.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصص قصيرة جداً / الشِّتاء .. العَربَدةُ المائيّة

زيد الشهيد

(1) في قَلبِ الهَول 

فجأةً اكتشفنا أنَّ الشتاءَ تسلَّل إلى المدينةِ ، وراحَ يجوبُ الشوارعَ .. وفجأةً أعلمتنا الأشجارُ المنتصبةُ على أرصفةِ شارعِ الجسرِ الذي مررَنا به عابرين مِن صوبِ القشلةِ أنَّ الريحَ تلوِّحُ بأكفِّها الهوائيةِ من بَعيدٍ ايذاناً بدنوِّها مثلَ مخلوقةٍ نزقةٍ هوجاء تأتي معها بمطرٍ ينقرُ بأصابعِه على رؤوسِ الأبنيةِ وخدودِها ، ويُعلِنُ سعادتَه في اغراقِ الشوارع وإحداثِ سواقٍ تبعثُ خَريراً في الفضاءاتِ الأرضيةِ التي لم تَصلها لوامسُ البناء .. ولم نكُن نعلمُ أنَّ نشراتِ الأنواءِ كانت تشيرُ  مُنذُ أيامٍ إلى قُربِ حضورِ الغيومِ بلونيها الفضّي الناصعِ ، والرماديِّ الداكن .. غيومٌ أشارت النشراتُ أنْ ستأتي بلطخَاتٍ سَوداءَ تتفاوتُ في خفَّتِها وثقلِها ، وأنَّه سيكونُ شتاءً مُمطِراً تتخلله زوابعُ مجنونةٌ ورعودٌ رعناء ، تأتي حاملةَ نُذرِ الطبيعةِ الخارقةِ للمتوقَّع ؛ فقد ضربت الأمطارُ بعنفِها وغوغائِها مُدنَ شمالِ البلاد مُحدثةً  ضَوضاءً خَبرية وتناقلَ أنباءٍ تصفُ الحالةَ الجويةَ بغرابةٍ تفجّرُ الدَّهشةَ وتؤجِّج الرُّعبَ في النفوس .

نَعبرُ من رصيفٍ هاجت أشجارُه المتباعدةُ توَّاً ، فيتلقفُ الرصيفُ المقابلُ  ذو البناياتِ العاليةِ أقدامَنا الصغيرة ... كنَّا بسراويلَ قصيرةٍ خفيفةٍ مثل قمصانِنا ، ننتعلُ أحذيةَ الصندل ذات السيورِ الجلديةِ التي تشيرُ إلى فصلِ الصيفِ الحار . وكان أصغرُنا أولَ مَن قفزَ هارباً من عنفِ الموجةِ الهوائيةِ التي لحِقت بنا كأنّها تتقصدنا ؛ فتعثّرَ ، وكادَ أنْ يهوي أرضاً لولا اندفاع أكبرنا  بقفزةٍ سبقَت محاولتَنا الامساك به ومنعه من السقوطِ ، فرفعُه إلى أعلى . ولا ندري كيف تعاطفت الريحُ معه فعاضدته في الارتفاعِ وقد بدا كطيرٍ في رحمةِ القَدر . ووجدنا أنفسَنا نعبر إلى الرصيفِ الثاني فرحين سعداءَ كأننا هبطنا مِن سفينةٍ كانت تمخر العُباب وتقاوم الريحَ  لنكونَ عندَ شاطىء يقول الأمانَ ويمنحنا صكَّ الانتصار . 

ورُغمَ أنَّنا عبرنا إلا أنَّه عبورٌ لم يُحدِث تغييراً رُغم انتصابِ البنايات وعلوِّها مقارنةً بالبنايات التي صارت وراءنا ، فقد رشقَ وجوهَنا دفقٌ من رذاذٍ باردٍ ، وقدمت ريحٌ تحملُ عُنفاً خرافياً رأيناها تصفعُ الأشجار في الرصيفِ الثاني ، فتتمايلُ الأغصانُ ، ويتساقطُ الكثيرُ من الأوراق ، وتتشكَّل تياراتُ هواءٍ لولبيةٍ ترابيةٍ ضايقَت مارَّةً كانوا يهمّون بالهَرب ، وحَماماً شاهدناه يتمايل في مصارعةٍ غيرِ متكافئةٍ  ، ويتهاوى كأنّه سيرتطمُ ويتهشّمُ وتتناثرُ دماؤه على حافاتِ الرصيف ، وتسيلُ فيجرفُها تيارُ ماءٍ شرع بإعلانِ وجودِه كسيلٍ يترادفُ والماء المحمول على اكتافِ العاصفةِ ( يا لقسوةِ العاصفةِ إذا جُنّت ! ، ويا لبؤسِ الطيورِ إذا تهاوت ! ) . 

