.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة نقدية في شعر الشاعرة الأمريكية لويز غليك

حيدر عبد الرضا

قراءة نقدية في شعر الشاعرة الأمريكية لويز غليك  

  الدلالة الشعرية بين شفافية اللغة و الفاعل المنفذ 

توطئة :

أن القارىء المتابع لعوالم شعرية الشاعرة الأمريكية الحائزة على جائزة نوبل 2020 في الآداب الشعرية ( لويز غليك ) لربما نعاين حالات الأشياء ، في مجرى دوافع مضمرة و رمزية من حسية الذات الواصفة ، لذا فإننا و من خلال قصيدة (قديستان ) ترجمة الشاعر عبد الكريم كاصد ، واجهنا ذلك المعطى الدقيق من الربط بين حالتين متعارضتين في موجب الاستقراء النفسي و الوصفي في علاقة الوظيفة الشعرية . فالشاعرة في هذه القصيدة تمنحنا ذلك السقف من الإيحاء و الغموض في مجال من إمكانية استحضار النقائض في صورة علاقة موحدة من التشخيص و التفاوض من لدن مرجعية حالات ( التصوير / الإيحاء / المسكوت عنه ) امتدادا نحو انعطافات الموصوف ، وهو في مجاورات و تقاطعات دلالية داخلية من تجربة غاية الرابط المعادل في مماثلات الواقعة الشعرية :


في عائلتي ثمة قدّيستان

خالتي و جدتي 

لكنهما عاشتا حياتين نقيضتين  . / قصيدة : قديستان 


تتوزع الشيفرات الشعرية في هذه المقاطع الأولى من النص ، ضمن محددات إشارية ، مرئية و غير مرئية محسوسة و غير محسوسة ، تسمح بحفظ المكتوب النصي و نقله في الرؤية القرائية ، بعيدا حيث ضديات و بدائل الحالات المتصورة على لسان حال الأنا الشاعرة : ( قديستان ـ علاقة خصوص ـ مرجعية مؤولة / في عائلتي ـ العامل المتصل و أفق المرجع / خالتي و جدتي ـ محاور تنفيذ / لكنهما عاشتا حياتين نقيضتين ـ علاقة تضاد = آليات النص ) لعل ما تهدف إليه الشاعرة في محمولات و حالات المقاطع الشعرية ، ذلك الارتباط المقارن و التمييزي بين صورة ( الجدة ) و صورة ( الخالة ) و لكن ما ثيمة دليل و صفة القديسة في محمل موضوعة الموصوف ؟ أهي مماثلة توصيفية و حسب ؟ أم إنها صفة مستثمرة في مكامن مقصدية مرجعية في دلالة الخطاب الشعري : 


جدتي هادئة حتى وهي تبلغ النهاية 

شبيهة كانت بمن يسير في ماء ساكن 

ولعلّةٍ ما ، لم يقوَ على إيذائها البحر 

حين سلكت خالتي الطريق ذاتها 

تكسرت الأمواج فوقها و شرعتْ

بالهجوم 

هكذا تستجيب الأقدار 

لطبيعة روحين حقيقتين . 


