.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


هل تُخترع الأوطان /إيزابيل الليندي في (بلدي المخترع)*

حسن كريم عاتي

- ((من بقوا في تشيلي وعانوا، يعتبروننا، نحنالذين غادرنا، خونة)). 


- ((لا يخلو الأمر منمنفيين يتهمون الذين بقوا في البلد بالمتعاونين مع الديكتاتورية)). 


أن تخترع بلداً: يعني أن تبني وطناً على وفقمقاسات نفسية واجتماعية وسياسية واخلاقية وجغرافية، تحققها الأماني أكثر من أنيحققها الواقع الفعلي.


أن تخترع وطناً: يعني أن تبني مستقبلاًملائماً لشعب مخترع أيضاً.


أن تخترع وطناً: يعني أن تبني أفقاً فكرياًومعرفياً لحياة تتمناها لنفسك ولغيرك ممن يماثلك في هذا الأفق. فمن غير المعقول أنتدخل في مملكتك من تعدهم دخلاء عليها.


إنه الإختراع المحكوم بقيم خلقتها المعرفةالمسبقة بالأوطان التي ننتمي إليها، وبالشعوب التي نُعد جزءاً منها، فيكون الوطنالمخترع وطناً جديداً معاراً من الوطن الأصل، وإن كان مناقضاً له.


فكيف تُخترع الأوطان؟ ولمَ تُخترع أصلاً؟ وهلبنا حاجة لإختراعها؟ وهل يكون البلد المخترع بديلاً من الوطن الأصل؟


من المؤكد ان أحد الأسباب التي تدفعنا إلىذلك، هو الحنين إلى دفء وطن، أو الشوق إلى وطن أكثر جمالاً، أو أكثر رفاهية، أوأكثر أمناً، أو أكثر ثراءً، أو أكثر إنسانية، أو...، أو...، وبتعدد خيارات(الأكثر) تزداد الرغبة لبناء وطن في المخيلة.


ولكن ما الذي يدفع إلى ذلك الحنين؟ أهيالغربة فيه أو التغرب عنه؟


إنها أسئلة تنفتح بسعة حجم المعاناة، وتفتحجراحات الذات الغريبة، أو التي أُجبرت على التغرب في فضاء الوطن أو في أفقالإغتراب. وهو ما حاولت الروائية التشيلية (إيزابيل الليندي) الإجابة عنها فيكتابها (بلدي المخترع) عبر تجربة شخصية إتسمت بالصبر والمجالدة في مواجهة طغيانالإنتكاسة السياسية التي عصفت بالديمقراطية في بلدها، إثر صعود العسكر وتحكمهمبمقدراته سنة 1973م، بعد إغتيال الرئيس (سلفادور الليندي) وتزعم (بينوشيت)الإنقلاب الذي أطاح به، وأدى من بين نتائجه إلى هجرة كثير من مثقفي تشيلي إلى بقاعواسعة من الأرض، من بينهم الروائية (إيزابيل الليندي) التي عانت الغربة في وطنهاقبل مغادرتها له، واضطرارها إلى التغرب عنه لاحقاً.


وعلى الرغم من أن الكتاب الأصل تم تأليفه فيتاريخ لاحق على إنهيار الدكتاتورية التي كانت سبباً في غربتها، وإنحراف التجربةالتي قادتها جبهة الوحدة الشعبية، وبعد عودة الديمقراطية، إلا أن مرارة تلكالتجربة لم تترك مداد قلم الروائية من دون أن تغمس فيه. فيختلط التاريخي بالشخصي،والعام بالخاص، عبر تواصل الإحساس بالمذاق المر لتلك المدة: ((لأنني لا أستطيع أنأفصل موضوع تشيلي عن حياتي الخاصة)) (ص 135). وهو ما دفعها إلى أن تجعل من بلدهاالمرجع لجميع تفاصيل البلد المخترع الذي تتمناه، وحاولت أن تشيده: ((سافرت في سفنوطائرات وقطارات وسيارات، وأن أكتب دائماً رسائل اقارن فيها ما أراه بمرجعي الوحيدوالخالد: تشيلي)) (ص 107). وبذلك لا يكون (البلد المخترع) سيرة ذاتية لتجربة شخصيةخاضتها الروائية. بل تاريخ مرحلة حرجة من تاريخ بلدها. غير أنه لا يعتمد التوثيقبقدر إعتماده، في أغلب الأحيان، الإحساس بهول الفاجعة التي عصفت بها وببلدها،فتشكلت صورته في الذات الباحثة عنه بعد إحساس فقده، بالإعتماد على الذاكرةوالعاطفة، اللتين دفعاها إلى الكتابة أيضاً: ((ملكت على طاولة المطبخ روايتيالأولى (بيت الأرواح)، ولو طلبوا مني في ذلك الوقت أن أعرفها، لقلت إنها محاولةلإستعادة وطني الضائع)) (ص 167).


