هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عودة الشهيد الحي ولقاء أخوين بعد أربعين عاما

سالي المبارك

 

قصة مؤلمة من قصص العراق الحزينة حدثت لعائلة عراقية  في مدينة بغداد من شهر سبتمبر من عام ١٩٨٠ هذه القصة فيها من الظلم والقسوة  والدهشة ما يعجز حتى الخيال على نسجها كما حدثت هي في الواقع ،  فلا قيمة لقوانين الظالم ولا أهمية لحواجز المستحيل عندما تكون مشية الله ان تحمي طفلين بريئين من وحشية سلطة  ظالمة  ، كانوا يريدون   ان يمحوا  كل أثر لهذه  لعائلة  عن الوجود لكن الله كان يريد ان يعز ذكرهم  بأبناء وأحفاد  يخلدوا  ذكرى كل من أستشهد منهم . رب هذه العائلة المنكوبة هو السيد جواد السيد ناصر الموسوي جريمته التي اعتقل بسببها هي الأنتماء الى حزب الدعوة الإسلامي وفي قوانيين البعث الحاكم انا ذاك  لا يسمح بتعدّد  الأحزاب بل كان هناك نظام الحزب الواحد والطاعة العمياء  لذلك الحزب وكانت عقوبة كل مواطن عراقي  ينتمي او حتى يشتبة بالأنتماء الى حزب آخر غير البعث الإعدام هو وعائلته حتى لو كانوا نساء وأطفال  لا يفقهون شي بالسياسة . 

 كل من كان موجود في بيت السيد جواد الموسوي في ذلك اليوم المشئوم تم اعتقاله معه اعتقل أخيه عبد الرضا وابن شقيقته طالب وزوجته السيدة أبتسام زويّد الحجامي التي كانت حامل في شهرها السابع واختها التي صادف وجودها كضيفة  وأيضا اعتقل الطفلين حيدر جواد الموسوي ذو الأربع أعوام  واحمد جواد الموسوي ذو العامين  وجميعهم تم الحكم عليهم بالأعدام . 

 

لكن كيف نجا الطفلين  حيدر واحمد من الإعدام ؟ 

بعد مرور أكثر من شهرين على أعتقال العائلة سمعت والدة الشهيدة ابتسام ام حيدر من احدى النساء في منطقتها أن أمن صدام جاؤوا بالنساء المعتقلات من حزب الدعوة الى سجن النساء في الزعفرانية وأن  أم  حيدر من ضمن هولاء المعتقلات وكانت قريبة هذه السيدة نزيلة في هذا السجن على خلفية قضية لا علاقة لها  بالسياسة فأتفقت   مع الجدّتين والدة الشهيد جواد الموسوي ووالدة الشهيدة ابتسام ام حيدر على القدوم معها الى السجن بذريعة مواجة السجينة العادية ومحاولة اللقاء بأم حيدر المعتقلة في جناح معزول عن بقية  السجينات اللواتي  عندهن تهم غير  سياسية  وفرصة اللقاء الوحيدة بينهن كانت فقط  في دورة المياة ،   وبعد ان اتفقت هذه

 السيدة مع قريبتها على أخبار ام حيدر بقدوم والدتها وأم زوجها لمواجهتها في المرة القادمة 

ذهبت الجدّتين  معها الى سجن الزعفرانية في الزيارة التالية على أساس أنهن خالتي السجينة وأخذن معهن ملابس جديدة للطفلين فقد كانت هناك خطة عندهن وهي تهريب الطفلين من السجن . 

لكن لم يكن التحرك داخل السجن امام أعين الحرس بالأمر السهل لكن الله يسّر لهما اللقاء بأم حيدر وبعد أن لبس الطفلين ملابسهما  الجديدة كان المفروض أن تأخذ كل واحدة منهن طفل معها عند الخروج وأنتهاء المواجهة  . 

 خرجت أولاً  والدة الشهيد جواد ومعها الطفل حيدر ذو الأربع أعوام خبئته تحت عبائتها وعند الباب قال لها الحارس :  

يا حاجة  أخرجي الطفل المختبة تحت عبائتكِ ؟ هنا تصرفت الحاجة بكل ذكاء وشجاعة وقالت للطفل أخرج من تحت عبائتي كم انت مشاكس كل مرة تلعب وتختبى تحت العباء ثم تفقد الحارس الختم الموجود على يد الحاجة وعلى يد الطفل فلم يجده ! 

