هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الأثر الأنثروبولوجي في حيّز تنقّل الإنسان بين المجتمعات

د. عبير يحيي

 الأثر الأنثروبولوجي في حيّز تنقّل الإنسان بين المجتمعات  

دراسة ذرائعيّة مستقطعة في رواية ( الوجه الآخر للضّباب) للأديب العراقي د. كريم صبح  

بقلم النّاقدة الذّرائعيّة السّوريّة د. عبير خالد يحيي  


بداية:  

بعد قراءتي الصّفحات الأولى من هذا العمل السردي, خلت أنني سأقرأ رواية من الرّوايّات المغرّبة التي عمد بعض الكتّاب العرب مؤخّرًا إلى كتابتها, منبهرين بالأدب الرّوسي وتاريخه ومفكّريه, ومع متابعتي القراءة -إلى منتصف الرّواية تقريبًا- ترسّخ لدي بأنّ العمل رواية مكانيّة تاريخيّة, خلتُ أنّ المكان سيتسيّد الرّواية ليكون أهمّ من الشّخصيات والأحداث, وبعد أن انتهيت من قراءتها كاملة, اتّضح لي غرض الرّواية الأساسي, والحقيقة أنّ الكاتب نجح في نصب هذا الشرك المكاني ليموّه بؤرته الفكرية التي حفرها عميقًا في تربة الإنسانية. 

  انطلاقا من المبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب المجتمع) صار للسّرد المعاصر أغراضًا إنسانية كالأغراض الشّعريّة, حين سمح علم السّرد بعصرنة الرّواية, وأخرجها من النّطاق الكلاسيكي باتجاه الإسناد الاجتماعي, فصارت الرّواية متابِعًا لقضايا الإنسان ومعالجًا لجروحه التي أدماها المدّ الحديث بالانجراف نحو الظّلم وضرب الأنسنة عرض الحائط.

الغرض من وراء هذه الرواية يلهث خلفه الكاتب, هو غرض أنثروبولوجي يحاول فيه تناول أثر تغيّر البيئة على الإنسان, وازدواجية البيئة فيه, فالإنسان كينونة واحدة وإن تغيرت الزّمكانيّة عليه, لأنه كائن اجتماعي بطبعه الذي أقرّته العلوم الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والبيولوجية.


إغناء:

الأنثروبولوجيا هي دراسة الإنسان بشكل عام, تقسم إلى أنثروبولوجيا طبيعيّة( دراسة الإنسان في مظهره البيولوجي) وأنثروبولوجيا اجتماعية وثقافية( تعنى بالطريقة التي تطوّرت بها النّظم الاجتماعية والاقتصاديّة والسّياسيّة والّدينيّة والألسنيّة " اللّسانيّات" )[1] .


السّيرة الذّاتيّة للكاتب

الدكتور كريم صبح, دكتوراه في التّاريخ من جامعة بغداد, عضو الاتحاد العام للكتّاب والأدباء في العراق.

مؤلفاته في التّاريخ:

-         جمهوريّو الولايات المتّحدة الأمريكيّة ومحنة الانشقاق1916-1909 , بغداد 2010

-         تفتيت حزب الفهد الأسود ومكتب التّحقيقات الفدرالي 1971- 1966, بغداد 2011

-         التّاريخ السّياسي للصّراع العرقي في الولايات المتّحدة الأمريكية 1915- 1865 جزءان,

بغداد 2015

-         الولايات المتحدة الأمريكية – دراسات في تاريخها الاجتماعي والسياسي, بغداد 2017  

على الصعيد الأدبي:

-         الغزل ليس حكرًا على الرجال, مجموعة قصصية, بغداد, 2016

-         بائع الألم, مجموعة قصصيّة, بغداد, 2017

-         فياجرا, مجموعة قصصّيّة, القاهرة 2018

-         رأس للإيجار, مجموعة قصصّيّة, بيروت 2018

-         همسٌ وجدبكِ المطر, خواطر, القاهرة 2018

-         الوجه الآخر للضّباب, رواية, بغداد 2020


التبئير الفكري:

إنّ المعيار criteria الذي يبحث فيه النّاقد عن الغاية التي قصدها الكاتب  في عمله الأدبي لتحديد  الثيمة الفكرية للنّصّ هو :


