هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


طريقة ستانسلافسكي وتاثيراتها على المسرح الاوربي والعربي

النور

في البدء ان اردنا معرفة تاثير طريقة ستنسلافسكي على المسرح العربي وجب علينا التعرف على حياته ونشاته والبيئة التي عاش فيها , والتعرف على كيفية تدرج مواهبه الادبية  ومسيرة حياته الفنية . 

انه قسطنطين سيرجيفتش الكسييف ستانسلافسكي . ولد عام 1863 -1938 , ويعد من كبار  المخرجين ومن اعمدة وعباقرة المسرح الروسي الذي ارسى قواعد ومنهاجا  في فن التمثيل , او بل قل طريقة لمدرسة واقعية والتي من خلالها انبثق عنها المسرح الحديث , لقد دعا طلابه بالاهتمام لدراسة الحياة الداخلية للشخوص , ومحاكات الواقع الذي يعيش فيه كل ممثل في الحياة الواقعية , هذا الممثل والمخرج المسرحي اشتهر بتحديث اسلوب التمثيل واصبح مشهورا بطريقته الخاصة , واخذت هذه الطريقة  تطبق من قبل المعنيين في المسرح , بحيث اصبحت منهاجا لطلبة الفنون المسرحية في العالم اجمع , ويمكننا القول ان معظم كتاب المسرح والذين عاصروه وتزامنوا مع حياته المسرحية قد تاثروا باسلوبه وبحداثته , ومنهم غوركي وتشيخوف واخرين من كتاب النصوص المسرحية , فلقد دأب هذا المنظر العبقري بالبحوث المختبرية والتطبيقية في مختبره الذي ساعده على نجاح تجاربه فيه هم طلبته حينما اكتشف ان من اهم اولويات العمل في التمثيل هو قراءة النص والبحث على الفكرة لكل مشهد ولكل فصل وللنص باكمله اي الفكرة الرئيسية والتي يراد من المخرج توصيلها للمتلقي , والاهم من ذالك دراسة الشخصية وتحليلها التحليل العلمي وتقسيمها الى ثلاثة ابعاد منها :

البعد الطبيعي 

البعد النفسي 

البعد الاجتماعي 

وان في تحليل هذه الابعاد ستنكشف  لنا معالم الشخصية .  وعندها ستتوضح هذه الشخصية للممثل وبعدها ستفتح له طريقا للدخول لشرح معالم الشخصية ومن خلال هذه الابعاد سيتمكن الممثل من رسم الشخصية بكاملها والدخول الى الداخل الروح لتحرير احاسيسها ومشاعرها الداخلية  ومن خلال ردود الافعال الخارجية والتي تتفاعل مع احاسيس الممثل الداخلية ليعطي  الممثل رد فعل يساوي الفعل الخارجي بالقوة والتاثير , حيث ستنتقل هذه الافعال الداخلية لترسم معالمها على وجه الممثل معبرة عن حالته  النفسية ومن ثم تنتقل ايضا الى بقية اجزاء الجسد .

ان هذا الاسلوب يساعد على الاندماج والتقمص مع الشخصية , والتفاعل بصدق المشاعر مع احداث العرض المسرحي , بحيث يتم تقمص الشخصية والاندماج معها بدرجة 90 بالمائة من قبل الممثل ,  بحيث تسمح للممثل ان يكون رقيبا على الشخصية ويحركها وبتوجيهاته لتنفيذ مامرسوم لها من الحركة وخلق العلاقة مع بقية شخصيات المشهد الواحد ,  ومن ثم ستساهم الشخصية على تنامي البناء والصراع  مع الاحداث ومع الشخصيات الاخرى في المشهد الواحد ومع بقية المشاهد الاخرى اللاحقة وحتى نهاية العرض المسرحي والذي ابتدأ من العرض الاستهلالي والعقدة ومن ثم الذروة والى الحل اي النهاية  .