تلك الذاكرة المفعمة بشوق إسترجاع حلم وطن فيغياب الوطن الذي تبحث عنه في حلم يقظة أو حماس إنتماء له. فتفاجئنا الذاكرة بقدراتمخالفة لتوقعاتنا: ((عندي صورة رومانسية مجمدة عن تشيلي في بداية عقد السبعينيات،إعتقدت لسنوات انه عندما تعود الديمقراطية سيعود كل شيء كما في السابق، لكن حتىهذه الصورة المجمدة كانت وهمية)) (ص167). فيكون وهم الرؤية أحد أسباب الإندفاع علىرسم ملامح تلائم عشقها الذي يكاد يفلت من بين خيوط الذاكرة التي لا تنتج الأشياءإلا على وفق الإحساس بها، فترسم خارطة الوطن عبر ذلك الإحساس: ((لقد رَكبتُ فكرةبلدي مثل أحجية، مختارة تلك القطع التي تنطبق على تصميمي ومتجاهلة ما عداها. بلديتشيلي شاعري ومسكين)) (ص168).


فالذاكرة هنا مرهونة بالعاطفة، والعاطفة دفقمتواصل من حنين مر إلى واقع خلقته احداث مؤلمة، تكون الروائية أحد ضحاياها.فيتداخل العاطفي بالموضوعي للتعبير عن الحالة الحرجة: ((الذاكرة مرهونة بالعاطفة،فنحن نتذكر أكثر أو أفضل الأحداث التي تثيرنا)) (ص168).


غير أن الذاكرة وحدها لم تعد كافية لدى(إيزابيل الليندي) لتعتمد عليها في إستحضار وقائع وأحداث تُعد الأهم في تغيير مسارحياتها وحياة شعبها: ((نثق بالذاكرة كي نمنح الاستمرارية لحياتنا، لكن الذاكرةضبابية دائماً لا نستطيع أن نثق بها)) (ص81). وهو ما جعلها تدخل في تصورها عنتشيلي، قبل مغادرتها له، الزخم العاطفي لعشقها له، ليحدد ملامح ذلك الوطن: ((لاأتمكن من الشعور بتشيلي كمكان جغرافي، له بعض الخصائص الدقيقة، مكان محدد وواقعي.أراه كما تُرى دروب الريف في المساء، حين تخدع ظلال الحور البصر، ويبدو المشهدمجرد حلم)) (ص82). بل عن لحظة المغادرة إلى المنفى أدت بها إلى أن تشيد وطناًتتمناه: ((منذ اللحظة التي عبرت فيها جبال الأند، ذات صباح شتوي ماطر، بدأت دونوعي عملية إختراع بلد)) (ص155). وهي محاولة للتعويض عن الإحساس بضياع الوطن الأصل،ومحاولة الحفاظ عليه، عبر إعادة خلقه، والإستمرار في تشييده في الذات على وفقالأماني، وإن خالفت الواقع المعيشي في ذلك الوطن. وهو ما حدث لتشيلي التي لم تتمكنمن النهوض من كبوتها إلا في عام 1989م، وهو عمر الإنتكاسة للديمقراطية فيها.


لقد كان (بلدي المخترع) محاولة جادة فيإستحضار إحساس الإنتماء للوطن؛ أكثر من إستحضار الوطن نفسه، عبر إختراعه من جديدفي الذات المبدعة لرسم مستقبل أفضل عبر الأمنيات، في أغلب الأحيان، وإن كان ذلك منالسير في دروب الذكريات الموصلة إلى تخوم الوطن.


لذلك لا يعول كثيراً على وثائقية الوقائع،وإن إستخدمت فيه، وإن كان المراد ترسيم ملامحه، ولكن ليس الواقعية فعلاً. فوثوقنامؤكد من إحساسها بالحب له، أكثر من الإحساس بجغرافيته المعروفة. فكان الكتاب وكماصرحت المؤلفة: ((ألاحظ أنني ذاتية النزعة عند الكتابة عن هذه الأحداث. علي أنأحكمَ لكم دون عاطفة، ولكن هذا سيكون خيانة لقناعتي ومشاعري)) (ص150). وهو ما جعلمن القناعات السابقة على تشييدها بلدها المخترع يعتمد الوطن المشيد اصلاً في واقعبلدها. فمالت باتجاهات ترغب فيها، وأشارت إليها: ((الكتاب لا يحاول أن يكون كتابأخبار سياسية تاريخية، بل سلسلة من الذكريات، التي هي دائماً مختارة ومصبوغة بصبغةالتجربة الخاصة وبالإيديولوجيا)) (ص 150).


