.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دراسة في تراث أقاصيص إدغار ألن بو

حيدر عبد الرضا

دراسة في تراث أقاصيص إدغار ألن بو 

 قصة ( مخطوطة في قنينة ) أنموذجا  

     علامات النص بين استدلالية الرمز ورحلة السفينة البرزخية 

 

توطئة :

تتجاذب و تتصادى المحاور الدلالية في صيغة وصوت السارد الكلي المشارك في قصة  (مخطوطة في قنينة ) بما يوفر إلى مساحة الفضاء التشكيلي ثمة مستحدثات حلولية حبكوية خاصة في مستوى عتبة الاستهلال في ذلك النوع المتمم في التنوع و الأمتزاج  و التداخل في صيغة أشد اللحظات تفارقا و تباعدا عن ظرفيات الخلفية الذاكراتية المبثوثة عن حال حاصل مفعول الفاعل السارد المشارك في مؤشرات النص القصصي .


ـ التفاعل النصي وسردنة  بنية الاستهلال السيرذاتية .

أن التذكير ببعض أوليات صوت السارد المشارك في وظائف أقاصيص عوالم إدغار ألن بو  ،ما هي إلا جملة من الدلالات العاملة بوظيفة تقديم معنى حكاية النص ، كمقدمة دلائلية يقف من خلالها القارىء على مشهودية نقطة انطلاقة النص ، بدءا من سيرة الشخصية الساردة و حتى مرحلة التوسط في توليد الأشكال و الوظائف المعنية في إجرائية خطية الموضوعة و الفكرة القصصية المطروحة في الأحوال السردية .


1ـ إغراء المتلقي و تشويق غواية المعنى :