هذا الختم يختم به كل من يدخل للسجن لزيارة ومواجهة  المسجونين للتميز بينهم وبين المسجونين  عند الخروج 

قال الحارس : اين الختم على يد الطفل يا حاجة ؟ 

في هذا الموقف الصعب ألهمها الله  القوة والحكمة  قالت له الموظف لم يختم على يد الطفل عند دخولنا  ،  اذا تريد ان تأخذ هذا الطفل خذه أرجوك  وخلصني منه أصلا هو طفل مشاغب ومتعب ولا يسمع الكلام . 

قال لها الحارس حسنا خذي الطفل وخرجي 

بالقدرة  الألهية  وبشجاعة  الجدة تم أنقاذ الطفل الأول حيدر من الإعدام والخروج به خارج اسوار السجن 

في هذه الأثناء كانت والدة ام حيدر تراقب عن بعد وعندما شعرت بقوة التفتيش خافت ان تخرج احمد معها لأن تكرار  نفس الموقف مرتين وهو عدم وجود ختم على يد طفل آخر  يعني أثارة الأنتباة وربما ملاحقة الجدّة  التي خرجت قبل قليل مع الطفل حيدر لذلك قرّرت  أرجاع  احمد الى امه واتفقت معها انها سوف تأتي لها في الزيارة القادمة كي تأخذه  منها ،   

لكن عندما حان موعد الزيارة القادمة  لم يجدان أي أثر للسجينات السياسيات ومن ضمنهن ام حيدر فقد تم ترحيلهم الى مكان آخر وأختفت أخبارهم ثم تم تبليغهم فيما بعد  بأعدام كل المعتقلين من العائلة  

كيف خرج الطفل احمد جواد الموسوي من السجن ؟ 

  وكيف ألتقى مع عائلته وأخيه حيدر بعد أربعين عاماً؟ 

 

في يوم ٢٠سبتمبر من سنة ٢٠٢٠ نشر السيد حيدر جواد الموسوي على صفحته بالفيس بوك منشور قال فيه : في مثل هذا اليوم من عام ١٩٨٠ كنت بالسجن معتقلاً وتهمة الأعتقال الأنتماء لحزب الدعوة راح تسألني ليش شكد عمرك هسه ؟ عمري ٤٤ سنة يعني كان عمري اربع سنوات ونصف فقط عند الأعتقال وأتذكر كل التفاصيل ثم يتسائل بالمنشور اذا كان أبي  سياسي انا الطفل الصغير ماهو ذنبي ؟  وأرفق مع هذا المنشور صورة لأخيه أحمد ذو العامين وقال هذا اخي الشهيد المظلوم احمد . 

هذا المنشور انتشر انتشار كبير في مواقع التواصل الأجتماعي وتعاطفت الناس معه كثيرا ،وبعد خمسة أيام فقط جاءت البشرى الكبرى من الله تعالى التي لم يكن أحد يتوقعها ، أحدى السيدات أعادت نشر هذا المنشور على أحدى أكروبات الوتس اب النسائية في منطقة الكرادة والتي  صادف وجود اخت احمد بالتبني في هذا الكروب وعندما لاحظت الصورة وملامح الطفل وقارنتها مع صورة لأحمد أخذت له عندما عثرعليه قبل أربعين عام تأكدت انها تعود لنفس الطفل . 

 

 

أتصلت بالمرأة التي نشرت المنشور وأستطاعت من خلالها الحصول على رقم هاتف عم حيدر صاحب المنشور وأخذت تستفسر منه عن بعض الوقائع وتطرح الأسئله حتى تجزم باليقين وتعلن لهم عن الخبر المفرح بوجود احمد عندهم حياً  يرزق وليس شهيد كما كانوا يعتقدون 

صدمة  الخبر  كانت كبيرة جدا على العم الذي طلب منها على الفور زيارتهم ولقاء أحمد وفعلا حصل منها على العنوان  وذهب هو وكل عائلته لرؤية احمد والتأكد ان ما يحدث لهم هو حقيقة وليس حلما ً ، وكانت المفاجاة الكبيرة عند الوصول وفتح احمد لهم باب الدار أحمد يشبه كثيرا أخيه حيدر بالوجة والجسم والصوت، غمرت  احمد والعم وعائلته مشاعر الفرح والحزن والدهشة مشاعر صعب ان تصفها الكلمات وهم يعانقوه ويقولوا سبحان الله انك انت احمد نسخة من أخيك حيدر  

بعد الترحيب وفرحة اللقاء  بدأت أخت احمد تروي لهم كيف وجدوا أحمد قبل أربعين عاما واحمد يروي لهم عن حياته طيلة هذه السنين . 

