.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الشاعرة زبيدة بشير بين غربة وحنين في ديوان آلاء

سونيا عبد اللطيف

لقّبت بالشاعرة الخنساء والشاعرة النابغة واميرة الشعر التونسي وحتى العربي وقمرية الخضراء وأيقونة الشعر في تونس .. 

 بشهادة أكثر من شاعر وأديب وفنان من بينهم الشاعر مصطفى خريف.  نور الدين صمود.  مفتي زكريا. الدكتورة بنت الشاطئ.  صالح جودت. أحمد رامي. معين بسيسو.  بدوي الجبل.الدكتور يوسف شوقي.  عبد الرحمان فرفور. عبد العزيز البابطين... 

باختصار هي الشاعرة التونسية زبيدة بَشير المولودة في 08\02\1938 بساقية سيدي يوسف والتي ودعت الحياة يوم 21\08\2011 وقد دخلت للعمل مذيعة ومقدمة برامج سنة 1957 إثر رواج اسمها في الإذاعات مثل اذاعة صوت أمريكا وإذاعة لندن BBC.. بتقديم قصائدها والتي ترجمت حينها الى عدة لغات من بينها الفرنسية عن الشاعر طاهر شريعة. من برامجها الإذاعية لقاء الاحبة. مرادفات واغنية لكل مستمع... 

        زبيدة بشير كتبت الشعر قبل ان تبلغ الرابعة عشرة وهي التي علمها والدها حفظ وتلاوة القرآن منذ السابعة من عمرها ويروى أنها حضرت يوما حفاا دينيا وكان الإمام قد أخطأ عدة مرات وقتها في تلاوته فغضب والد زبيدة بشير ودفع بزبيدة واختها للترتيل عوضه ففعلتا ذلك في رهبة وخوف وأجادتا الترتيل وأبهرتا الحاضرين بما فيهم الإمام وبكوا تأثرا بحسن آدائهما.. واهتم أيضا والدهما بتدريسها الأدب القديم والحديث كما كانت المطالعة النهمة للكتب والأساطير هي الهواية المفضلة لدى زبيدة دون ان ننسى ذكاءها ونباهتها وموهبتها التي جعلت منها شاعرة فهي كوّنت نفسها بنفسها.. عصامية 

وبعد أن راج اسمها تبناها الشاعر مصطفى خريف وكتب مقدمة أول مجموعة شعرية لها بعنوان حنين معبرا عن فخره به وعن اختياره ان يكون هو من يكتب مقدمة لديوانها ذاكرا ممواطن الجمال في شعر وشاعرية زبيدة ووصفها بالنابغة وانه سيكون لها شأن عظيم... وطبع هذا الديوان في دار النشر التونسية سنة 1968 بخط الخطاط الشهير محمد صالح الخماسي بعد حكاية مؤلمة وطريفة في ذات الوقت.. وجاءت قصائد حنين مفعمة بالصور والأحاسيس.. رومنسية جريئة غلب غيها الغزل ومناجاة الحبيب الصريح والمكشوف تلخص فيها فلسفة عواطفها الجياشة.. علاوة عن جمالية التعبير وفي نظمها رؤية عميقة.. وقال الشاعر حافظ جميل الملولي وهو يبدي رأيه فيها بإعجاب:  شعر زبيدة يفوق أي تصنيف..

فعلا، شعر زبيدة بشير انبثق من صميم معاناتها الذاتية وتموجات وتقلبات حياتها الشخصية المترعة بالآلام فهي شاعرة مترجمة لذاتها باقتحامها مجال تذويت القصيدة وتقول زبيدة لما سألوها عن نفسها: كل قصيدة هي صفحة من حياتي ... فمن أي سطر سأبدأ حياتي.. (من مقال للدكتورة جليلة الطريطري.. )

     زبيدة بشير تصنع من عذاباتها التاريخية وحرفتها الوجودية ذات متعالية منتصرة تعيش مدينتها الفاضلة عالم المثل العليا أو ما يسمى الميتافيزيقي.. أما في المجموعة الشعرية الثانية " آلاء " فجاءت قصائدها مفعمة بالانسانية .  مناجاة ذات توجه إيماني صوفي.

لها مواقف فيها ثابته ..

      آلاء: هو اسم محبّب إلى الله وهو جمع ألا وألوٌ .. إلًى وأُلًى..أي العطية والنعمة والآلاء وصف لنعم الله التي لا تحصى ولا تعدّ.. النعم الكثيرة.