تتوسل العتبة الاستهلالية في قصة ( مخطوطة في قنينة ) بذلك التأسيس الدلالي المنخرط في التنوع و التشكيل ، مما جعلنا نتعامل و هوية العتبة العنوانية كدلالة محفزة نحو إعادة جل المسافات السرانية الخاصة بوظيفة إغراء القراءة لنصوص ألن بو إجمالا ، و على هذا النحو الخاص وجدنا عتبة العلاقة النصية الأولى ، و كأنها محاولة في استدراج وظيفة ( غواية المعنى ) دخولا منها نحو خطية آفاق أفقية من جملة اللاتوقعات في هوية المقروء و كيفياته المتحولة في الواصلة الظاهرية و الباطنية من التنصيص الحكائي . و تبدو من جهة أخرى العتبة الاستهلالية في هذا النص ، كفاعلية مشروطة في علاقة السارد المشارك إزاء تعريف عقبات حياته التي قد مربها إجمالا على عدة مراحل زمنية و مكانية وعاطفية و نفسانية، حتى توصل على حين غرة نحو ذلك الشكل البيني من سرد تجلياته بلسان حالة الظرفي قدما :  (ليس لدي ما أقوله حول بلادي و أسرتي ، لأن التصرفات السيئة وكر الأيام أبعدتني عن الأولى و تركتني غريبا عن الثانية . و قد اتاحت لي الثروة التي ورثتها ثقافة غير عادية ، كما أن نزعة تأملية في تفكيري مكنتني من تنسيق القصص التي تجمعت لدي من دراساتي المجدة الأولى .. و أجتذبتني مؤلفات الاخلاقيين الألمان بشكل خاص ، ليس بداعي اعجابي الاحمق بجنونهم النافذ بل للسهولة التي تمكنت بها من اكتشاف نفاقهم / بفضل عادات تفكيري الصارم ، قد غيرت بجدب عبقريتي و عجز مخيلتي . أما أرائي المتشككة  بكل شيء فقد تركت لي شهرة سيئة . / ص29 النص) عند قراءتنا لعتبة هذا المستهل من لسان حال ( الكاتب / السارد الكلي) يمكننا ترجيح طبيعة هذا النوع من الوحدات الاستهلالية إلى من يسعى إلى الوصول إلى غائية مذابة بمحاليل خلطات كيميائية غريبة ، وقد أحصاها السارد الكلي من ناحية عدم مؤاخذة هذه القصة بأسباب الأجناس الخرافية أو الطوطمية احتمالا .. من عادات كتابة ( إدغار ألن بو ) المخاتلة في بنية الاستهلال ثم بالتالي الاشتغال بالنص كتوليدة خاصة من الصوغ الذاتي المضمن على هيئة خلفية مموهة من طبيعة سيرذاتية تابعة إقرارا مباشرا إلى صاحب النص أو تلك الشخصية المراوية الموظفة  في محمولات النص ذاته الشخصانية ، وقد نلاحظ بأن عناصر العتبات الاستهلالية في نصوص ألن بو ، ليس دائما كعلاقة تكميلية صائبة في بنية استدلالات المتن الوحداتي ، بل هي عادة ما نجدها عبارة عن جملة تفارقية  لخطية المشروع الاشتغالي في فضاء و أحوال  دلالات زمن الحكاية ذاتها . فالنص كحال ( مخطوطة في قنينة ) لربما أحصاه ألن بو ضمن منظومة المزج بين مرجعية السيرة الشخصانية للشخصية الحكائية وبما ينطوي عليه من تراتبية مذكرات الشخصية ذاتها ، ثم بالتالي الدخول نحو مفاصل المتن الذروي المترتبة في مشاغل أحوال الحبكة القصصية ،و هذا الأمر ليس منافرا ما دامت أدوات القص في هذه المرحلة النصية أخذت تعتمد على إيراد جملة المقدمة السير ذاتية  قبل الدخول إلى حبكة النص، وهذا الأمر ما وجدناه لدى أشهر كتاب القصة القصيرة في هذه الحقبة من حياة ألن بو :( بعد سنوات عديدة قضيتها في الاسفار أبحرت عام ـ 18 ـ من مرفأ باتافيا في جزيرة جاوا الغنية المزدحمة بالسكان ، في رحلة إلى جزر الأرخبيل ، ذهبت كسائح ، إذ لم يكن هناك ما يدفعني للسفر سوى نوع من القلق العصبي يسكنني كأنه مس من الجن .. ركبنا سفية جميلة تزن حوالي أربعمئة طن مغلفة بالنحاس تم بناؤها في بومباي من خشب الساج المجلوب من مالابار .. كانت محملة بالقطن و الزيت من جزيرة لاشايف ، و ألياف جوز الهند و سكر البلح ، و الزيت النباتي ،و بضع صناديق من الأفيون .. و لم تكن هذه الحمولة متسقة بعناية مما جعل ألواح السفينة تلتوي .. أقلعنا ، تدفعنا ريح لينة ،وسرنا أيام عديدة بمحاذاة شاطىء جاوا الشرقي ، دون أن يقطع رتابة سيرنا شيء . / ص30 النص) 


2ـ مسافة الوصف توليد زمني تقاطعي بوظيفة التوقع :

