هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النزوع الرومانسي في الشعر العراقي

د. وليد العرفي

 النزوع الرومانسي في الشعر العراقي 

قصيدة : نُزهتي الصَّباحية للشاعر : مصطفى علي أنموذجاً   

 

تُمثّل النزعة الرومانسية في الشعر العربي إحدى أبرز المدارس الأدبية التي كانت ردّة فعل على الكلاسية ، وقد وجدت لدى الأدباء العرب تربة خصبة نتيجة الواقع العربي المأساوي ؛ فكانت الطبيعة ملاذ الشاعر ، ومتنفَّسه الذي يجد فيه الراحة والطمأنينة ،مثلما يستعيد فيه توازنه مع الحياة وإرهاصاتها ، وفي هذه الهمزية للشاعر العراقي : مصطفى علي تتبدّى النزعة الرومانسية بكل تمظهراتها ، وهو ما سيكون مجال اشتغال هذه المقاربة : 

فعلى مستوى الموضوع : تنهض القصيدة في مقولتها الرئيسة ، وما تفرّع عنها من مقولات فرعية على معمارية موضوع واحد هو الطبيعة ، والطبيعة في الشعر الرومانسي تعني عودة الشاعر إلى حالته الجنينة البكر التي تتمثل بالفطرة ، وهي إذن إعادة الاعتبار إلى العفوية والحرية هي تجاوز للتقاليد بصيغها الاجتماعية والفنية " .  

وقدْ تجلَّتْ تمظهرات النزوع الرومانسي على المستوى اللغوي من خلال السمات الآتية : 

1ــــــ الذاتية : وقد عدَّها فيلبس والرومانسية شيئاً واحداً ،

 ظهرت الذاتية عبر ألفاظ  تُحيل على الذات ومرادفاتها، وقد ظهرت بكثافة ،إذ القصيدة ذاتية في موضوعها وغايتها ، وهو ما بدا في كثرة  الضمائر العائدة على الذات التي تناوبتْ بين أنا ،  أو ياء المتكلم ، ومما ورد من ذلك قوله : 

أنا السلطانُ في جنّاتِ عَدْنٍ

                  وأطيارُ الحديقةِ من إمائي

سُليْمانٌ : ملائكتي طُيوري

                    أُساقيها دُموعي في إناءِ


2ـــ اللغة الهامسة : وهي اللغة التي تكثر فيها حروف الهمس ، وهو من الوضوح مما لا يحتاج إلى تأكيد أو إثبات . 


3ـــ تقريب اللغة من حديث الحياة اليومية البسيطة : تبرز هذه السمة باقتدار الشاعر على تطويع القصيدة ، ونقل المشهد بعفوية ، وسلاسة ، وكأنه يسرد ما يراه ،وهذه العفوية في القول تُمثلُ خصيصة من خصائص الشعر الرومانسي الذي تُحاكي لغته لغة الحياة اليومية ، وكأنَّ الشاعر يحكي ، لا يُبدع لما في لغته من قرب إلى طبيعة كلامه إذ إنَّ : " اللغة الشخصية للشاعر تطبع إلى حدٍّ بعيد لغته الشعرية "  

 فنلحظ أن لغة الشاعر مصطفى علي قد جاءت لغةً  شفَّافة رقراقة كجدول ماء في صفائه وتدفّقه ؛ فاستطاعت أن تكون لحظة للتفريج عن مكابدات الواقع ، ومنغصات الحياة بمشاغله اليومية ، وهو ما جاء إعلاناً صرَّح به الشاعر في استهلال نصّه ، وقد حقَّق الغاية ، ووصل المرتجى بأيسر الطرق ، وأكثرها استقامة ؛ فجسّدت قصيدته لوحةً شاعرية تمتلىء بالحياة ، وتبعث على مشاعر الانشراح والتوق ؛لكل ما هو جميل وحي . 