بماذا سند هذا العمل المجتمع؟

وهذا يأخذنا إلى حقيقة مفادها أنّ السّرد المعاصر أصبح له أغراض كما للشّعر أغراض, والسّؤال:

هل المعيار السّردي هو نفس المعيار الشّعري؟ الجواب: تقريبًا, بل المعيار السّردي أوسع من المعيارّ الشعري, حيث يأخذ السّرد المعاصر أغراضًا كثيرة, أهمّها الأغراض النّفسيّة والسيّاسيّة والإنسانيّة والتّاريخية و و و, فبماذا سند به هذا العمل المجتمعَ؟ والجواب: نتيجة أو حقيقة أنثروبولوجية هي أنّ الإنسان واحد وإن اختلفت الزّمكانية بشكل كامل, يبقى الإنسان ذاته يحبّ ويكره, يأكل ويشرب, يتألّم ويفرح, ... فالإنسان يتطبّع بالمجتمع, وهذه نقطة أنثروبولوجية وقف عندها الكاتب فكريًّا وفرد لها صفحات العمل مناصفة بين مجتمعَين, لكن النّقطة الأنثروبولوجية الأخرى التي أكّد عليها هي التالية:

لماذا تؤثّر البيئة الحاضنة على الإنسان فيتشبّع بكلّ حمولاتها الفكريّة والاجتماعيّة, وإذا غادرها إلى بيئة أخرى يتقوقع فيها ؟ كما حدث مع ..... حينما انتقل من بلد المنشأ سوريا إلى روسيا, وكما حدث مع ابنته روزالين التي نشأت في روسيا وانتقلت إلى سوريا .

يحيلنا هذا السؤال إلى السوسيولوجيا ( علم الاجتماع), لنحاول البحث عن الإجابة, الإنسان كائن حيّ مجتمعي, يستطيع التطبّع في المجتمع الجديد بدرجات متفاوتة, بينما الحيوانات لا تستطيع ذلك لأنّ مجتمعاتها تحكمها الغريزة, فلا تعيش الغزلان مع الأسود, بينما المجتمعات الإنسانية مجتمعات اختيارية يحكمها التطبّع الاجتماعي, لأنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه, قادر على التكيّف في أيّ بيئة زمكانيّة بشريّة, لكن بدرجات متفاوتة, أدناها التّقوقع. يساعده تكوينه الحسّي على هذا التكيّف, لتحقيق غاية إنسانية نبيلة وهي البحث عن حياة أفضل له ولغيره بقصد الدّيمومة, مؤمّنة بكلّ معايير السّلامة والسّعادة, ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

الوجه الآخر للضّباب يطرح سؤالًا أجبنا عليه, هل يختفي وجه الإنسان عندما يتغيّر مجتمعه ( روسي- سوري) ؟ لا .. الإنسانية واحدة ولو اختلفت المجتمعات أو البيئات.

وتجنيس العمل: رواية واقعية أنثروبولوجية ( سلوكية إنسانية) تتبع مدرسة الفن للمجتمع.

بعد تثبيت البؤرة الفكرية, وهي بؤرة إنسانيّة اجتماعيّة وسلوكية, ستكون منطلقًا ستاتيكيًّا إلى مستويات ديناميكية عديدة وهي:

أولًا- المستوى البصري External Level:

عنوان الرواية ( الوجه الآخر للضباب): أعطى ديباجة الرّوي  citation  المختصرة بشكل مكوّن نّصّي  مشفّر.

الإهداء: كما ورد, يعزّز البؤرة الفكريّة التي ثبّتها, حيث كان إليها .. لا إلى المكان, وإنّما للبطلة الإنسانة التي تروي حكاية مغايرة, بلسان إنسانيّتها بكلّ تناقضاتها, تخبر عن حركة الشعّوب وحراكها باتجاه حريّتها لأعادة بناء مجتمعها وأمّتها الإنسانيّة. 

إليها .. بطلة من حكاية لا تشبه الحكايات.. ملحمة جديدة ربّما بدأت وأنا أكتب سطوري هذه.