المشهدُ أيقظَ فينا الفزعَ ، وجعلنا نتذمَّر مِن رذاذٍ صار يهاجمُ عيوننا ... ومع هذا كانَ الاصرارُ على المقاومةِ والخروج من هَولِ الجّنون المائي والريحي ديدناً انبثقَ في نفوسِنا .

استطعنا الركضَ مُهرولين باتجاهِ الحَمام الذي تبعثرَ على الرصيفِ وسقطَ بعضُه في عرضِ الشارعِ وكادت السياراتُ المارّة أنْ تسحقَه ... كانت عيونُ الحَمام الذي رفعناه بأكفِّنا وبحنوٍّ تُفشي رُعباً ، وكان ريشُها نقعَ بالماءِ سريعاً ، فلم تكُن قادرةً على الطيرانِ والاحتماءِ من جنونِ ريحٍ عاصفٍ لطالما كانت تخشاه فتهربُ للَّوذِ في أخاديدَ وشقوقٍ تنتشرُ في ابنيةِ الشارع .( ومحظوظٌ ذلك الجوقُ من الحَمام  الذي رأيناهُ مُنزوياً  وقد حقَّقَ النَّجاةَ وأفشلَ غدرَ الطبيعة ) .. أبصرنا أصحابَ الدكاكين يهرعون إلى ادخالِ بضاعتِهم المكشوفة خشيةَ تبعثرها وتطايرها ، ونساءً يتشبَثن بعباءاتهنَّ ويُحكِمن لفّها على أجسادهنّ خشيةَ طيرانها ،  ورجالاً مهندمين راحت اربطتُهم تنفلتُ من ستراتِهم المُحكَمةِ الأزرار فتلطمُ وجوهَهم وهُم في حالةِ بحثٍ يفتِّشون عن وسيلةِ انقاذٍ تُبقي ولو لمحةٍ مِن الهندام الذي تمرَّغَ بوحلِ سخريةِ الهَوَجِ المَطري .

ولم يكُن مِن مُنقذٍ للجميعِ إلا السوقُ المُسقَّف الذي لوَّح بذراعيه أنْ يتَّجهوا اليه ، أو هو شكَّل هوَّةً خيِّل الينا أنَّها راحت تشفطَ الحَمام الذي كانَ يُصارع بما تبقّى من قوةِ في اجنحتِه ، والرجال الذين يأملونَ القبضَ بالكَفِّ على ما تبقّى لديهم مِن هندَمةِ ، والنساء اللائي بدا لنا كأنَّهن يطُرنَ مسحوباتٍ الى قلبِ السوق كُتلاً سوداء .. ولم نشذُّ عن الجميعِ في الحركةِ ، فتركنا أقدامَنا ترتفعُ عن الأرضِ وتعطي الحريةَ لفمِ السوقِ الذي تلقَّفنا ، فمنحنا فُسحةً من هدوءٍ سرعان ما حفَّزنا على النظرِ الى الطريقِ وهو يغرقُ بهديرِ الماء ، وجعلنا نُصغي بذهولٍ الى ريحٍ حملت جنونَ الطبيعةِ ، وكلامِ شيخٍ كان يعيشُ الدهشةَ وهو يصرخُ بذهولٍ : هذا ليسَ مَطراً ، هذا اعصارٌ أهوجٌ لم نرَ شبيها له الا ما تنقلُه شاشة التلفاز عَن بلدانٍ بعيدة اعتادت مثلَ هذا الغضبِ السماوي .. ياااااااه ، ما هذا الهول ، يا الله !!!