ان هذه الكيفية التي اتبعها ستانسلافسكي لاكتشاف معالم الشخوص وتحليل ابعادها ورسم معالمها , احدثت نتائج ذات  العملية قيمة حيوية واساسية في ترجمة احاسيس ومشاعر الشخصية بمصداقية افعالها وردودها الانعكاسية , لتساهم في خلق الصراع والبناء الدرامي  لاحداث المشهد الواحد ,  وخلق الحاجز الوهمي , والذي يفصل مابين الممثل  والمتلقي الا من حيث المشاعر والاحاسيس , لاندماج كليهما في ان واحد الاخر مع الثاني – اي الممثل مع الشخصية لينتقل هذا الاندماج من الممثل الى المتلقي بحيث يصبح الاثنان واحد , اي يجب على الممثل استحضار الواقع باسلوب جمالي يحاكي واقع الشخصية بعد ان يضيف عليها لمساته الابداعية كممثل , ومن هنا جاء كتاب ستانسلافسكي ( اعداد الممثل ) و ( حياتي في الفن ) والذي صب فيهما كل خبرته وثقافته ومنهاج وطريقة مدرسته فيهما .

فالمسرح ماقبل النهضة كان مسرحا يعتمد على المنصة الوسطية , اي في وسط الجمهور المتفرج ومن ثم تحول الى مدرجات جانبية . الطبقة الاولى هي التي تدور عليها الاحداث الاعتيادية , والدرج الثاني كانت تستعمل كشرفة لعرض بعض الاحداث وكما حصل في مسرحية روميو وجوليت في لقاء بين الحبيبين , واما الدرج الثالث والعالي يستعمل للتعبيرعن مرتفعات عالية كجدار او مرتفعات جبلية وما اشبه ذالك , اضافة انهم كانوا يعتمدون على الازياء المبالغ فيها والاضاءة  تكاد تكون  معدومة فيها  بقدر مايساعد على توضيح معالم التعبير للممثل , والمبالغة في الحركة وتفخيم الصوت , وهذا هو الاسلوب الذي كان سائدا على مسارح العالم ماقبل عصر النهضة , اي ان المسرح الكلاسيكي هو الذي كان سائدا انذاك بكل مقوماته وسماته الكلاسيكية .

ان ستانسلافسكي ومن خلال نظرته الشاملة في اداء الممثل من حيث الحركة والصوت والمبالغة في الاداء لم يستسيغها ولم تروق له بسبب ان جميع الشخصيات كانت تهتم بالشكل الخارجي فقط ومن دون الاهتمام بالمشاعر الحسية  الداخلية للشخصية , ولهذا كان ستانسلافسكي يفضل التعامل الحسي والروحي للشخصية مع الافعال الخارجية لتعطي مردودا انعكاسيا من خلال الفعل ورد الفعل , حيث تتفاعل الاحاسيس الداخلية والتي تمنح للشسخصية تعابيرا سايكولوجية في التمثيل الصادق نتيجة التفاعل مع احاسيس الشخصية الحقيقية والتي تترجم ردود افعالها وعن طريق عظلات الوجه والجسم والصوت .

هذه الطريقة والتي طبقها ستانسلافسكي على تلامذته في التمثيل ,  فيما بعد هذا استحسنها الجمهور المتلقي ,  لكونه اسلوب يتعامل مع الواقع ومن خلال شخصية نمطية تعيش الواقع على خشبة المسرح ومن خلال خلق الحاجز الوهمي الذي تخلقه كل شخصية ,  ومن خلال تاثيراتها في الحدث , ولهذا ارتأ ستانسلافسكي الاهتمام بالشخصية وتحليل ابعادها ( البعد الطبيعي , البعد النفسي , البعد الاجتماعي ) ومن خلال هذا التحليل سنكتشف باننا قد خلقنا شخصيات حقيقية تعيش واقعها على خشبة المسرح , ومن هنا جاء التنظير ل ستانسلافسكي والاخذ بها كنظام او طريقة ابداعية احدثت ثورة في بناء الدراما الحديثة والتي سار عليها معظم كتاب العالم منهم تولستوي وتشيخوف وغوركي واخرين , حينما لمسوا جودة اداء الممثلين في مدرسة ستانسلافسكي ودور هذه المدرسة على توصيل الفكرة بصورة سهلة وممتعة الى المتلقي , لقد نقل ستانسلافسكي المتعة في الفرجة الى الجمهور بحيث جعل في معظم مسرحياته يعيش مع الحدث ويتاثر به .

ولهذا فقد اهتم الممثل عند ستانسلافسكي بالحوار وتفسيره وايجاد المعنى المستتر ماخلف السطور , وتحرير المشاعر الداخلية ومن خلال ردود افعال كل شخصية بفعلها الداخلي وترجمة احاسيسها ومشاعرها على عظلات وجه الممثل ليخلق من خلال ذالك تعبيرا صادقا نابع من الاحاسيس الداخلية للممثل , ليعطي للشخصية بعدا طبيعيا وواقعيا يعيش بفعله على خشبة المسرح  . 

