..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النصوص الفائزة بجائزة النور السابعة للابداع- النقد الادبي \ الفائز الاول

د. خضير درويش

شعرية التشكيل الإيقاعي في نصوص

مرايا لشعرها الطويل للشاعر عدنان الصائغ                

 

المقدمة

  في هذه القراءة النقدية سعينا إلى تقصي أثر التشكيلات الإيقاعية ودورها في تحقيق شعرية النصوص موضوع الدراسة ، فقد أسهم الإيقاع الذي تشكل بأنواع متعددة إسهاما فاعلاً في إثراء هذه النصوص وتحقيق مستوياتها الجمالية سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون.

   والإيقاع في هذه النصوص إيقاع داخلي متنوع ومتعدد ، وقد جاء على الأنواع الآتية : التكرار وقد توزع على أربعة أنواع هي : تكرار الحرف وتكرار الكلمة وتكرار الجملة والتكرار المشترك ، والتوازي وقد جاء على ثلاثة أنواع :  التوازي النحوي و التوازي الصرفي وتوازي التقابل الدلالي ، والإيقاع الخطي الذي جاء على أربعة أنواع : هي التوزيع الممتد والتوزيع المتعرج والتوزيع المتدرج والتنقيط.


التشكيل الإيقاعي

     إن الأساس الإيقاعي في قصيدة النثر وهي تتخلى عن الإيقاع التقليدي المعروف في الشعر, إنما هو قائم على استظهار الطاقات الشعرية الكامنة في اللغة النثرية وتوظيفها بمستويات متعددة تستعيض بها عن ذلك الإيقاع , وتستعيد في الوقت نفسه شيئا منه ، فبوسع " الشعرية أن تتخلى عن الوزن ، وأن تظل بالتالي محافظة على جوهرها ، لان الشعر أصبح مجموعة من العلاقات اللغوية , وهي علاقات داخلية  وانطلاقا من هذه البنية تستطيع تحقيق صفات شعرية من تركيز وخيال وصور وتكثيف ... لان الذي يصنع ذلك كله اللغة , ودرجة حذق الشاعر في صنع علاقات جديدة بين التعبير داخل بنية الشعر"1".

    إن تخلي قصيدة النثر عن الأوزان الخليلية المعروفة ، لم يكن مسوغا لكتابتها لدى المجيدين من شعرائها , وإنما كان استسهالاً لدى البعض ممن حُسب عليهم ، لذا  فإننا إذا ما نظرنا نظرة نقدية صائبة , نرى إن عدد شعراء قصيدة النثر الحقيقيين في الساحة الشعرية العربية أقل بكثير من عدد الشعراء المجيدين في كتابة القصيدة الموزونة.

    من هنا تتجلى لنا صعوبة قصيدة النثر بمواصفاتها الفنية ، ذلك إن" ما يبقيها في نطاق الشعر – دون إن تغدو نثرا خالصاً – هو كفاءتها في تشغيل بقية درجات السلم تعويضا لتعطيل الدرجة الإيقاعية ، الأمر الذي يجعلها تتميز بنسبة عالية من الانحراف والكثافة والتشتت الناجم أساسا عن انفراط العقد الموسيقي , ويجنح بها نحو منطقة التحرر الدلالي من أنماط التعبير المألوفة ، مع ذلك كله تظل أسلوبا شديد المرونة والطواعية والقابلية للتنويع الداخلي ، في منطقة عريضة من الأشكال المتعددة , يجمعها بها خارج جنة المروق الفادح من شرط الشعر التقليدي , ويقذف بها خارج جنة الموزونات الموروثة ، كي تبحث عن مصيرها في نار الفوضى والتجديد"2". 

     وقد حفلت نصوص هذه المجموعة بعدد من أنواع الإيقاع هي:

1- التكرار 

    لا يعد التكرار ظاهرة موسيقية يلجأ إليها الشاعر، لتحقيق مساحة من الإيقاع والتنغيم فحسب , فهو فضلا عن ذلك ، له ما يسوغ  وجوده على المستوى الدلالي أيضا . وهو " في حقيقته , إلحاح على جهة هامة في العبارة ، يعنى بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها ..... يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ، ويكشف عن اهتمام المتكلم بها , وهو بهذا المعنى , ذو دلالة نفسية قيمة ، تفيد الناقد الأدبي الذي يدرس الأثر ويحلل نفسية كاتبه"3".

   وقد تنوع التكرار في نصوص هذه المرايا فكان على ما يأتي :  

أ - تكرار الحرف 

ب - تكرار الكلمة 

ج - تكرار الجملة 

د - التكرار المشترك 


أ -  تكرار الحرف 

     لتكرار الحروف باختلاف أنواعها وأعدادها أهمية كبيرة ، ليس في تحقيق الموسيقى الداخلية حسب ، وإنما في تشكيل المستويات الدلالية للنصوص أيضا ، وقد اعتمد الشاعر هذا التكرار في كثير من نصوص هذه المجموعة ، ومن ذلك تكراره لحرف النداء ( يا ) في قوله من قصيدة  (سراب):

أيتها النساءُ، يا وجعاً دائماً، ولذةً عابرةً ، ياضياعاً، ياشكولاتا، يا أرصفةً، يا نعناعاً، يا حبلَ غسيلٍ وبصلاً، ودلالاً، وشرشفاً، يا قارةً ثامنةً أقرب بأنفاسها إلى خطِ الاستواءِ أو الجحيمِ منها إلى قطبِ قلبكِ المنجمدِ... يا دولابَ ذكرياتٍ وفساتين سهرةٍ ذهبيةٍ مفتوحةِ الصدرِ، يا مرآةً ينسربُ الزئبقُ منها - كلَّ مساءٍ - إلى أطرفِ السريرِ ثم يعودُ شاحباً - كلَّ صباحٍ - إلى داخلِ الزجاجِ الصقيلِ... حيثُ تقفُ لتسوي شَعرَها، وتتزين، قبلَ أن تغادرَ غرفةَ نومها إلى الباصِ. أيتها النساءُ... أيتها النساءُ... يا أنتِ...

     

   لقد كرر الشاعر هنا حرف النداء ( يا ) بكثرة ، وقد ولد هذا التكرار تنغيما موسيقيا واضحا ، ولكننا في نظرة تحليلية للنص ، يمكننا أن نستجلي المستوى الدلالي لهذا التكرار فضلا عن المستوى الموسيقي البيِّن ، فالشاعر قد أحال نفسه مناديا ، وهناك على الطرف الآخر مُنادى وما بينهما كان النص موضوعاً للنداء وقد اقترنت هذه الأطراف الثلاثة بعلاقة وطيدة لا يمكن فصمها ، ولا يمكن استبدال أي طرف من أطرفها ، لان في ذلك إخلال في فحوى العلاقة التي تأصلت بين هذه الأطراف  وتتمثل هذه الفحوى في حقيقة ما يريد أن يقوله الشاعر والجدوى من قوله ،  هذا إذا ما علمنا بأنه يلمح لا يصرح ، وعلى المتلقي أن يرتقي إلى مستوى تلميح الشاعر ليضمن تفاعله مع النص ، فهو حين يخاطب النساء بقوله: أيتها النساء يا وجعاً دائماً ولذة عابرة , فهو يشبه النساء بالوجع الدائم وباللذة العابرة , وهو بالأحرى يساوي بين المرأة وبينهما , وقد استعمل أربعة أسماء شكَّلَ منها جملتين تكونتا من المنادى الموصوف وصفته ( وجعاً دائماً ) و ( لذة عابرة ) وفي تأملنا للجملتين نرى إن الشاعر استعمل في تشكيلهما أسلوب التضاد الذي يتجلى بالشكل الأتي :    


                                 





     ذلك أن النساء مثلما يرى الشاعر عندما يكنَّ وجعاً ، فهن وجع دائم  وعندما يكنَّ لذة ، فهنَّ لذة مؤقتة سرعان ما تزول ، وعندما ننظر إلى ما جاء بصيغة النداء من المفردات الأُخر التي استعملها الشاعر حين جعلها مساوية للنساء مثل:  يا ضياعا , يا شكولاته , يا أرصفة ........ الخ نجد أنه باستعماله هذه اللغة اليومية و بتكراره لأسلوب النداء ، إنما هو على مستوى الدلالة النفسية يصور انكساره وخيبته في مستويات العلاقة بينه وبين المرأة التي يقصدها حين يجعلها مساوية لكل النساء وهو يختتم نصه بقوله: أيتها النساء ... أيتها النساء ... يا أنتِ  ، ذلك أن صيغ النداء  "تسهم هي الأخرى في إيصال المعاني والدلالات , وتمنحها بعدا نفسيا , ودلاله شعورية تساعد القارئ والناقد على الإحساس بالمعنى ومتابعة الشاعر"4".

