.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة مترجمة / البيت ذو الكلب الأسود

زيد الشهيد

تأليف : هارو ساتو* 

ترجمة: زيد الشهيد 

                                                

فجأةً .. 

عند مفترق الطريق توقف " فريت "؛ منتظراً اقترابي. 

وفريت هو كلبي الحميم وصديقي الذي صاحبني أعواماً. ذكيٌّ ويفوق الآخرين ذكاءً حتى لو قارنته بزوجتي... اعتاد قيادتي للأماكن الهادئة ؛ وأحياناً غير المتوقعة.

ولأنني الآن أخطو بلا وجهةٍ أنحو باتجاهها فقد تركت انقيادي له وأطعتُ حركته التي قادتني إلى دربٍ جانبي ضيق لم تطأه قدمي من قبل . سأتبعه في سيره وأمشي على منحدرٍ يتخذ انحرافاتٍ حادة بعض الأحيان.

أخطو خلفه شارداً متخلياً عن التطلّع للمناظر الماثلة حولي؛ مع أنني بين الحين والآخر أرفع بصري فأتملّى الغيوم تتناثر في السماء. ثم تباغتني زهورٌ غريبةٌ على جانبي الدرب  بشذاها المؤثِّر؛ فأمدُّ يدي وأترك أصابعي تقطفُ زهرةً أُقرّبها من أنفي لأشمَّ أريجَها الساحر. أبحث في ذاكرتي عن اسمٍ لها فأخفق.

يتوقف فريت برهةٍ. يميل برأسه جانباً. يوجّه لي نظرةً كما لو أنّه يريد البوح بأمنية أن تكون هذه الزهور حلوى ليقضمها. قليلاً ويواصل الجري في منحدر الطريق؛ مبتعداً... أمشي مواصلاً سيري لساعتين تقريباً. ما نلبث أنْ نتسلّقَ مرتَفَعاً يصير بوسعي من خلال الوقوف عنده اغتراف منظرٍ يبعث على الإبهار. الحقول أسفلنا تبدو فاتنةً ، تواصل امتدادَها الغائر. ويكون بمقدوري أيضاً رؤية جزءً من مدينةٍ غائمةٍ بين الضبابِ والغيوم ، آخذةً حيّزاً في المدى البعيد. 

صارفاً بعض الوقت أقفُ هناك؛ مُحدِّقاً في غرابةِ المشهد. نعم ! إنَّها مدينةٌ. ولكن أية مدينة هذه التي لها قدرة التواجد بهذا العدد الوفير من البيوت والطرقات!

ثمّةَ شيءٌ مميز وفريد حولي يعكسه المشهد بعمومه ؛ وأنا أجهلُ جغرافيةَ المكان. وعلى أي حالٍ لا يوجد ما يُدهش لرؤيةِ مدينةٍ غير مألوفة. أنظرُ إلى أسفل؛ إلى الجانبِ من التل فأراه ينحدر بشكلٍ ملفتٍ نحوَ الأعماق. يظهر بشكلِ أكمّاتٍ كثيفةٍ لغابةٍ محتشدة. الوقتُ يدنو من الظهيرةِ؛ وأشعةُ شمسِ الربيع الفخمة تبدو كالدُّخان؛ كالشذى ينبعثُ من خللِ الأوراقِ الخضراء الطريّة.. تتجلّى جميلةً فوقَ هاماتِ الاشجار، تتساوقُ مع الظلال وتتحاورُ معها.

 أبغي التحركَ إلى عمقِ تلك الغابة ، فيما تبدو رغبةُ " فريت " مطابقة لرغبتي. يتحرك متقدماً بشيءٍ من الحبور؛ وأنا أتبعه... وما أنْ خطونا ما يقرب من المائةِ ياردة حتى  شرعَ " فريت " يخطو بطريقةٍ مختلفةٍ أقرب إلى توخّي الحذر. صار يتخلّى عن خفّة خطاه، جاعلاً قائمتيه الأماميتين يطآن الدرب بطريقة متباطئة. يدفع خطمَه إلى أمام؛ ما جعلني أظن أنّه اكتشف شيئاً دفعه إلى هذا الموقفِ المثيرِ للاهتمام... ولدقائقٍ معدودة غدا يتحرك جيئةً وذهاباً؛ مُبدياً قلقاً وعدم ارتياح.. ثم أنّه وجدَ الطريق فاتخذ مساره متقدَّماً وعلى عجلٍ. تنامى فضولي لما بدرَ من سلوكٍ غير اعتيادي تصرّف به الكلب فاندفعت أواصل تتبّعي له. من وقتٍ لآخر كانت تجفلنا بعضُ الطيور البرية بفعلِ طيرانِها المفاجىء من بين أغصانِ الشجر.