إن الافتراق المادي عن الوطن، وإن لم يكنخياراً مريحاً، يؤدي بالنتيجة إلى الدخول في مرحلة الغربة عنه، فإنه لا يولدطلاقاً روحياً معه. وإن كان يثير أسئلة ملحة، تنحصر بين رغبة البقاء فيه، علىحراجة هذا البقاء وبين قرار التغرب عنه، على قسوة معاناة الغربة هو ما تثيره(إيزابيل الليندي) عبر تساؤلها: ((لقد سألت نفسي ألف مرة: ما الذي كان سيحدث لوأنني بقيت مثل الكثيرين الذين أداروا المعركة ضد الديكتاتورية من الداخل)) (ص154).


 وعلىالرغم من انفتاح الإجابة عبر تعدد الاحتمالات التي يتعرض لها من كان قرر البقاء أوأُرغم عليه. غير أنها لم تكن متأكدة من أية إجابة تتصل بها عنه، سوى إجابة واحدة:((ما كنت (لأصبح) كاتبة لو لم امر بتجربة المنفى)) (ص155). وهي إجابة تتصل بقدراتهاالشخصية، ولا يمكن عدها الإجابة الأنجع عن سؤالها، الذي من المؤكد، يراود غيرهاممن تركوا أو أُرغموا على ترك بلدانهم في سنوات المحن.


وقد يصبح السؤال موجعاً حين يولد أسئلة آخرتتصل بالولاء للوطن من عدمه عبر الإقامة فيه أو التغرب عنه، من خلال الفجوة التييخلقها القرب من الفجيعة والعيش في إتونها أو الاكتواء بلظاها وبين من يبتعد عنها،وان كان ذلك البعد لا يمثل إنسلاخاً عن الوطن لمجرد البعد نفسه. فأوار الحنين إليهلا تخمده الغربة، إن لم تكن حطباً يزيد من اشتعالها: ((لاحظت أن الكثيرين، ممنبقوا في تشيلي وعانوا، يعتبروننا، نحن الذين غادرنا البلد، خونة، ويفكرون بأنالحياة في الخارج أسهل، ومن ناحية ثانية، لا يخلو الأمر من منفيين يتهمون الذينبقوا في البلد بالمتعاونين مع الديكتاتورية)) (ص 180). وهو تساؤل واستنتاج يخلقهالظرف المماثل للشعوب التي تمر بتجاب متقاربة من حيث الاسباب، ويؤدي إلى النتائجعينها بسبب القسوة والطغيان. فيكاد ينقسم الوطن بين الداخل وبين الخارج. غير أنالشعوب على قناعة من أمكانية تخطي هذا الإحساس بزوال مسبباته.


إن ما يؤدي إلى إختراع الأوطان، هو الغربةفيها أو التغرب عنها. سواء اتخذ ذلك صفة النفي الاختياري أم النفي القسري. وسواءكان بإرغام أم برضا. وسواء إتسم بطول المدة أم قصرها. فالنفي يولد الحنين. والحنينيدفع إلى الإرتباط بالمعشوق/ الوطن، الذي نستحضره عبر العيش فيه أو البحث عنه، وهوما حاولت (إيزابيل الليندي) في كتابها (بلدي المخترع) الوصول إليه والتعبير عنهبإحساس يتسم بالوله، وإن هدأت فورته لطول زمن مفارقة عذاب المرحلة الحرجة التي أدتإليه. لكنه في جميع الأحوال لا يخلو من عشق متجذر في روحها، وان فارقت وطنها إلىأرض أخرى.


إنه إختراع تمتلك (إيزابيل الليندي) شهادةالإنتماء إليه، ولكنها لا تمتلك حق الادعاء لوحدها احتكاره. فهو اكتشاف أزلي يتعلق بشغاف القلب، وإن كان التعبير عنه غير متاح للجميع، غير أن الإحساس به متيسرللجميع.


*بلدي المخترع/ إيزابيل الليندي/ ترجمة: رفعتعطية/ ورد للطباعة والنشر والتوزيع/ سوريا/ ط 1/ 2004.

** فصل من كتاب(تخطيطات بمداد الراوي).

 

 

حسن كريم عاتي


التعليقات




5000