   ومن تكرار الحرف قول الشاعر من نص بعنوان ( هذا الألم الذي يضيء ): 

                         كان عليّ - على الأقلِ - أن أحدثكِ قبل هذا

                      عن بساتين طفولتي التي

                    حرثتها أسنانُ

البلدوزرات والمجنـزرات عن قلبي الذي            ما زال يرتجفُ على الأرصفةِ

كلما مرَّ به ما يشبهُ شَعرها الطويل

                   عن القنابلِ التي حفرتْ ذكرياتها

                 على ملامحي

                  عن نساءِ الصالونات اللواتي

تضاحكن لرؤية حذائي المغموسِ بالطين

عن الأرصفةِ التي شردتني في الأجازاتِ القصيرةِ {المسروقةِ}

والأشجار التي اختبأتْ في مساماتِ جلدي أثناء القصفِ

عن السنواتِ المرّة التي تركتْ طعمها عالقاً على شفتي حتى هذه اللحظة

    فالشاعر في هذا النص يكرر حرف الجر ( عن ) ويبتدئ به تشكيلاته اللغوية  وهو في هذا قد حقق تجانسا نغمياً على المستوى الموسيقي ، أما على المستوى الدلالي فان الشاعر أراد باستعماله لحرف الجر( عن ) الإخبار بوساطته عن التفاصيل التي يتضمنها مجروره الذي أورده بأنواع مختلفة ليتسنى له ذلك.

     فيبتدئ الحديث من مرحلة طفولته التي يقول عنها: (عن بساتين طفولتي التي حرثتها أسنان البلدوزرات والمجنزرات) فهو هنا يريد التحدث عن أولى مراحل حياته  فيرسم لنا صورة طفولته البائسة , وأرى كان من الأنسب لو أنه استبدل الفعل الماضي ( حرث ) المقترن بالضمير الهاء في قوله ( حرثتها ) بالفعل الماضي ( جرف ) فيقول ( جرفتها ) لأن الفعل  (حرث ) على المستوى الدلالي, إنما يعني تهيئة الأرض لزراعتها ، بينما أرض طفولته مزروعة وقد أصبحت بستاناً ، أما الفعل ( جرف ) فيتضمن معنى الإزالة وهذا ما عناه الشاعر هنا. 

    ثم يذهب للحديث عن ارتجاف قلبه , وهو يتسكع على أرصفة الشوارع  عندما يرى الشعور الطويلة للفتيات ، وهن يمررن من أمامه ، ظنا منه إن هذا الشعر إنما شعر فتاته التي ينتظرها ، والجميل في الأمر هنا ، إن الشاعر يؤنسن قلبه ليجعله بديلا عنه ، كي يقرن فعل الارتجاف على المستوى الإجرائي بقلبه وليس به وهو تصوير في غاية الدقة ، ذلك إننا نقول حين نفاجأ بشدة : ارتجفت هلعا أو خوفا والأصح أن قلبنا هو من يرتجف ، وإذا ما ارتجف جسمنا فإنما بتأثير منه. 

     وينتقل الشاعر للحديث عن موضوع آخر هو كما يقول: ( عن القنابل التي حفرت ذكرياتها على ملامحي ) هنا يتحدث عن الحرب رامزاً لها بالقنابل التي أنسنها ليجعلها تؤدي عمل الإنسان في حفر ذكرياتها على ملامحه ، وأرى أن الشاعر كان موفقا برسمه صورة القنابل على المستوى الإجرائي حين قال: ( حفرت ذكرياتها على ملامحي ) فهو حين أنسن القنابل أراد لها أن تكتب ذكرياتها , ولكنه لم يقل كتبت وإنما قال حفرت وهي كتابة حفرية أو الكتابة بالحفر، وهذا النوع من الكتابة أجدى في عدم الزوال ، ثم إن القنابل ماذا كتبت ، لقد حفرت ذكرياتها , فالقنابل استحالت إنسانا له ذكرياته التي امتدت على ثمانية أعوام من القتال , فهي كثيرة إذن.

     ثم ذهب إلى تحديد مستوى آخر من مستويات عملية الحفر، هو المستوى المكاني الذي كان ملامحه , والملامح لغة جمع لمحة على غير لفظها , وهو ما بدا من وجه الإنسان. 

   لقد كانت عملية الحفر بمستواها الإجرائي في وجه الشاعر دون سائر جسمه ، وهو انتقاء موفق للأمور الآتية: الأول إن الوجه يمثل الجزء الظاهر من جسم الإنسان  والثاني انه المقصود الأول في نظر الناس ، أما الثالث ففيه تتجلى صورة الإنسان  وعلى هذا فان ما بدا على وجه الشاعر وهو يستعير الإجراء الإنساني ( الحفر) للقنابل  إنما يحمل على المستوى الدلالي موقفاً رامزاً لرفض الحرب التي تركت آثارها على وجهه. 

   بقي أنني أردت أن أشير إلى استعمال الشاعر لحرف الجر(على) في قوله: (حفرت على

ملامحي ) فأنني أرى من الأنسب إبدال حرف الجر (على ) بـ ( في ) ذلك أن ( على)  يفيد الاستعلاء وهذا ما لا يتناسب وعملية الحفر التي يناسبها الحرف ( في ) لأنه يفيد وقوع الشيء في الداخل, فالقنابل لم تكتب الذكريات كتابة وإنما حفرتها حفرا.  

    وهو يريد الحديث أيضاً: ( عن نساء الصالونات اللواتي تضاحكن لرؤية حذائي المغموس بالطين ) هنا أريد الذهاب إلى بيت القصيد كما يقولون , وهو( حذاؤه المغموس بالطين ) هذا الذي جعل نساء الصالونات يتضاحكن لرؤيته , وأتساءل ما الذي جعل حذاءه مطينا ؟ أهو كثرة تسكعه في الشوارع والأزقة ، أم فقره الذي أتى على حذائه ، أم قرويته التي جعلت الطين ملتصقا بحذائه لا يفارقه ، وهل أن الأمر حقيقي أم هو من بنات أفكار الشاعر، ونقول على أية حال كان الأمر فان الشاعر هنا إنما أراد تصوير جانبا من جوانب المعاناة والخيبات التي يكابدها.  

     إن ما ذهبنا إليه فيما يخص تكرار الشاعر حرف الجر ( عن ) سواء على المستوى الإيقاعي أو المستوى الدلالي ، يتأكد أيضا في ما تبقى من النص الذي تضمن تكراراً لهذا الحرف ، وتأكيدا لذلك نقول : إن الشاعر كان يريد الحديث عن تفاصيل يومية كثيرة من حياته تضمنتها مجرورات حرف الجر المتعددة ، فكان هذا مدعاة لتكراره حرف الجر على المستوى الدلالي , فضلا عن التنغيم الموسيقي الذي تحصل من تكرار هذا الحرف مرات عديدة. 

ب-  تكرار الكلمة  

     من المؤكد إن الشاعر إذا لم يحسن استعمال التكرار، ويضعه موضعه المناسب فإنه يفقد مسوغات وجوده , ويكون عبئاً يثقل كاهل النص ويقلل من قيمته على المستوى الفني ، فالتكرار الحسن على مستوى الكلمة " يحقق إيقاعاً يساير المعنى ويجسمه ويعبر عن معانيه "5". 