توجد عبارة آلاء في عدة آيات قرآنية منها:

فاذكروا آلاء الله لعلكم تُفلحون

- بأيّ آلاء ربكما تكذّبان

- فاذكروا آلاء الله و لا تعثَوْا في الأرض مفسدين

وجاءت ايضا في الشعر مثال:

ألا فاشكروا لربّك كلّ وقت على.. الآلاء والنعم الجسيمة

- هم الملوك وأبناء الملوك لهم

فضلٌ على الناس في الآلاء والنعم..

        هكذا اختارت الشاعرة زبيدة بشير عنوان مجموعتها الثانية التي صدرت عن الكريديف سنة 2002 بعد غياب عن الساحة والشعر أكثر من عشرين سنة.. بسبب مضايقات عدة... وسوء التفاهم مع مدير الاذاعة وقتها في الدخول والخروج مما جعلها تطلب التقاعد الموجب..ورغم محاولة بعض الأصدقاء من بينهم عبد المجيد بن جدو على إقناعها بالعودة لكنها رفضت واختفت تماما وانسحبت كليا من الساحة.. وإثر ظهورها من جديد في اواخر التسعينات.. احتضنها الكريديف وشجعها وساعدها على النشر لكن يقال أنها للمرة الثانية لم تتمتع بحقوق المؤلف..  ولم يسلموها حقها مقابل أعمالها الشعرية..

        إثر هذا العمل كان لزبيدة بشير ديوان ثالث بعنوان طائر الفينيق لكن الأجل خطفها فتولى نور الدين صمود بصفته الصديق الحميم لها والمواكب لكل فتراتها فهو كما عبرت زبيدة بشير  أنه الاخ الودود وصديق الدرب وكان ذلك بتكليف من وزارة الثقافة بجمع أعمال زبيدة الشعرية الكاملة في مجلد كبير.. ويأسف لها نور الدين صمود أنها للمرة الثالثة تظلم ولا تنال مليما واحدا ثمرة جهودها الإبداعية فقد وافاها الأجل قبل طباعته...

       قصائد زبيدة بشير في ديوانها آلاء عمودية فهي قد تخلّت عن الشعر الحر تماما بعد ان كتبته في ديوان حنين..

         يتضمن ديوان آلاء واحد وعشرين قصيدة إضافة الى أربعة قصائد من ديوان حنين وقع إدراجها باقتراح من الشاعر نور الدين صمود على صديقته الشاعرة زبيدة بشير. و نجد مفردة آلاء تكررت في ديوانها آلاء تقريبا ثمانية مرات..

       قصائد هذا الديوان استرجاع للماضي الجميل والذكريات الخالدة الممتعة والمجد والاسم والشهرة والعلا والحظوة والإعجاب واللهو والمشاركات في الندوات الشعرية والسفرات.. ووصف لحاضر أليم تحاول فيه زبيدة بشير أن تصالح نفسها مع نفسها زبيدة مع زبيدة. زبيدة مع المجتمع. زبيدة مع الأهل والأصدقاء زبيدة مع الوطن.. وسؤال في حيرة عن غد غير واضح.. غامض لا تعرف ماذا وكيف يكون فيه المصير معبرة عن ذلك بعبارة:"  لا أدري.... "

نجد زبيدة بشير  في بعض قصائدها أو في أبيات منها زبيدة الباكية، الشاكية، الحزينة، اليائسة، البائسة التائهة، الضائعة، وفي أخرى نجد زبيدة المفاخرة والمعتدّة بنفسها.. القوية ، الشامخة ، المتعالية، وفي قصائد مغايرة نجدها زبيدة المتعبّدة، المتصوّفة، التقيّة، المؤمنة التي تناجي الله تطلب منه الرحمة و المساعدة وتقويتها على تحمّل الإساءة والإيذاء وجعلها تنسى غدر الأصدقاء الأحبّاء والأوفياء وحتى بعض الأهل وخيانتهم وجحودهم وأنانيتهم المفرطة.

      في قصيدة " سلمت لي " جاءت زبيدة خاشعة، هادئة فتقول:

رحماك ربي... فجرحي نازف أبدا

كأنه في جحيم اليأس يُلقيني

...

سلمت لي... يا عذابا أستكين له

ويضحك القلب ُُ تيها حين يُبكيني

وكأنّ زبيدة في هذه الأبيات تستمتع وتستعذب العذاب  والوجع والجرح النازف الذي لا يتوقف إنما يلقي بها في جحيم اليأس الذي تراه الملاذ  الذي  تستكين له ومن شدة البكاء والقهر يضحك قلبها استهزاء وسخرية أم تعاطفا وغلبا...كما يقول مثلنا الشعبي؛ كثر الهمّ يبكّي.. ومن كثرة الغلب تطلب زبيدة بشير من الله العون والرحمة فتقول: 

رحماك ربي ...