  

كيف تم العثور على احمد ؟ 

حكت الأخت الكبرى التي كانت تُلقب بأم أحمد من حبها الكبير له  فهي كانت  الأم والأخت معاً ومنحت كل ما لديها من عاطفة لهذا الطفل الصغير

قالت :  كان والدي مختاراً لمحلة الكرادة فأخبر من قبل مركز شرطة السعدون بالعثور على طفلين أحدهما عمره بحدود سنتين والآخر بحدود اربع سنوات ، والمعتاد في مثل هذه الحالات ان مركز الشرطة يحتفظ بالأطفال الضائعين في النهار ويرسلهم للمبيت في بيت مختار المحلة ليلاً حتى يتم العثور على ذويهم . 

ولما ذهب المختار ليأتي بالطفلين الى داره سأل الطفل الأكبر عن أسمه فقال له أسمي فراس وهذا احمد وبذلك عرفنا ان الطفل الأصغر أسمه احمد وهذه هي كل المعلومات التي استطعنا ان نعرفها  من فراس فلم يكن يعرف أسم أبيه او اين تسكن عائلته ، كان الطفلين بوضع سيئ احمد جلد ساقه ويده متسلخ وفراس تأذت أحدى ركبتيه ، في ذلك الوقت لم نكن نعرف السبب وأن كان المرجح ان قسوة عناصر الأمن هي السبب وليس بمستبعد ان يكون غلاظ الاكباد قد ألقوا بهما من السيارة قبل توقفها تماما . 

وبعد أيام من التنقل بين مركز الشرطة وبيت المختار وعدم العثور على أهل الطفلين أو ظهور من يسأل عنهما سأل المختار الطفل فراس عن أبيه ربما يعرف شي عنه قد يفيد بالعثور على اهل الطفلين أجاب فراس بِكُل براءة انت ابي حينها أهتزت مشاعره كثيرا ودمعت عيناه و قرر المختار السيد مهدي نعمه جاسم الشمس الخفاجي أبا عماد هذا الأنسان العظيم تبني الطفلين وضمهما الى أهله . 

كانت لحظة قرار التبني  كما روت القصة اخت احمد الكبرى لحظة مفعمة بالعاطفة والشجن ومليئة بالنبل والنخوة من جانب هذا الرجل الطيب.

عاملهما بالأحسان والطيبة كأولاده بل أكثر حتى وفاه الأجل عام ١٩٨٥ وأوصى بهما  أهله من بعده فكانوا نعم البررة في حفظ وصيته والوفاء لها وبها . 

تزوج أحمد أبنة خاله بالتبني وله منها ابنان وبنتان وضعه المادي مستقر فهو يعمل ككاسب ناجح في السوق ويحتفظ بعلاقات وثيقة للغاية مع الأسرة التي تبنته وعلاقته أكثر من وثيقة مع فراس الذي تزوج بسيدة قريبة من الأسرة نفسها وشاء الله ان يجد فراس أهله أيضا بعد ان وجد احمد أهله في نفس الأسبوع 

 

هل كان أحمد يعلم أنه ليس ابن المختار الحقيقي ؟  

كيف كانت حياته ؟ 

ما هي الصدف الغريبة التي حدثت ؟ وبمن ألتقى دون ان يعلم ؟ 

عندما كبر أحمد لم يكن يعلم أنه ليس أبن المختار وهذه العائلة التي يعيش معها هم ليسوا أهله الحقيقين الى أن أصبح في الثانية عشر من عمره وفي أحدى الأيام  كان في زيارة لبيت أقارب لهم  حيث دخلت أحدى الجارات وقالت دون ان تنتبه الى خطورة ما تقول : مسكين هذا الولد ألم تجدوا أهله ؟ هنا أنتبه أحمد الى كلام المرأة وقال لهم عن ماذا تتحدث هذه المرأة أي ولد وأي أهل ؟ حاولوا تجاهل كلامها  والتغطية عليه قالوا هذه المرأة لا تعرف ماذا تقول هي تتكلم عن شي آخر . 