لقد تاثر بهذا المنهج كل من المؤلفين الروس والامريكان والالمان واصبحوا ياخذون بمنهاج ستانسلافسكي في توجيه جميع الممثلين على هذا الاسلوب .

 ان مشكلة الانسان هي واحدة في جميع انحاء العالم والتي تتمثل بالصراع من اجل البقاء , باستثناء الاسباب والتي تتكون من خلال بيئته ومشاكل كل مجتمع له خصوصيته , فلهذا انتقل اسلوب ستانسلافسكي الى جميع مسارح العالم ,  ومن جملتهم المسرح العربي والذي اتخذ من اسلوب ستانسلافسكي في التاليف والاخراج منهاجا في معظم اعمالهم المسرحية  .

لقد انتقلت ثورة ستانسلافسكي كاسلوب في التمثيل والاخراج الى خارج روسيا , حيث اشادت العديد من الصحف المهتمة بالمسرح وبنجوم السينما الى مدرسة ومنهاج ستانسلافسكي المتطورة لفن التمثيل ,  والذين اكتشفوا فيما بعد , انه اسلوب ينتمي الى ( ستوديو الممثل المختبري ) والذي ابتكره ستانسلافسكي في القرن العشرين اسلوبا ومنهاج , لخلق فنا جميلا في التمثيل , ابهر العالم كله , ومن جملة من تاثر بها ,  هم الفنانين العالميين منهم : لورنس اولفيه , والممثل مارلون براندو --- الخ والذين كانوا يعزفون سمفونية خالدة من خلال تمثيلهم الرائع الصيت .

وكما معلوم لدينا عن تطور الدراما والمسارح العالمية , والتي بدات من تاريخ العصور الاغريقية واليونانية , وتطورها الى اساليب حديثة في المسرح الانكليزي الاليزابيتي , وكذا الحال مع المسرح الايطالي مسرح العلبة , وكذا الحال مع تطور اساليب المسرح الفرنسي في التاليف والعرض , انما هذه العروض جميعها جائت متاثرة بالمسرح الكلاسيكي ,  والتي تعتمد على المبالغة الصوتية وعلى الحركة وبعيدة في عروضها عن متناول القضايا الاساسية لقضية الانسان العادي , بقدر ماهي عروض جائت للتسلية واللهو للطبقة الراسمالية والبرجوازية .

من بعد هذه المرحلة تطورت العروض المسرحية  باساليب طرحها , وذالك بتناول الانسان القضايا  المصيرية مع انبثاق اشكالا وانماطا للعروض المسرحية , وانما جميعها معتمدة على المبالغة في الصوت والحركة , وبعيدة عن الاحاسيس والمشاعر في تعاملها مع الشخصيات على المسرح .

ان منهاج ستانسلافسكي اخذ بالانتشاروبشكل اعجاب لدى كافة المسرحيين في العالم , ومنهم الاوربي والعربي , فالمسرح العربي لم تكن لديه نشأة تذكر او علامات تدل على نشأت هذا المسرح الا بعض ملامح لمثل هذه الفرجة  في سوق عكاظ , هذا السوق الذي اعتمد بعروضه الشعرية الهجائية ,  والقسم الاخرعلى المدح والفرح والمأساة في نظم القصائد, حيث كانت تلقى من قبل الشعراء وتثير الحماس او الكراهية عند البعض ممن كانوا يتابعون احداث وطقوس هذا السوق ( اشبه بالمسرح الاغريقي واليوناني , وانما الفرق فيما بينهما , عند الاغريق واليونان كانت عبارة عن طقوس دينية لتمجيد الالهة , وفي سوق عكاظ ايضا لتمجيد بعض الرموز الاعتبارية منهم رؤساء القبائل والعشائر ايضا ) فمنهم من كان يستأنس بها , ومنهم من كانت تسيىء الى رؤساء عشائرهم وقبائلهم ,  ومنهم كانوا يتفاخرون بالنسب والكرم والجود من خلال ماكان ينظمونه من القصائد الشعرية , وكثيرا ماكان سوق عكاض يكون محط انظار بعض القبائل والعشائر العربية وعلى اث قصائد  هذا السوق كانت تحدث مشاجرات وصراعات رهيبة فيما بينهم , او العكس , هذا السوق كان محط سعادة وفرح للعديد من القبائل والعشائر العربية .