في حين في قصيدة " زهرة النّيلوفرْ " تقول زبيدة: 

الحبّ نور الله في أعماقها

وضياء نفس بالتّعالي تأتلقْ 

الحبّ طير نام في أحضانها 

تحنو عليه ضلوعها إذ تنغلقْ

إن لم تكن صِنْوا لها في فيضها

فيم اتّبعتَ مسارها نحو الأفق

هل تشبّه زبيدة نفسها بهذه الزهرة ..؟ الزهرة المعطاء الكريمة العجيبة التي أغدقت على العصفور بالحب والحنان والراحة والأمان لكنّ هذا الطائر لم يلتفتْ لا إليها ولا إلى حبها ولم يُراع شعورها بل تركها تغرق في أحزانها فتقول له:

" لا تعتذرْ... فالعذر لا يكفي ليمسح حزنها ودموعها "

وبرغم الأسى العميق والوجع  الى حد الانطفاء تقول:

"الحِلمُ لم يشفعع لها يوما.... ولا كان السّماح شفيعها"

"لكنّها ستظلّ شامخة تُداري بالتّرفّع والإباء خضوعها"

وتواصل زبيدة عتابها للأصدقاء والأحبّة لنكرانهم وتنكرهم لها ونسيان الوعود والعهود وغدرهم بها وتخلّيهم عنها وقت الشدّة فتقول في قصيدة " الطّلع النّضيد " :

" لا تتركوها لشجو اليأس يُخمدها ..."

هنا أشير إلى استعمال الشاعرة بكثرة في قصائدها ضمير الغيبة المفرد " هي " دليل الآه الطويلة ( هااا )  والانين والتأوّه.. لهبهااا.. أنينهاااا... شوقهااا .. 

ثم يصبح الضمير الذي كانت تتحدث عنه ضمير التّكلّم المفرد " أنا " فتقول لأصدقائها:

" لا تسألوني.. فما لي بينكم سندٌ "

أو سرعان ما تجعل مناجاتها وشعرها معبرا عن جمع المتكلمين " نحن "

" إنّ الكريم غريب بين أهلينا "

وكأنّها تقول: هذا هو جزاء الإحسان من الأهل إنّه التّجاهل والنسيان ..

فتلجأ حينئذ إلى إيمانها وإلى الله وذكره فوحده الصّمد الذي تلقى عنده السند والمواساة والمؤازرة.. فتقول :

" واللهُ يعلمُ أنّ العدل معتقلٌ "

" عساه يعفو... فتنجو من مآسينا "

نلاحظ أن الشاعرة زبيدة بشير استبدلت هنا ضمير التكلم المفرد " انا "  بضمير جمع المتكلمين " نحن " (نا ) فهل تريد الشاعرة لفت الانتباه الى العظمة والقوة وتضخيم الأنا والذات أو تريد التعميم لأن مناجاة الخالق لا تختصر على فرد دون آخر بل هو فعل جماعي فالربّ هو ربّ الناس أجمعين..

من جانب آخر نراها كثيرا ما تحول الخطاب من التحدّث عن جمع الغائبين (هم) الى توجيهه لجمع المخاطبين (أنتم) ومن التحدث عن نحن الى التكلم عن أنا إذ تقول :

" قفوا جميعا... فليكن الحزن يجمعنا (انتم) و (نحن)

لكنها تتراجع فتقول متحدثة عنها مخاطبة إياهم: 

" لا تتركوها لشجو اليأس يخمدها" (انتم) و (هي) 

ثم تعود الى الصّفح والتسامح والتّصالح لتقول: 

" فلحظة الصّفو من أغلى أمانينا "

هكذا هي الشاعرة تتأرجح بين عظمة وكبر وضعف  وحيرة ويأس ومحاولة في الرفع من معنوياتها والنفخ في ذاتها وصورتها وتقوية نفسها والبحث عن أعذار تُداوي بها جروحها بحجّة أنها نالت ما يكفي من العذابات والعقاب وأنها صبرت وتجلّدت ما فيه الكفاية فتعود الى محراب تعبّدها مناشدة الحبيب الذي تغيّر وتناءى عنها وماعاد ذاك الذي يساندها ويهبّ لنجدتها والتخفيف من روعها وهي في خضمّ مآسيها فتقول زبيدة بشير في قصيدة " هل أنت.. أنت ): 