المتن السردي: مفروش على بياض 193 صفحة, يبدأ الفصل الأول فيها من الصفحة 104, والصفحات السابقة عناوين غير منضوية تحت فصل, كان الحديث فيها عن مستهل أحداث نشأة البطلة( إيفا أو روزالين) في روسيا, وسرد إخباري عن تاريخ عائلة جدّيها, وظروف التقاء والدها السوري بوالدتها الروسية, ولادتها والبيئة التي تربّت فيها حتى عمر العاشرة, موت أمّها, ثم انتقالها مع والدها  سوريا, هذا كان هو النّصف الأول من الرواية, كما قلنا لا ينضوي تحت فصول, وإنّما معنون بعناوين اختلفت بين أسماء شخصيّاتها البارزة, مثل ( بوتين النّبي- اللّواء- روزالين- أندريه المشاكس), وبين أحداث بارزة مثل ( نخب اتحادنا السوفييتي- شغف- إعادة وصل- طفولة – شتات- فقد- صلاة-اكتشاف متأخر).

 النصف الثاني من المتن الروائي, وهو المقسّم إلى أربعة عشر فصلًا, مع ملحق, وفصل إضافي ( بين بلاشفيا واللّاذقية),  لم تختلف عناوين الفصول عن التنسيق السّابق ( شخصيات- حدث).


ثانيًا- المستوى النفسي Psychological Level :  

·       المدخل  السلوكي:

التساؤلات المطروحة في العمل الرّوائي, أو التّساؤلات التي يثيرها العمل في ذهن المتلقّي:

وأبدأ من التّساؤلات التي يثيرها العمل في ذهن المتلقي, والبداية من العنوان: الوجه الآخر للضباب

فعلى مستوى العلامة السّيميائيّة, يحيلنا العنوان إلى ملمح حي ( الوجه) متواري ( الآخر) لظاهرة مرئيّة ( الضباب), أخذ الكاتب الواقع الزّمكاني بين البيئتَين, فتكوّنت الضّبابيّة بسبب اختلاف الزّمكانيّتين, روسيا مجتمع ضبابي بالنّسبة للمواطن السّوري, وسوريا كذلك بالنّسبة للمواطن الرّوسي, والمواطن في كلّ منهما هو الإنسان, وهو واحد, فآدم وحوّاء لم يكونا رمزًا لمجتمع بعينه, كلّ رجل رمز لآدم, وكلّ امرأة رمز لحوّاء, ومادام آدم مجرّدًا عن الجنسيّة, وحوّاء كذلك, لذا فإن الإنسان واحد في كلّ البيئات, يتأثّر ببيئته, وينسجم ويتطبّع في أيّ بيئة أخرى يتواجد بها, فالإنسان واحد في كلّ البيئات, والضّبابيّة بين بيئتين, فهل تزول الضّبابيّة أم تبقى؟

  هذا سؤال جوابه ممتد على مساحة صفحات عديدة, ويتأرجح بين لا ونعم, وتحسمه الفطرة الإنسانيةّ  التي يبدّد نورها الضّباب, وتمسح كلّ الحدود الجغرافيّة والحواجز الوضعيّة والعقائديّة بين كّل المجتمعات الإنسانية في بيئاتها المختلفة, وإصرار الإنسان بطبعه الاجتماعي على العيش والتكيّف في كلّ المجتمعات, تحت كلّ الظروف, تقول إيفا:

لم أستطع الإفلات من قبضة الوحدة, لكني لم أرضَ بالاستسلام, لم أقنع بالتّقوقع على النّفس, أصبحتُ تحت طائلة تحوّل خطير في آرائي بالحرب وفلسفتي لأسبابها, وهو تحوّل ألقاني وسط الحياة المضطربة وجعلني وطنيّة سوريّة متطرّفة, نعم هكذا ببساطة, ألم تغدُ سوريا وطني الأصيل بعد أن ظلّت لسنوات وطني البديل؟ .... صفحة 130

وعنوان آخر أيضًا مثير أو محفّز لتساؤل, هو عنوان في الاستهلال :

 ( بوتين.. النّبي), من هو المقصود؟ وهل هو نبي؟ ونبي ماذا ومَن؟ ومن نبّاه ؟, الجملة الابتدائية في الاستهلال: من خلال السياق نجد أن بوتين هو الرئيس الروسي ومن خلال تواصل إيفا عبر النت مع حبيب نفهم أنه ضابط طيار محاصر مع زملائه وجنودهم في قاعدتهم العسكرية في المطار, منذ أكثر من أربع سنوات, تذكر له أنّها تكره السياسة, لكنّها تأتي على ذكر نبيّها لأول مرّة في الصفحة 14:

باتت تحت رحمة واقع لا يعرف الرحمة .... لا تريد لأفكارها أن تصل بها إلى أسوء الاحتمالات , حتى بعد دخول قوات " نبيّها" مسرح الحرب.

