..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النصوص الفائزة بجائزة النور السابعة للابداع- القصة القصيرة \ الفائز الاول

حيدر سالم

كريمة  


يخيم على شارع السعدون اختناق يتافقم مع الرطوبة المتفشية في الارجاء ، الشمس تفرش آخر لهيبها في السماء ، الغروب يحقن الشارع بالملل ، المركبات تعبر مسرعة ، المارة يجرون أنفسهم المتثاقلة على الأرصفة .عند الصبات الكونكريتية التي تسد الشارع ، جلست كريمة تنتظر ابنها النائم في كارفان الكراج أو بيتهم الصغير المكون من ثلاثة امتار ! ، أطفأت كريمة سيجارتها ونهضت  تاركتا خلفها حسرة لا تعلم أن ستنطفئ ذات يوم أم لا ، حثت خطواتها المهترئة الى الكراج ، وجدت لوسي تنبح و تدور حول تنور الطين ، التنور الذي تخبز به عمرها منذ أن كانت صبية للمطاعم و الفنادق ، كانت الظلال تمتد على الشارع المقفر ، تنعس البيوت الخدرة ، كل الأشياء تذهب لرقاد ما ، البنايات العالية ، النسيم القادم من دجلة يضمخ الهواء ، هدأة تسيطر على المكان ، كان التعب يجفف تقاسيم وجهها الرتيب ، تطرز جدار الكراج الفارغ لوحة سخام التنور ، ما زالت كريمة تزاول عملها القديم لكن في هجير ، تنتظر ابنها "حمص " ذو السابعة أن يتسول ، لتشتري بالنقود حطبا لتتمكن من الخبز في تنور الطين . الكراج فارغ الا منهم ، يلوحون من بعيد كاشباح ضالة ، التراب حار ، الأرض تُخرج رطوبة و خيوط حرارة خفية مستعرة ، كان الراديو يبث اغنية حسين نعمة ( غريبة الروح ) ، طربت معها كريمة ، تسلل مع الغناء فتور و اختناق لا يلبث أن يضع ثقله في تنفسها ، الغروب ذلك الحبل الذي لا يحول شيء دون التفافه على الرقبة ، الراديو القديم يحشرج قليلا لكنه يؤنس قلوبهم الصدئة ، كلبتها لوسي ايضا تخرج لسانها عند سماع اغنية ! ، كان "حمص " نائما كجثة هزيلة ، دون اسم أو جنسية تؤكد وجوده في هذا العالم ، هلع من نومه على صوتها ، الظلام يحجب وجهها الذي أكله الجوع ، اخذ الكيس الأسود المتكور في الزاوية ، اخرج منه بقايا خبز بارد مضغها وهو يدوس على لعبته أثناء خروجه . كان يتصرف دائما كروبورت منتظم الحركات ، لا تخترق حركاته تنوعات جديدة ، لا انفعالات و لا تغيير يطاله ، فقط سلسلة من الخطوات المنتظمة الرتيبة .

     لملمت كريمة ألعابه اللاتي وجدهن في النفايات ، خرجت من الكارفان مغلقة خلفها الباب ، توجهت الى لوسي و جلست جانب التنور ، انهمكت لوسي بالنباح الذي لاح لها انه أشبه بالتوسل ، خرجت خلف "حمص " تنظر اليه وهو يتبخر في أقصى الشارع .عند المدرسة تذكر حمص انه طرد قبل ايام منها ، كان قد شاهد الاطفال يدخلون اليها و احب ان يكون معهم ، لكنه جوبه بالرفض ، لم يعرف لماذا لكنه اكمل تسوله ، اجتاز المدرسة قاصداً الكراده ، كان يتنقل بين السيارات مثل فراشة أكل سخام التيه أجنحتها البيضاء ، لا شيء في هذا العالم يمنح الطمأنينة لخطوة تائهة ، كل هذه الأرصفة لا تمنح الطرق للتائهين ، الذين سقطوا الى هاوية الهامش ، يتلاطمون بين أمواج الحياة مثل قشة أنهكها التقاذف ، كانوا المارة يلقون عليه أوراق النقود بدون مبالاة ، لا أحد يشاهد إحمرار الوجه و العينين ، كانت هذه الحمرة تخرج من أحشاءه ، تحاول جاهدا أن تنبئ المارة بكلمة مختنقة تكابر للخروج ، و تحاول أن تستغيث .