وبعد الاحقاب الزمنية والمتلاحقة , تطورت الحالة الثقافية والاجتماعية في البلدان العربية ولاسباب عدة منها الحروب المتعددة والتي كانت نتيجتها هيمنة بعض الدول الاستعمارية عليها وتاثير ثقافتها ونشرها في الدول العربية والتي هي تحت وصايتها كالاستعمار الفرنسي والانكليزي , هؤلاء المستعمرين كان لهم التاثير المباشر لنشر ثقافتهم ولا سيما في مصر وسوريا ولبنان والعراق , مما اثرت في ثقافة العرب , ولا سيما في الفنون المسرحية لمولير من نصوص ساعدت على التعريب والاعداد , مما اثرت في ثقافة  المعنيين في الفنون المسرحية , ولهذا تم انتشار  هذه النصوص المسرحية , كالبخيل والطبيب رغما عنه وهارون الرشيد وغيرها من النصوص الدرامية , ففي هذه المرحلة ظهرت محاولات تطويع الموروث الشعبي من خلال حكايات الف ليلة وليلة , وبالتدريج انتقلت هذه الثقافة الهجينية الى البلدان العربية ومن خلال تشجيع لبعض المثقفين على السفر الى فرنسا والاطلاع على انواع الفن المسرحي وتاثرهم بهذه الثقافة الفرنسية بعد الاطلاع عليها والاعجاب بها , فبعد رجوع هؤلاء المثقفين من الكتاب الى بلدانهم ولا سيما مصر , اتسعت رقعة الثقافة المسرحية والمتاثرة بالثقافة الغربية  فعمل جورج ابيض على اخراج المسرحيات الكلاسيكية منها مسرحية تاجر البندقية واضاف ايضا  يوسف وهبي من تجربته التي اغنى بها الساحة الفنية بمسرحيات عالجت المشاكل الاجتماعية , وكذالك اضاف احمد شوقي لمسات من الادب المسرحي وعن طريق المسرح الشعري والذي ساد انتشاره بين الاوساط الفنية ونال دعما وتشجيعا والذي كان السبب في دعم المسيرة الفنية ومن خلال اغناء الساحة المصرية من ثقافته التي اكتسبها من خلال دراسته في فرنسا متاثرا بمسارحها وتطور عروضها , بحيث استطاع نقل تلك التجربة الى مصر , حيث شاع هذا الفن  , مما شجع علىظهور  مسرحيات حديثة اقدم على تاليفها كتاب عظام مثل توفيق الحكيم في مسرحية اهل الكهف , والتي حاول من خلال دراسته في فرنسا تطوير اسلوبه في التاليف متاثرا بالمسارح الفرنسية ,  حيث نقل تلك التجربة بعد عودته الى مصر , وكذالك فعل مثل هذا , الاديب العربي المصري الجنسية طه حسين , متاثرا بالثقافة الفرنسية في معظم رواياته والتي اصبحت فيما بعد افلاما سينمائية اتحفت مسيرة السينما المصرية العربية بانتاجاتها .

كانت العروض المسرحية بطابعها الشكلي , عروضا كلاسيكية معتمدة على المبالغة في الحركة والصوت والالقاء , مسرحيات متاثرة بالمسرح الكلاسيكي الفرنسي والانكليزي , والذي يعتمد  على المبالغة في الازياء والديكور الظخم , لقد انتقلت تجربة المسرح المصري والمتاثرة بالمسرح الفرنسي الى لبنان وسوريا والعراق من خلال زيارات الفرق المسرحية المصرية الى بيروت ودمشق و بغداد , واحتكاك هؤلاء الفنانين المصريين مع الفنانيين العراقيين ومنهم عميد المسرح العراقي حقي الشبلي والذي كان يملك من موهبة هذا الفن , وزادت وتطورت هذه المواهب بعد تعرفه على الفنانين المصريين منهم فاطمة عيد وجورج ابيض , لقد انتقل حقي الشبلي الى مصر مع هذه الفرق المسرحية وبرفقة الفرقة المسرحية لفاطمة عيد الى مصر, وعمل معهم عدة اعمال مسرحية اكتسب من خلالها تجربة اغنته بالكثير من الثقافة المسرحية طبقها على طلبته في معهد الفنون الجميلة .

بعد عودته الى العراق حاول تشكيل نواة لفرقة مسرحية من فنانين كانت لديهم مواهب فنية في المسرح ومنهم :  جعفر السعدي وابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وجاسم العبودي وبهنام ميخائيل ,  والذين اكتسبوا من حقي الشبلي تجارب وثقافة مسرحية  ساعدتهم على الذهاب الى اوربا والاطلاع على احدث الاساليب المسرحية , وكذالك اطلعوا على احدث المذاهب المسرحية في اوربا .