كيف تكره السياسة وتعتبرها( أكثر قذارة من التاريخ, وقد عقدا معًا حلفًا غير مقدّس, لا هدف له سوى إشعال الحروب) وتنبّي أو تقدّس زعيمًا سياسيًّا وتعتبره المخلّص الذي سيوقف الحرب ويمنع اقتسام سوريا؟! سؤال طرحه الكاتب على لسان السارد العليم, ولم يحصل على إجابة, إلا أن الكاتب أشار أيضًا على لسان السارد العليم أن هناك ( تناقضات بين ما تكره وما تحب).  فهي ترى في بوتين:" نبيّا من الأنبياء وكفى , وأعشقه من الويد إلى الوريد",

فهو إذًا نوع من اليوتوبيا والأيديولوجية, فكلمة أيديولوجية استُخدمت غالبًا كتوصيف سلبي للطّرق التي يضلل بها الناس أنفسهم وغيرهم من خلال معتقداتهم, واستخدمت اليوتوبيا استخدامين : باعتبارها مقابلًا للأيديولوجية, وبنفس الوقت باعتبارها مرادفًا لها, فعلى سبيل المثال:  "عندما بدأت الشّيوعيّة – إحدى أهم أيديولوجيات القرن العشرين – في الانهيار, و كان كثيرًا ما يطلق على ذلك نهاية اليوتوبيا"[2].  فلا شكّ أن إيفا كانت من الأشخاص الخاضعين لتأثير هذه الظاهرة الفكريّة الاجتماعيّة.

سؤال آخر يتوارد إلى الذّهن, لماذا بوتين هو البطل(hero) في يوتوبيّة إيفا؟ لماذا لم يكن مثلًا جدّها الكولونيل الذي عُرف ب( ثقافته وحبّه للقراءة, وطنيّته المتطرّفة وشيوعيّته المفرطة, تفسّر وطنيّته وشيوعيّته إحدى هوايتيه: صنع مجسمات خشبيّة للزعيم الشيوعي لينين, وأخرى تشبه الدمية السوفييتية المشهورة " ماتريوشكا"....صفحة 21!

لأنها حكمت على جدّها بالديكتاتورية من موقفه من والدها حينما حرمه من أوّل حقّ له كأب, باختيار تسميتها, واستأثر لنفسه بمناداتها باسم دلع( روزاليتي) وحرّمه على غيره, فكان ديكتاتورًا بنظرها ولم تبرّر له دوافعه العاطفيّة, وهي تكره التّطرّف, حتى في الحبّ- رغم أنّها تطرّفت بحبّها لبوتين-  كما أنّها كانت تراه ينتمي إلى حزب أيديولوجي مهزوم, لم يستطع الحفاظ على منجزاته, ولم يستطع عمليًّا أن يحقّق شعاراته على أرض الواقع, نظام تفتّت ومات, فهي تريد بطلًا حيًّا, يخطّط لإنجازات  تراها – بنظرها- انتصارات مبهرة.

وأنتقل إلى التّساؤلات المطروحة طرحًا مباشرًا في هذا العمل:

تساؤلات دينيّة, تستعرض من خلالها صورة الشّاب الشّرقي المتزمّت والمتنمّر, وهي فعلًا عقليّة عفنة ما زالت موجودة في مجتمعاتنا العربيّة, رغم كلّ الانفتاح التّكنولوجي الذي كان سيفًا ذا حدّين أفادت منه الجهات المتطرّفة والمتنوّرة على حدّ سواء, تقول إيفا:

أخي الأكبر يسخر مني دائمًا ويقول : " أنتِ قبيحة ومسيحيّة, أنتِ صفراء!" أخي الأوسط ينعتني باليهوديّة, لا أدري لمَ هذا النعت وهو يعلم ديني الحقيقي؟  صفحة 111

لكن هناك وجه آخر سمح ومنفتح, تدين إيفا لمواقفه بالعرفان, والدها السّوري المسلم الذي ألحقها بمدرسة داخليّة تتبع الكنيسة الأرثذوكسية, حينما قدم بها إلى سوريا ولاحظ تقوقعها في مجتمعها الجديد, تقول :