بهذا المنظور و المستوى من روح و حافزية الاختلاف ، ما بين دال ( الجدة ) و دال (الخالة) نشعر بأن الذات الواصفة ، تسعى إلى توظيف و توطين مقاربة العلاقة المفارقة المطروحة في ذات الجدة و الخالة ، نظرا لتفاصيل أكثر تمهيدا في مضمر و توالد حالات النص ، فما معنى جملة ( جدتي هادئة و هي تبلغ النهاية ؟ ) أهناك كيفية مصيرية تربط دال الجدة إزاء مستحدثات دلالة الخالة مستقبلا ؟ ثم هل أن مؤشر البحر في المقاطع الشعرية ، دلالة على مقصدية المصير أو سطوة القدر مثالا ؟ كما و يبقى التواصل ما بين دال الجدة و الخالة قائما على هيئة و عاملية (المقصدية + المماثلة + المشابهة + التبجيل = قديستان = مرجعية مشتركة في التفارق ) و قد يتضح الفارق النوعي ما بين الأنموذجين ، على أساس من المخالفة و التضاد ، وصولا إلى وسيلة بلوغية خاصة من دلالة الفارق و الفروق ما بين (جدتي تبلغ النهاية / سلكت خالتي الطريق ذاتها / تكسرت الأمواج فوقها و شرعت بالهجوم ) أن هذا التخالف التركيبي في محمل الموضوعة ، ممكن له أن يمنحنا دور التخصيص و الانفراد في مستوى محور الموضوعة ، إذ أن هذا الرابط في محور الموضوعة يظل بمثابة المستوى في المعاينة و الاستنتاج الدقيق في محفل القراءة للقصيدة قدما . أقول مجددا أن العلاقة الواقعة بين دال الجدة و دال الخالة ، لربما هو حقيقة في كشف المصير الاحوالي و الدلالي في حسابات رؤية الشاعر ، و ذلك نظرا إلى مقصدية الجمل اللاحقة من القصيدة : 


جدتي حذرة ، محافظةُ

و لهذا تحاشت الألم

خالتي لم تستطعْ

ففي كلّ مرّةٍ يتراجع فيها البحر يتوارى 

واحدُ من أحبائها .


1ـ جدلية الموت و البحر في موضوعة الدوال :

و ينبني المعنى في مكونات العلاقة القصدية المتمثلة بجدل ثنائية ( الجدة .. الخالة = البحر = الموت ) و هذا الارتباط النواتي في محاور النص ، يقودنا نحو أسئلة الفارق و المغايرة المتصلتان في مؤشر الاستعارة المتحملة بين صورة المتكلم في النص ، و فعالية بؤرة حساسية مسمى ( قديستان ) و بهذا المعنى يستفيض الفاعل الأول عن الآخر في مساحة أخرى من المحايثة النصية ( جدتي حذرة .. محافظة ، ولهذا تحاشت الألم ) أن الدوال الصفاتية في ملفوظ هذه المفردات من النص ، تسعى إلى حركية ما تقترب من حياة التنزه و التطهر و التدين إلى حد ما ، فيما تبرز لنا فاعلية الطرف الآخر ، و كأنه يمارس حياة عابثة ، لكونه بعيدا عن عوامل فعل التقدس أو ما شابه ذلك ( خالتي لم تستطع ) و يعبر هذا المستوى من حياة دال الخالة عن حالة الشرود و التقادم نحو مساحة الانفصال عن مركزية دال قديسة ، توغلا في سياق ذلك المعادل الزمني و الثيماتي من التشكل النصي : ( ففي كل مرة يتراجع فيها البحر .. يتوارى واحد من أحبائها ) هذا المعنى من حسية المعادل النصي ، تجعلنا نباشر التوقع بأن البحر ما هو إلا أداة الموت المستعارة في النص ، فهو يلتقط الأحباب من ذوي القديسة ـ الخالة ـ لذا فأن بحكم كونها من تعاطى مع مألوفية الموت ، تسلم حالها عادة إلى فعل التصديق و الدعم لهذه المشيئة الربانية : 


مع ذلك فهي لم تعتبر البحر شريراً

بالنسبة إليها : الأمر سواء 

حيثما لامس ( البحر ) اليابسة حلّ العنف.


و من خلال ما يتحدد به المعنى الأخير من النص ، تتضح لنا الأبعاد الحجاجية الرافضة قاب قوسين منها ، إلى فعل و خلفية الموت ، خصوصا و أن مقدمات دلالة هذه الخالة من الهشاشة و الخذلان في العلاقة مع معطى القداسة في حقيقتها الروحية . لذا تراها في لحظة مزاولة فقدها لأحبابها من ذويها ، تنطلق من فكرة أن الموت بمثابة حالة من الاغتصاب أو جبروت النيل المتمثل بصورة البحر ، وهو يقتص من مساحة مثال تربة اليابسة : ( حيثما لامس البحر اليابسة حل العنف ) .