كانت اساليب المسرح مازالت تترنح بين التمسك بالقديم كاسلوب والصراع مع المحدثين من شباب المسرح والذين حاولوا التجديد والتغيير والتطوير نحو الافضل , فلقد اصاب الجمهور الملل مما كان يطرح عليه من الاعمال المسرحية الكلاسيكية والتي كانت عبارة عن  اعمالا تقليدية لما سبقها من الاعمال الكلاسيكية في المسرح الانكليزي والفرنسي والاسباني  , والمتاثرة تاثيرا بما سبقها من خصوصيات المسرح الاغريقي واليوناني من حيث المبالغة وعرض الشخصيات بحركات لا ترتقي الى الطبيعية ولا الى الواقعية , والاصوات العالية والتي لا تمتلك فيها من المشاعر والاحاسيس , وانما كانت عبارة  كاصوات الطبل الاجوف مضمونه فارغ ولا يسمع منه سوى الضجيج , كان المسرح عبارة عن لهو وتسلية لقضاء ساعات من التسلية للطبقات البرجوازية والارستقراطية , وبعد العديد من محاولات ابداها المحدثين ومن خلال صراعهم مع الفنانين الكلاسيكيين ظهرت بوادر خلابة فيها من لمسات الابداع والتعبير عن ذات الانسان ولا سيما بعد الثورة الصناعية وتطوير الحالة الاقتصادية , ظهرت بوادر لمسرح متجدد ومتطور في اواخر القرن السادس عشر,  اي في عصر النهضة المسرحية , انما لنسأل عن هذه البوادر وظهورها الى حيز الوجود  , فهي , بوادر ظهرت في اسبانيا وايطاليا , ومن هنا انتقلت تاثيرات هذا التطور والتجديد على المسرح الانكليزي في انكلترا وفرنسا والمانيا , ومن تداخلات التاثيرات مابين المسرح الانكليزي والاوربي ظهرت في هذا العصر تاثيرات الترجمة عن اللاتينية والايطالية على المسرح الاوربي   .

لقد استطاع المسرح الاليزابيتي ان يظهر للوجود بشكل متطور بعض الشيىء وذلك لدعمه من قبل الملكة اليزابيت , ومن خلال هذا الدعم , برزت عدة فرق مسرحية تنافست فيما بينها على العروض المسرحية بعد بناء عدة دور لعروض المسرحيات منها : مسرح ستار , ومسرح روز او الوردة البيضاء --- الخ  .

لقد اتسمت معظم نصوص هذه المرحلة باللغة الشعرية والرومانسية , انما  هذه النصوص ليس فيها من ملكة التفاعل الحسي الداخلي , فقد  اعتمدت  دايلوجاتها على التعبير بالصوت والالقاء المبالغ فيه , ومقطوعة الاتصال مع الاحاسيس الداخلية والمشاعر الحسية , اي مقطوعة الاتصال مع تحرير الفعل الداخلي والذي كان يبحث عنه العبقري ستانسلافسكي عند الممثل في مسرحياته  .

لقد اتسمت معظم نصوص هذه المرحلة بالحكايات التاريخية وبطابع ماساوي , حيث اهتم  كتاب هذه المرحلة بقصص الملوك والحوادث التاريخية بتنافس فيما بينهم , وعلى سبيل المثال كرستوفر مارلو والذي الف نص مسرحية ماساة الدكتور فاوست , ويهودي مالطا --- وكذالك شكسبير والذي اشتهر في تلك الحقبة الزمنية كممثل ومؤلف بحيث اصبح مشهورا اكثر من الكتاب الذين  سبقوه  ومن خلال عدة نصوص لاولئك  الكتاب , حيث اخذ مؤلفاتهم وصاغها بصياغة جديدة اشبه ما تكون بعملية الاعداد لتلك النصوص , اضافة الى اعمال اخرى من تاليفه والتي اشتهرت برومانسية الحوار, حيث اتسمت نصوص المرحلة للعصور الوسطى بالسطحية  معتمدة على الاحداث الدامية والدسائس التي كانت الصفة اللرئيسية لمعظم شخوصها ولا سيما في مرحلة المسرح الاليزابيتي , ومن خلال عدة نصوص منها : يوليوس قيصر , ومكبث , وهاملت , اضافة الى هذا انها اتسمت بالطابع الغيبي والاشباح والسحر في مسرحيتي هاملت ومكبث وايضا في يوليوس قيصر , واما من حيث تصميم الديكور , فكان بعيدا عن الواقعية , بقدر ماكان يعتمد عن تجريدية  المكان وباشكال تساعد على تكوين بعض التشكيلات الجماعية والثنائية للممثلين , اما الاحداث فكانت محتدمة ونقلها بوقائع مبالغ فيها , وقد تكون بعيدة عن الوقائع التاريخية , ويحصل هذا لانحياز بعض كتاب نصوص تلك المرحلة للسلطة الحاكمة  , والتي هي من سلالة شخصيات القصص التاريخية والتي يستحضر الكاتب احداثها في عروض معاصرة والمتزامنة مع عصر المسرح الاليزابيتي  .