قبول أبي, وهو المسلم, دراستي في مدرسة مسيحيّة سببه مفهوم ومنطقي, حاول ألّا ينتزعني من مجتمعي القديم بقوة, فأنا لا أجيد العربيّة, ولغتا الدّراسة في مدرستي الجديدة هما الانكليزيّة والعربيّة...ص 111

تساؤلات سياسيّة, تطرحها إيفا من وجهة نظرها:

موقفي من الرئيس بوتين وروسيا ربما لا يُفهم هنا على حقيقته, في الواقع نظرت إليهما من زاوية موقفهما من بلدي سوريا, ليس من باب حملي جنسيّة مزدوجة, وإذا ردّ عليّ أحدهم بالقول " إنّك تقصدين موقفهما من النّظام", أقول له ليكن, الّا يمثّل النّظام شعبه السّوري؟

تحاول الإجابة باستدراك, لا تقصي فيه الجانب الآخر, ولا تعمّم التّوصيف: 

ليس كلّ الشّعب طبعًا, أعترف بذلك, أنا نفسي أستخدم أحيانًا اسم " معارضة" للدّلالة على مَن وقف مع النّظام, لأنني أدرك أنّ هناك مَن لا يعترف بذلك التّمثيل أو يراه منقوصًا بشكل من الأشكال, لا أقصد النّوع هذا من المعارضة إذا اكتفى بالتّعبير عن نفسه سياسيًّا, وإنما أقصد أولئك الذين انخرطوا – تحت يافطة المعارضة- مع الإرهاب, لا أظنني غافلة عن بعض التّطلعات الحقّة للمعارضة المشروعة .... صفحة 153


·       المدخل الاستنباطي:

تقوم نظرية الاستنتاج على مجال التقمّص الوجداني, حيث يقوم الناقد أو المتلقّي بدراسة سلوك الشّخصيّة ويربط سلوكه رمزيًّا بالحالة السيكولوجيّة الداخليّة, أي بمشاعره وعواطفه, يصبح لسلوكه الإنساني معنى يصبّ بمفهوم الذّات, ثمّ يتّصل بالآخرين ويلاحظ سلوكهم المادي, وعلى أساس تفسيراته السّابقة لسلوكه, يخرج باستنتاجات عن حالة الآخرين السيكولوجية[3] .

إنّ كلّ من شهد ويشهد الحرب في سوريا, وكيف تُركت نهبة في أيدي الأبعدين, على مرأى ومسمع من الأقربين, لا بدّ من أن تحضره الآية الكريمة التي ذكرتها إيفا وهي ترى سوريا, وتلوم الأقربين على تفريطهم وتقصيرهم بالحلّ السّلمي بين الطّوائف المتنازعة, تقول إيفا: 

لا أعزو ذلك التّحوّل إلى الحرب ومآسيها وحدهما, ولا إلى الظّلم الذي رأيت سوريا عرضة له من أقربين قبل أبعدين, الأقربون الذين لم يعملوا بحكم الآية القرآنية التي تقول: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما.." .... ليس مهمًّا هنا , مَن من الحكومة أو المعارضة على صواب ومن منهما على خطأ, المبدأ هو الأصل, وتحقيق المصالحة بين الطرفين......صفحة 131


ثالثًا- المستوى الحركي في التّحليل Dynamic Level

تكلّمنا عن العنوان والاستهلال في المستوى النفسي وتحديدًا المدخل السلوكي للخصوصية السلوكية.

ونكمل في دراسة التّشابك السّردي:  

قلنا أنّ الكاتب قسّم المتن السردي إلى نصفَين, النّصف الأوّل غير مقسّم إلى الفصول, بينما جعل النّصف الثّاني مقسّمًا إلى أربعة عشر فصل, مع إضافة ملحق وفصل أخير.