    ومن تكرار الكلمة عند الشاعر عدنان الصائغ قوله من نص بعنوان  ( زبد العيون السود) : 

زبدٌ ، زبدٌ ، هو كلُّ ما سيبقى لكَ

              هو كلُّ ما ستحصدهُ من حديقةِ السرابِ

             التي جلستَ على بابها - ذاتَ يومٍ - تنتظرُ                                             الياسمينَ والأشرعةَ

 زبدٌ، زبدٌ، يا لمواعيدها

                          زبدٌ، زبدٌ، كأحلامِكَ المشرّدةِ

                         تحتَ شرفةِ عينيها السوداوين

                         زبد، زبد، كلُّ ما بقي بين يديكَ...

     أما مياه البحرِ فقد تسربتْ من بين أصابعكَ                                إلى الأبد

لا شيء غير الزبد

    زبد ، زبد

     هنا يبتدئ الشاعر باللفظ زبد ، ثم يكرره مرة أخرى مكونا بذلك توكيداً لفظياً بالكلمة على المستوى النحوي ، فضلاً عن التنغيم الموسيقي الذي تحقق من تكرار الكلمة ، ولقد كان  لهذا التوكيد ما يسوغه على المستوى الدلالي ، الذي يتمثل بالإفصاح عن كينونة ذلك الزبد متمثلاً بالمذكور بعد اللفظ المكرر، وهذا ما يتجلى في كل التشكيلات اللغوية التي جاءت بعد التكرار المتعدد لكلمة زبد ، فعندما يقول : زبد،  زبد ، هو كل ما سيبقى لك ، يبين ما هو الزبد الذي كان  قد أكده ، والزبد في اللغة ما طفا على الماء من رغوة ، والشاعر هنا يقطع بوساطة التوكيد إن كل ما تبقى من حياته ليس مهماً ولا فائدة فيه ، فهو ليس كالرغوة التي تطفو فوق سطح الماء ، وإنما هو الرغوة بعينها ، فهو قد ساوى بينهما بعدم استعماله أداة التشبيه هنا ، لأنه لم يكن بقصد المماثلة بين الزبد وبين كل ما تبقى له  وإنما قصد المساواة بينهما على المستوى الدلالي.

     وفي قوله:                     

                     هو كل ما ستحصده من حديقة السراب 

                  التي جلست على بابها ــ  ذات يوم ــ  تنتظر تفتق 

                               الياسمين والأشرعة 

     في قوله هذا أبدل الشاعر الزبد بالضمير ( هو ) وهو على المستوى النحوي توكيد لفظي للضمير( هو) الذي أبدل به الشاعر الزبد في الجملة السابقة ، ثم أتى على ذكر ماهية الزبد , فكان هذه المرة كل ما سيحصده من حديقة السراب ، وهنا أقول حسناً فعل الشاعر وهو يساوي بين الزبد وبين ما سيحصده من حديقة السراب ، هذا التركيب اللغوي الذي تشكل من استعارة مكنية اسمية تحصلت من إضافة محسوس إلى مجرد ، وهو تشكيل أنتجه انحراف الشاعر بلغته الذي لا يتأتى بغير الخيال الخلاق الذي يستطيع أن " يثبت فيه الشاعر أمراً غير ثابت أصلاً ، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها ، ويقول قولا يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى "6". 

     فما تنتجه حديقة السراب لا يكون إلا سرابا والسراب كالزبد ، ولكني أرى لو أن الشاعر أبدل الفعل المضارع  ( تحصد ) بـ ( تجني ) لكان أنسب على المستوى اللغوي ، ذلك إن الحصاد على المستوى الإجرائي يكون لما هو مزروع في الحقول وأداة قطعه المنجل ، وهذا ما لم يذهب إليه الشاعر، وإن ما ذهب إليه هو ما يزرع في الحديقة , وهو ما يجنى ولا يحصد ويتأكد ذلك بدلالة زهور الياسمين التي كان ينتظر تفتقها.  

     ويستمر الشاعر في تكراره اللفظي للكلمة في ما بقي من النص, فيكون الزبد المكرر للتأكيد ، مساوياً لمواعيدها ولأحلامه ولكل ما بقي بين يديه، ثم يختم نصه بقوله :                                                      

                                    لاشي غير الزبد  

                                       زبد ، زبد 

    إن اختتام النص بهذا التكرار, فضلا عن ما سبق منه , رفع من درجة التنغيم على المستوى الموسيقي ، وأكد ما ذهب إليه الشاعر في تأكيد ما هو متعلق بحياته مما أراد ذكره.

     وفي مقطع من قصيدة ( تذكر) يقول: 

تذكرتْ كل هذا

فبكتْ

بكتْ طويلا..

بكتْ طويلا جدا

بكتْ عمرا كاملا

كما بكيتُ أنا     

     في تكراره لكلمة ( بكت ) نلاحظ إن الشاعر أراد أن يصور ارتفاع مديات درجة البكاء بتعاقبها ، فقال في البدء: ( بكت ) وهذا الفعل يصور حصول عملية البكاء على المستوى الإجرائي فقط ، ثم قال: بكت طويلا وهنا أوضح مدة البكاء محددة بالطويل للدلالة على كثرته ، ثم قال: بكت طويلا جداً ، فزاد بذلك من كثرة البكاء الطويل وحين قال: بكت عمراً كاملا ، فانه ذهب إلى أبعد من ذلك ، عندما جعل زمن البكاء مساوياً لزمن عمرها ، كي يجعله مماثلا لزمن بكائه الذي ساح على مساحة عمره ، وهكذا أسهم التكرار اللفظي في تصوير عملية البكاء على المستوى الإجرائي فضلاً عن الارتقاء بالجانب الموسيقي.

ج ــ  تكرار الجملة  

    هذا النوع من التكرار" يسهم في شد وتمكين مفاصل اللغة الشعرية عندما تجنح إلى السرد والتداعي في تشكيل لغة النص ، وكذلك عبر عملية إعادة الجملة الواحدة أكثر من مرة وفي مواقع مختلفة "7".

     ومن هذا التكرار قول الشاعر من قصيدة ( عناءات ): 

كيف أوقفَ زحفَ الخريفِ على مساحةِ الخضرةِ المتبقيةِ من عمري؟

ماذا أفعلُ

كي أقنعَ هذا القلبَ اللجوجَ

إنَّ كلَّ ما أفعلهُ بعدكِ حماقات

ماذا أفعلُ...

لأقنعَ نفسي أنني لمْ أعدْ بحاجةٍ

لبطاقةِ سفرٍ

فكلُّ مدنِ العالمِ جبتُها على الورقِ

شارعاً... شارعاً

حتى تهرأتْ أقدامي من المشي في دروبها الطويلة

وأنا ساهمٌ في زاويةِ المقهى

   عنوان النص " عناءات " ، ويبدو أن الشاعر كان موفقاً في جعله عنواناً لهذا النص  فهو يسرد تحت هذا العنوان مجموعة من معاناته ، ثم يقول: ماذا أفعل ، ويكرر هذه الجملة المكونة من اسم الاستفهام والفعل المضارع المتضمن فاعله المستتر ( أنا ) الذي يعود على الشاعر عدة مرات ، فهو في البدء يستفهم عن ما الذي يفعله كي يوقف زحف الكبر رامزاً له بالخريف على ما تبقى من شبابه رامزاً له بالمساحة المتبقية من عمره ، ثم يكرر الجملة الاستفهامية ماذا أفعل ؟ ولكنه هذه المرة يتوجه إلى قلبه اللجوج بقصد إقناعه ، إنّ كل ما يفعله بعد من يحب مجرد حماقات لا طائل منها  فماذا يفعل لقلبه كي يتمكن من إقناعه ، ثم يكرر الجملة الاستفهامية أيضا  ولكنه هذه المرة يوجه الحديث إلى نفسه ، فماذا يفعل ليقنعها أنه لم يعد بحاجة إلى بطاقة سفر بعد الآن ، لأنه جاب كل مدن العالم  بكل شوارعها حتى تهرأت ( أقدامه ) من المسير في دروبها الطويلة ، جابها وهو ساهم في زاوية المقهى ، جابها على الورق ، ولم يحصل ذلك إلا في حلم من أحلام اليقظة التي يلجأ إليها ليحقق بها ما لا يستطيع أن يحققه في واقعه المرير.    