في عصر النهضة تغير العديد من خواص المسرح الاليزابيتي , اضافة الى التجديد باسلوب العرض والتطوير بمقومات عناصر الاخراج المسرحي من تصميم الديكور والاضاءة والازياء , وتم الاعتماد على بعض القصص والحكايات الواقعية والمعاصرة , وعرضها وبشكل لم تستطيع ان تمحو من اثار  بعض مقومات العروض  ماقبل النهضة من المبالغة في الازياء والتمثيل , الا ان هناك تطورا حصل في تصميم الاضاءة , وكذالك التقليل من حركات الممثل الجسدية والتي قد تربك معظم الممثلين في الاداء , ولهذا فان عصر النهضة والتي شملت التطور الاقتصادي والسياسي , وانبثاق كتاب نصوص اتخذو من قضية الانسان هدفا في كتاباتهم , ظهرت نصوص فيها من المضامين والمفاهيم الانسانية , وفلسفة تعبر عن متغيرات المراحل الاجتماعية والسياسية , ولا سيما في المرحلة مابعد الحرب العالمية الاولى والثانية , وطرأ تغييرا على واقع النصوص المسرحية وعلى اساليب عرضها , فظهرت نصوص تحريضية ووثائقية ووجودية  تعبرعن افكار فلاسفتها , وكذالك الواقعية , ومن ثم التعليمية والتي جائت عن طريق برشت بعد ستانسلافسكي .

انما هذه التغييرات فقط طرأت على اسلوب كتابة النصوص المسرحية فقط , من حيث المضامين والمفاهيم الانسانية التي طرحت من خلال هذه النصوص على ضوء تفاعلات المرحلة الظرفية من حيث الاستقرار الامني والاقتصادي والنفسي عند المؤلفين للنصوص المسرحية , وكل منهم  وبموجب رؤياه التي من خلالها يصب عصارات معاناته واحاسيسه فيها .

كانت نصوصا اعتمدت على ترجمة المرحلة التي يعيشها انسان تلك المرحلة من الحقبة الزمنية  من مسيرة المسرح الاوربي , وبقية المسارح العالمية في ايطاليا واسبانيا وفرنسا , جميعها تناولت طرح قضية الانسان ومعاناته , ولاسيما مرحلة الحروب والفوضى السياسية والتي اربكت الحياة الاقتصادية والامنية للمجتمع , والتي تاثر بها المؤلفين من كتاب النصوص المسرحية بالذات ممن تعرض للمطاردة والملاحقة الامنية , مما اظطر القسم منهم الى الهجرة والغربة في بلاد اخرى اكثر استقرارا وامان , ولهذا كان هذا التنوع المرحلي للمجتمعات الاوربية بعد هجرة العقول المثقفة , كان له تاثيرا على مؤلفات نصوص المسرحيين فقط .

ام من حيث الاسلوب والاخراج , ولا سيما فيما يخص الممثلين والدايلوجات الحوارية والتي كانت تطرح في السابق بالاعتماد على موهبة كل ممثل ومن دون وجود تحليل الشخصيات او تفسير الحوار من قبل الممثل وايجاد المعنى المستتر ماخلف السطور , كان التمثيل يعتمد على سطحية الحوار وعلى مغريات مفردات الكلمة , ومن دون الاكتراث للاحاسيس الشخصية  ومشاعرها وردود افعالها والتي كان يؤديها الممثل وبشكل لا يمكنه خلق عنصر الاثارة والتشويق من خلال بناء الحدث , بقدر ما كان الحوار يعتمد على الصراخ , معتقدين انه هو هذا التمثيل الحقيقي , وكذا الحال كان الواقع المسرحي , وعند الممثل بشكل خاص في المسرح العربي عموما , حيث كان الجسد منفصل عن الروح , بحيث كان اعتماد الممثل على نفسه في التمثيل , ولم يكن لديه علاقة روحية مرتبطة مع الجسد , ولهذا فان المفاهيم الروحية  والاحاسيس الداخلية للانسان تتحرر عن طريق الفعل الخارجي للجسد ,  لينعكس على اثره رد الفعل الداخلي  .