أما كنت يوما سلاما وأمنا

أما كنتَ نور الحياة لفجري

تُساندني في خضمّ المآسي

وبلسم جرح يُمزّق صدري

فأين السلام..؟ وأين الأمان ؟

هل أنتَ... أنتَ؟ أنا لستُ أدري؟

وبعد هذه المناجاة والمناشدة وهذا العصف العاطفي والهدوء والسّكون تتحامل الشاعرة زبيدة بشير على نفسها من جديد فتقوى وتصبح نجمة على الأرض وكأنها استعارت واحدة من نجوم السماء لتكون قريبة من أهلها وتكون لهم مصدر نور وبريق.. أمل وتفاؤل... تلهمهم الحبّ والسكينة وتعيد لهم الرغبة في الحياة.. لكن بعد هذه العناية والإحاطة والحب الكبير تضيع النجمة في الدروب وتتيه عن طريق الرجوع .. نجمة فقدت نفسها لأنها كانت تطارد طيف نور واستباحت فؤادها العذاب..

فتقول في قصيدة " نجمة " : 

وقفتْ نجمةٌ، على الأرض حيرى

في ذهول... ودهشة... وارتياب

ضيّعتْ دربها... فتاهت خطاها

كيف تمضي؟ ... والدَربُ دون إيّاب

وتقول كذلك:

يا لحزني الجليل والنّور يخبو

تاركا للظّلام صدق الرّباب

ثمّ تتساءل حيرى مستغربة واصفة ذاتها بالهبة أي الهدية والكنز الذي وقع التفريط فيه أو فيها فتقول:

هبةُ الله... كيف ضاعت هباءً؟ 

كشراع طواه لجّ العُباب؟  

وتسقط هذه النجمة وتنطفئ فتقول :

عادت النجمة الحزينة ولهى

في سهوم... ولوعة... واغتراب

ويبقى الحنين دائما رفيقا عزيزا على قلب الشاعرة زبيدة بشير... هذا الحنين الذي يلازمها ويرافقها في جل قصائدها في ديوانها الأول  حنين..والذي تجلّت فيه الشاعرة عارية  وهي تكشف عن حبها وشوقها للحبيب.. فزبيدة لم تتخلص منه كليا بالتالي مازال الحنين يملأ قلبها فهي الإنسانة المرحة المبتسمة اللبقة الطيبة والحنونة والخجولة كذلك لأنها تربّت على المبادئ والقيم وهذا كله لم يمنحها من التصريح بحبها حين سألوها اذا كانت عرفت الحب أجابتها ان قلبها لا يعرف إلا الحب فهي أحبت ومازالت تحب وستظل تحب لآخر حياتها.. وتعود زبيدة لأسئلتها وتساؤلاتها عن سبب هواجسها وقلقها والبؤس والتعاسة والظلم الذي تعيشه رغم محاولة النسيان إذ جاء في قصيدة " أين  المفرّ؟ 

وَأَدْنا الحنينّ وقلنا استرحنا

ونحن بسيف العناد ذُبٍحْنا 

لماذا استهنّا بنور تجلّى 

وكيف لعزّ حِماه استبحنا... !

 الشاعرة تقرّ بعظمة لسانها أن عنادها وعزّة النفس المفرطة والاعتداد والإعجاب بها سبب من أسباب عزلتها لأنها ترى في التنازل تنقيصا من كرامتها وقيمتها فتعود إلى الوقوف على الأطلال مستحضرة الماضي لما كانت نجمة نورها متلألئ.. فتقول :

وكنا التّوهّج حسًا ومعنى

فكيف رضينا... ؟ وفيما سَمحنا؟

ثم تقول باكية نفسها راثية إيّاها وترى أنها المتسببة في إذاية نفسها : 

فبتْنا على الضّيم... وا لهف نفسي 

وهل غيرَ أحداقِنا قد جرحنا 

ثم تشرك الكواكب لترثي حالها بل تجعل قومها نجوما يبكون حدادا على الشاعرة ومن معها فتقول :

ستبكي النجوم حِدادا علينا

فأين المفرّ إذا ما نجحنا 

تواصل صاحبة النّعم الكثيرة آلاء تعداد نعم الله التي منّ بها الله عليها وخصّها بها رغم البلاءوالخوف والضّياع فتقف على الأطلال تذكر الماضي الجميل والصّفو والعطاء والعلاقات الطّيبة والرّضا فتخاطب أصدقائها قائلة لهم: 