   ثم إن تكرار الشاعر للجملة الاستفهامية ، إنما جاء بقصد تصوير تشتته ومعاناته على المستوى النفسي ، وهذا ما كان مبتغى الشاعر. 

     أما الجانب الموسيقي ، فكان تحصيل حاصل لذلك التكرار، ولذلك فإنه " لا يجوز أن يُنظر إلى التكرار على أنه تكرار ألفاظ بصورة مبعثرة غير متصلة بالمعنى ، أو بالجو العام للنص الشعري ، بل ينبغي أن يُنْظَر إليه على أنَّه وثيقُ الصلة بالمعنى العام"8".  

      ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الشاعر قد استعمل صيغة الجمع في موضع التثنية فقال:( تهرأت أقدامي ) وكان الأصوب أن يثني فيقول (قدماي ). 

      ومن نص بعنوان ( أول أمطار الحنين ) يقول: 

مالي استنجدُ بكلِّ ذكرياتكِ

فلا أزدادُ إلاّ ضياعاً...

ولا أعرفُ أين أنت ؟

مالي أراكِ في كلِّ الشوارعِ… ولا أراكِ

مالي أراكِ في كلِّ الملامحِ... ولا أراكِ

مالي أراكِ في كلِّ المرايا...  ولا أراكِ

مالي أراكِ في كلِّ الكلماتِ... ولا أراكِ

    هنا يكرر الشاعر جملة الاستفهام ( مالي أراك في كل ) ثم يعدد أماكن الرؤية  فتكون أماكنه المقترحة للقاء هي : الشوارع ، الملامح ، المرايا والكلمات ، وهو في هذا يثبت حصول الرؤية ليس على المستوى الحقيقي وإنما على مستوى التصور أو الحلم ، وذلك بدلالة تكراره لجملة النفي ( ولا أراك ) التي جاء تكرارها بالعدد نفسه الذي جاءت عليه جمل الإثبات. 

    وهكذا أسهم التكرار بنوعية: المثبت ممثلاً بالرؤية التذكرية أو الحلمية والمنفي ممثلاً بالحقيقة أو الواقع ، في تصوير حنين الشاعر وشغفه بالمرأة التي يحب ، وأسهم بارتقاء النص على المستوى الموسيقي.

د-  التكرار المشترك

     كثيراً ما يرد التكرار عند الشاعر عدنان الصائغ على أكثر من صيغة واحدة في النص الواحد ، وهذا ما يرتقي بنصوصه ليس على المستوى الموسيقي فحسب وإنما على المستوى الدلالي أيضا ، ومن ذلك قوله من نص بعنوان ( فصل .. في أول الغياب ): 

                  لا أحدَ ، يوقف هذا

                  الضياعَ المستمرَّ.. الذي

                   يسمونهُ - خطأً – أيامنا

   لا أحدَ ، يوقف هذين العقربين

             المتراكضين

           على ميناءِ عمري

                        وهما يقضمان في

                          طريقهما كلَّ شيءٍ:

          الشوارعَ ، والكتبَ

               وأمنياتي..

           المطرَ، والرسائلَ..

الأصدقاءَ وإجازاتي

القصيرةَ

والمشاريعَ المؤجلةَ

والمطاعمَ..

إلاّ أنتِ..

     فهو عندما يقول في البدء ( لا أحد ) ينفي وجود من يوقف الضياع المستمر الذي يعيشه، وهو هنا يتكلم بصيغة الجمع فلم يقل أيامي وإنما قال أيامنا ، فالضياع المستمر لا يختص بحياة الشاعر فحسب وإنما بحياة الآخرين من حوله ، ولذلك وهو الجميل في الأمر قوله ( يسمونها خطأً أيامنا ). 

    إذن هو لا يريد نسبة هذه الحياة معبراً عنها بالأيام له ، ولا لمن حوله من الناس فهي أيام ضائعة بل حياة ضائعة ، فما جدوى انتسابهم لهذه الأيام ولهذه الحياة.

      ثم يقول: لا أحد يوقف هذين العقربين المتراكضين على ميناء عمري، فهو يكرر جملة النفي ( لا أحد يوقف ) ويتجه بها اتجاهاً زمنيا هذه المرة فيذكر بحاله من الأسى أن لا احد يستطيع إيقاف عمره الراكض باتجاه النهاية ، فقد استعمل لفظ  (عقربين ) وهما عقربا الساعة ونعتهما بالراكضين رامزاً بهما لعمره المسرع الذي ستأكل عقارب ساعته كل شيء في حياته التي يذكر تفاصيل مفرداتها اليومية مكررا لذلك حرف العطف ( واو ) ولكنه يستثني حبيبته من بين كل تلك  الأشياء بقوله: إلا أنتِ ثم يكرر ضمير المخاطبة مرة أخرى فيقول: يا أنتِ , يا غيابك نافورة ندم وحرقة واشتهاء ، وهو هنا قد كرر حرف النداء أيضا ( يا ) فكان التكرار على مستوى الكلمة ومستوى الحرف , وهذا ما أحدث انسجاما موسيقيا واضحا.

      أما على المستوى الدلالي فهو حين كرر الضمير المستثنى بـ ( إلا ) (إلا أنت ) ثم كرره بقوله ( يا أنت ) اكتفى بذكر الضمير ولم يذكر تفاصيل عنها ، ذلك إن تكراره للضمير بهذه الكيفية يشي بكثير من التفاصيل التي أحسن عدم ذكرها ، ولكنه خص غيابها بهذا الأمر، حين جعله هو المنادى ليتسنى له ذكر التفاصيل المؤذية التي حصلت بسببه ، فكان غيابها مساوياً لنافورة من الندم ، وهو تشبيه محذوف الأداة يحمل دلاله رمزية تشي باتساع الندم وكثرته وشدة الوجد والاشتياق ، وهذا ما تحقق بسبب وجود التكرار إذ "إن للتكرار وظيفةً هامةً ، تخدمُ النظام الداخلي للنص وتشارك فيهِ لأَنَّ الشاعر يستطيع بتكرار بعض الكلمات أَن يعيد صياغة بعض الصور من جهة،  كما يستطيع أن يُكثّف الدلالة الإيحائيةَ للنص من جهة أخرى "9". 

     ثم يكرر الشاعر الجملة الفعلية ( أقول لك ) ويجعل تفاصيل هذا القول مختلفة بين التكرارين ، ففي الأول يريد أن يرى ما الذي ستفعله حين لا تجده ، وفي الثاني يريد أن يعرف ما سيفعله هو بأيامه حين لا يجدها ، لقد تضمن هذا النص التكرار بأنواعه المختلفة حرفا وكلمة وجملة وكان واضحاً الانسجام الموسيقي الذي تحصل نتيجة لهذا التكرار فضلا عن إن الشاعر قد وظف هذا التكرار لذكر تفاصيل حياتية يومية تحمل دلالة ما يريد وكان موفقاً فيما ذهب إليه. 

2- التوازي 

     يعد التوازي من بين الظواهر الإيقاعية التي يعتمدها الشعراء ، ليس للارتقاء بمستوى التنغيم الموسيقي فحسب ، وإنما لتوجيه سياقات المعنى وتحديد مستوياتها الدلالية ، وهو كما يرى ( ياكبسون ) تشكيل ثنائي مؤسس على التماثل ومحدد بمستويات من الوزن والتكرار فضلاً عن الدلالات النحوية والمعجمية "10".

      وقد تضمنت نصوص هذه المجموعة الكثير من إيقاعات التوازي التي أحسن

     الشاعر تشكيلها وأبرزها : 

أ-  التوازي النحوي 

ب- التوازي الصرفي 

جـ - توازي التقابل الدلالي


أ- التوازي النحوي 

     تحفل نصوص الكثير من الشعراء بالتوازيات النحوية بأنواعها اللغوية المتنوعة  لما تتضمنه هذه التوازيات من التشكيلات الإيقاعية الكثيرة والمختلفة ، التي يستطيع الشاعر بوساطتها إيجاد مساحة أرحب للتشكيل اللغوي والتصويري , فضلا عن إنها تنتج تنغيما موسيقيا بيِّناً ، يستطيع أن يتلمسه القارئ بوضوح .