(2) غَرقى والبَرقُ بَيان 

 ما كُنّا لِنكرَه الشتاءَ لو أنَّه جاءَ بالبردِ الوديعِ والمطرِ الحاني فقط ، بلا عواصفَ خرقاء ولا رياح  تَحملُ استهتارها شعاراً لسلوكِ دَربِ الأذى . هكذا تبارت نفوسُنا بالأمنيةِ ، وتعالت داخلَ القلوبِ رغبةُ حبِّ المطر . غيرَ أنَّ ما حدثَ في ليلةٍ بارحةٍ كرَّس بمخيلتِنا صورةً للجنونِ وملمَحاً من ملامحَ طبيعةٍ قالت عن نفسِها ذلك الشتاء أنّها لافتةُ الهَولِ ، وبيرقُ الهَوَجِ . فأحدثت جرّاءَ ذلك مآسيَ لأغلبِنا وآلاماً مُرّةً في نفوسِ الأهلِ ... جاءنا شَوكَت بيدين موحلتين والقذى في عينيه يختلطُ بالدموعِ المسكوبةِ تدفقاتٍ على خدّيه الأسمرين المتقشّرين من ظُلمِ البردِ المُتجبِّر منذُ أسابيعَ ليقولَ أنَّ جدَّتَه توفَّت في ساعاتِ الصباحِ الأولى بعدما هطلَ المَطرُ لساعاتٍ وتسرَّبَ في أولِ الأمرِ مُتسلِّلاً الى غرفتِها المفروشةِ بحَصيرِ الخوصِ ما لبثَ أنْ تدفَّقَ سيلاً فأشبعَ الفِراشَ الاسفنجي بالمياهِ المُخضَّبةِ بالطينِ السَّائلِ وتركَها ترتجف في رَعَشٍ لم تنقذها منه كلُّ بطّانياتِ البيتِ التي راكمناها فوقَها فلفَظت أنفاسَها الأخيرةَ مرغَمةً  وعيناها تتضرَّعان أنْ ننقذَها من المُختلس المُتربّص وهي ترى طيفَه يدورُ حولَها ويوشوش في اذنِها وشوشةَ التَّشفّي ويرقصُ على ايقاعِ المَطرِ الأحمق  بينما جاءنا غريبُ يُعلِمنا بخبرٍ انتشرَ بين ناسِ المدينةِ كالبرقِ في السَّماء وكنّا الوحيدين الذي لم يَصل مسمَعَنا . قال أنَّ حَشداً يتجمَّع في بابِ المستشفى يتسقَّط أخبارَ عائلةِ مجلّي الحمّال التي انهارَ عليها سقفُ الغرفةِ الوحيدة التي تجمعَهم ، وهُم الآن سبعةُ أنفارٍ جَرحى مُهشمَّي العِظام وفي غيبوبةٍ طويلةٍ ، يجاهدُ الأطباءَ المسعفون في ابقائِهم على قيدِ الوعي ولو بأملٍ ضئيل . فهرعنا راكضين صوبَ المستشفى غير آبهين بالجاني الذي غدا مَع وقتِ الضحى رَذاذاً يكايدُ شمساً كانت تُعلن عن نفسِها من بين غَماماتٍ سوداء تملأُ السماءَ وتحاولُ الهبوطَ لتجثُمَ على نفوسِنا ساعات النهار .. أمّا حَنين التي كانت تنضمّ لجمعِنا في لعبنا في الزقاق  وكانت تَسقينا اللَبَن من عَنزةِ جدِّها المربوطة في الخرابةِ المُلاصقة لبيتِهم المتهالك عندما ترانا عائدين من البَساتين الشرقية تتأرجحُ من أصابعِنا أرجلُ عصافيرَ ميتةِ اصطدناها بالمَقاليع فغابت عنّا ، ولم نَرها اليوم . ولم يَدُر في خاطرِنا أنَّها ماتَت بصعقةٍ كهربائيةٍ عندما أرادت ازاحةَ سلكٍ مُتدلٍّ مِن السَّقفِ عن أمِّها العَمياء التي كانت تخوضُ في مياهٍ غَمرت حوشَ الدار فصُعِقت وسقَطت دونَ حِراكٍ .