ربّ أنعمت فزدْ

جئتكم أحمل قلبي بيدي

وحنيني لكم يحدو خطايا

أنتم أمسي... ويومي.. وغدي

وسنا فجري..  وأنوار دُجايا

وبعد هذا الوله والاعتراف بالحب لأصدقائها وأنهم كانوا ومازالوا شمعة حياتها توجّه خطابها من جماعة المخاطبين إلى المخاطب المفرد ومنالتحدّث باسم المتكلم المفرد إلى جماعة المتكلمين.. وهذا كثيرا ما نجده في قصائد زبيدة بشير ( أنتم... مع أنا ) أو ( أنتَ.. مع نحن) أو (أنتم.. مع هي) .. وكأنّها تقف على خشبة المسرح وتمسك بخيوط الدمى المتحركة وتغيرها متى تشاء..

فتقول زبيدة:

قف على الأطلال  واذكر أننا 

خيمة شدّت إلى ألْف وتدْ

وجدنا أعظم من طاقتنا 

كالخلايا ليس يُحصيها عددْ

نرى الشاعرة تذكر أنها كانت كالسماء والغطاء الحامية وأن الوجد عظيم جدا وشبهته بالخلايا التي لا تحصى دليل كثرتها وتجددها ودليل حبّها الذي لا ينضد وقلبها الذي يتوقف عن الحب..

وتواصل ذكر أفضالها كيف لا وهي الهبة والآلاء فتقول:

نحن أهل الفضل في غربتنا 

شرعنا طهر.. وَبِر.. وجلدْ

هلّل الدّهر وقد رنّمنا 

في خشوع.. ربّ أنعمت فزدْ

لم تنته زبيدة من مدح ذاتها والاعتداد بها فتقول في قصيدة " طوبى لنا ":

وعدتُ أهفو إلى فيْء يظلّلني 

أنا الغريبة في قومي وفي بلدي 

إني أنا النّهر .. إن فاضت روافده

عمّت ربوع الدُّنى باليُمن والمدد

هكذا نرى الشاعرة رغم إحساسها بالغربة والوحدة في قومها وبلدها فهي سخيّة وكريمة إلى  حدّ الفيض

وتنسى الشاعرة أحزانها حين تذكر أفضالها... إلا أن  هذا الوجع يعودها باستمرار كأنه غول يلازمها في حياتها فتقول:

فجيعة الغدر لن أنسى مرارتها 

لو أنّ عمري موصول مع الأبد

فترجع حينئذ راضية مرضية الى خالقها تشكوه وتذكره أننا بشر وخطّاؤون بطبعنا فتقول :

يا رحمة الله عفوا... إنّنا بشر 

وتيهنا ما له في العمر من أمدِ

وتهنّئ النفوس فتقول :

طوبى لنا إن كتمنا ما بنا شمما

مجد المحبّين صون الوجد بالجلد 

إنّها الشاعرة المؤمنة الصّبورة المسامحة والمتسامحة والتي لا تعرف الحقد أو النّقمة أو الكره سوى تُمنّي النفس بالجلد ففي كلّ حالة من الضعف واليأس تجدها تشدّ من كربها وتقوّي عزمها بالعودة إلى الله تناجيه وتطلب حمايته..

ومع كلّ ذلك وذاك فهي لا تجد السلوان إلا في دموعها وبكائها الذي يطول مدّه والذي تلجأ إليه في كل كرب وشعور بالاختناق..

الشاعرة تعيش تناقضات عديدة واضطرابات نفسية قوية بين القوة والضعف.. فنجدها متفاخرة ومعتدة بنفسها إلى حدّ الغرور وتلقي بالحزن واليأس والضعف جانبا وأخرى ترمي بلومها إلى الأصدقاء والأحباب الذين تخلّوْا عنها وأحيانا تلوم وتعاتب نفسها لأنها هي التي انسحبت من الساحة وفي حالات أخرى نجدها متسامحة مسالمة مؤمنة ومتصوفة تطلب العفو والصّفح من المولى عزّ وجلّ محاولة نسيان الماضي.. فهي بين مدّ وجزر  وتعبّر عن ذلك في قصيدة " فيض " وأيّ فيض تقصده زبيدة بشير هل هو فيض الوجد والحب والشوق والبذل والعطاء والوفاء والصفاء أم هو فيض  الدموع والغرق في الأحزان :

أطلْ مدّك يا دمعي 

فليس الجزر من طبعي

الشاعرة لا تعرف الخذلان والهروب 

وتقول:

إذا ما الأنواء أدمعتني

فلي في همّتي درعي

الشاعرة تحتمي من الظلم والقتامة بهمتها التي هي درعها

تواصل :

أطل مدّك يا صبري

وكن حصني من الغدر

أنا البحر الذي يُؤوي

حصى التّربة والدُّرّ

تطلب الشاعرة ان يطول صبرها فهو قلعتها وحصنها وهو البحر الذي تتخبّأ فيه كل الحجارة وكل الكنوز بالتالي صدر الشاعرة رحب شاسع يخفي كل الأسرار مهما كان نوعها شائكة وموجعة وجميلة ومفرحة..