ومن هنا نعلم بان للمشاعر والاحاسيس الداخلية لها محركا خارجيا ياتي ليحرر المشاعر الداخلية والاحاسيس الداخلية  , ومن ثم تنطلق الانفعالات الداخلية كرد فعل الى الخارج وعن طريق الجسد ولاسيما وجه الممثل لتترجم وتفسر ردود هذه الافعال الداخلية بتعابير على وجه الممثل , وكذالك تتوزع هذه الاحاسيس على جميع جوانب الجسد للممثل .

ومن هنا يحصل  الاندماج من قبل الممثل مع الشخصية , ليصبح الممثل والشخصية واحد من خلال عملية الاندماج والتقمص , شرط ان لا يحدث اندماجا كليا خوفا  من عواقبها الوخيمة , انما تكون هناك عملية الرقيب والمراقب , اي الممثل يراقب الشخصية المسرحية ويوجهها , فعملية الاندماج مع الدور تكون بنسبة 90 بالمائة من عملية التقمص والعشرة الباقية تكون امراقبة  , وهذه الحالة جائت نتيجة عدة اختبارات من قبل ستانسلافسكي على طلبته في مختبره التجريبي والذي جائت نتائج تجاربه بمحاظرات تنظيرية نظرها وبموجب تجاربه ورؤياه المتبصرة لشخصية الممثل والتي نشر خلاصتها في كتابي  ( اعداد الممثل ) و( حياتي في الفن )    .

يقول ستانسلافسكي في نظريته :

يجب على الممثل تحليل ودراسة شخصيته , وايجاد ابعادها الثلاثة والتي هي كما يلي :

البعد الطبيعي --- ويعني به دراسة الجسد من حيث تكامل بعده الخارجي , من حيث العاهات , والعيوب الخلقية , كأن يكون اعرج , او عاهة في يديه , او في لسانه , او اية عاهة لا تجعله سويا مع اقرانه من البشر , وهنا نكتشف بعض المدلولات للشخصية  اولا , عن طريق الشرح الذي يوجزه المؤلف مابين القوسين , ثانيا ,عن طريق الدايلوجات للشخصيات الباقية ومن خلال تشهيرها للشخصيات فيما بينهم  لنكتشف من هذه التشهيرات عاهاتهم وعيوبهم الجسدية والعاهات التي ملتصقة في اجسادهم , كأن يقول الواحد منهم للاخر : اسكت اخرس , او امشي يا اعرج – فمن هنا نستشف بان الشخصية اخرس او اعرج .

العد النفساني --- وهذا البعد هو الذي كان يعتمده ستانسلافسكي ويؤكد عليه لجميع الممثلين من طلبته في المختبر , حيث يجب على الممثل ان يتعامل مع الروح والجسد معا , فعندما يستقبل الممثل الفعل الخارجي فعندها يتعامل معه تفاعلا حسيا ليترجم رد فعله المعاكس عن طريق تعابير وجهه وجسده ليعطي صورة حقيقية لواقع الشخصية والتي تتفاعل مع احداث العمل المسرحي بصدق المشاعر والاحاسيس الداخلية , ومن هنا تتم عملية التقمص والاندماج من قبل الممثل مع الدور وبشكل رقيب ومراقبة , ولهذا تبدأ شخصية الممثل الواعية بتسخير الدور وتوجيهه وبموجب ماتمليه عليه الحركة المرسومة من قبل المخرج , مع النظر في كيفية البناء الدرامي للمشهد الواحد , وفق ما تمليه عليه تحاليل الشخصية , ولهذا اعتبر ستانسلافسكي , انه  من رجال المسرح الحديث للقرن العشرين في طريقته , او منهاجه , في الواقعية السايكولوجية , فهو المعلم الوحيد الذي نال اعجاب المعنيين بالمسرح عالميا , ولهذا جاء بمدرسته الواقعية والتي طغت باسلوبها على الطبيعية لما فيها من السطحية والشكلية الفارغة , وعليه فقد اكد عليها  ستانسلافسكي عدة مرات حينما كان يقدم واقعيته في اعمال تشيخوف وغوركي , فالواقعية التي كان يقدمها لم تعد هي واقعية البيئة , او الصدق في التعبير الخارجي , بل واقعية الصدق الداخلي في حياة النفس الانسانية , واقعية المعايشة الطبيعية التي تتماشى مع مشارف المذهب الطبيعي الروحي  .

