.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عــراق

عبد الحفيظ بن جلولي

اهــداء:

إلى أساتذتي العراقيين حيثما كانوا، برد من جنبات بريقكم اللامع، سلام من حيث زرعتم بذرة الرحيل الأبدي إلى الكلمات والمعنى، لكم من تلك السنين شوق البدايات..  

إلى الرائع "عماد منهل" حيثما كان.

إلى الحنون "علاء طه"..

إلى الأستاذة الهادئة الكريمة سعاد..

أتذكرون "بشار" ورونق مستهل الثمانينيات..

 

كانت الطائرة تحلق فوق منطقة قريبة من أجواء مدينته، حين اخذ يتهيأ لملاقاة الوطن والأهل والأحباب، انهمك يعدّهم على رؤوس الأصابع، ذكرهم بأسمائهم، بشرى، رحيق، خالد...

قطعت المضيفة عليه سرحانه الجميل:

ـ هل تحتاج إلى شيء..

ـ لا، شكرا.

 ـ اذا، من فضلك اربط الحزام فنحن على وشك الهبوط؟

انشغل بيديه باحثا عن رأس الحزام ليشده إلى خصره، وفي ذات الوقت الذي حرك رأسه يمنة ويسرة مطاطا إياه، راح يغمغم شاكرا المضيفة..

 بعدما ربط الحزام عدّل من جلسته ودعا الله أن يكون الهبوط بسلام.

أعلنت المضيفة أن الطائرة تحلق فوق بغداد ودرجة الحرارة مرتفعة وهم يتهيئون للهبوط في اللحظات القليلة القادمة.

انفلت ذهنه مولّيا إلى أيام خوالي، تذكر شط العرب، دجلة والفرات، المقاهي، التمر، جلسات السمر الليلية، أيام الدراسة والنقاشات الفكرية الحادة التي كانت تثار حول قضايا عدة، وكيف بلورت وجهة نظره السياسية والقومية إلى أن قرر أن يتوّج قناعاته السياسية بانتمائه إلى حزب معارض ينشط في السر.

كان ذلك الصباح بغداديا ينضح بنسيم رطوبة دجلة والفرات، شمس دافئة تحضن أرجاء المدينة، وتفتح فيها الاشتهاء لأشياء الحياة الجميلة، كانت وجهته الجامعة، فاليوم سوف يتخرج مهندسا في الكيمياء، إلا أنه كان يطمح أن يصبح معيدا بالجامعة ويتم دراساته العليا.

أطلق على اسم دفعته اسم "جابر بن حيان" عالم الكيمياء العربي الكوفي.

تذكر يوم التخرج جيدا وكيف طلب منه زملاؤه أن ينجز قراءة في كتاب "أصول الكيمياء" لابن حيان، ويقدمها في المركز الثقافي أمام ثلة من المثقفين وشلة "الحلاج" التي كان ضاربا اوتاد الصعلكة فيها، كان مفتونا بجابر ابن حيان وعاهد نفسه حينها أن يعيد مجد البصرتين بأن يجعل ذكر الجاحظ وجابر كما الخبز والهواء.

لحظات رائعة تلك التي مكنتهم من اجتراح لقب مهندس كيمياء.

تتوالى الأيام ويندرج ضمن عادي الحياة، ينخرط في العمل السياسي ويعلن معارضته، وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن، يُطارَد وتلتهمه المنافي والأمواج البعيدة الممتدة دون مرافئ للرسو، يهرب شريدا دون جواز سفر، يسلخ حلمه وعينيه الدامعتين اللتين بنتا ذات يوم طيفا لبغداد يرقد بين أحضان الجاحظ ونكهة مهربة لتاريخ ينام، وجدر منغّمة تسرق من حلم السحر لحظات للهجوع ورغبات حرّى للعاشقين.

خرج يحمل انكسار الحلم وفقدان الأمل إلى أن آواه ركن من هذا العالم الغارق في بروداته. بعد أن استقر به المقام، وعبر اتصالات خفية استطاع أن يتحصل على أوراقه الثبوتية وشهاداته.

أصبح يمتلك بطاقة لاجئ، رفع شعار بلا عنوان بلا هوية، إلا انه ظل يتمثل قول الشاعر:

           بلادي وان جارت علي عزيزة      وأهلي وان ضنوا علي كرام

تتوالى السنون ويتم دراساته وتنشر أبحاثه، يبني أسرة ويسمي أولى بناته عراق، يتهيب فيها عراقة التاريخ، يشم فيها رائحة الطمي، ويتوسم في قامتها رشاقة النخيل.