أمّا من حيث الموضوع :

فقد تبدَّتِ الطبيعةُ مقولةً محوريةً ، وهو ما يكشف عنه الحقل الدلالي الذي يبدو حقلاً مكتنزاً بالطبيعة ،  وهو ما يبدو من خلال الأسماء والأفعال على حدٍّ سواء  ، وسأكتفي بالأبيات الثلاثة الأول التي جاءت استهلالاً يقول الشاعر : 

أجِزْ ياصاحِ زهْوي وإزدهائي

                     بأطيارِ الحديقةِ أقْرِبائي

وقفْتُ بِبابِها وبَذرْتُ قلبي

                     بِمُنْتَزَهٍ بهِ طابَ إرْتِقائي

أجِزْني وأجْزِني أجْرَ القوافي

                   بِبُرْدَةِ هُدْهُدٍ زاهي الرداءِ

نلاحظ أنَّ حضور الطبيعة جليٌّ في كل شطر من هذه الأبيات ؛ فمن الأسماء : (الحديقة ، هدهد ، أطيار، متنزه  ) ومن الأفعال : (بذرت ) ، وهو ما يعمّم على القصيدة كلها التي تمثَّلتِ الطبيعة بطيرها ونباتها ، كما لم يغبِ الإنسان الذي جاء استهلالاً وختاماً في هذه القصيدة ، وكأنّي بالشاعر يريد القول بأن الإنسان لا يمكن أن يأنس إلا بمصاحبة الإنسان ، آية ما أذهب إليه أنَّ الشاعر في توصيفه مشهد الحديقة العام ، وهو في لحظة خلوة لم ينسَ  ما يُحتّمه عليه واجب رؤية من تركهم  يقول في قفلة القصيدة التي جاءت ختام المسك في هذه القصيدة على الرغم من اختلافها مع المناخ النفسي العام للقصيدة التي بدأت بانشراح وحالة من الفرح ؛ لتكون الخاتمة مكتنزة بمشاعر الحزن والأسى ، وكأنَّ قدر الشاعر ألا يشعر بالسعادة إلا لحظات عابرة ، بل إنها لحظات مسروقة من عمر الزمن : 

وداعاً يا أحبّائي سأمضي

              فنَصْلُ الوقْتِ يقْطَعُ كالمضاءِ

نَطاسيٌّ ولي في الحيِّ مَرضى

                 عسى يُشْفوْنَ من داءٍ عياءِ

ويُمثّل الصديق  في النزعة الرومانسية الآخر الذي تهفو إليه النفس ، أو كما يقول التوحيدي : "الصديق آخر هو أنت  " ومن هذه الحقيقة نجد أن الشاعر استهلَّ القصيدة بخطاب الآخر ، وغالباً ما يكون هذا الآخر افتراضياً غير مُحدَّد بهيئة مُشخَّصة ، وإنَّما هي شخصية يستدعيها خيال الشاعر للنجوى والبوح ، بهدف التعبير لإيصال الرسالة التي يُريد الشاعر تبليغها ، أو نقل الحالة الشعورية التي يُحسُّ بها ، والموقف الانفعالي الذي يعيشه . وقد تحدّد هذا التوق إلى مشاركة الآخر ، أو الطبيعة عبر ثنائيتي  الطبيعة الجغرافية من حيث المكان التي وسمتْ هنا بحديقة المنزل الموصوفة ، ومن حيث الحركة بالطير على اختلاف أنواعه ، ومن هذا التحديد المكاني والحركي تبدأ تصاعدية الحركة في النص ، وهو ما يتبدّى باستخدام الشاعر الأفعال الدالة على إحداث الحركة والباعثة على الحيوية ، وتجدّد الطاقة الكامنة ، وهو ما يكشف عنه الحقل الدلالي للألفاظ من مثل : ( أزح ، غنت ، أردد ، ترنح ، تنجلي ، يُحلق ، فرَّ ... الخ )   و كلها دوال على الحيوية والانبعاث  :  

أزِحْ غَبَشاً تزاحَمَ في زوايا

                     فتىً مُتَفَرِّدٍ دُونَ إنزِواءِ

غريبٌ هاهُنا لكنّ قُرْبي

                    طُيورَ أللهِ أوفى الأنْسباءِ

أبيحوا لي هُيامي في صداها

                فقدْ أنسى، إذا غَنّتْ، عَنائي

أُرَدّدُ لحْنَ أطياري السُكارى

                   بِنشْوةِ عاشِقٍ بعد إحتساءِ

كما النشوانُ في أبهى دلالٍ

                   تَرَنّحَ راقصاً فَرْطَ إنْتِشاءِ


وتمتزج ظهورات النزوع الصوفي بالنزعة الرومانسية التي تشفُّ عنها بقية القصيدة من غير أن تنغلق على الواقع ، إذْ إنَّها تظلُّ رهينة ما بين توق لارتقاء ، وحقيقة وجود ، وما بين اشتهاء تحليق ، ومدى مُقيّد : 