من حيث الشكل المكاني تتخذ قابلية الوصف شعريتها التفاصلية و الترشيحية نحو فضاءات متدفقة من الصوغ الذواتي خارج و داخل النص .و من أجل الوصول بالموصوف إلى نقطة المعاينة ،لاحظنا بأن جهات الموضوعة القصصية ، عبارة عن إعادة إنتاج سوسيولوجية وصفية دقيقة في منظور أحوال سلطة المكان و الزمن و محكيات الفاعل النصي : ( بضع صناديق من الأفيون ـ سفينة جميلة تزن أربعمائة طن ـ القلق العصبي يسكنني كأنه مس من الجن ـ ألواح السفينة تلتوي ) فما حقيقة هذه المظاهر الدالة من واقع الوصف ؟ أهي محل فجوات عاثرة للرحلة ؟أم أنها سياقية أخذت تؤمن الوحدة الكلية لطبيعة المسافة الوصفية لأجواء الوحدات الزمكانية ؟ هناك ما يلوح بحدوث أبعاد مصيرية ترتادها أحادية المكان و وحشة جمود الزمن في مستويات سرانية من الوعد و الوعيد الفنتازي . إذ ينخرط الواصف بالموصوف سلبا أو أيجابا في آنية المعقول أواللامعقول ، أو الفاعل و الموضوع الحاصل من خزين الحالات و التحولات السيكولوجية من مستوى الحامل و المحمول في المشخص النصي  ( القلق العصبي يسكنني ،و كأنه مس من الجن . / ص29 النص) يبدو أن حالات الفاعل الذاتي تحيلنا بالمعنى السردي إلى جملة تتعلق بالملفوظ النفساني الخاص بفكرة تحولات النص و أحواله المعروضة و المسرودة ، و حتى حلول ثنائية ( الحال و التحول ) الزمكانية و الميتانفسانية ،و على هذا النحو نعاين عاملية تقلبات أوضاع مزاجية و نفسانية الشخصية عبر خلفية ملفوظ العلاقة القائمة ما بين الخارج و الداخل المنعكسة من حقيقة شواهد الأشياء : ( وذات مساء حين كنت مستندا إلى حاجز السفينة جذبت انتباهي غيمة وحيدة معزولة في الجهة الشمالية الغربية .. كانت تلفت النظر للونها الغريب ، و لكونها الغيمة الأولى التي تطالعنا منذ أقلعنا من باتافيا، راقبتها باهتمام حتى الغروب ، حيث انتشرت فجأة باتجاه الشرق و الغرب و طوقت الأفق بحزام بخاري رفيع بدأ كأنه شاطىء رملي / كان البحر يتغير بسرعة ، و بدت المياه أكثر شفافية من المعتاد .. و مع أنني كنت أقدر أن أرى قعر البحر بوضوح ، فقد أكتشفت بعد إلقاء مقياس العمق ، أن السفينة على أرتفاع خمس عشرة قامة .. أصبح الهواء حارا إلى درجة لا تطاق ، مثقلا بأبخرة شبيهة بما يتصاعد من الحديد المحمي . / ص30 النص) بهذه الحجم من الوحدات و الأوصاف الصورية تتقدم المقاربة القرائية منا ، إلى مراجعة بسيطة في مستوى وحدة كلية الوصف و مسافته المشبعة بأوسع اشتغالية الفاعل الذاتي بحجم تلك الاستعدادات و الخيارات في مواجهة الاعصار البحري ، و لكن ما طبيعة هذا التحول في شواهد مدلولية الرحلة ؟ فما المسبب سرديا في كل هذا التحول ؟أهي طبيعة الطقس البحري أم هواجس عصابية قادة الفاعل الذاتي وهما إلى العمل بها بمحددات متتابعة من سوداوية المكون الذاتي الشخصاني وحده ؟



ـ المحكي بين الفواعل الممكنة  و صدامية دليل  الميتاواقعية .

لقد بدأ النص بمحمولات واقعية شكوكية واضحة ، فيما أقترن المجال الاسلوبي في القص ، ضمن مستحدثات خاصة من تحول الفاعل الذاتي و تبدلات الهيئة المكانية و الزمنية ، بالإضافة إلى حيوات الوقوع تحت سلطان الواقع طريقا مفترضا في مجال الشك و التساؤل و الاستفهام الظني ،ولا شك أنه ليس الواقع المحايث لوجود الأشياء في أرض الواقع ، بل إنها جملة فواعل ناتجة عن المخيلة المموهة التي أخذت تتوهم و تتعدى تماثلات الواقع المرئي في عين موضوعيته الواقعة ، إلى هذا الحد من الأمر تعرض الواقع في حادثة غرق السفينة إلى معادلة عسيرة من الذات المتشككة في موضوع التحول من السفينة الغاطسة إلى سفينة أخرى ، بملامح فنتازية  غابت عنها حقيقة الزمن والوجود ، عبر مظاهره ( الميتا ـ واقعية ) ولمثل هذا الواقع الغريب و المصادقة عليه من طرف الإيهام و التوهم الشخصاني ، لا يمكننا سوى متابعة هذه الوحدات من النص : ( مع كل عقدة تجتازها السفينة .. كنا في بعض الأحيان نشهق بشدة ،و نجد صعوبة في التنفس ، و أحيانا أخرى كنا نصاب بالدوار  و نحن نهبط بسرعة جنونية جحيما بحرية حيث يصبح الهواء راكدا خانقا ولا صوت تعليق غفوة الحيوانات الخرافية / كنا في قاع أحدى الوهاد حين أنفجرت من رفيقي صيحة فجائية هزت الليل ، و صرخ في أذني : ـ أنظر ! أنظر .. يا إلهي القادر ! أنظر! أنظر ..حين بدأ يتكلم ، رأيت ضوءا أحمر ينعكس كامدا كئيبا و ينسكب على جوانب الهوة التي كنا مدفونين فيها و يلقي على سفينتنا ضوءا رجراجا .. و عندما رفعت نظري صفعني مشهد جمد دوران دمي . / ص32 النص) .