تكبر عراق ويكبر الوطن في دواخله، ويمتد في رؤاه، و يعرّش زهورا يسقيها بالشوق للأصيل البغدادي المكثف بالشاعرية والحضارة.

انتماؤه يوما بعد يوم يتنصل من كل جهة إلا جهة الأرض والناس الطيبين، فقد وهج المعارضة بمعناه السياسي لمعانه، وبردت حدته لديه وأصبح يتطلع أكثر إلى هذا البحر الذي ينتهي في مرافئ تأوي السفن الهاربة صوب ضفاف تنتعش فيها الروح ويسكن الألم ويندمل الجرح.

كان يتحسس جرح الوطن، ينير في منتصف الليل نواسة مكتبه، يفرش أوراقه، ويحبر بيانات الروح الفالتة من صباح للأرض يتغلغل فيه عشق الشمس، ومتعة التاريخ، ولون الفلاح القمحي المحفور في لحظة بابلية مجيدة..

"الأرض تكلم عربي.. الأرض ..الأرض، الأرض.."

تلك هي افتتاحيات كل خواطره، وحين يشتد به الحنين يشعل شمعة ويطفىء كل المصابيح، ويكتب لحظة لقاء مع الحلم في مكان ما متماه في الزمن، ينحت جغرافيا بديلة للوطن والكلمات، ويهرّب رعشة الأرض الأزلية في نبضه، وينتهي شهيدا أو زنديقا كما الحلاج، حيث يبدأ الضوء الخافت للشمعة..

جنون  الكلمات إذ تُستل من أدق شعاع هارب من بلاغة قلقامش..

يستولي عليه التعب، يسلم جفنيه إلى الكرى، يصعب عليه أن يتاخم الموت الخفي في النوم حتى لا ينفصل عن دقات الزمن المليئة بالوطن والصغيرة عراق والخلجات التي لا تموت؟!

يتفصد عرقا، يتململ في فراشه، كابوس رهيب يقض مضجعه، يتسرب إلى نبضه..

عراق أصابها أذى، حمى شديدة تفتك منها بهاء البسمة، تمتد يده إلى جبهتها، يضمها إلى صدره، ثم يسلمها إلى الفراش، يبحث عن ضمادات مبللة، يهرع بها إلى المستشفى، عراق..عراق..عراق؟؟

يستفيق مذعورا مفجوعا، يتفقد عراق..

 مستلقاة على بطنها تعبّ من أحلام المخدة الصغيرة صغر أحلامها، متخمة بالطفولة المبعثرة خلف اسدال شعرها الأسود المتفحم، وحركة أنفاسها التي تعلو وتنخفض في تناغم يشي هفهفة الحلم في عالم الشراسات..

عاوده الهدوء شيئا فشيئا، عرّج على المطبخ، مد يده التي ما زالت ترتعش إلى كوب ماء، ثم آوى إلى فراشه ثانية.

تماثل الصباح إلى ساعاته الأولى عمِشا يحمل شيئا من غبش الطفلة عراق، انزلقت يداه نحو الجريدة، بينما راح يسرد على زوجته  في التفاتات مشوشة حلم الليلة المنقضية، يقاطع انهماكه هيكل "عراق" الصغير وهي مغمورة في تثاءب عميق، اخذ يحضنها و شفتاه تطبع فوضى قُبل على محياها الصغير، غاب البرنامج الصباحي من على الشاشة، يعلن صحفي الأخبار بدء الحرب على العراق، ينكمش كما طفل صغير في جسد ابنته..

يتنقل عبر المحطات الفضائية بحثا عن خبر يكذّب ما سمعه أول الصباح لكن دون جدوى..

"انهيار الحلم"، هكذا افتتح أولى كلمات الضياع بعد أن راح يتهرب من ذهول لحظاته..

كسر القلم وانخرط في بكاء طفولي طويل.. لقد ضل الطريق إلى صدر أمه..

يعود الى الكلمات، يبحث عن قلم آخر، العنوان "جرح الوطن"، يكتب جراحه جرحا جرحا، المنفى جرح، والقهر جرح، والغربة جرح، والغزو جرح..

والشتات المعفر بالعجز بعيد، يهرب بالأرض في شواطئه ألمنمّقة بالفقد والبرودات المتعطشة للثلج..

ـ "أي شيء في العيد أهديك يا ملاكي.."  

يتأمل مليا ابنته:

ـ اغتصبوا بسمتك يا عراق..