   على امتدادِ الطريق، ولزمنٍ يقرب من النصفِ ساعةٍ يتوقف " فريت " بغتةً عندَ مكانٍ صرتُ من خلال وجودي فيه أسمعُ خريرَ ماءٍ مُنسابٍ ، وأشاهد " فريت " يَهزُّ أذنيه بانتباهٍ مثير. يَتراجع عدّة ياردات ، مُقرّباً خَطمه من الأرض، وشارعاً بالتشمّم. ثم يتحرك يساراً. تملؤني الدهشة وأنا أكتشفُ العمقَ الغائر للغابةِ التي لا تُحَد من الأشجار المتزاحمة الدكناء. والتصرفُّ الغريبُ للكلب أفحمني بالفضولِ خصوصاً وقد وقف بعد نصفِ ساعةٍ من السيرِ  يشرع بالنباح ؛ وأستطيع عندها مشاهدة بيتٍ ينتصب أمامي وسطَ غرابةٍ وغموضٍ يحيطان به ويثيران التساؤل. ما الذي حدا بأحدِهم أن يبني بيتاً في هكذا مكان؟!

نظرة خاطفة إلى البيت تخبرني بعدمِ وجودِ حديقةٍ في مقدمته. لقد شُيِّدَ هذا البيت في مكانٍ لا يُرى إلا لِمن وقف أمامه مباشرةً. عندما أدنو مُقترباً أبصرُ أنّه بيتٌ مشيَّدٌ بطريقةٍ عادية؛ لكنه في الوقتِ نفسه من الصعب القولُ أي طرازٍ من البيوت يمكن توصيفه. إذْ هو ليس ببيتٍ ريفي معتاد . نوافذُه مزججّة وبطريقةٍ غريبة. لا يوجد ثمّة مدخل إليه. لذا أفترض أنني سأواجه ساحةَ المدخلِ من الخلف أو من أحد الجوانب.

   مهما حدث فإنني عازمٌ على الدخول إليه والقاء نظرةً على محتوياته، مُستحضراً كلاماً يشي بفقدانِ الطريق الذي دفعني إلى الدخول. وبلا شكٍّ سيقدّم ساكنوه قدَحاً من الشاي، وسنتناول أنا و" فريت " غداءً جلبناه معنا في الصندوق.

مع ما خامرني، وما تأجج داخلي أتحركُ إلى مقدمة  البيت وأصغي لصوتِ انسيابِ ماءٍ عن قرب. وحين أدرك مقدمةَ البيت أجده لا يختلف عن البيوت المعهودة التي أعرفها . مُقدمتُه مصمَّمة بدرجةٍ عالية من الترف قياساً بالأجزاء الأخرى من البناء الذي رأيته في الخلف والجانب.. سلّمٌ بدرجاتٍ أربع مبلَّط بحجرٌ جميل، هو الذي يقود إلى الباب الأمامي.  يبدو مظهرُه أقدم من بقايا أجزاء البيت. 

تواجه البيت من ناحيةِ الجنوب وتحت النافذة الأمامية تحديداً خميلةً صغيرةً من الورودِ الحمر تتسلَّق الجدار وتنتشر عليه فيما ينسابُ جدولٌ يعجُّ بماءٍ تبدّى مشرقاً بتأثيرِ سقوطِ ضوءِ الشمس عليه. ومن أولِ نظرةٍ يبدو الجدولُ وكأنّه آتٍ من داخل البيت . يندفع " فريت " فيروي ظمأه من مائه الذي يبدو أنّه استعذبه.