ـ التواصل الذهني بين وجود الأنا و غياهب الأحوال .

تحملنا دلالات قصيدة ( منظر بدائي ) للشاعرة ذاتها و للمترجم الصديق عبد الكريم كاصد أيضا ، نحو وظيفة خاصة من التواصل الذهني الكامن بين ( وجود الأنا ) و ( غياهب الاحوال ) في مواطن حاضرة و غائبة من مساحة الواقع و اللاواقع و الزمن و اللازمن و اليقظة أو اللايقظة ، امتدادا نحو مشخصات السؤال الوجودي : 


تدوسين على أبيك ، أمي قالتْ،

و بالفعل فأنا  واقفةُ تماماً في منتصف 

بقعةِ عشبٍ شُذّبتْ ،

قد تكون هي قبر أبي ،

مع أنه لا توجد شاهدةٌ تعلن ذلك . / قصيدة : منظر بدائي 


الواصف الشعري في المقاطع الأولى من النص ، يسهم في تأليف صورة مثقلة بأهداف زمنية و مكانية و دلالية و أحوالية أكثر تساؤلا و بحثا في موجودات الحس الصوري ما بين حال ( أنا الفاعل ) و بين ( مفاصل الفعل ) أسنادا إلى جملة المخاطب الإيهامية ( تدوسين على أبيك ) ثم تليها جملة اللاحق من صوت الأنا نقلا عن ضمير دال الأم ( أمي قالت ) توكيدا على أن الفاعل في وجوب الصوت المفترض في المخاطبة ، هو عائدا إلى صوت الأم ذاته ، و في هذا الحال ما يعنيه الأمر بأن أنا الفاعل ، هي متلقية لذلك لنداء المحمول في توليفة السياق الحواري . إذ تبادرنا و بصورة مباشرة صورة جملة ( فأنا واقفة تماما في منتصف بقعة عشب شذبت ، قد تكون هي قبر أبي ) لعلنا نتوقف قليلا في تصور اللحظة العابرة ، التي هي عليها حالات الموقف الشعري في القصيدة ، لنقول أن الأبعاد الوصفية في محفز هذا الضرب من ضروب المخاطبة بين ( الأنا / الآخر ) مجرد صورة أحوالية لا أكثر ، و لكننا عندما ندقق في جملة ( بقعة عشب شذبت ) و جملة ( قد تكون هي قبر أبي ) تتضح لنا دلالة تحول الموقع الصوري ، لتدخلنا في جهة قيمة محتملة من موضوعة الفاعل المشار إليه . و يتم ذلك في ظل من الوسيلة الاقناعية و الترابطية مع محور موجهات الفاعل المنفذ ( مع أنه لا توجد شاهدة تعلن ذلك ) أن الفعل التأويلي المنصوص عليه في كفاءة مرحلة أدائية هذه الجملة ، يقودنا نحو ( علاقة موضوعة ـ أنا الفاعل = جهة التحول ) و ينمو الوازع الأحوالي في مستحدثات المقاطع الأكثر إدهاشا و تأويلا ، و ذلك عندما يترتب قول الفاعل المنفذ في دائرة زمنية متصلة من حقيقة الاسترجاع و نقل حقيقة العلاقة نحو أصعدة خاصة من الفقدان ( الأم / الأب ) في الآن نفسه . فيما تتوضح لنا أنقطاعية الأواصر بين مرحلة الأنا و الآخر المتمثل بصوت الأم محتملا :


أنت تدوسين على أبيك ، ردّدتْ،

بصوتٍ أعلى هذه المرّة ، فبدا لي ذلك 

غريباً ، 

منذ أن ماتت هي أيضاً حتى الطبيب 

أقرّ بذلك .