لا تكفّ زبيدة بشير عن ذكر محاسنها فتقول:

فنوري يملأ الدنيا 

وقلبي موجع متعب

برغم تعاستها وهمومها هي مصدر نور على الدنيا بأكملها.. تقول :

إذا الصحراء هجّتني 

كسوتُ النخل من طلعي

قمّة الوصف واستعمال المناقضات فهي العطاء  والنعم والجمال والنور.. في المقابل الجفاء والظلام والجفاف والاحتراق.. وكأنها تحلّ هي هنا محلّ الآلهة لتغدق على عبادها من خيراتها.. 

خلقتُ المجد من حزني

ورويتُ الكون من مزني.. 

إذا أغدقتُ أفضالي

يزيد البذل في درعي

وتنتهي الشاعرة في هذا القصيد الطويل المتكون من خمسة وعشرين بيتا وقسمته الى اثنتى عشر مقطعا تكرر فيه اللازمة " أطل مدّك يا دمعي " بالعودة إلى العبد الخاشع المطيع المتعبّد المصلي والمبتهل إلى الله لتشكوه من جحود قومها وقسوتهم الذين شردوها رغم كل ما بذلته لأجلهم وطالبة من المولى أن يجيرها من لظى الذكرى وينسيها خيباتها فكل ما زرعته من خير ما أثمر بل خاب فتعود إلى الإيمان لأنه الملجأ والوطن وبه تتعمّد وتتحلّى بالصبر.. وحين تضيق بها الدنيا تستنجد بحق الليل والفجر وبحق النور والنصر وهي أسماء لسور قرآنية أن يغيثها الله ويكفّها شرّ البليّة ويغدق عليها بالأمن والسلوى عساها تنجو وتهدأ من روعها فتقول في نفس قصيدة فيض:

إذا ضاقت بي الدنيا       كفاني فيض إيماني

ثم

بحقّ( الليل) و(الفجر)     بحقّ (النور) و(النصر)

أغثني .. واكفني عسري     بما تدريه من أمري 

أنلني الأمن والسلوى      عسى أنجو من الرّوع

                 أطل مدّك يا دمعي

أتوقف عند هذا الحدّ تقريبا فكل قصيدة من قصائد زبيدة بشير قصّة وحكاية بما فيها من اختلاجات وموجات وتموجات وصور مكثفة وإحالات عديدة

لكن يمكن أن نحوصل بحسب رؤيتنا وما جمعنا عن الشاعرة من معلومات من الشاعر نور الدين صمود والشاعر مختار بن إسماعيل الذي كان طبيبها في آخر حياتها  وبعض الصحف والمقالات والاستشهادات عنها نقول:

زبيدة بشير تعاني أزمة نفسية حادة رغم محاولاتها في إخفائها ورغم بشاشتها الطافحة على وجهها حسب كل من عرفها لكن يقولون أيضا أنها كانت مزاجية جدا سريعة التقلّب ويبدو هذا جليا في قصائدها التي هي مرآة عاكسة لها فنراها سرعان ما تبكي وتشتكي وتغمرها مسحة الحزن إلى  حدّ فقدان السيطرة على كبتها رغم المقاومة ثم تجد الحلّ في الهرب والانزواء والاختفاء الذي زاد وعظّم شعرورها بالغربة.غربة روحية. وجودية.كونية.مكانية..  كما نجدها في آخر ديوانها تسأل وتبحث عن وطنها وعن أصولها وأجدادها إذ تقول أنهم أهملوها وما سألوا عنها وحسب رواية الشاعر نور الدين صمود يقول أنها اقتربت من الجبهة الجزائرية وأعطتهم الكثير لكنهم تخلّوا عنها ولما صارت شاعرة مشهورة أرادوا منها ان تنضم إليهم  فأجابتهم :" أهملتموها بيضا وتحاولون الإمساك بها نسورا " 