       إشتد الظلام على شارع السعدون ، كانت كريمة تداعب كلبتها المتشردة " لوسي " ، كانتا تتقاسمان أعطيات التشرد ، و تنامان مثل أختين ، تشاطرها الكلبة رغبتها بالصراخ فتعوض عنها عن طريق نباح مرير ، و تعوض عنها كريمة رغبتها بالبكاء ، فتنهمر داخل دوامة من العويل و النحيب المر . بعد وقت طويل من الانتظار ، كانت كريمة تجلس عند مدخل الشارع عندما دوى انفجار في الكرادة ، وصل هديره الى اذنيها مثل صاعقة انتشلتها من صمتها ، هرعت الى الشارع تتبعها لوسي بنباح يكاد يكون نداءا بإسم " حمص " ، كان الشارع قد اكتنفته حركة هوجاء سريعة ، ركضت باتجاه الكرادة ، استقلت الباص ، كانت العمارات تتخاطف من حولها مثل أكوام من الجحيم ، و الوقت صار أطول مما عهدته في السابق ، كان الباص يتوقف مرارا بسبب الزحام الذي خلفه الانفجار في الشوارع ، و حينما وصلت الى مكان الحادث لم تستطع ان تفعل شيئا غير العودة ! ، لم يسمح لها الناس من الولوج الى داخل المكان ، كان منظرها يوحي بأنها تريد الدخول لتسرق ، مستغلة الضوضاء ، و بعد لحظات استطاعت الدخول خلسة ، كانت الفوضى تمضغ المكان ، الصراخ و الندب ، و البكاء ، و الدموع قد أمطرت المكان ، كان الناس يتحدثون عن عدد الذين احترقوا ، يصفون كيف أخرجوا " الفحم " ، لم يتحدثوا عن الجثث بل الفحم ، كانوا الاموات قد تحولوا الى عجين متفحم ، فكرت - هل صار حمص فحمة ؟ و لكنها كم ستكون صغيرة ؟ ، صرخت بإتجاه الشرطة الذين انتشروا في المكان - أعطوني فحمتي الصغيرة يا سيدي الضابط - ، لا أحد يجيبها ، مر الليل ثقيلاً ، تكدس دخان المكان في صدرها ، لم يبقَ أمامها الا الجلوس على الرصيف لإنتظار معجزة تخطفها من أنياب الفجيعة ، كانت تبدو كمتسولة حتى أن بعض المارة أعطوها نقودا ، كانوا يتعقدون بأنها تبكي لتواسي الاخرين مثلما يفعل الجميع ، لم يخطر ببالهم أنها تترقب أي خبر يرطب فؤادها عن ابنها الذي تلاشى في أزقة العدم .

      مرت عدة أيام ، لا خبر عن " حمص " أو الفحمة الصغيرة ، كانت مع الاهالي يطالبون بأبنائهم الذي اختفوا ، ليدفنوهم ، و يهنئوا بزيارة قبورهم بدل صورهم التي سخّمها الاحتراق ، كانت العتمة تنهش وجهها ، و ترهن نبضها لإيقاع مرير ، كانت طبول المصيبة تقشر عظام جمجمتها الهشة ، و تخشب عظامها ، كان وجع الرأس لا يحتمل ، و لم تنفع معه أشرطة المسكن ، الايام تمر بثقل عجيب ، لا أحد يستطيع أن يغير مسار قدرها ، ثمة ضوء شحيح يندلق من المصباح الكهربائي لكنه يغرق في عتمة ملامحها بدل أن يضيئها ، تخشبت الدموع ، لم تعد تهطل مثل السابق ، كانت الخطوط المتسخة تغرق وجنتيها ، فكرت بالجوع الذي صدّع جدار معدتها ، ليس لديها نقود كافية لشراء الخشب حتى تستعمله كوقود لتنور الطين ، إتجهت بصمت نحو الكارفان ، تمتزج طقطقات خطواتها الناعسة مع نباح لوسي و أنين الهواء ، ملأت كريمة التنور بالعاب "حمص" وثيابه البالية ، ثم أشعلت التنور ، كانت ناره متأججة أكثر من أي مرة خبزت بها ، وبعد هنيهة اكملت عملها ، حملت الخبز ثم سارت تتبعها لوسي الى المطاعم!

تمت


حيدر سالم


التعليقات




5000