لقد كرِهنا الشتاءَ كُرهَ امهاتِنا للموتِ الذي يقطفُ بين حينٍ وحين ثمرةً من ثمرات زقاقِنا فيجعل الكآبةَ وباءً يغزو الأرواحَ ويترك الكَمد مُتبختراً في بيوتاتِ المدينة وأزقتها باحثاً عن روحٍ غافلةٍ ليصطادَها ... وصرنا ما أنْ ننتهي من فصلِ الخريف حتى يأتينا التشاؤمُ بغيومٍ سوداء تَلوحُ من بعيدٍ كزائرٍ غيرِ مُحبَّبٍ ، وتغدو الأيامُ القادمةُ تباشيرَ قلقٍ لا ينتهي ؛ ذلك أننا نخشى فقدَ أعزاءٍ لنا لا قدرة لقلوبنا على محوِهم من أسطر اعمارنا ، وكُرّاسِ الذاكرةِ ، فنهتفُ في نفوسِنا الملتاعة : أيُّها الشتاءُ الأرعنُ المهووسُ بالأذى ، ابتعد عنّا ، ودَع العامَ كلَّه ربيعاً ، وصَيفاً ، وخريفاً ، خلوَّاً من أقدامِك الرعناء التي تدوس هناءَنا وصفاءَنا وتجعل مِن أحلامِنا نثاراً بفعلِ أنفاسِك الهوجاء . 

(3) مُعاناةٌ .. فالوقتُ خَطْب

في ما مضى من الأعوام كانت مدينتنا التي تتربَّصُ بها الصَّحراء لتبتلعها ويحرصُ الفراتُ على عدمِ التفريط بها فيمدّها بالإغراء المائي كي تبقى جارةً له ، تَتحسَّب لطوارئ الشتاء وتهيئ مُستلزمات السيطرةِ على المواقف والتجاوز عليها ، لكنَّها هذه المرَّة أعلنت أنَّ هاته المستلزمات ما هي إلا محاولات بائسة ويائسة تبعث على السخرية المُرَّة ، فالقادمُ القريب من الساعات يُنذر بالثبورِ وينادي بالويل ، وما هذه الريح التي نراها الآن تصفع وجوهَ الأبنية فتدميها بالماء وتضرب هامات الاشجار فتذلُّ كبرياءَها وتولول بهواءٍ أخرقَ يُشعرنا كأنَّنا ريشٌ يوشِك أنْ يطيرَ إلا ترجمةً لمعركةِ ريحٍ مائيةٍ  تُدرِك انتصارَها مُسبَقاً .

ذلك الصباح المدلَهِم رأيت جدَّي الذي كانَ بمعطفِه الصوفي الاسودِ السميك ينتصب في وسطِ الصَّالةِ مكتئباً يطالع زجاجَ النافذة وهي تتلقّى رشقات المَطر المتلاطم  مدويّةً ، صاعِقةً . بجانبه منضدةٌ تتراكمُ عليها أوراقُ تدويناته عن حادثةٍ أرادَ جعلَها مِثالاً لرؤيةٍ هي محورُ مَقالةٍ سينتهي منها  : " المطرُ بكاءُ السَّماء على أرضٍ يدوسها الانسانُ الجاحِد بعقبيه ." 