1 ـ جهات الفاعل المنفذ و إمكانية مفترض الحال :

قد يلوح بنا هذا الجزء المتوسط من المقاطع الشعرية المعروضة أعلاه ، على عملية تحقق الوحدات الدوالية ضمن خلفية ( جهات الفاعل المنفذ ) في حدود معنى جملة (فبدا لي ذلك .. غريبا ) و جملة ( منذ أن ماتت هي أيضا ) و ذلك ما يعزز جملة التوكيد اللاحقة أيضا ( الطبيب أقر بذلك ) نفهم من وراء هذه الجمل ، بأن علاقة الفاعل المنفذ في أحوال المقاطع الشعرية ، ما هو إلا موقعا لاستجابة كل هذه الاعتبارات و الصور المنصوصة بوسائل غياب الأوضاع الأحوالية الأخرى من عين صفات الملفوظ ذاته ، كما و أن من يقدم على هذه الكفاءة في المخاطبة ، هو الفاعل المنفذ في النص ، كحالة كينونية جامعة لشتى الملفوظات من حقيقة واصلة الفاعل ذاته :


تنحيت ـ قليلاً ـ جانباً ، حيث أنتهى 

أبي ، و بدأتْ أمي .

كانت المقبرة صامتةً ، ريحٌ تهب عبر 

الأشجار 

كدتُ أسمع أصواتاً تبكي بخفوت على 

مبعدةِ صفِّ قبورِ

و أبعد منها ثمة كلبٌ ينبح

أخيراً خفتتْ هذه الأصوات . 


النص يتناسل عبر وحداته المشهدية ، ممتدا نحو الأشارات الوصفية و الاستعارية ، فيما تبقى العلاقة الرابطة بين أنا الفاعل ، وجهات موضوعة الأحوال المشهدية ، مهتمة بتكريس حالاتها في توهجات المساحة المكانية المتخيلة و المفترضة ، إقترانا بها و بذلك الكم من ميكانيزمات جملة ( تنحيت ـ قليلا ـ جانبا ، حيث أنتهى أبي ، و بدأت أمي ) أن مماثلات وظيفة الشاعرة ، أدخلتنا في جهات متوارية من دلالة النص ، إذ أنها تصوغ من جهة ذلك الفاعل تربة دال ( أبي ) ثم لاحقا يوافينا ذلك الصوت المتمثل بدال ( أمي ) ، مؤاخما في معنى ما ذلك الحضور في عين تأويل جهات الأفعال ؟ ولا ندري ما الأمر ؟ أيكون مصدر الفاعل الذاتي مجرد زائر إلى المقبرة و تحديدا إلى قبر الأم و قبر الأب معا ، حيث توافق اللازمن و اللامكان في وحدات زمن الخطاب ؟ أم أن هذا الفاعل مجرد وسيلة من قياس الزمن و المكان و الوجود ذاته ؟ ما معنى جملة ( أصواتا تبكي بخفوت ؟) و جملة ( خفتت هذه الأصوات ؟ ) ما المقصود من وراء هذه الواجهة الدوالية من التمويه و الغموض ؟، ربما تستفيد من جهة ما قابلية أنا الفاعل من ممكنات تكييف العلامات و الأشارات الزمنية و المكانية اختزالا نحو دلالة المساءلة و القناعة الاستجابية من طرف الواصف ذاته ، اقترابا منها نحو محمول السؤال الأحوالي الوحيد :


أختلط الأمر عليّ،

لا أذكر كيف وصلتُ إلى ما يبدو لي الآن

مقبرةً،

مع أنها قد تكون مقبرة في ذهني 

حسب ،

ربما هي كانت متنزّهاً

و إن لم تكن فهي حديقةٌ أو تعريشةٌ،

معطرةٌ ، أدركتُ الآن ، بعبق زهورِ ـ

عذوبةُ حياةٍ تملأ الهواء

حلاوةُ حياةٍ ، مثلما يقال . 