1ـ الأفعال النوعية و برزخ زمن الواصلة الحلمية :

و تخضع الأفعال الصورية في مجريات الرؤية الطوفانية ضمن ملازمة ظهور المنقذ البحري ، كما لاحظنا في وحدات السرد ، المستعرضة قاب قوسين ، تاركا الأعصار للفاعل الذاتي مجالا واسعا لخلق كيفيات غرائبية رابطة بين ( الحدس ـ التوهم ـ عشوائية مصادرـ واقعية اللاأتفاق المعقول ) ومجموعة هذه العناصر في زمن العلاقة الطوفانية و التسلق إلى سطح تلك السفينة العملاقة : ( كان هيكلها الهائل بلون أسود غامق لا يزينه شيء من النقوش التي نراها عادة على السفن .. كان صف من المدافع يمتد من الكوى المفتوحة ، و على سطوحها الصقيلة تنعكس أضواء العديد من قناديل المعارك التي كانت تتأرجح حول حبالها .. لكن ما بدا لنا مذهلا شديد الغرابة هو أن السفينة كانت تنشر كامل أشرعتها ، رغم حالة البحر الخارقة و الزوابع التي لا تقاوم . ص32 النص) غير أن ما يشكل موضع الأهمية في مسار وحدات النص ، ذلك الاختلاف في معمارية السفينة و شروع أشرعتها بأنعدام التأثير إزاء ماهية الطبيعة الأعصارية الهائجة في تلاطم قمم أمواج البحر .



2ـ موازاة الفضاء المحسوس و مغايرة الزمن النمطي :