ويطرح السؤال ما سبب تقلب مزاج الشاعرة زبيدة بشير ولماذا سرعان ما يتعكر صفوها ؟ 

كل من عرفها أحبّها وصاحبها لرقتها ولباقة حديثها وجمال خلُقها وخلْقها وطيبة قلبها المفرطة... فهل هذا سبب جعلها تنسحب لأنها  وُجدت في غابة وحوش ومجتمع ذكوري  جاحد ظالم قاهر لا يعترف بالكفاءات والناجح فما بالك اذا كان المبدع  والمتألق من الجنس اللطيف.. امرأة وامراة تظهر في الخمسينات على رأس القائمة فهل يسمح لها بأن تحتل عرش الشعر وهي القادمة من الساقية والعصامية...؟

هل يعود سبب الحزن الدفين في قلب زبيدة إلى معاناة والدها الذي قدم من الجزائر  وبالذات من قرية تدعى" سوف"  وكان لقبه العائلي السوفي وهو الذي أجبرته الحرب على هجر وطنه للاستقرار بتونس بعدها تزوج من أمرأة من عائلة الشابي من توزر.. وكانت كلما تشتد الأزمة بها تحنّ إلى الموطن الأصل  والأجداد الأوائل  لكنها لا تجدهم حتى الأهل الجدد والأصدقاء في تونس بعد العشرة تنكروا لها.. وهل طلاق أمها هو مازاد في همها وغمها ثم موت اختها الكبرى التي كانت تعطف عليها الذي ضاعف حزنها حزنين وزاد في تأزمها نفسانيا ؟ 

تقول زبيدة بشير في نص " غربة" 

فتحتْ " وهران" أحضان الوفا

             حين زرناها... وقالت: مرحبا....

 عاش في الغربة صبّا موجعا

             كلّما المضجع بالحيرى نبا

آه يا وهرانْ... هل يغدو إلى 

             مرفإ الأمن... حزينا  متعبا

إن نكن تهنا وقادتنا الخُطى

             في طريق اليتم... والحظّ كبا:

طائر شادٍ عدا عن سربه 

              فدعاه الشّوق أن ينتسبا:

أنا " سوفيّ " الهوى يا سادتي

            وانتمائي لبلادي وجبا

كانت الأوطان حضنا دافئا

              يحتوي الابنَ.... فصارت مطلبا !!!

  وتقول:

غربة طالت... وحزن صامت

              إن يكنْ ذنبا... فمن قد أذنبا ؟!

وتواصل الحديث عن تنكر الأهل فتقول:

نزع الزهرة من أكمامها

                   ورماها للذّرى أيدي سبا..

وفي قصيدة عروس القوافي التي تزهو فيها بنفسها وشعرها ولقبت نفسها بعروس القوافي تقول:

تألّقتُ فجرا.. تضوّعتُ عطرا

            تناغمتُ شعرا... فماد القصيدْ

هو الوجدُ... يحدو خُطاها إليكم

      عروسُ القوافي أتتْ من بعيدْ

دعوها تُعانقُ شمسَ الجزائرْ

         لأنّ الحزائرَ وعدٌ... وعيدْ

فلي في حماكم سلام وأمن

     ولي في ثَراكمْ رُفاتُ الجدودْ

ثم تقول في وسط القصيدة :

فما اهتزّ فيكم حنينُ لذكرى 

         ولا هالكم ما تُلاقي العَنودْ

كأنّ الدّماء التي وحّدتنا 

         مياه تجمّد فيها الجليدْ

وتضيف:

أعيدٌ بغير الأحبّة عيدٌ ؟

           لمن سأعودُ؟ .... وكيف أعودْ؟

فنكث الأمومة أدمى جَناني

        وما كنتُ أحسَبُ أنّ الولودْ....

... يهون عليها بِعادُ بنيها

       وقد يُستباحُ عرينُ الأسودْ!

أيا أمٌّ... إنّ الأمومة عهدٌ

        فكيف استهنتِ بأسمى العهودْ؟!

وفي آخر بيت تقول:

ستجمعنا لحظة الشّوق يوما

فشمس الجزائر وعد... وعيدْ

ترى بعد كلّ هذا الحنين إلى الموطن الام وطن أبيها السّوفي هل مازلنا نشكّ أن زبيدة بشير تشتاق الى الجزائر وتنظر منه ان يفتح لها ذراعيه ورغم انّه لم يحصل شيء من هذا القبيل هي تعيش على الأمل تنتظر ساعة اللقاء ويكون ذلك يوم عيدا.. 

وبالأمل تحيا وتنتصر... وإلى الله تناجيه وتبتهل.. 