    وقد تضمنت هذه النصوص كثيرا من التوازيات النحوية ومنها قول الشاعر من نص بعنوان ( حجر ومقاطع ويديك ):     

                                 أيها القلبُ يا صاحبي في الحماقاتِ

يا جرحَ عمري المديدَ

أنتَ بادلتني الحلمَ بالوهمِ

ثم انحنيتَ ترتّقُ ظلَكَ في الطرقات

أنتَ أوصلتني للخراب

وسميتهُ { وطناً }

ثمَّ بيتاً

فنافذةً نصفَ مفتوحةٍ

أنتَ ضيّعتني

ثم ضعتْ

     لقد جاء الشاعر هنا بثلاث جمل اسمية شكلت توازياً نحويا يتمثل بالتشكيلات المتكررة المتكونة من ضمير المفرد المخاطب + الفعل الماضي + ضمير الفاعل المخاطب + نون الوقاية + ياء المتكلم ، وهي على التوالي ( أنت بادلتني ، أنت أوصلتني ، أنت ضيعتني ) وبقراءتنا للنص يتجلى بوضوح الأثر الإيقاعي الذي تحصّل من تكرار الضمير ( أنت ) وتكرار الجمل الفعلية التي تشكلت من لفظ واحد لكل منها ( بادلتني ، أوصلتني ضيعتني ) وبالوزن نفسه من حيث توالي المتحرك والساكن من حروفها ( م ا م ا م م ا ) إذ جاءت كلها على صيغة وزنيه واحدة هي  (مستفعلن ).

    إن مجي الشاعر بهذه التشكيلات اللغوية المتشابهة ، مكنته من أن يجعل كلاً منها مقترنا بما يوافقها من التفصيلات الحياتية التي تلتقي في آخر المطاف في حيز واحد، فالشاعر في بداية النص يخاطب قلبه، فيجعل منه صديقاً له بعد أن يؤنسنه لكي يعاتبه باستعماله تلك التشكيلات اللغوية فكان أن قال له : أنت بادلتني الحلم بالوهم ، أنت أوصلتني للخراب ،  أنت ضيعتني ، ثم يصل إلى حالة التطابق معه حين يختم بقوله : أنت ضيعتني ثم َضعت ْ، لقد أسهمت التشكيلات اللغوية المتوازية ليس في رفد النص بالعنصر الإيقاعي حسب ، وإنما في تشكيل السياقات الدلالية وتصويرها وهذا من مزايا الموسيقى الداخلية التي توصف بأنها " الانسجام الصوتيّ الداخليّ الذي ينبع من التوافق الموسيقيّ بين الكلمات ودلالاتها حيناً ، أو بين الكلمات بعضها وبعض حيناً آخر"11". 

ب– التوازي الصرفي 

     تعد التشكيلات الصرفية رافدا مهما يغترف منه الشعراء ما يثري نصوصهم الشعرية ، ومآلاً رحباً يستمدون منه ما يغني إيقاعاتهم الصوتية والموسيقية التي تحققها تلك التشكيلات بما تقوم عليه من المشابهة والتكرار " كأن تتكرر المفردة نفسها في بدايات الأبيات أو في جزء منها ، أو تتكرر مفردات ذات خصائص متشابهه نوعاً ما ، من مثل الصيغ الاشتقاقية ، اسم الفاعل – مثلاً أو اسم المفعول ... وهذا النوع يعين على تقوية إيقاع الفكرة،  ويدعم الدلالة التي يعبر عنها النص"12".  

    ومن التوازي الصرفي قول الشاعر من قصيدة بعنوان ( أزهار للصباح الجديد ): 

مضيتُ أبحثُ عن شموعٍ وحنينٍ يليقُ بكِ

حجزتُ القطاراتِ والمحطاتِ وظلالَ الشجرِ

قلّبتُ كلَّ بطاقاتِ العالمِ بحثاً عن أسمكِ

آهٍ...

ما أطولَ صبري

وما أضيقَ القلب

وما أبعدكِ عني هذه الليلة…

    فالشاعر هنا كرر بنيتين متشابهتين على المستوى الصرفي: ( مضيت ) و (حجزتُ ) وجاء بثالثة قريبة منهما صوتياً ( قلّبت ) فحقق بذلك تجانساً صوتيا ًباستعماله لهذه الصيغ الثلاث التي جعلها في بدايات الأسطر، وأناط بكل واحدة منها ما تنهض به من مهمات على المستوى الإجرائي تمثل بوحاً محملاً بالشجن والأسى ، فهو مضى للبحث عما يليق بمحبوبته من شموع وحنين ، وحجز لتلك القطارات والمحطات وظلال الشجر، ثم قلّبَ بطاقات العالم كلها بحثا عن اسمها ، وقد جاء بعد ذلك بثلاث صيغ صرفية على وزن أفعل هي : أطول ، أضيق ، أبعد , وجعلها مسبوقة بـ ( ما ) فارتقى بما حققه من تجانس صوتي على المستوى الإيقاعي حين قال:  

                     ما أطول صبري / وما أضيق القلب /           

                               وما أبعدك عني                                          

جـ - توازي التقابل الدلالي 

     يتشكل هذا التوازي على أساس من التضاد والمفارقة ، وفيه يعمد الشاعر إلى التقابلات الضدية ليرسم صوراً متناقضة يستطيع بوساطتها أن يثبت اختلافاً أو يعلن عن رفضه واحتجاجه على ما هو غير مناسب من الأقوال والأفعال ." ولذلك فان التوازي ليس ظاهرة جمالية ، وإنما يكتسب وظيفة بنائية تركيبية تستطيع أن ترفد النص بالتلاحم والترابط ، وهذا يعني أن موضوع النص يتدخل مباشرة في تشكيل بنائه "13".

    وتحفل نصوص هذه المجموعة بكثير من هذا التوازي ومن ذلك قول الشاعر من نص بعنوان ( بالون ):  

أنتَ تملكُ الصكوكَ..

وأنا أملكُ القصائدَ..

ورغم ذلك فأنا أكثرُ سعادةً منكَ

حياتُكَ: بنوكٌ ، ومسابحٌ من الفسيفساءِ ، وسكرتيراتٌ أنيقاتٌ وكونياك، وملاعقٌ من ذهبٍ وصفقاتٌ ، ودم...

وحياتي: شوارعٌ من الريحِ 

وكمبيالاتٌ مستحقةٌ ، وأصدقاءٌ ومطرٌ، وخبزٌ منقوعٌ بالباقلاء...

     فالشاعر في هذه التشكيلات المتقابلة ضدياً والمتضمنة على المستوى البلاغي في بعض مفرداتها جناسا ناقصا , لم يُعلِ من شأن الجانب الإيقاعي حسب , بل كان ذلك  على المستوى الدلالي أيضا ومنه قوله: (أنت تملك / أنا املك ) وكذلك ( حياتك / حياتي ) و ( أستيطيع / تستطيع ) ففي التشكيل الأول جناسان ناقصان الأول مطرف ( أنت َ، أنا ) والثاني مردوف ( تملك ، أملك ) وفي التشكيل الثاني مطرف ( حياتك / حياتي ) وفي الثالث مردوف ( أستطيع ، تستطيع ) ذلك أن الجناس يعد لتوافره على "عاملي التشابه في الوزن والصوت من أقوى العوامل في إحداث الانسجام , وسر قوته كامنة في كونه يقرب بين مدلول  اللفظ وصوته من جهة , وبين الوزن الموضوع فيه اللفظ من جهة أخرى "14". والشاعر باستعماله لهذه الجناسات الناقصة استطاع أن يشكل التقابلات الدلالية الضدية التي تمثل رفضه واستهجانه لظاهرة اجتماعية سيئة هي ظاهرة الثراء الفاحش .