يسهم حضور السارد الكلي العليم في قصة (مخطوطة في قنينة ) ضمن الملامح المشخصة في تقاويم الزمن المضارع الخطي ، و هي القيمة المتبقية من تفاصيل وضوح محددات الزمن الفاعلي في بناء موضوعة النص .و لكننا عندما نتعرف بواسطة الشخصية الساردة في النص على محتويات تلك السفينة القادمة من (اللازمن ) تتبين لنا مستويات خروج زمن الحكي عن نمطية الزمن المسجل له في مدارات الزمن النصي الانطباعي المجسد في النص ، وذلك رغم تقارب فضاء المحسوس لدى الشخصية بما كان عليه  البحارة في هذا المركب ، إذ هم ممن يقال عنهم هيئات و كينونات خارج الزمن النمطي للوجود الحاضر لمستوى فاعل الزمن الشخوصي : ( سمعت وقع أقدام ، مما أضطرني إلى الأختباء منه فورا .. مر بالقرب من ملجأي رجل بمشية خائرة مترنحة .. لم أتمكن من رؤية وجهه ، لكني استطعت أن ألاحظ هيئته العامة .. كان يبدو عليه الهرم و الضعف بشكل جلي .. ركبتاه ترتجفان تحت وطأة العبء نفسه ، و بصوت ضعيف ولهجة مكسرة غمغم لنفسه بضع كلمات لم أستطع فهمها .. خليطا غريبا من بلاهة الخرف و مهابة الالهة .. أخيرا ذهب إلى السطح ولم أره بعد ذلك . / ص33 النص القصصي) ولعل مضاعفة الحس الفنتازي في محسوسية الشخصية الساردة ،ها هنا غدا يؤشر لذاته حكاية جديدة وجملة احاسيس مغايرة إزاء واقع وفضاء وموضع هذا الرجل العجوز ، الذي بدت عليه ملامح غير مألوفة في رقعة زمن و حيوات الهيئة المنتمية إلى عالمنا أو عالم الشخصية الزمانية و المكانية ظرفا . و بمثل هذا الأختلاف تبدأ وظائف ( الخارج الزمني ـ اللامعقول ـ المرموز الدلالي ـ المعادل التحولي ) كما تتبع المضاعفة الغرائبية المؤرخة منذ أشرعة السفينة ،و حتى مظهر نقوشها اللامألوفة و خروجها المتصدي بشراسة إلى هدير أمواج البحر المتوحشة ،مرورا  بمحتوى طاقمها المتكون من هذا الرجل العجوز بادئا ، فيما تتأطر حكاية هذه السفينة في خصوصية علائقية ملغزة ما بين تتابعية مدار الشخصية إلى مجريات الأحداث في أسرارهذا المكان وظهورها المموه بين ثنائية ( الموت ـ الحياة ـ تحولات المظهر الدلالي ) و تتيح مأزومية الأحداث الشخصية إلى الدوران في أرجاء غرف السفينة : ( لقد مررت لتوي أمام عيني وكيل القبطان ، و منذ مدة قصيرة غامرت بأقتحام الغرفة الخاصة بالقبطان نفسه ..و أخذت منها الأدوات التي أكتب بها ، و التي كتبت بها .. سوف أتابع هذه اليوميات من وقت إلى آخر ، صحيح أنني قد لا أجد الفرصة لنقلها إلى العالم ، لكنني لن أعجز عن إيجاد وسيلة ما .. في اللحظة الأخيرة سوف أضع هذه المخطوطة في قنينة و ألقي بها في البحر . / ص33 النص القصصي ) و تبعا لهذا النحو تدركنا فكرة النظرفي دلالة العنونة المركزية في النص ( مخطوطة في قنينة ) ضمن مؤشرات منظورية دليل الشخصية و مذكراتها المسرودة في المخطوطة ، و لكن يبقى السؤال المطروح هنا هو كيفية وصول هذه المخطوطة، ما دام سكان السفينة هم من خارج حدود الزمن المتاح بوضعه المضارع  والذي يصل بالشخصية إلى حد عدم التعرف على لغتهم و هيئاتهم الغرائبية و الشبحية ، كما ينص عليها الدليل النصي بالاشارة على أنهم كانوا لا يملكون قدرة رؤية الشخصية في حال اقتاربه من جوارهم ؟ إذا كان الأمر هكذا أي أننا متفقون على أن شخوص السفينة مع حضور زمنهم البرزخي سرا ، فقد يمكننا أيضا عد الشخصية المحورية ضمن غياهب المخطوطة المبثوثة في فاصلة اللازمن الحقيقي في النص ؟ و لربما تبقى من جهة هامة الحقيقة الوحيدة متعلقة بكاتب النصأولا و أخيرا ، لأنه يبقى الشاهد الوحيد  بوظيفة كتابة و نقل الحكاية من مدارية منظور البرزخ اللازمني ، اعتمادا منه بكونه الدليل الوحيد في بنية زمن الحكاية المتعينة شهودا : ( تفحصت كذلك ألواح السفينة ، و رأيت أنها مبنية من مادة أجهلها.. لأخشابها صفات خاصة أدهشتني لأني رأيتها غير صالحة للغرض الذي استعملت من أجله ، ذلك أنها مملوءة بالمسام ، وهو ما عزوته إلى فعل الديدان الذي هو نتيجة الملاحة في هذه البحار .. / و أتتني الشجاعة منذ ساعة و أندسست بين جماعة من البحارة .. لم يبد عليهم أنهم انتبهوا إلى وجودي ، ومع أنهم يحيطون بي فقد بدوا غير شاعرين بوجودي إطلاقا .. كانوا جميعهم كالذي رأيته من قبل يرتدون شارات أزمنة غابرة .. كانت ركبهم ترتجف من الضعف ، و أكتافهم متقوسة من الهرم .. جلدهم المتغضن يتجعد من الهواء .. و أصواتهم خافتة مرتعدة مكسرة ، عيونهم تلتمع بدموع الشيخوخة و شعرهم الأشيب بتطاير في الريح .. و قد تناثرت حولهم الأدوات الهندسية القديمة التي بطل استعمالها نهائيا . / ص34 النص القصصي) .



