..أوِ أقول ، فقدتْ الأملْ..ولكنَّ عودتهُ الشَّيء الوحيد الذّي يبقيهَا هُنَا..أَذرعهَا الطّويلة الفارعة في السَّماء لا تبعثُ سوى نكهةَ الحريقِ الآتي.. 

 (تهدأ العاصفة تمامًا،و تتطلَّعُ أملْ من وراء زجاجِ النَّافذة) 

أملْ:  وفقدنَا العاصفةَ تمامًا ليقتبسَ منَّا الّليلُ سوادَ الحريق.. 

مسترْ لايتْ: (مُتبرّمًا ) الّلحَاء المرّ الذّْي ينتظر.. 

(ْتضعُ طلاءَ أظافرَ بلونٍ احمرَ قانٍ وتمضغُ علكة) 

مسترْ لايتْ: (مستهزئًا) قالتْ ذاتَ يومْ أن مضغَ العلكةِ ليلاً يشبهُ مضغَ عظامِ الموتى.. 

أملْ: هلْ تُؤَمّْلُ أنْ تعودَ التّفاحة إلى الشّجرةِ ونكتسي الغفران؟ 

مستر لايتْ: (مواصلاً استعراض استهزاءه)  ربَّمَا تعودُ التّفاحةُ إلى شجرة أخرى غيرَ تلكَ الشّجرة..

أملْ: (متسائلةً) ما هي؟ 

(يجلسُ على طاولةِ  ماكينة الخياطة و هو يدير الدّواسة) 

مسترْ لايتْ: ربَّما سيكونُ مصيرُ تلكَ التفَّاحة أنْ تُعلَّق خمسينَ عامًا على شجرةِ الزّقوم.. 

أملْ: ستتعفّن فحسبْ..

مسترْ لايتْ: مثلَ أرواحٍ كاسدةٍ تجمعهَا الصّراعات الجوفاء في مقبرة..

أملْ: ودفنَ ما تبقَّى من الاحياء تحتَ سقفِ تفَّاحة (مقهقهةً) لتعزيةِ أنفسهمْ بالأمل.. 

مسترْ لايتْ: إنَّنَا تحوّلات بغيضة.. 

( تُعزفُ  موسيقى لأجل إليزَا كاملةً مجدّدًا و ينالُ منها الغضب، تصطكَّ أسنانهَا وتزمجرُ مُتمالكةً أعصابهَا، يرفعُ مسترْ لايتْ صوتهُ مدندنًا) 

أملْ: تبًّا لك أيُّها المخنَّثْ .. لمْ أعدْ اهتمُّ بالرَّقصِ والموسيقَى ومطاردة الزّمن والعرسان، أريدُ النَّوم، دعني وشأني.. 

مسترْ لايتْ: هذَا جيّد، سأدعك ولكن ليسَ قبلَ أن يتمَّ عقدُ أواصرُ الأخوة بيننَا، إخوةٌ من اليأسْ، مرحبًا بك في عالمِ الأبالسة وأمّتهم العظيمة.. 

(يمدُّ يدهُ لمصافحةِ أملْ، تفكّرُ أملْ وتشردُ قليلاً) 

أملْ: حسنًا، نحنُ أخوة إذن، لا يبدوا الأمر سيّئًا جدًّا.. 

( تُصافحُ أملْ مسترْ لايتْ، يُمسكُ يدهَا فتبدأ بالاحتراق والصُّراخ، يظلُّ ممسكًا بيدهَا  دونَ أنْ يكترثَ لصراخهَا، ولكنَّهَا تتمالكُ أعصابهَا و يعتريهَا السّكون أخيرً وتضيف أمل على مضض) 

أملْ: شكرًا.. 

مسترْ لايتْ: إنَّني فخورٌ حقًّا..

( يغادر مسترْ لايتْ بملء البهجة  والغبطة، وتذهبُ أملْ إلى النّوم بعدَ أنْ ضبطتْ رنين المنبّهُ بنغمةٍ حقيقيَّة لأجلِ ميعادِ الاستيقاظِ صباحًا، وتخلدُ غلى الفراشْ، وَتُعْزَفُ موسيقى لأجل إليزَا ببطء وَ كأنَّهَا خارج الغرفة ).

(انتهتْ)


فاطمة حفيظ


التعليقات

الاسم: خالد علوان
التاريخ: 2022-01-19 20:40:42
نص اجده متميزا بفكرته وبناءه ولغته التي اطرت لنا الموضوع بتعبيرية عالية وونسجت الاحداث بدقة كاتب محترف هذا النص يقدم لنا كاتبة مهمة سيكون لها شأن في المسرح العربي




5000