       وهو في هذا النص يشكل مقارنة بينه ممثلاً للشعراء وبين الثري ممثلاً لظاهرة الثراء ، وقد أحسن تصوير ذلك بقوله: / أنت تملك الصكوك / وأنا أملك القصائد/ فالثري يملك المال ، والشاعر يملك الشعر،  وهذا يجعله أكثر سعادة من الثري ، حياة الثري : بنوك ، ومسابح من الفسيفساء  وسكرتيرات أنيقات ، وكونياك وملاعق من ذهب ، وصفقات ، ودم ، وحياة الشاعر: شوارع من الريح ، وكمبيالات مستحقة ، وأصدقاء ، ومطر، وخبز منقوع بالباقلاء.

    فحياة الثري تساويها المفردات التي تشي بالثراء والبذخ ، وحسناً فعل الشاعر حين ختمها بالدم الذي لن يتوانى عن سفكه الكثير من هؤلاء الأثرياء من أجل الحفاظ على ثرائهم المتحصل أساسا على حساب دماء الفقراء من أبناء المجتمع ، أما حياة الشاعر فتساويها المفردات التي تشي بالبساطة والفقر واليومية ، لقد حققت هذه التشكيلات المتقابلة انسجاماً موسيقيا متصاعداً عزز المستويات الدلالية التي تضمنتها تلك التشكيلات.

    ومن التوازي المتقابل قول الشاعر من نص بعنوان ( مقاطع لزهرة الياسمين ) : 

قلتُ لها: كمْ عمركِ يا زهرةَ الياسمين

فراحتْ تعدُّ على أصابعها

صباحاتِ الحبِّ

ظلَّ قلبي يتقافزُ بين أناملها الناعمةِ البيضاء، فأخطأتْ في الحسابِ

ياهِ...

                                                قالتْ لي: 

                                           كمْ عمركَ يا شاعري

   فرحتُ أعدُّ على خفقِ قلبي

                                            أحزانَ الشوارعِ 

                                              والكتبَ

                                              وقائمةَ 

                                        الديوان ، والثكناتِ 

والنساءَ ، والقنابلَ، وحبوبَ الفاليومِ 

ظلتْ تبكي...

فأخطأتُ في الحسابْ

ياه...

ابعدي دموعَكِ الحمقاءَ عن قلبي الأحمقِ

   وتعالي...

   نعدُّ من جديد..

     يتمثل التوازي المتقابل هنا في قول الشاعر:( قلت لها : كم عمركِ يا زهرة الياسمين ) و ( قالت لي: كم عمرك يا شاعري ) وفي قوله: ( فراحت تعدّ على أصابعها )  و( فرحت ُ أعد ّعلى خفق قلبي ) وفي ( صباحات الحب ) و( أحزان الشوارع ، والكتب ...الخ ) وهنا تتجلى رهافة حس الشاعر وبراعته في تشكيل هذه التوازيات ، فضلا عن تكرار حرف العطف الواو ، ما أنتج تناغما موسيقيا واضحاً أثرى من جمال التشكيل ودلالته فلأنها زهرة الياسمين ، فإنها تجعل عمرها مساوياً لصباحات الحب ، التي تعدها على أصابعها ، أما الشاعر فيعد عمره على خفق قلبه  عمره الذي يساوي معاناته وخساراته وخيباته ، ممثلةً بالتفاصيل اليومية فعمره : أحزان الشوارع ، والكتب ، وقائمة الديون ، والثكنات ،  والنساء والقنابل ، وحبوب الفاليوم ، والمطر. 

     ولا بد من الإشارة إلى أن الشاعر هنا قد استعمل صيغة الإفراد في موضع الجمع فقال: أناملها الناعمة البيضاء والأصوب أن يقول البيض.

3- الإيقاع الخطي  

     كثيرا ما يعتمد شعراء قصيدة النثر توزيع  نصوصهم على الورق توزيعا مقصودا على أسطر مختلفة الأطوال والأشكال ، سواء تكونت تلك الأسطر من حروف أو كلمات أو جمل ، ويمثل هذا التوزيع صورة النص الظاهرة  التي تدرك بصريا، ولذلك يسمى إيقاعاً بصرياً فهو إذن" الصورة البصرية للهيئة الكتابية الخاصة بالقصيدة المطبوعة بتشكيل معين فوق بياض الورقة  ويخضع تنظيم التشكيل لواحدة أو أكثر من التقنيات البصرية الخاصة بهذه المسألة .... والسمة العامة لهذا التشكيل أنه يلزم المتلقي باستقبال مكوناته جميعاً بصرياً مباشرة عبر حاسة العين "15".  

   وقد تشكل الإيقاع الخطي في نصوص هذه المجموعة من الأنواع الآتية : 

أ - التوزيع الممتد    

ب - التوزيع المتدرج 

ج - التوزيع المتداخل 

 د - توزيع التنقيط 


أ - التوزيع الممتد 

   وفيه يوزع الشاعر مفردات نصه بشكل ممتد ، مشكلا أسطراً طويلةً متساوية الأطوال ، وما يلاحظ في هذا التوزيع إنه يلائم أسلوب السرد، الذي يحتاج فيه الشاعر مساحةً واسعة على الورقة , ليتسنى له إيراد ما يريد قوله وهذا ما جاء بفعل تأثر القصيدة الحديثة بالفنون الأخرى وتقنياتها " وأول الفنون التي تحركت عليها القصيدة هي القصة وما فيها من تقنيات في القص والسرد والحكي والحوار والاستغراق في تصوير الجزئيات، وكان السرد والحوار من أكثر هذه التقنيات حضورا في القصيدة العربية المعاصرة ، وقد فرض السرد إيقاعه المحدد ، مثلما فرض الحوار إيقاعه المحدد أيضا "16".

  وهذا ما يتجلى في نص( انكسارات حرف العين ) الذي يقول فيه الشاعر:

     ماذا جنيتَ يا حرفَ العينِ ، أعرفُ أنكَ خسرتَ كثيراً حتى الحقول ، وأن

     القصائدَ المخبّأةَ في أدراجكَ سيقرضها الفأرُ، فلا يبقى منها سوى أرقامِ

الباصاتِ ، وحيداً تصعدُ سلّمَ المجلةِ إلى المحاسبِ ، يتبعكَ حشدُ الدائنين…. 

ويقول في مقطع آخر من النص:

 لماذا أيتها القصيدةُ الصافيةُ يحدثُ هذا ؟ قميصي سخريةُ التلاميذِ ، والمعبرُ إلى الغاباتِ المحشورةِ في بنطالي ، وفيما بعدُ سأدركُ أنني خسرتُ كثيراً بسببِ حماقاتي وصدقي لا بسببِ التبذيرِ أو الكتبِ ، كما تقول أمي ، وسأخسرُ الوظيفةَ ) هكذا تضيفُ أيضاً.. ( 

     فالشاعر في هذا النص يعتمد الحوار الداخلي ( المنلوج ) فهو يحاور ذاته ليصور خساراته في الحياة وضيقه ، ويعاتب الشعر بوصفه الأهم من بين الأشياء في حياته  ثم يستذكر والدته ليسألها ما يؤكد به ضيقه على المستوى الاجتماعي ، وهو سؤال تشكل بمقياس شعري حين قال :

                لماذا يا أمي نسيتِ أن تخيطي قميصي المفتوقَ 

                         من أولِ الرصيفِ حتى لوركا...

    فهو يعد الرصيف ملاذاً له فيبتدئ منه ولوركا مثالاً شعريا فيختتم به.

     ثم يقول : 

 يالحياتي إذاً من حياةٍ مضاعةٍ... خذوا أيامي كلَّها ، قسّموها بينكم أيها الدائنون:                                     

قسطاً للشقّةِ ، قسطاً للزوجةِ والأطفالِ ، قسطاً للكتبِ ، قسطاً للوظيفةِ ، قسطاً للأصدقاءِ ، قسطاً للذكرياتِ ، قسطاً للتسكّعِ ، قسطاً للمخاوف ، قسطاً لبائعِ الخضراواتِ ، قسطاً...، قسطاً...، قسطا ،ً قسّموها بينكم - أرجوكم - واتركوا لي حصةَ الشوارعِ ، الشوارع وحدها ملكي ، الشوارع لي وحدي ، لي وحدي.. 