ـ إشكالية الموت النوعي و مرحلية الشيخوخة المطلقة . 

يتبين لنا في المحصلة الأخيرة من وظائف وحدات الذروة الحبكوية في النص ، بأن ( إدغار ألن بو ) كان يسعى من وراء دلالات قصته تمويه الزمن الصوغي لشخصية السائح على ظهر السفينة البرزخية الغارقة في حقيقتها منذ الآف السنين ، فيما كانوا بحارتها في حقيقة أوضاعهم هم من الذكرى أمواتا في أجساد برزخية مفترضة و متخيلة من قبل مأزومية الشخصية المتصورة . أن حكاية المخطوطة في قنينة هي الصورة الخاصة من تواريخ قصة البحارة الأموات , ولكنها وظفت بوعي تمويهي مزدوج يتعدى توقعات القارىء و القراءة المدونة في مخطوطة ثيماتية بالغة الدقة و الحنكة و السبك التوظيفي  في تقنية المضاعفة الغرائبية التي تلاقينا موسومة بأعلى مستويات الوظيفة السردية القصصية المخصوصة في حياة النصوص الابداعية الخالدة .. فالقاص الرائد  (إدغار ألن بو ) في قصته موضع دراستنا ، أخذ يشعر القارىء بادىء ذي بدء بتضمينات الحلم للشخصية السائحة ،ثم بالتالي راح يوظف الفضاءات الغرائبية في شواهد الأعصار وفي شخوص أو أشباح بحارة السفينة القادمة من اللازمن المقيد . فالسرد القصصي هنا يبدأ في حدود بناء الحبكة ثم العقدة وصولا إلى الذروة في سياق من اللعبة التكتيكية الجامعة لثنائية ـ الفنتازيا ـ الغرائبي ـ التمويه   : ( البحارة يتنزهون على ظهر السفينة بخطوات مرتجفة وقلقة ، لكن ملامحهم تومض بتعبير أشبه بوهج الأمل منه بفتور اليأس .. الريح وراءنا دائما ، و السفينة لكثرة أشرعتها المنشورة ، تقفز أحيانا بكاملها خارج البحر .. آه رعب على رعب ! الجليد ينشق بغتة إلى اليمين و إلى اليسار ، و ندور دائخين في حلقات هائلة ذات مركز واحد / الحلقات تضيق بسرعة .. تغوص بجنون في شدق الدوامة .. و عبر هدير الأوقيانوس و العاصفة و أنفجارهما ـ تتأرجح السفينة ـ يا الله ! تختفي ... تغوص . / ص 35 خاتمة النص القصصي) .


ـ تعليق القراءة :

مما لا شك فيه فنيا أن ( إدغار ألن بو ) كان يلوح إلى الخروج بالسفينة المرمزة بحياة العالم الآخر من قيامة الموت البرزخي . إذ أن الشخصية و صديقها الرجل السويدي ، قد ماتوا منذ غطس أولى أجزاء سفينتهم في أعماق البحر ، أي عند أول علامات ظهور هذه السفينة الغريبة التي هي بمثابة المعادل الانتقالي لحمل الروح من عالمنا الدنيوي إلى موضعها في عوالم البرزخ ، لذا وجدنا روح السائح ختاما مع ثلة أرواح البحارة العجائز . وهي تنقل آخر خطوات رحلتهم عميقا في قرار مواطن إبحارهم على ظهر سفينة الموت البرزخي . 


 

حيدر عبد الرضا


التعليقات




5000