 

بقى كلام المرأة يدور في عقل أحمد وعندما عاد الى البيت سأل أهله جميعهم وبأصرار يريد أن يعرف الحقيقة ، أمام هذا الموقف أضطرت العائلة أن تُخبر أحمد بكامل القصة  وعندما تحدث مع فراس بالموضوع تفاجئه  أن فراس كان يعرف بهذه الحقيقة لأنه أكبر عمرا منه ويتذكر بعض تفاصيل الطفولة  لكن فراس  أسلم نفسه للقدر وما كتب الله لهما و لم يكن يريد أن يتعذب أحمد وتنجرح مشاعره .

منذ ذلك اليوم أصبحت ساعات الليل طويلة جدا عليه عندما كان يريد ان يخلد الى النوم يراوده ألف  سؤال: من أنا ؟ من هم أهلي ؟ ولماذا تخلوا عني ؟ ما هي جريمتي التي أرتكبتها وانا طفل صغير بعمر سنتين ؟ هواجس كثيرة كان صدره يختنق بها ألماً  حتى أصبح الحزن رفيقه  والدموع ونيسه،   هذا الجرح والحزن الكبير كان يحاول نهاراً  أن يخفيه عن الجميع وهو يبتسم في وجوه من حوله من الناس  بينما الألم  يعتصر قلبه . 

     

أحمد وفراس لم يتمكنا من أكمال تعليمهما الذي لم يتجاوز السادس أبتدائي لعدم أمتلاكهما ا أوراق ثبوتية أنحرموا من التعليم كما أنحرموا من ذويهم .    

 

       ومن الصدف الغريبة التي حدثت في حياة أحمد قبل أن يلتقي بأهله  ، خالة أحمد الحقيقية كانت جارة عمته بالتبني وعندما كان أحمد يزورها كان يرىٰ  تلك الجارة تزور عمته دون أن يعلم أي منهما برابطة الدم القوية التي تجمعهما . 

وأيضا مصادفة أخرى حدثت  عندما حضر أحمد  مجلس عزاء عمه الحقيقي المفكر الأسلامي المرحوم السيد هاشم الموسوي مع صديق له كان يعرف عائلة الموسوي دخل الى المجلس وصافح عائلته وقدم لهم واجب  العزاء دون ان يعلم أنهم أهله وأحبابه . 

 

كيف علم حيدر بوجود أخيه على قيد الحياة ؟ 

في اليوم التالي من زيارة العم الى أحمد والتعرف عليه كان لسان حال دم أحمد ينطق ويقول أنا أبنكم هل عرفتموني ؟ لم يكن العم عنده أدنى شك أن الذي أمامه هو أحمد أبن أخيه الشهيد جواد الموسوي ، لذلك كان واثقاً جدا عندما أتصل بحيدر وزف له الخبر السعيد .  

حيدر لم يتمالك نفسه من الفرح وهو يسمع من عمه تفاصيل الأحداث وكيف ألتقى بأحمد.

 

كان لقاء الأخوين حيدر وأحمد الموسوي في حفل مهيب ألتف حولهم كل الأهل والأحبة والأصدقاء والصحافة والأعلام لقاء يدمي القلب فرحاً وحزناً ، وكما أرجع الله النبي يوسف عليه السلام الى أهله بعد أن غدر به أخوته أرجع الله أحمد أبن الشهيد والشهيدة الى أهله بعد أربعين عاما . 

شجاعة الجدة ونبل أخلاق المرحوم المختار وعائلته الكريمة والمنشور الذي نشره حيدر مرفق مع صورة لأحمد جعل لهذه القصة المؤلمة نهاية سعيدة بلم شمل الأخوين .  

 

ياترى كم طفل من أطفال الشهداء المعدومين على يد نظام البعث مازال مصيرهم مجهول ولا يعرفون لهم أهل ويعيشون حياة قاسية. 

 في نهاية هذه القصة المؤلمة أوجه نداء الى  دائرة الشهداء والحكومة العراقية أرجوكم أبذلوا كل الجهود من اجل العثور على هولاء الأطفال الذين أصبحوا الان رجال وأبيض شعر رأسهم ألماً وحزناً  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سالي المبارك


التعليقات




5000