لماذا فعل الكاتب ذلك؟ فعل ذلك ليشير إلى أنّ الأحداث المنضوية تحت الفصول هي التي ستشكّل الحبكة الرئيسية للرواية, والتي تحمل الثيمة الفكريّة أو البؤرة التي يتمركز فيها موضوع الرّواية ومضمونها, وما النّصف الأوّل إلّا تمهيد زمكاني خامد بالمقارنة مع الانتقال الزّمكاني في النّصف الثّاني من الرّواية, حيث سنشهد تشكّل محور المعارضة -الذي كان غير موجود في النّصف الأوّل- بظهور أوّل الشّخصيّات المعارضة( ميساء زوجة الأب والأخوة الثّلاثة) التي ستشتبك مع الشّخصيّة البطلة ( إيفا) على محور التّكوين, من خلال أحداث ستتولّد على محور التّوليد  لتصل ذروتها في العقدة, نقطة التقاء المحاور الثلاثة والتي سينقلب فيها الصراع باتّجاه الانفراج, والعقدة في هذه الرواية كانت الحرب التي قامت في سوريا على امتدادها الزمني الطويل والتي لم تنتهِ إلى الآن, تقول إيفا: 

الحرب في أي بلد هي إشاعة للخراب والدمار والحزن والخوف من المصير المجهول, عاش السّوريّون في ظلّ كلّ هذا, بعد أن أصبحت سوريا " وطني البديل" , وبعد أن أصبحتُ سوريّة بجنسيّتين, وَجَب عليّ أن أعيش ما يعيشون وأواجه ما يواجهون.... صفحة 125.

 تحديدًا من بعد العام 2015, الفترة التي شهدت الكثير من الأحداث, منها إصابة إيفا ووالدها إصابات بليغة جرّاء قذيفة سوّت بيتهم بالأرض, نجوَا من الموت بأعجوبة, والكثير من الانتقالات المكانية, بين دمشق وموسكو وبيروت( وكانت بيروت زمكانيّة جديدة مأزومة), والكثير من التحوّلات والنّضج في الآراء, واتساع ووضوح الرؤية عند إيفا, فصارت ملمّة بتاريخ بلد مازال صامدًا جغرافيًّا, رغم أنها تكره التاريخ والسياسة :

أتحدّث عن الحرب , بل حروب في بلد مازال- إلى حدٍّ ما – صامدًا جغرافيًّا: حرب الأخوة , حرب الإنابة , حرب الطوائف مدفوعة بالتّاريخ, حرب النفوذ, تعددت الحروب في بلادي وأنهكتها, حرب واحدة تكفي لتدمير وطن, فما بالك وقد تعدّدت الحروب على أراضيه؟

هي الحرب إذًا, التي طالت كلّ شيء, الحرب التي كانت ذروة الصراع, الذي ألمّ بحياة إيفا منذ موت والدتها, مبدّدة ضباب غربتها, لتقلب من بعدها صراعها بالحياة باتجاه الانفراج وتحديد الهدف, وجعل الغلبة للإنسانية, رغم أن إيفا لا تعتبر أنّ الحرب وحدها هي سبب  هذا التّحوّل, فهي لم تورد الحرب بمعزل عن دوافعها الشّخصيّة, لأنها أرادت إبراز بطولتها الإنسانية التي لا بد أن تطفو على سطح الواقع حتى بدون محفّز واقعي, لتبدأ من بعد ذلك أحداث الانفراج, قرار التطوّع في منظمة اليونيسيف لمساعدة المواطنين المنكوبين كقرار أوّل في مثلث الانفراج:

أعزو الأمر إلى ذلك كلّه, ناهيك عن دوافعي الشّخصيّة بالطّبع, من حسن حظي أن فكرة العمل التطوّعي الإنساني لمعت في ذهني في وقت ملائم, بمساعدة من دبلوماسي عربي صديق, أقصد صديق افتراضي, تمّ تعييني في مكتب يتبع منظمة اليونيسيف..... صفحة 131

سيأتي القرار الثاني في مثلث الانفراج, بعد استقرار إيفا في اللّاذقية( أيضًا زمكانية جديدة) تعاملت معها إيفا بمنتهى الإيجابية,وشهدت حياةجديدة استقلّت فيها بمسكن عاشت فيه بمفردها, بعد أن غادر والدها وأخوتها وزوجة والدها إلى الإمارات, رفضت أن تترك وطنها, وأخذت على عاتقها كفالة ثلاث فتيات من الميتم يتّمتهنّ الحرب وشردتهن, فأصبحت أمًّا لهنّ وهي في العشرينات من عمرها دون أن تتزوّج, كان ذلك نهاية ما أوردته إيفا في مذكّرات مكتوبة سلّمتها لخالها أندريه, وهو يتلو المذكّرات على مسمع جدّتها بعد أن مات جدّها. تبع تلك النّهاية المفتوحة على احتمالات عديدة, فصل أخير أكّد فيه الكاتب على لسان الساردة أنّ الرّواية لن تنتهي شأنها شأن كلّ رواية ما زال أبطالها يتنفسّون الحياة, أقلّها أنّ البطلة ما زالت حيّة, كما أن الحرب السورية ما زالت مستمرّة...