كانت شجرةُ السِّدِر الهائلةِ التي تنتصبُ على رصيفِ الشارع  المُقابل لبيتِنا ويطالعُها جَدّي آنذاك بكآبةٍ قد وهَنت ، بعدما كافَحت وبكلِّ اصرارِ الشَّجر الذي لا يموت الا وهو واقفٌ ، بفعلِ الريحِ الهادرِ ، العاصِف ، القادمِ مِن كلِّ الاتّجاهات والذي استمرَّ يصفعُها طوالَ ساعاتِ الليلِ وبدَت كليلةً كأنّها شجرةٍ تعيشُ الشيخوخةَ وتستسلمُ للذواء .. ينهالُ عليها الماءُ الهاطلُ مِدراراً بعد أنْ هبَّت عليها رياحُ الشّمال الآتية من جهةِ النهرِ ( إنَّ ريحَ الشمالِ شتاءً هويةٌ تُنبىء بالمطر ) . أوراقُها الخضراءُ الصغيرةُ التي اعتادت أنْ تكونَ مَشوبةً بغبارٍ تُحدِثه حركةُ السيارات المارّة في أيامِ الصحو  استحالت لامعةً وأكثرَ دكنةٍ ، لاسيما والمطرُ يمرُّ عليها بهيئةِ خيوطٍ مائيةٍ تترك صوتاً أشبه بالكركرةِ ، أي كما لو أنَّها تضحكُ لأنّها لم تستحم مِن زَمان ، وكما لو أنَّ الفتيات الثلاث اللائي شاهدناهنَّ يهرعنَ إليها للاحتماءِ بها رُغمَ أنَّهن يرفَعن المظلات أعلى رؤوسهنَّ اتقاءً واكتشفنها على وشكِ الانهيارِ وتحطمها كدفاعاتٍ ساترةٍ لقاماتهنَّ ، لأنَّ المطرَ لم يكُن مَطراً إنَّما نَهراً يجري فوقَ المظلات .. وكانت السماءُ تطلق رصاصَها المائي على هيكلِها فيسلك مَجرى الأغصان فتستحيلُ أنهاراً تجري فوقَ رؤوسِهنَّ ، وأضحى عبورهنَّ للرصيفِ الآخر والاحتماء بالبنايات العالية من عِداد المُغامرةِ غير المحمودةِ بفعلِ الشارعِ الذي صارَ نَهراً يجمع مياه البحار والمحيطات ذكَّرَهُن بالنيل الذي قرأنَ عَنه في مناهجِهنَّ الدراسية أنّه حينَ كانَ يهدر هَوجاً ويفيضُ تخبّطاً لا يتوقّف إلا بأجملِ فتاةٍ تُساق مُجبرةً  فتوهب له ( كلُّ واحدةٍ  صوَّرَت المَشهد في ميدانِ قلقِها فتخيَّلت أنَّها الفتاةُ المحتملةُ الاختيار التي ستغرقُ في الهديرِ الحاصل بين الرصيفين فجفَلنَ جميعاً ) . أمّا نَحنُ الذي كنَّا نخوض في المياهِ المتدفّقةِ كنهرٍ  فذكَّرنا هذا المطرُ الغادرُ بتلكَ السيارات المشبكة وأولئكَ الرجال الذين كانوا في قفصِها يلوِّحون لنا بمناديلَ وخرقٍ موحلة ؛ يكلِّموننا بنظراتٍ تُعلِمُنا بانَّهم يُعانونَ من خَطبٍ ، ولا يعرفون أينَ يُساقون ... كنَّا نَعرف مثلَ هاته السيارات إلى أينَ تتَّجه . فقد خَبَرنا أقراناً لهم كثيرين كانوا يُجلَبون في الأيام الغائمة الملبَّدة برَصاصِ السُّحُب أو في صهدِ الصيف بمثلِ هذه الوسائط التي تتمثَّل رمزاً للقهر ، تمرُّ بمدينتنا ، ثم تخرج لتخترقُ الصحراءَ إلى أُخدودٍ بمثابةِ وادي تيه  يُسميه آباؤنا " نقرة السلمان "  ، سالبةً من عيونِهم مشاهدَ المدنِ ومعالمَها الوردية ، وصورَ حبيباتٍ لم يُسعفِهن الحظ بالتلويح بأكفِّ التوديع ، والوعد بالانتظارِ حتى لو كانَ الفراقُ دهراً . كان منظرُهم يغمر نفوسَنا بسيلِ المَرارة ودفقِ التأسي ؛ وكنّا نلوِّح لَهم بأكفِّنا الصغيرة ونحنُ نتلفت وَجلينَ خشيةَ عيونِ رجالِ الأمن الذين كانوا ينتشرونَ وقتَ مرورِها في الشارعِ الذي تسلكُه ونتحسَّب لشرورٍ يصبّونها على مسامِعنا شتائمَ وتحذيرات بالويل .

نستديرُ إلى الفتياتِ اللاتي احتمينَ بشجرةِ السدرِ وغدرت بهنَّ الأمواه المتسربة من بينِ الأوراقِ والأغصان فنلمحُ عربةَ باصٍ توقفت حذاءهنَّ ، فاندفعنَ الى جوفِها في حالة انتصارٍ لا يضاهيه غيرُ الانتصارِ في معركةٍ غيرِ متكافئة .

وإذ أودِّعُ الصَّحبَ وأعود إلى بيتِنا أجدُ جدّي قد دوَّن : " يا لها مِن شَجرةٍ عَصماء  كم تحمَّلت مِن جنونِ الشتاء ! وكم صَمدت وتعالَت على جراحِها والكسور بفعلِ ريحِه ، وتخبطهِ ، وعَصفه !"

السماوة

 

 

 

زيد الشهيد


التعليقات




5000