متى ما تَنْجلِ العَتَماتُ عنهُ

                   يُحلّقْ خافقي فجْرَ الجلاءِ

أسيراً فرَّ من شُبّاكِ صدري

                  وشَقْشَقَ في كُبيْداءِ السماءِ

فَيَتْلو للهوى صَلَواتِ حُبٍّ

                 تُساقي الروحَ حَدَّ الإرْتِواءِ

فهاكمْ يا أحِبّائي دموعي

                       شراباً زانَ نافِلةَ اللِقاءِ

وغالباً ما تتمازج النزعة الرومانسية بالنزعة الصوفية ، إذ الصوفي والرومانسي ينهلان من المنهل نفسه ، مثلما يسعيان إلى الغاية ذاتها ؛ فــ : " التجربة الصوفية والتجربة الفنية منبعان من منبع واحد ، وتلتقيان عند الغاية نفسها ، وهي العودة بالكون إلى صفاته وانسجامه "  ، 

وهو ما يبدو من تمظهرات القصيدة سواءٌ على مستوى الألفاظ ، أم ما جاء على مستوى التركيب والإيحاء ، ومن الألفاظ : (تنجلي ، يحلق ، السماء ، شقشق ، الهوى ، صلوات ، الروح ... الخ ) وهي ألفاظ تنتمي إلى حقل الإشراقات الصوفية ، كما تتبدّى من خلال روح الإيثار التي تُعبّر عن تلك السمة من غير خفاء كما في قوله :   

سُوَيْدائي لكم حبّاتُ قَمْحٍ

                   بماعونِ الندى والإحْتِفاءِ

بَرِئْتمْ من خَنا سوءِ النَوايا

                  فلن تُجْزوْنَ مني بإزْدراءِ

عَفوْتمْ عن مَساءةِ مَنْ أباحوا

                مَساوئَ صيْدِكم دُونَ إستِياءِ

تجلّى خافقي ثُمّ إصطفاها

                   ملائكةً لوحْي الإصطفاءِ

مُسَخّرةً طيوري رَهْنَ دمعي

                     ولم أحْسدْ سليلَ الأنبياءِ

إنها استشراف صوفي يتلبّس الشاعر عباءته ؛ ليبدو درويشاً في محراب الحالة التي يترفّع فيها عن المادية ، وراح ينظر إلى العالم من برزخه الصوفي ، وقد تفرّد بدنياه بعيداً عن دنيا الناس ، وكأنه يُعيد حالة الشاعر بدوي الجبل الذي أنشد ذات بوح : 

        تقسَّم الناس دنياهم وفتنتها ، وقدْ تفرّد من يهوى بدنياهُ 

وإذا كان الشعر تحليقاً وتسامٍياً  علوياً ؛فإنَّ الانسلاخ عن الطبيعة الكينونة البشرية غير ممكن ؛ فنجد الشاعر يعود إلى الواقع من خلال توجيه خطابه إلى  المطربة فيروز التي عادة ما تكون أغانيها من مسموعات الصباح الجميلة ، إذ يستميح العذر منها لمساواة جمال صوتها بصوت الهزار  ، كما تبرز الواقعية بمعطى حسيّ آخر، تمثل بشرب القهوة ، وهو من التقاليد المرتبطة بسلوكيات الصباح  يقول : 

أفيْروزَ المَهيبةَ سامحيني

             فصوْتُكِ والهزازُ على السَواءِ

وطَعْمُ القهْوةِ الدُفلى بِريقي

                      شَهيٌّ لا كما مُرُّ الدواءِ

غير أن هذا المكان الواقعي سرعان ما يتبدَّى لنا مكاناً تخيلياً بما أضفى عليه الشاعر من مشاعر ، وما أسبغ عليه من أحاسيسَ جعلت من الحديقة صورة لجنة في الأرض ، وقد تجمَّعتْ فيها أجمل الطيور وأرقّها ، وبهذه الحديقة تسمو المشاعر ، وترقُّ العاطفة التي تكشف عن سموّ نفسيّ ، ورهافة حسّ تتمثل الطير ، وتجسّده إنساناً يتحاور الشاعر وإياه وكأنه مخلوق يعي الكلام ، ويفهم لغة الحديث يقول : 