أعقب ذلك الفصل الأخير بملحق, أصنّفه نقديًّا كعتبة الخلفيّة للرّواية, وهو ما يقابل الهامش في قصيدة النّثر الحديثة, وهي فعلًا هوامش زائدة عن الرّوايّة, وضعها الكاتب خارج أسوار الفصول التي تحمل الثيمة, وهي لاحقة زائدة لتفسير وشرح ما يفترض الكاتب أنّه خفيَ على القارئ, عبارة عن رسائل قصيرة من السّاردة إلى أسرتها, وخالها أندريه, وصديق افتراضي اتفقت معه على نشر الرّواية, وملحق آخر ملحق بالملحق عنونه ب ( بين بلاشفيا واللّاذقية), وهو أيضًا لاحقة زائدة لإشباع فضول القارئ, مشهد جامع بين نصفَي المتن السّردي, بين الزّمكانيّتين, أندريه وجدّتها الكونتيسة بمشهد درامي في بلاشفيا يبكيان (على سفر يشبه ملحمة أسطوريّة), وإيفا في بيتها الواقع على مسار الطائرات الروسية تكتب مذكّرات جديدة,  وما زلت متأكدة أنّ الضربات الروسية تدكّ معاقل الإرهابيين, وغير الإلرهابيّين من سكّان المناطق التي تطالها الضربات الصاروخيّة الروسيّة, وتؤكّد أنّها انساقت في مسار حياة اليتيمات وأنها...: " عدت إلى التّواصل مع الدّيبلوماسي العربي من جديد"


وكأنّها ترسل رسالة أنّها ستقع في حالة يوتوبيّة جديدة, هذه المرّة عربيّة الجنسيّة.

طرحت الرّواية الكثير من المواضيع والقضايا, ولم تكن العاطفة ثانويًّة فيها, لكن فداحة القضايا الأخرى جعلتها تبدو كذلك, فكانت هناك قصة حبّ جدّي إيفا الكولونيل الشّيوعي الرّوسي والكونتيسة الألمانيّة,  وقصّة حبّ كريستينا والدتها ووالدها الدكتور ثروت طوقان, وقصّة الحبّ الأسطوريّة  التي ربطت بين إيفا والضّابط الطّيار السّوري المحاصر مع جنوده في مطار حلب العسكري عبر النّت لسنوات عديدة, وانتهت بموته بعد دخول القوات الروسية, تمّ فك الحصار لكن تمّ أيضًا إسقاط طائرته على يد الدّواعش. سنلاحظ أن إيفا لم ترتبط بعلاقة حبّ ملموسة, بل افتراضية, والعلاقة ذات العاطفة الملموسة( الأمومة) كانت مع الفتيات اليتيمات.

كما طرحت مواضيع اقتصاديّة ومعيشيّة يعانيها الشّعب السّوري تحت وطأة الحرب التي حارت فيها العقول:

تعمّدوا تدمير أنابيب النفط لخلق أزمة المازوت, وهي المادة التي نعتمد عليها في التدفئة, بلغ الأمر درجة أنّ الدول التي تدّعي التّحضّر فرضت عقوبات منعت توريد المشتقات النّفطيّة إلى بلدي, من بينها الغاز المنزلي والمازوت, حرمونا من وقود التّدفئة ومن غاز الطبخ, مَن دفع الثّمن؟ الشّعب....153

والكهرباء؟ ... قبل أشهر نسينا اختراعًا يدعى الكهرباء,  المتحضّرون عاقبونا بمنع وصول إمدادات الوقود إلينا.... ص 155

طرحت أيضًا مواضيع ثقافية وتراثية بصيغة معلوماتية قام الحوار بحملها في مستهل الرواية, كما قام الوصف المباشر بحملها على لسان الساردة, نجد ذلك في وصف اللّاذقية وقد احتلّ حيّزًا كبيرًا من الفصل السّابع.  