و هذا الأمر في الأوضاع المغايرة الحسية من زمن الدلالة المختلفة ، تقودنا تساؤلات الفاعل نحو محتملات من وجوه الذوات المستخلصة في محكي النص ؟ أو أنها قد تبدو عبارة عن إسقاطات في اللاشعور الفردي المتجسد في حادثة التضاد (قبر الأب / قبر الأم ) إذ أن جهة العلاقة بمدلول تجربة أنا الفاعل ، تتعزى بظروف ترابطية غريبة ، إلى حد وصولها إلى محددات إيهامية من تشويش الذهن و السؤال ( أختلط الأمر علي / لا أذكر كيف وصلت / يبدو لي الآن مقبرة ) الأمر على ما يبدو عليه في مقاطع النص ، متعلقا بحالات ذاكراتية مسترجعة من جهة عين الفاعل نفسه . و هذا الحال بذاته هو ما يجعلنا نستشف بأن معرفة الفاعل المنفذ ، على مقربة ما من أحداث و مواقف مستعادة بذاكرة مضطربة أو مشوشة : (الترابط السياقي : منظر بدائي ـ قبر أبيك = ماتت هي = انتهى أبي = بدأت أمي / العلاقة المكانية : المقبرة صامتة = أسمع أصواتا تبكي / العلامة : كلب ينبح = ريح تهب / استقصاء اعتباري : لا أذكر = مقبرة في ذهني = الفاعل المنفذ ) و تترابط مسلمات الحوادث التفاعلية ـ النصية ، بما يوفر لنا مساحة الأهمية السيمانطيقية لأدوات الربط الزمني و المكاني و الذواتي و السببي ، امتدادا نحو البنية الضمنية للفاعل المنفذ : ( مع أنها قد تكون مقبرة في ذهني ) أن بنية المعادل الحلمية و اللاشعورية في هذه الجملة المنتخبة ، قد توفر علينا فرصة التعمق في وحدات النص الأولى ، ارتباطا مع أبعاد شعرية الذاكرة المتصلة بعاملية الفاعل المنفذ ، أي بمعنى ما ، من الممكن أن تكون الذات في هذه الجمل من النص ، استشرافا على تضاريس حركة استرجاعية ، قد تكون بدايتها منذ زمن مخاطب صوت أمها إليها ، ثم بعد ذلك تكون حركة الزمن في تنام مطرد ، وصولا إلى حادثة تصادف قبرها إلى جوار قبر والدها افتراضا ؟ و لكن المشكلة في الأمر ، هي ما تحمله الجملة القادمة من النص ، التي تخبرنا العكس مما افترضناه جدلا في هذه المساءلة :


في لحظة ما 

حدث أن كنتُ وحيدةً .

أين ذهب الآخرون ،

أبناء عمي و أختي ، كيتلن و أبيغل ؟

الآن بدأ الضوء بالشحوب

أين ترى السيارة التي كانت تنتظر 

لتقلّنا إلى بيوتنا ؟ .


2 ـ حلمية الفضاء و مرايا ذاكرة الحلم :

أن أهم مخصوصيات قصيدة ( منظر بدائي ) ، هي التي تمنحنا مرايا التأويل و مفهوم المؤول في جملة كيفية و سببية مغايرة ، فعلى سبيل المثال تخبرنا جملة المفترض الزمني ( في لحظة ما ) أي بمعنى أن هناك حدود زمنية و مكانية و أحوالية تتعلق بماهية الحدث المسترجع ( حدث أن كنت وحيدة ) و التفكر بها المستحدث الزماني و المكاني ، يطرح أمامنا إمكانية التصور بأن الفاعل قد يبدأ الحديث الآن عن ذاته تحديدا ، و بواصلة مشهدية بلاغية منزوعة عن خطية الوصلات الأولى من مقاطع القصيدة : ( أين ذهب الآخرون .. أبناء عمي و أختي ، كيتلن و أبيغل ؟ ) أن حالات سؤال و مساءلة الفاعل في هذا المقطع لعلها تتوجس دلالة لفظة ( الآخرون ) بحسية الاستفهام و التقدير الوضعي ، و كأنها تحيا في مجال آخر من عالم الواقع ، أو أنها في حالة غريبة من الفقد و التفقد ( الآن بدأ الضوء بالشحوب .. أين ترى السيارة التي كانت تنتظر لتقلنا إلى بيوتنا ؟ ) المحصلة الأخيرة من ذروة المحتمل ، يمكننا فهمها على أن صورة أنا الفاعل ، هي من صنع الواقع المتحول في اللاوعي الحلمي لليقظة ، أو أنها موجهات شعرية في غاية الابعاد النفسية في تصور الأشياء . لذا فأننا يمكننا وضع ملخصات وجودها في النص ضمن غاية خاصة من شرود الوعي و اليقظة عن الفاعل نفسه ، و يمكن وضعها أيضا في صورة أنتاج تخييلي للذات في الزمن اللاحاضر تماما :