     فالشاعر غير راضٍ عن حياته التي يعيش لأنها قد اختلفت عما أراد لذا فهو يصفها بـ ( المضاعة ) ولذلك يريد تقسيم أيامها ، وكأنه يريد أن يتخلى عنها ،  فها فهو يوزع أيامه على الدائنين ، وهو توزيع فني مبتكر لا يستطيع الإتيان به غير شاعر ماهر، فقد أنتج هذا التوزيع بفعل التكرار الذي اعتمده الشاعر مستويات تنغيمية متنوعة ، أضفت عذوبة على النص وجمالا ، وقد كان لقرب المفردات المشكلة للنص وسهولتها بوصفها مفردات الحياة اليومية أثرها في ذلك , كونها الأكثر تماساً بحياة المتلقي والأقرب إلى نفسه , لذا ترانا نتأثر بالنص وتتفاعل معه وكأن حياة الشاعر إنما هي حياتنا جميعا ، فإذا ما استطاع الشاعر أن يؤثر في المتلقي هذا التأثير فقد نجح.

ب - التوزيع المتدرج 

    وفيه يوزع الشاعر جمل النص أو كلماته أو حروفه بشكل متدرج " حيث يتسلسل رسم السطور تنازليا الواحد فوق الآخر, لكن في حركة خط متدرج  يزحزح السطور بالتسلسل من جهة اليمين نحو جهة اليسار , مما يجعل البياض يتسع بالتدريج أيضا خلف السطور, في مقابل تراجعه المتدرج أمامها "17".

    ويأتي التوزيع المتدرج على شكلين متقابلين: الشكل الأول يبتدئ تدرجه من نهاية الجمل كما في الشكل الآتي : 


السطر الأول 

     السطر الثاني

السطر الثالث 

السطر الرابع 


ويناسبه النص الآتي: 


         قلت لقلبي : سأذهـب إلى البصرة , أُفـليها شارعاً شارعاً بحثا عنك 

              سأقــف تحــت تمثال السياب – بـلا زهــور ولا عنوان  

             هكذا بكل انكساري وغربتي ,أسائل المارين عنك 

             وأبعث بطاقاتي في بريد البحر


    يرتبط هذا التوزيع بالوضع النفسي الذي يكون عليه الشاعر , فهو هنا عندما يكون غرضه الذهاب وغايته البحث ، يكون السطر طويلا ليتجانس مع الدلالة المقصودة  وهو عندما يقف في السطر الثاني ، يحصل قطع في المستوى الأول ، وهذا مدعاة لقصر السطر , وعندما يكون الشاعر منكسراً غريبا وسائلا ، يكون ذلك أدعى للقصر كما في السطر الثالث  وحين يستعمل الأسلوب التجريدي ليصور به حالة انكساره  وهو يبعث بطاقاته في بريد البحر ، يكون ذلك مناسباً لقطع وقصر أكبر مما سبق والشكل الثاني يكون توزيعه معكوساً ومقابلاً للشكل الأول وكما يتوضح في الشكل الآتي :  

السطر الأول 

     السطر الثاني

السطر الثالث 

السطر الرابع 


    ويناسبه النص الآتي :    





       يـاحقلَ ياسمين ونعاساً ولـوزا 

       يــا نميمـة وشامـــــة وحمـام حضرة    

            يا قوس قزح وغابة نساء وشوارع من لذة

            يا بجعاً ونهاراتٍ مشمسةٍ ونعناعا وكذبا أبيض   

            

     ويرتبط هذا التوزيع بالحالة النفسية للشاعر أيضا , ولكنه هنا مخالف  فالنص ينبئ عن حاله من الانشراح ، حدت بالشاعر إلى أن يتغزل بفاتنته  فيرسمها بصور متعددة ، تزداد بازدياد عدد الأسطر , وكأنه يرى أن التصوير لم يكتمل في السطر الأول ,  فيذهب ليكمله في السطر الثاني ويزيد ، لكنه حين رآه لم يكتمل أيضا ، ذهب لإتمامه في السطر الثالث  وهكذا في ذهابه إلى السطر الرابع ، لقد أعلى من شان الإيقاع في هذا النص تكرار حرف النداء ( يا ) في بداية الأسطر, فضلا عن تكرار الشاعر لحرف  (الواو ) في جميع المعطوفات التي تضمنها النص. 


3- التوزيع المتداخل   

     لقد تفنن الشاعر المعاصر في عملية توزيع مفردات نصوصه على  مساحة الورقة البيضاء ، ولم يكن ذلك عملا عشوائيا غير محسوب , بل أصبح ملمحاً أسلوبياً يمثل جانباً من الظواهر الإيقاعية التي يعتمدها الشعراء المعاصرون في تشكيل البنية الإيقاعية لنصوصهم " فثورة الشعر الجديد ليست ثورة موسيقية , وإنما هي خروج بالقصيدة عن الإطار (الموسيقي ) إلى الإطار التشكيلي أو التصويري , باعتبارها أقرب إلى البصر منه إلى الأذن ، فالشعر الجديد أصبح  بناء بالصورة  وتشكيلاً بصريا "18" . 

    وفي هذا التوزيع يعمد الشاعر إلى توزيع المفردات التي يتشكل منها النص بشكل متفاوت على الأسطر، فالسطر قد يطول أو يقصر بحسب رؤية الشاعر المستندة على انفعاله ومستوى تأثره فهو" يمتد ويتقلص حسب حركة الفعل الشعري الممثل للتجربة في النص , وبهذا الامتداد أو التقلص الذي يتفاوت بين سطر وسطر، ومقطع وآخر يتحدد بطبيعة إيقاع البياض إذ إن حركة السواد على البياض هي حركة الصوت على الصمت , فصدى السواد يتردد في البياض مثلما يتردد صدى الصوت في الصمت "19". ويتمثل هذا التوزيع في هذا المقطع المجتزأ من نص بعنوان ( مقاطع حب ) الذي يقول فيه :

قلتُ :

أيها المعبدُ

ألتجيءُ إليكَ

بشموعي وأخطائي

فلماذا قبلتَ شموعي

أشعلتها لتنير جدرانَ عزلتك

وتركتَ أخطائي

في العراءِ

تنتحبُ من البردِ

والانكسارِ


   

  في هذا النص يتفاوت السواد في طريقة توزيعه على الأسطر كما هو بيّن، والملاحظ أن الشاعر اعتمد الحوار في كتابته النص , فهو قد أحال المعبد مستمعاً بطريقة التشخيص ليتسنى له محاورته كي يصرح بخيبته وانكساره غير المتوقعين ، فهو حين لجأ إلى المعبد حاملا شموعه وأخطاءه إنما يبغي الغفران لأخطائه التي قصد المعبد ليكفِّرَ عنها ، لكن المعبد خذله وتعامل معه بأنانية ، حين قبل شموعه ليضئ بها جدرانه ، وترك أخطاءه التي جسَّدها الشاعر ليخلع عليها فعلا بشريا هو البكاء والانكسار، والنص إيحائي رامز على الرغم من قصره , وهذا مناسب للتوزيع المتداخل الذي سوغهُ أيضا الأسلوب الحواري الذي اعتمده الشاعر في تشكيلة لهذا النص . 


4- توزيع التنقيط 

     ويسمى أيضا إيقاع البياض ، تضاداً مع إيقاع السواد المتمثل بتوزيع المفردات على الأسطر ، حين يمثل إيقاع البياض الأسطر المنقطة بأشكال وإعداد مختلفة تحددها عملية تشكيل النص فهو " مساحة من الصمت الدال والموقع في الآن ذاته ...... إن هذا الصمت ليس محايداً ولا يدل على مطلقيته .. إنه صمت وارد في سياق شعري"20". وفي هذا السياق يتحدد إيقاعه وتتشكل دلالته .