يركب قلقه، تحمله رجلاه الراعشتين إلى المستشفى، يتجه نحو مصلحة التحقين، يتبرع بدفقات من دمه الدافئ..

شكره المخبري على صنيعه لان هناك حالة مستعجلة تتطلب نفس فصيلته..

زار المستشفى صباح اليوم الموالي، وجد المريض قد اجتاز مرحلة الخطر.

لم يجد شيئا يهديه عراقه سوى دفقات دمه، استشعر الشخب يسري في تربة الوطن كلما تعافى ذلك المريض وتماثل للشفاء..

ـ أنا متيقن من أن الحياة سوف تتخلل من جديد جفاف الوطن، الوطن سوف ينتفض من بين رمادات القصف وركام الهدم ومزق الأشلاء، سوف ينزرع أغنية للتاريخ ينتشي بها عشاق النهرين والنخل العتيق..

يحط تعبه بعد أن تورمت نبضاته، ينهي جريه خلف طيف الوطن الهارب في جنح الوجع، يخرق كل البداهات والوعود الزائفة في أروقة مدن لقيطة تدمن الخديعة..

ينخرط في الجموع الغاضبة، يفرغ شحنة حزنه في مسيرات الإنسان العالمي، يصيح بأعلى صوته، وبكل ما بقي في أوصاله من توق للأرض،

ـ لا للدم من اجل النفط.. لا للحرب لا للدمار..

المسيرة نظمتها جمعية حقوق الإنسان، انتحت الجموع جادة الساحة المركزية أين سوف يتلى بيان الاستنكار الداعي إلى وقف الحرب.. اشتباكات حدثت..سال الدم من جديد..

أريق على عتبات الفصل الأخير من أحاجي السلم والتعاون الدولـيين..

لا شيء يشدنا إلى هناك ويعبر بنا مسافات الخواء سوى الدم..

تشرب الأرض من دم الصراخ، يتبلل التراب، تتعالى الهتافات:

ـ يا للعار يا للعار لا للحرب لا للدمار..

تتدافع الأنات متزاحمة متثاقلة، بالكاد يرفع أجفانه المثقلة، ورأسه الذي يهده صداع شديد، يتلمس أنحاء جسده التعبة، يتحسس المكان، يدرك انه ينام على سرير بالمستشفى..

قبلات حارة تطبعها عراق على وجهه المبلل بالفضاعات، يداعب خصلاتها، يتشرب براءتها، يمتص طفولتها، يتلاشى في اشراقات طلعتها..

يتبسم يجس نبض لحظته:

ـ ينتهي الإنسان حيث يبدأ الوطن..

تنتابه قشعريرة تقذف به في ضفاف لحظته المفعمة برومانسية اللقاء على لهب خافت لشمعة أسطورية عابرة للزمن والمكان..

ـ سيداتي، سادتي...

تعلن المضيفة عن الوصول والهبوط بسلام على أرضية مطار بغداد..

يحدق من نافدة الطائرة، تصافح عيناه سعف النخيل.. يصرخ في المدى المتاخم لأعماقه،

يتنفس عراق، ويغرس في التراب بقايا حلم بابلي..

ـ "فوق النخل، يا با فوق.."

كان الموال العراقي يعزف بدايات العود..        

 

 

عبد الحفيظ بن جلولي


التعليقات

الاسم: عبد الحفيظ بن جلولي
التاريخ: 2008-11-25 08:02:05
الاستاذة سرى القريشي:
شكرا على الكلمات التي تفضلت بها، وشكرا على اقتطاع برهة من الوقت لمطالعة حرائقي، وشكرا ايها العراقيون على اهدائنا حضارة فاقت كل تصور، وبدات مسيرة الحياة على وجه البسيطة..اليست اور اول تجمع جغرافي على وجه الارض..
العراق من صمت دجلة سوف يعود..
بكل فرح الاخوة عبد الحفيظ.

الاسم: سرى القريشي
التاريخ: 2008-11-24 19:32:28


ـ "فوق النخل، يا با فوق.."

كان الموال العراقي يعزف بدايات العود

لتعود الحكاية من جديد!!
لينعم العراق بحمى ممتدة كأنامل متلصصة
من تحت ركام سبعة الاف عام!!
لتنفي بقايانا خارج حدود كلمة و ط ن !!
اخي الفاضل عبد الحفيظ
شكرا لرحلة رمت بي على جرف منسي بزاوية أظنها تعبق بالطهر!
لك تحية بحجم العراق بقلبي
تقبل مروري




5000