أخطو الآن باتجاهِ الباب ، ويصير بمقدوري سماع صوت حذائي وهو يطأ الحجرَ ولكن لا يتسبب في كسرِ الهدوء الطاغي على المكان. أتساءلُ في سرّي إن كنت أنا في زيارة لبيتِ ساحرٍ. أنظر حولي فألمح " فريت " واقفاً عند الماءِ دون اكتراث. لسانُه الأحمر يتدلى  وذيلُه يهتز... وبطريقةٍ غريبةٍ أطرقُ على الباب الذي أخمنه ذا طراز غربي... لا يوجد ثمَّة ردٌّ. في تلك الحين أرفعُ صوتي: " هل لي بالدخول؟". لا جواب يصلني. هل أنَّ صاحبه في الخارج. أتساءل مع نفسي؛ أم أنَّ البيت غير مشغول مطلقاً!.. شعورٌ غامض يعتريني . أذهب إلى النافذة الأمامية، من مكانِ حشود الورد وتعاليه. ولسببٍ ما أمشي حذِراً وبقدرِ ما أستطيع من الهدوء. أقفُ على أطراف أصابعي وأتطلّع في إلى الداخل. 

للنافذة ستارةٌ ثقيلة ومعتمة؛ تعلِّمها خطوطٌ زرقاء وبالإمكان احتسابها متميزةً في النوعية قياساً ببقية أشياء البيت. كانت مسحوبةً قليلاً إلى الجانب، فيكون بمقدوري رؤية ما في داخل الغرفة.. ولدهشتي العريضة ألمحُ حوضاً حجرياً بارتفاع قدمين يتوسّط الغرفة؛ ومن مركز الحوض ينبثق ماءٌ ويتدفّق منحنياً على الجوانب. أرضيته  حجرية أيضاً ورطبة نوعاً ما ( وعندما أفكر بذلك في ما بعد أدرك أنَّ الماء الجاري فوق حافة الحوض هو نفسُ الماء الذي شاهدته يتلوى مثل أفعى بين الورود). كان لمنظر الحوض تأثيرٌ ادهاشي حقّاً. وبالرغم من أنّي ومنذ البدء شعرت بأنَّ هناك شيئاً مثيراً يتعلّق بماهية هذا البيت إلا أنني لم أتوقع أبداً وجود شيء غريب داخله.. أزدادُ فضولاً فأبدأ مهتمّاً بفحص موجودات البيت عبر نظراتي المتلصصة من خلال النافذة. بوسعي مشاهدة الأرضية المعمولة من البلاط الداكن الذي لا أعرف له اسماً. الأرض المبللّة حول الحوض تبدو بلون أزرق جميل . أمّا عند الجدار البعيد من المدخل أستطيعُ رؤيةَ موقدٍ حجري  تنتصب على جانبيه ثلاثةُ رفوفٍ تحمل عدداً وفيراً من الصحون . وبجوار النافذة أرى منضدةً عليها.. نعم .. ماذا أرى عليها؟ .. عقُبَ سيجارة يرتفع منها خيط من الدخان. هذا يعني أنَّ أحداً لا بدَّ أن يكون هنا قبل لحظات!.

أشعلُ سيجارةً لنفسي وأقرر الدخول إلى البيت. فإذا كان صاحبه في الخارج وعاد فوجدني داخله سأوضّح له سبب دخولي بأسلوبٍ مهذب.. ومرّةً أخرى أتسلّق درجات السلم المعدودة الموصلة إلى المدخل، وأهتف: " هل من أحد هناك؟ ".. لا جواب..

بحذرٍ وهدوء أمسك اكرة الباب وأديرها.. فأكتشف أنها غير مغلقة.. أدخل.

وحالما دخلت تراجعتُ منسحباً؛ ذلك أنني أبصرتُ كلباً اسبانيّاً بلونٍ فحمي أسود، يضطجع في الشمس ، تماماَ تحت النافذة. كان نائماً ومربوطاً بسلسلةٍ إلى الأرض. ببطء ينهض فتسقط عيناه عليَّ .. يهر " فريت " ثم يتحرك صوب الكلب الأسود الذي يبدو عجوزاً ضخم الجثة . يهر أحدهما للآخر كما لو كانا يتحاوران . قليلاً ويروح الكلب الاسباني يهز ذيله ثم يعود لاضطجاعه بنفس المكان. يتمدد " فريت " إلى جانبه فأشعر بالارتياح لذلك، وأخطو داخلاً الغرفة. أمرِّرُ يدي على رأسِه  رابتاً بلطف. الكلابُ في الأماكن الوحيدة لا تؤذي مَن يكون لطيفاً معها؛ والكلبُ الاسباني ألمحه يلعق يدي  توددّاً.