     وقد ورد التنقيط عند الشاعر عدنان الصائغ في نصوص هذه المجموعة بأشكال متعددة , ومنها ما يظهر في النص ( محاولات ) الذي يقول فيه: 

        أحاولُ أن لا أتذكركِ         

                هذا اليوم        

                                فتغافلني ذاكرتي وتتسلّلُ - خفيةً 

                                          كصبيٍّ مذنب-        

إلى حيث تجلسين لصقَ نافذةِ القلبِ

تحصين الدقات المرسومَ عليها أسمكِ

وتحدقين بالمطرِ

مطر حبي وهو يبلّلُ ذاكرةَ الزجاجِ الأصفرِ، والشوارعَ

الهاربةَ، وضفيرتَكِ الطويلة والحافلات التي هرمتْ مثلي

من طولِ التسكّعِ

………………

………………

      يظهر في النص أن الشاعر قرن المطر بالحب , ثم قرن الحب به فصار المطر مطر حبه الذي أعطاه مساحة واسعة , فراح يوزع بلله على أماكنه اليومية المقترحة فكانت : ذاكرة الزجاج الأصفر , والشوارع الهاربة  وضفيرتك الطويلة والحافلات التي هرمت مثلي من طول التسكع ثم جاء بالتنقيط الذي وضعه في سياق ذكر الأماكن المقترحة التي ذكرها بأسلوب سردي ، رابطاً بينها بحرف العطف ( الواو ) ولكنه في نهاية الأمر ختم تلك الأماكن بهذا التنقيط الذي يشير على المستوى الدلالي إلى أن هناك أشياء أخرى لم يشأ الشاعر ذكرها هنا وهي من قبيل ما ذكر ، فترك للقارئ حرية اقتراحها وإكمالها.

      ومن نص بعنوان ( مقاطع حب ) يظهر التنقيط في قوله : 


قالتْ: لماذا تجلسُ هكذا تحدّقُ في أمواجِ النهرِ

وتنسى المدينةَ؟

قلتُ لها: ذلكَ لكي أجمعَ أمواجَ النهرِ الغاربةَ

وأطرحها من حياتي

قالتْ: ولماذا تجلسُ هكذا تحدّقُ في عيني - ساعاتٍ طويلةً - وتنسى العالم؟

قلتُ لها:………

ماذا قلتُ لها؟

لمْ أقلْ لها شيئاً…

لمْ أقلْ لها أي شيء

لمْ أقلْ...

لمْ ...

كنتُ أغوصُ في قاعِ عينيها الساحرتين

                 رويداً

        رويداً

                     ... وأتلاشى

    في هذا النص يشير التنقيط الطويل ( ........... ) إلى أن هناك كلاما كثيرا قد قيل , لكن سياق الكلام بعد ذلك يؤكد عدم حصول الكلام بدلاله تكرار حرف الجزم والنفي ( لم ) أربع مرات ، وليس هناك تناقض في حصول القول أو عدم حصوله ، فهو قد حصل ولم يحصل  ذلك أنه لم يحصل على المستوى اللفظي ولكنه حصل على المستوى البصري ، فالشاعر قال كلاماً كثيرا بوساطة العين فكان الكلام كلام العين لا كلام اللسان ، ولذلك يسأل نفسه  (ماذا قلت لها ؟ ) ويجيب ( لم أقل شيئا .....) وهنا تقصر مساحة التنقيط ليتفق معنا في ملء هذا الفراغ ولنقترح مثلا إحدى الكلمتين ( أبدا أو مطلقا ) ولذا فهو يذهب إلى تأكيد ذلك بتوكيد لفظي يعيد فيه الجملة السابقة كاملةً من غير تنقيط بقوله:( لم أقل لها أي شيء ).

      ثم ذهب الشاعر إلى إنقاص مساحة السواد المشكلة بالتوكيد اللفظي قبالة البياض فقال : ( لم أقل ... ) ثم يُنقص السواد أكثر فيُبقي أداة الجزم والنفي فقط فيقول:( لم ...) وهنا يتساوى السواد والبياض في مساحة القول فلا كلام إذن، إنه الصمت الموحي فـ " إذا كان للصوت دلالته الإيقاعية المهمة في دنيا الموسيقى .... فانه ينبغي أن ننبه إلى أن للسكتة أيضا دلالتها ومعناها وإيحاءاتها في عالم الموسيقى ودنيا الشعر"21".

    لقد تلاشى الكلام لأن كيان الشاعر بات في طريقة إلى التلاشي ، وهو يغرق في بحر عينيها الساحرتين : 

                          كنت أغوص في قاع عينيها الساحرتين 

                                          رويداً 

                                                رويداً 

                                                 ... وأتلاشى 

     وما يلاحظ هنا إن التنقيط قد تقدم بعد أن كان متأخراً فيما سبق , ويبدو أن الشاعر لم يشأ أن يصرح بما سيكون عليه حاله قبل مرحة التلاشي , فترك توصيف المرحلة ما قبل الأخيرة مختصراً وذهب إلى الأخيرة لتأكيد حاله التلاشي، وليترك للقارئ ملء الفراغ بما يناسبه من الكلام الذي يشي به الفراغ.

    ونرى أن نقول في الختام:  لقد أكد الشاعر في هذه النصوص شاعريته التي أثبتت أن الجميل من القول قد يكون في النثر مثلما يكون في الشعر، كما أن التشكيلات الإيقاعية المتنوعة التي اعتمدها الشاعر قد أسهمت ليس في رفد النصوص بالعنصر الموسيقي حسب، وإنما في تشكيل السياقات الدلالية وتصويرها والارتقاء بشعريتها. 


 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش        

1- اللغة الشعرية في الخطاب النقدي , تلازم التراث والمعاصرة : محمد رضا مبارك , ط1, دار الشؤون الثقافية العامة , بغداد , 1933 ص266. 

2- أساليب الشعرية المعاصرة : صلاح فضل , ط1, دار الآداب   بيروت , 1995, ص217.  

3- قضايا الشعر المعاص: نازك الملائكة ، ط2 , منشورات مكتبة النهضة  بغداد , 1965, ص242. 

4- لغة الشعر العراقي المعاصر:عمران خضير حميد الكبيسي, ط1  وكالة المطبوعات , 1982, ص159.

5- الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة : صالح أبو إصبع , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , ط1, 1979 , ص340. 

6- أسرار البلاغة في علم البيان: عبد القاهر الجرجاني , المكتبة التوفيقية د، ت ، ص234. 

7- التدوير في شعر حسب الشيخ جعفر ( 1964– 1975) : أحمد جار الله ياسين , رسالة ماجستير, كلية الآداب , جامعة الموصل , 1998 ص161. 

8- التكرار في الشعر الجاهلي ، دراسة أسلوبية : موسى ربابعة ، جامعة اليرموك ، الأردن , 1988، ص 15.

9- مقالات في الأسلوبية : منذر عياشي ، ط 1, منشورات اتحاد الكتاب العرب , دمشق ، 1990, ص 83.

10- ينظر, قضايا الشعرية : رومان ياكبسون, ترجمة محمد الولي ومبارك حنون, بيروت ، 1979, ص 108. 

11- قضايا الشعر في النقد العربي: عبد الرحمن إبراهيم محمد, ط2، دار العودة ، بيروت ، 1981، ص71.

12- التوازي في شعر يوسف الصائغ وأثره في الإيقاع والدلالة: سامح رواشدة , مجلة أبحاث اليرموك , مج 16, العدد 2, 1998, ص16. 

13- ظاهره التوازي في قصيدة الخنساء : موسى ربابعة , مجله دراسات (العلوم الإنسانية ), مج 22 ( أ ) , العدد 5 , 1995, ص2033.

14- المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها : عبد الله الطيب , دار الفكر, بيروت , ج2, 1970, ص 663.

15- أثر الرسم في الشعر العراقي الحر (1968 – 2000 ) : أحمد جار الله ياسين ، أطروحة دكتوراه ، جامعة الموصل، كلية الآداب ، 2001  ص 207.

16- البنيات الدالة  في شعر أمل دنقل : عبد السلام المساوي، ط1 ، منشورات اتحاد  الكتاب العرب ، دمشق ،1994، ص36.

17- القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: محمد صابر عبيد، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق، 2001، ص42. 

18- أثر الرسم في الشعر العراقي الحر ( 1968 – 2000 ) ص217. 

19- القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: ص49. 

20- البنيات الدالة في شعر أمل دنقل: ص40.

21- عضوية الموسيقى في النص الشعري: عبد الفتاح صالح نافع ، ط1 مكتبة المنار، الأردن ، 1985, ص58.

د. خضير درويش


التعليقات




5000