يعني هو لم يقدم واقعية المكان البيئي للشخصية  , او الاهتمام بالمظهر , اي بمصداقية الشكل الخارجي , بل هو يفضل الاعتماد على حقيقة واقعية الصدق الداخلي للاحاسيس الداخلية للانسان , ومن خلال المعايشة الحقيقية لواقعية حياة الشخصية الطبيعية والتي تتفق بشكلها واحاسيسها مع المذهب الطبيعي الروحي للشخصية , ولهذا نكتشف ان ستانسلافسكي دحض الشخصية الكلاسيكية في التمثيل , بعد ان لعب ادوارا مع الممثلين النمطيين والمتاثرين بالمسرح الكلاسيكي من ادوار كوميدية تعتمد على الصوت والجسد والمبالغة في الالقاء مع فرق الهواة , فاكتشف ان ماكان يقدمه هذا العملاق مع فرق الهواة , ماهو الا لهو فارغ , ليس فيه خطوات علمية لرسم الشخصية باسلوب اكاديمي ,  يخلق من خلاله علاقة روحية مع المتلقي ليقدم للجمهور شخصيات واقعية متعايشة مع الطبيعية وبواقعيتها , ليتعاطف الجمهور المتلقي  ويندمج مع الاحداث عاطفيا باحاسيس مرهفة , يستمتع فيها من خلال احداث المتعة من قبل الممثل للجمهور في عملية التوصيل للفكرة والمضمون للمتلقي , ولهذا فلقد ابتعد ستانسلافسكي عن اسلوب الحماسي والخطابي في التمثيل , واخذ يؤكد على الحالة النفسية لبناء الشخصية .

لقد انتشرت طريقة ستانسلافسكي هذه في التمثيل , واخذتها عنه جميع الفرق المسرحية في العالم , وطريقته ومنهاجه في التمثيل اصبح منهاجا عالميا يعتمد عليه في كافة المعاهد والاكاديميات للفنون الجميلة , ونتيجة لهذا حصل تغييرا في تفسير الشخصية من خلال المعايشة الواقعية لاحداث مماثلة في الواقع , وعكسها على المسرح وباسلوب يتفق مع منهاج ستانسلافسكي في تحرير المشاعر والاحاسيس الداخلية للشخصية , والاهتمام بمقومات وعناصر الازياء والديكور والاضاءة , والتي تساهم في عملية الاندماج والتقمص للشخصية , وتحقيق الحاجز الوهمي مابين الممثل والجمهور , ليستطيع هذا الممثل ان بعيش الدور باحاسيس الشخصية بعد دراستها وتحليل ابعادها .

لقد اصبح هذا المنهاج شاملا في جميع المسارح العالمية , ومنها المسرح العربي , حينما تاثر به وعن طريق الايفادات الدراسية للطلبة العرب من مصر وسوريا ولبنان والعراق , والتعايش مع مدرسة ستانسلافسكي , بحيث تاثروا هؤلاء الطلبة بهذه المدرسة وفضلوا الاخذ بها ونقلها الى الدول العربية لتدريسها في المعاهد والكليات للفنون الجميلة , واعتبارها منهاجا رسميا في الدراسة الخاصة للتمثيل النظري والعملي في التطبيق على المسرح بعد معايشة الواقع ومحاكاته , ومن خلال الدراسات الوافية لكل مايخص في التمثيل للمسرحيات الواقعية , ففي العراق اشتهر بشرح ابعاد هذه المدرسة في معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون الجميلة الاستاذ بهنام ميخائيل , لكونه كان يشدد على دراسة الشخصية وتحليل ابعادها وتفسير الحوار تفسيرا سايكولوجيا من اجل بناء الشخصية بشكل اكاديمي , وفي الوقت نفسه لتساعد على تنمية البناء الدرامي للنص المسرحي والمساهمة على خلق الحبكة وعنصري التشويق والاثارة في العرض المسرحي .


النور


التعليقات




5000