زبيدة رشيد لم تجد في وحدتها وغربتها ووحشتها سوى الله لتعبده وتناجيه لذلك اعتكفت في عزلتها وراحت مع ذاتها وتماهت مع وجدانها في حوار ما خالقها ليخفف عنها مآسيها وينسيها جروحها ويداويها فهو وحده عالم بما فيها ووحده شافيها فتخاطبه في قصيدة " مناجاة " تقول:

 في شدتي أعنو إليك 

     طوق اصطباري في يديك

مازلت أهفو الرّضا 

          مذ دلّني وجدي عليك

والقلب صاد موجَع

        يرنو لغوث مُؤتَمَنْ

    إن لم تكن أنتَ.... فمنْ ؟

وفي قصيدة ابتهال جاء:

ناديته من فجاج الخوف والألم 

         هبني الأمان  بحقّ " النّون والقلم "  

ناديته وجراح الحزن نسكنني 

           هبني السلام... فإنّ الغدر روّعني

ناديته وفلول الحزن تنتصر

            إن  الذين استجاروا قبلنا، جبروا

ناديته في عناء الحِلّ والسّفر

          أنر طريقي بنور الأمن والظّفر

ماخاب من لاذ بالرّحمن مبتهلا

           فكيف بالفاجع الموصولة الكدرِ !

يا خالقي... إن شجوي عاد يأسرني

           هبني الهجوع، بحقّ " الشّمس" و " القمر"

 أختم قراءتي فأقول ماذا حدث مع الشاعرة من أمر روّعها وهزّ كيانها وزلزله ولم تنطق به ولم تبح به بل ظلّت غارقة في صمتها وهي القائلة في قصيدة إباء المؤرخة بسنة 1968ونشرت بمجلة الفكر من نفس السنة بعد شهرين من كتابتها:

أخفي عذابي  إباء... لا أبوح به

        كتمتُ سرّي ولكن... خانني قلمي

هل هذا السرّ الذي تكتمه الشاعرة خطير وظلت في معاناتها عقودا ولم تُطلع به أحدا سوى قلمها الذي فضحها وكشف حقيقتها أنها  إنسان بائس ملدوغ فضل الصمت وانتظار يأتي الفرج من الله. 

زبيدة بشير كانت طموحة الى أبعد الحدود منذ بدايتها وتحقيقها للنجاح الذي حققته في الساحة سواء في الشعر  او في الإذاعة وهذا جعلها تكون أكثر طموحا وأكثر غرورا واعتدادا بنفسها لانها تكاد تكون المرأة الاولى في تلك الفترة تبرز وتصبح محلّ أنظار الجميع من الداخل  والخارج وأحيطت بالدلال والإعجاب أينما حلّت وهذا ما أشعل نار الغيرة في نفوس بعض الحسّاد فتآمروا عليها لأنها كانت ستتفوق عليهم فتفوقُهم شهرة ومكانة وقدرا وقيمة فضايقوها مما جعلها تطلب أولا التقاعد الموجب من العمل في الاذاعة ثم تختفي كلّيا...  فما الأمر ؟

مع الملاحظ ان مجموعة هذا الديوان " آلاء" كتبت ما بين سنة 1998 وسنة 2002 فحسب تخميناتي وانا أتصفح  قصائد زبيدة بشير أن نكبتها بدأت منذ سنة 1968 وإثر تقاعدها من الإذاعة... فنمط ومواضيع كتاباتها تغيرت كليا.. فمن رومنسية جريئة وعاشقة إلى شاكية وباكية .. متجلدة وصابرة.. مظلومة ومقهورة... مؤمنة .. متصوفة ومسامحة..

هذه زبيدة التي اختارت عناوين قصائدها  لتعبّر عنها وليشهد التاريخ بمجدها وعبقريتها عساه يكشف يوما عن أسرار لا نعرفها.. فهي: سنونوة. عروس القوافي. آلاء. نجمة. الطّلع النضيد. زهرة النّيلوفرْ... ولا ننسى حنين وابتهال ووعد وفيض وشروق وبشائر يمكن ان تكون ايضا من خصالها وصفاتها.. 

شعر زبيدة بشير فاق التصور والخيال.. يحتاج الى مزيد التعمق فيه والبحوث والدراسات.. هي نجمة أسقطوها حتى تخمد وتنطفئ الى الأبد.. 

المراجع 

ديوان حنين

ديوان آلاء

حديث نور الدين صمود 

مقالات ودراسات على عدة صحف 

وكتاب قمرية الخضراء عن حياة زبيدة بشير 

قراءة سونيا عبد اللطيف 

 

سونيا عبد اللطيف


التعليقات




5000