لا تنسني ، صرختُ به ، راكضةً ،

فوق العديد من القبور ، الأمهات ، و الآباء 

لاتنسيني ، صرختُ به ، وحين وصلت ُ إليه 

أخيراً،

قال : سيدتي ، مشيراً إلى السكة 

مؤكٌد تعرفين أنها النهاية .


3ـ الفاعل الذاتي بين هوام الأرواح و البرزخ الشعري :

من حدود هذا الفرع البحثي ، سوف نتعامل مع المقاطع الشعرية المعروضة أعلاه ، على أنها وظائف في أقصى غاية الأنموذج الفقداني المتوحد إذ تتجلى لنا جملة (لا تنسني ، صرخت به ، راكضة لا تنسني صرخت به ، و حين وصلت إليه أخيرا ) و تقودنا دلالة متاهة الفاعل الذاتي ، نحو اليقين بأنه من الأموات أخيرا ، مجرد روح بالقرب من جسدها المدفون تحت الثرى في مشهد المقبرة العائلية ، حيث تحوم الروح فوق قبور ( الأمهات ..الآباء ) و ربما حتى على قبور أبناء العم و الشقيقة لها أيضا ، و حتى سائق القطار ذلك ، هو بمثابة الروح المكلفة بنقل أرواح الموتى من عالم الدنيا إلى حياة البرزخ . و تبعا لهذا نعاين دلالات القصيدة وهي تتعاطى مع حديث سائق القطار أخيرا معها : ( مؤكد تعرفين أنها النهاية ) و على هذا النحو تتضافر محاور الفاعل الذاتي مع روح سائق القطار ، الذي يقوم بإخبار الفاعل في النص ، و ذلك عندما تبادره جهة الفاعل بالسؤال الختامي من القصيدة : 


ألا ترغب في الذهاب إلي البيت

لترى المدينة ثانيةً؟

قال : هذا هو بيتي.

المدينة ـ المدينة هي حيث أختفي . 


و إيذانا بنهاية الحكاية الدوالية في القصيدة ، تنفرد لنا العلاقة ما بين محاور الأمكنة و الأرواح ، في لحظات زمنية هي الأكثر مماثلة و تمويه و غموض في الأبعاد الشعرية العميقة .


ـ تعليق القراءة :

في الحقيقة أذهلتنا عوالم قصيدة ( قديستان ) و سرانية دلالات القصيدة الأخرى (منظر بدائي ) و أعتقد أن الأخيرة هي ما تستحق بذاتها جائزة نوبل وحدها .. يمكننا تقييم عوالم الرائعة ( لويز غليك ) و تحديدا قصيدتها موضع بحثنا الأخير ، على أنها ذلك المتخيل المحفوف بأقصى شيفرات المساحة الأبداعية التي قل نظيرها في الشعر الأوربي و الأمريكي المترجم .. فعوالم تجربة هذه القصيدة ( منظر بدائي) ما هي إلا مرئيات المتخيل الذي يصعب استنطاق دواله و مداليه ، اللهم إلا في حدود رؤية تأويلية سيميائية بالغة الموضوعية و الإجرائية الكاشفة عن ماهية بنيات الدلالات الشعرية المضمرة بين شفافية الأداة و مؤولات عوالم جوهرية القصد الشعري الرصين . 

     

 

حيدر عبد الرضا


التعليقات




5000