كما طرحت الرواية - من وجهة نظر السّاردة (إيفا)-  رؤية متداولة من جانب طرَفي -وليس جمعي- عن أسباب وملابسات وبدايات الأحداث التي قادت سوريا إلى الحرب التي ما زالت قائمة إلى الآن, نجد ذلك كاملًا في الفصل السّادس( شرخ .. وعَفَن), وليس للناقد أو المتلقي أن يناقش الكاتب بالأفكار والآراء التي يطرحها في نصّه, سيّما وأنه يطرحها عبر شخصيّة تتمثّل بفكر هذا الطّرف, ولن تكون مقنعة إن طرحت وجهة نظر أخرى( إيفا بنصفها الروسي), التي لم ترَ القتال إلا بين الدواعش والجيش النظامي والروسي, ولم تلقِ بالًا للمليشيات الدّوليّة  الخارجية الأخرى.

السرد : بدأ على لسان السارد العليم الذي وقف على منصّة الحكي على امتداد 103 صفحة, ليتخلّى بعدها عن الحكي للسّاردة البطلة إيفا, والتي اختار الكاتب أن يرقّم الفصول مع ابتدائها بالسرد.

سرديّة الحدث: الطريقة الحديثة, من العقدة ثم عودة نحو البداية ومتابعة إلى النهاية المفتوحة

التّقنيّات السّرديّة: كانت متنوّعة, حوارات خارجيّة وداخليّة, مذكّرات, رسائل نصّيّة.

الأسلوب: تناوب بين الأسلوب الواقعي الأدبي في أرقى أشكاله وهو السّهل الممتنع, والأسلوب الإخباري المباشر في السرد الحدثي. 

 رابعًا- الخلفيّة الأخلاقيّة:

من يقرأ رواية ( الوجه الآخر للضّباب) سيجد أنّها رواية ملتزمة بمنظومة الأخلاق العالميّة, فلم تخرج عن الأطر الأخلاقيّة لا بالألفاظ ولا بالمشاهد ولا بالأيولوجيات, بل كانت في غاية التّهذيب والرّصانة, رغم أنها تتكلّم عن شعبين وبيئتين, إحداهما في الغرب والأخرى في الشرق, فهي لم تتهجم ولم تتهكّم ولم تستخف بعادات وتقاليد وعقائد أيّ من المجتمعَين, وإن تعرّضت لبعض الأفكار المتدنيّة في كلا المجتمعين, فكانت بقصد الشّجب الإيجابي, ولم تعمّم, وتدعو إلى نبذ الطّائفيّة والعنصريّة, والحروب بكل ويلاتها, بغضّ النّظر عن مسبّباتها وأطرافها, رواية انتصرت فيها فطرة الخير الإنسانيّة, وأنتشت بذورها في الشّرق رغم أنّها اقتلعت من جذورها في الغرب.

وطني لقمة سائغة, دمشق- برمزيّتها المعنويةّ والسّياسيّة والحضاريّة- هي قلبه النابض, أصابها ما أصابه, عندما سيطرت تنظيمات مسلحة متناحرة على أحياء غير قليلة منها..... لا يخلو يوم من دون أن نسمع عن عمليات خطف واغتصاب وقتل على الهويّة, التفجير الذي يطال منطقة تسكنها طائفة, ينبغي أن تشهده منطقة تقطنها طائفة أخرى, والمفخّخة  التي تنفجر في حيّ أغلبيّته سنّة, تنفجر واحدة مثلها في حيّ أغلبية قاطنيه من العلويين, دوّامة العنف وتغييب لغة العقل والحوار بلغا ذروتهما. ...صفحة 136-137


وختامًا:

نبارك للدكتور كريم صبح عمله الروائي الأوّل القيّم هذا, والذي تجاوز فيه عقدة  الركاكة العمل الروائي الأول, فكان عميقًا في موضوعه, ومتمكنًا في تقنياته السرديّة, و بليغًا في أسلوبه الأدبي, بالإضافة إلى أنه كان دقيقًا في الوصف المكاني, رغم أنّه مواطن عراقيّ لم يزر لا روسيا ولا سوريا حتى الآن, وننتظر منه أعمالًا وروائع كثيرة في القادمات.

 

 

د. عبير يحيي


التعليقات




5000