هُنا كَرَوانُ أشجاري تمادى

                    يُلقِّنُ مُهْجتي لَحْنَ الدُعاءِ

كَناريٌّ بنى عُشّاً رؤوماً

               على سِدْرٍ بنى عرشَ السماءِ

وعُصُفورٌ تَوَضّأَ ذاتَ فجْرٍ

                  بأشذاءِ الفَساقي من دِمائي

فَحلّقَ مِثْلَ أجنحةِ القوافي

             ومِنْ بُرْجِ الضياءِ الى الضياءِ

فصارتْ هالةُ الأفلاكِ حولي

                      بهاءاً في بَهاءٍ في بَهاءِ

عصافيرٌ وسَقْسقةٌ صباحاً

                تُداوي زيْفَ أسقامي ودائي

أغاريدٌ تَسرْبَلها خيالٌ

                      مَراذيذٌ لِأنْداءٍ ومـــــاءِ

و شلّالٌ من الأنغامِ يهمي

                  على روحي لِتَنْعَمَ بالرُواءِ

سُنونُوَةٌ ودورِيٌّ رفاقي

                أنا المحسودُ من أهْلِ الثراءِ

أرى تُرْغِلَّةً سَكِرتْ وغنّت

                   بِهمْسٍ تحت ظِلِّ الهِنْدِباءِ

وخلْفَ السورِ قُبّرةٌ شجاها

              نشيدُ الصُبْحِ لا صوْتُ الحُداءِ

وبينَ الشوكِ حَسّونٌ بِصبرٍ

               يُناغي الشوْكَ (إكْليلَ الفِداءِ)

وتلكَ يمامةٌ صلّتْ بقربي

                   كأنّي واليمامةُ في (قُباءِ)

مُطوّقةً لها نزفتْ عُيوني

                       مَدامِعَها كأفواهِ السِقاءِ

وهاهنا يذكرنا الشاعر بمناجاة الأمير: أبي فراس الحمْداني ، وهو أسير في سجن الروم الذي توجه به إلى مناجاة الحمامة بلاميته المشهورة التي غنّاها المطرب العراقي ناظم غزالي  على اختلاف الحال والحالة . 

أجارَتَنا إذا ما القلبُ غنّى

                   فحسبي أنّ ساجعةً إزائي

ولي ديكٌ يُصبّحُني أذاناً

                       يناديني فأسكرُ بالنِداءِ

كطاووسٍ ولم يغترَّ فيها

                 يُخيطُ بمهجتي معنى الإباءِ

هُنالكَ في الأعالي لاحَ تاجٌ

                   على مَلِكِ الطيورِ الببّغاءِ

بلوْنٍ قُرْمِزيٍّ شعَّ ناراً

                  كما الرُمّانُ مُحْمرُّ الطِلاءِ 

وهكذا ينقلنا الشاعر معه من خلال عدسة شاعريته في أرجاء هذه الحديقة ، وهو يُصوّر لنا على شريط رؤاه تلك المشاهد التي يجعل متلقيه يعيش أجواءها حتى يكاد يسمع تدفق الماء ، وحفيف أوراق الأشجار ، وتمازج تلك الأصوات التي تتردد أصداؤها 