ولكن مَن وأين يكون صاحب هذا البيت؟ أشعر بحرية تفحّص المكان من القمّة إلى القعر ، من أعلى إلى أسفل . وأشعر أيضاً باللهفة فأقف عند الحوض. لاشكَّ أنَّ الناس الذين يقطنون هنا يستخدمون ماءه للشرب.

في الغرفة أبصرُ ثلاثةَ مقاعدٍ. أحدها يجاور الحوض فيما الثاني عند الموقد؛ أمّا الثالث فخلف المنضدة. وهنا أرى السيجارة التي لمحتها حين كنت في الخارج وقد انتهت إلى آخرها.

توجد ثمّة صورة قديمة أعلى الساعة الجدارية التي ألاحظها تتحرك ببطء مشيرةً إلى الواحدة والربع متأخرةً عن الزمن الحقيقي بساعةٍ. أشاهد بعض الكتب باللغة الألمانية مرصوفة يعلوها الغبار، وصورةً على الجدار.

أقرر مبارحةَ البيت والعودة من حيث أتيت. ربّما سأعود يوماً ما. أجيء لملاقاة صاحبه الحقيقي وليس مواجهة هذا الكلب. ومع هذا ظلَّ الفضولُ يحدوني للاكتشاف في هذه اللحظة التي لا أريد لها أن تهرب. أيكون من الأفضل الانتظار حتى حضور صاحب البيت؟.. أراقبُ الماءَ يتدفّق في الحوض وينساب خارجاً فأشعل سيجارةً أخرى. يبدو أنني أسمع  أنغاماً لموسيقى قادمة من بعيد. أنصت مأخوذاً بالإعجاب والدهشة. هل كلُّ هذه الموسيقى والأنغام آتية من الماء؟

أتحرك إلى الباب وأصفر إلى " فريت ". الكلب الاسباني الذي يظهر أنّه يتعقّب كل حركة تبدر منّي. يحدّق بي وأنا أستعد للخروج فتعتريني اختلاجة خوف؛ إذْ ربّما يتظاهر هذا الكلب باتزانٍ ووداعةٍ  وفي لحظةِ استدارتي يقفز من خلفي ويعضّني.. أنتظرُ بنفاذِ صبرٍ حضور " فريت" ليتبعني ويؤمِّن حمايتي.

 بمراقبةٍ حذرةٍ اندفعُ خارجاً، صافقاً الباب بقوّةٍ وإحكام غلق.

قبل انطلاقتنا عائدين يحدوني الفضولُ إلى إلقاءِ آخر نظرة إلى داخل البيت. أقفُ على أطراف أصابع قدمي وأحدّق مُتفرِّساً فأرى منبهراً، مأخوذاً والكلب الاسباني يقفُ على أطراف قوائمه ، يخطو ببطءٍ نحو المنضدة: " حسناً.. كانت تلك زيارة أجفلتني تماماً هذا اليوم .! ".. يبدو أنّه قالها كمن يُحدّث نفسه بصوتٍ بشري غير مدرك لوجودي من وراء النافذة . يتثاءبُ كما تفعل الكلاب عادةً. ثم فجأةً يستحيلُ انساناً بمنتصفِ العمر؛ بنظّاراتٍ وبدلةٍ سوداء فيجلس بسكونٍ على الكرسي  خلفَ المنضدةِ ؛ والسيجارةُ المُطفأة لمّا تزل في فمِه فيما يشرع بتقليبِ صفحاتِ أحد تلك الكتب النائمة على المنضدة.

إنها ظهيرةُ ربيعٍ دافئة.. إنني الآن أخطو في أكمّة من الأشجار الداكنة.. بين التلال الصامتة. 


ـــــــ  

(*) هارو ساتو أحد الكتاب اليابانيين المُحدثين . ولد العام 1892 . ونشر نصّه هذا لأول مرة العام 1916 . قراءة النص تنقل القارئ من  موقفٍ مثير للفضول إلى موقفٍ تالٍ فيغدو من الصعب عليه إدراك الفحوى قبل الوصول إلى نهايته . أي بمعنى آخر هو النص ذو الضربة الكامنة في آخر فقرةٍ .. نص المفاجأة . " المترجم " 


زيد الشهيد


التعليقات




5000