يُردّدُ بعضَ أشعاري بلحْنٍ

              هُوَ الموْصوفُ صِدقاً بالدهاءِ

وأُنْثاهُ بياقوتٍ تباهت ْ

                   كساها اللّهُ في أبهى كِساءِ

غُرابٌ يرتدي ليلا بهيماً

              جَثى في ظِلِّ غُصْنِ الكِسْتناءِ

وفي نظراتِهِ الحيْرى عِتابٌ

                     كمغدورٍ بأحكامِ القضاءِ

أنا الموسومُ في ( فَأْلٍ ) يُنادي

                      ومُحْتَرقٌ بنارِ الإفتراءِ

ولوني صاحبي أوفى دليلٍ

             على ناري وجَمري وإكتِوائي

فَصَيّرَني بنو الإنسانِ رمزاً

                         وناقوساً نذيراً للبَلاءِ

ولم أكُ ناعِياً لهمُ النعايا

                 ولكن أدمنوا جوراً هجائي

سعى قابيلُ في أمِّ الخطايا

                   وأعْداكمْ بِعدْوى من وباءِ

أرَيْناهُ الطريقةَ كي يُواري

                      أخاهُ بينَ مَرْئيٍّ ورائي

مُروءةُ قومِكَ إختلّتْ صديقي

                      وجانَبَهم قليلٌ من حياءِ

رُويْدكَ صاحبي لا تأْلُ جهداً

                  وتِهْ زهْواً بِلوْنٍ ذي زهاءِ

ألا صفّقْ بأجنحةٍ وأفردْ

                        ذوائبَها نَكالاً بالهُراءِ

ويبدو استغراق الشاعر في هذا الوصف أنه استرسل ؛ فذهب إلى ما هو أبعد من مجرد الوصف لمناظر تتمرأى أمامه ، بل نجد الشاعر يُحمّل قصيدته أبعاداً فكرية ذات دلالات رامزة موحية ، وهو ما يتجلَّى في خطابه الغراب الذي أسبغ عليه جمالاً جعلنا نتعاطف مع هذا الغراب بشكله الأسود ، وهنا تتكشف مقدرة الشاعر الذي يُريد أن يُغيَّر ما ترسَّخ من قناعات ، وما وقر في أذهاننا  عن قبح منظر الغراب ، ورمزيته الدالة على التشاؤم ، وبذلك يمنح النص بعده الإنساني الذي يريد القول بأنه ما من حقيقة ثابتة ، ولا من فرضية مستقرّة ، أوليس من مهام الشعر أن يُخلخل الثابت ، وأن يُزحزح المتمكن ؟ ، نعم ، إنه الشعر الذي لا يعترف بالقوالب والنمطيات مهما كان باعثها أو واضعها ، إنه القفز في ما وراء الواقع ؛ لأنه إبداع والإبداع تجاوز ، وتخطٍّ  ومن هذه الزاوية يلتفت الشاعر إلى الغراب ؛ ليسقط عنه تلك الصفة التي ألصقها به الإنسان ؛ مانحاً إياه صفة جمال ، و مُسبغاً عليه طبيعة مؤنسنة ؛ فغراب الشاعر ليس  غراب الذاكرة لدينا ، إنه غراب جميل يبعث على الراحة والجمال مثله مثل أي طائر آخر ، بل يمنح الشاعر الغراب بعداً دينياً باستدعاء قصة أول قتل تمَّتْ بين الأخوين قابيل وهابيل ؛ ليجعل من الغراب مرشداً ودليلاً وشاهداً على قسوة الإنسان وجريمته ؛ فالغراب بهذه الدلالة أراد أن يُزيل آثار الجريمة التي ارتكبها الأخ بحق أخيه  ، ويأتي ختام القصيدة في تأكيد تلك النزعة الرومانسية التي يُمكننا أن نبينها من خلال الأمور الآتية : 

ــ الدعوة إلى نبذ الوقوف على الأطلال 

ــ الدعوة إلى التجديد والانعتاق من أسر الماضي ، وما فيه من أساطير ومعتقدات  ، وهو ما يبدو في قوله : 

حنانيْكَ الهوى أبلى فؤاداً

                    تغزّلَ بالطيورِ وبالنساءِ

وودّعَ ذِكْرَ تمثالٍ ورَسْمٍ

                  ولم يحفلْ بسحْرِ المومياءِ

وهكذا تبدت في قصيدة الشاعر : مصطفى علي جمالية النزوع الرومانسي الطافح باستشرافات صوفية ، ورؤى شعرية جمعت بين الرؤيتين البصرية والقلبية ، وقد التقطتها عدسة مصوّر استطاع بمهارة  أن يُمثّل ما هو معنوي ، وأن يُصوّر المشهد حتّى كأنه صورة ملموسة ورؤية مُبصرَة ، وحركة مرئية .  


 

د. وليد العرفي


التعليقات




5000