..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النصوص الفائزة بجائزة النور السابعة للابداع- النقد الادبي \ الفائز الثالث

د. عبير يحيي

سفر في مجهولَين رحلة النوتي(حسن البحار) المزدوجة في عوالم الذات والمجهول

 

مقدمة

الترحال في مجاهل الذات مغامرة شجاعة, قد تفوق شجاعة المحارب المقدام في واقع ساحات السفر الترحالي، الذي يحتاج شجاعة فائقة لاقتحام المجهول وكسر رهبته في عوالم النفس وعوالم الواقع.

 والذات, حصيلة صراع الخير والشر في نفس الجسد, تحتاج إلى التطهّر, كي لا يكسوها الرّان, والتطهّر يستدعي كشف الأعضاء المستورة لإمرار ماء الطهر عليها, وتلمّسها والتحليل بين طيّاتها وثنياتها, خلال هذه العملية, تتشكّل البوادر المعرفية للذات, ومع تكرارها, تتجلّى الذات بجرأة, لتعلن أنها آية بيّنة لا تقلّ عظمة عن آيات الكون المحيط بأجرامه وأغواره. العمل الذي بين أيدينا, إبحار لإنسان بين بحرَين يتماهيان ولا يلتقيان, ذاتِه القابعة في حاجز جسده, وعالمِه المائي الذي يعيش فوقه. 

  

 رواية السيرة الذاتية: وهي ما نحن بصدده

يعرّفها بعض النقاد على أنها : شكل من أشكال السرد, يقوم به شخص واقعي بالكشف عن سيرة حياته من خلال كتابة إبداعية تدور حول حياته الذاتية وتاريخ شخصيته, وتفاعل هذه الشخصية مع شخصيات أخرى أو عوامل في المجتمع الذي تعيش فيه.  

يعتبر الروائي المصري طلعت شاهين من الذين خاضوا غمار رواية السيرة من خلال روايته ( البرتقالة والعقرب ) حاول فيها فضح الواقع الطبي والاجتماعي في مصر من خلال رحلته مع مرض السرطان. 

ورواية ( النوتي) هي رواية متخيَّلة لسيرة ذاتية(قد تكون وقعت فعلاً ولم تطولها يد التناص) يسردها شخص واقعي في أثناء رحلته البحرية, ولا أستطيع أن أقول أن السارد حقيقةً هو الكاتب, كون الكاتب لم يقر ولم يعلن ذلك, رغم أن حبكة الرواية تدور حول تجربته المهنية كبحّار, وتجربته الإبداعية ككاتب, حيث ذكر عناوين مؤلفاته, وظروف كتابتها, كما ذكر مقتطفات منها وهذا إبتزاز سردي ستكشفه الذرائعية في الخوص في مجهوليات ذات الكاتب.

سيرة تعريفية:

الاسم: حسن البحار

المهنة : بحّار - قاص وروائي 

مساميره على حائط الأدب: 

الدردبيس : مجموعة قصصية

مرام: رواية

بحر أزرق.. قمر أبيض : رواية حصدت جائزة أدب الرحلات 2013 

الريح تُترك فوق الطاولة : مجموعة قصصية.


مستويات التحليل الذرائعي

تمهيد :

تساءل الكثيرون عن المنهج الذرائعي النقدي العلمي, وسبب تسميته بهذا الاسم، والذي اخترته أنا لأعمل دراساتي فيه, فقد اختلف المثقفون والنقاد الأفاضل على هذه التسمية, وقد أعادوها إلى ترجمة البراغماتية ذات الصيت النفعي, والتي يعود تاريخ انبثاقها الأول إلى العام(1878), والتي تعود أصولها لـ(وليم جيمس وجون ديوي)والحقيقة أن صاحب الذرائعية(عبد الرزاق عوده الغالبي) الذي أتشرف بالاشتراك معه في التطبيق لهذا المنهج  لم ينطلق الرجل من ترجمة اللفظة الأجنبية ( البراغماتية ) تلك, وإنما انطلق من الكلمة العربية (الذريعة) التي بنى عليها منهجه الذرائعي هذا، والذي يتصل بمنهج (رورتي) الفيلسوف الأمريكي الذي انطلق في بداية الثمانينات من القرن المنصرم، بقصد أن كل شيء يقال أو يدرس في هذا المنهج ينطلق من ذريعة أخلاقية لغوية, ينتجها السياق واللغة، و هي ناتج تواصلي سياقي وليس معجمي، لذلك ينطلق التحليل الذرائعي الأخلاقي من سلّة عربية تلائم المجتمع العربي, وتسنده برسالة تعيد له مساره الإنساني بمسلك أخلاقي دائم, يخدم المعنى الذرائعي والسيمانتيكي ودلالاته ومفاهيمه، من منطلق مبدأها الذرائعي (الأدب عرّاب للمجتمع والنقد عرّاب للأدب)، وعليه تمركز هذا المنهج الذرائعي الأخلاقي على القرآن الكريم وبالتحديد سورة الشعراء الآيات 224-225-226 -227  

والله الموفق للخير.



أولًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level::

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص، فالشكل في النص العربي في سباق مستمر مع المضمون من ناحية جمالية وهو أحد سمات اللغة العربية التي تتميّز بها على اللغات الأخرى، قد  نجد التفوّق مرّة في الشكل وأخرى في المضمون, وأحيانًا يتوازى الاثنين بالجماليات المنظورة , ويبرز هذا الشأن في المداخل التالية:

-1المدخل البصريExternal Trend ::

مطبوع ورقي, بالحجم المعروف للرواية التي تقع في حوالي ( 414) صفحة ضمنًا الفهرست و(كليشة) دار النشر. طبعا تُعدُّ رواية طويلة نسبيًّا في عصرنا هذا.

 الغلاف كعتبة بصرية أولى: بخلفية سوداء والصورة بالفضي والأسود وجه لرجل متغضّن الجبين, مقطّب الحاجبين, متهدّل الأجفان, أنف كبير, شفتان متشققتان, يعلوهما شارب متوسط الكثافة, وذقن حليق, كفّ يد يغطي العين اليسرى والخد الأيسر تمامًا, بينما العين اليمنى تنظر بتحدٍّ وإصرار, وشيء من الغضب, وبذلك يشير إلى التناصف, النور يضيء ياقة قميص مخطط (كاروهات) بالأبيض والأسود. 

أعلى الغلاف  وبالوسط عنوان العمل باللون البرتقالي ( النوتي), إلى يساره اسم الكاتب ( حسن البحار) باللون الأبيض, يمينا جنس العمل ( رواية NOVEL ) باللون الأبيض ضمن مستطيل برتقالي. 

الغلاف الخلفي, العنوان النوتي مع ملخص اجتهد الكاتب فيه ليعطي المتلقي فكرة عن موضوع الرواية, قد لا أوافقه, لكن أيضًا لا أعتبرها نقيصة, سيّما وأني وجدتها متكرّرة في معظم أعماله, فاعتبرتها تكنيك يخصّه وحده, لا حق للناقد بالتدخل فيها, لأنها علاقة خاصة بين الكاتب ومن يقرأ له...

 النهايتان الحرّتان للغلاف الأمامي والخلفي ممتدتان خارج حدود الكتاب, ومثنيّتان إلى الداخل, كُتب على الأولى آراء نقدية مقتضبة لبعض النقاد من المغرب والعراق, وعلى الثانية صورة شخصية للكاتب, و تعريف بسيرته الأدبية. 

الغلاف- بالصورة والقتامة- وجدته مخيفًا إلى حدّ ما, ينبئ  أن المحتوى قاسٍ للغاية,  لكن المحتوى حقيقة كان فيه إشراقات كبيرة, رغم ضبابية الأحداث, فالشخوص فيه كانت مفعمة بالأمل والمحبة, رغم ما تقاسيه من تأزّم وحنين وفقد وجفاف عاطفي, وخوف وملل ورغبة بالوصول إلى موانئ الاستقرار. 

العتبة البصرية الثانية هي العنوان( النوتي) :

وهو مكوَّن بصري, من لفظة واحدة, يحقق ارتباطًا مباشرًا بموضوع الرواية, ليجعلها رواية تغلب عليها السيرة المهنية تحديدًا, وهي القالب الذي صبّ فيه الكاتب أحداث حياته  وسيرته الشخصية, وتداعيات دواخله, بالبطلَين اللذين يعيشان فيها, ذاتِه والآخر. 

عنوان جاذب ولافت وُفِّق الكاتب بانتقائه, وبهيكون الكاتب قد الكاتب في وضع أول صنّارة تشدّ المتلقي بالتشويق منذ العتبات الأولى (الغلاف والعنوان).  

لم يكن هناك إهداء, لكن كان هناك قول  ل( الآخر) الذي قاسم البطل حياته: 

الآخر: راكب البحر الذي رافقته منذ ولادته حتى الآن يحاول تجاهلي. 

ليشدّنا منذ البداية لمعرفة هذا ال( آخر), ومن هو راكب البحر ذاك ؟ وكيف رافقه؟ ولماذا يحاول تجاهله؟. 

وهنا يبدأ تشويق ثانٍ( ما قبل الاستهلال)  يلحق بالأول.  

العمل يقع في تسعة فصول, كل فصل يشتمل على جزأَين, أوّلهما مسرحُه الواقع- عالم البحر الذي يركبه- يعطيه الكاتب عنوانًا واحدًا, ويجعله في أقسام عديدة- غالبًا خمسة أقسام- مرقّمة, ويمتد على حوالي 30 صفحة بالمتوسط, والآخر مسرحه النفس أو الذات التي تذهب بعيدًا عن عالم البحر الأزرق الذي يعيش صاحبُها فوقه, عنوانه يتكوّن من تركيبين متمفصلين, الأول ثابت كلازمة (الحياة وغيرها), والثاني متحرك وهو العنوان الفعلي, عبارة عن جزء واحد غير مقسّم, يمتد على حوالي 5 صفحات, على سبيل المثال : 

الفصل الأول 

ذاكرة بيضاء هشة((1-2-3-4-5 ( مفهوم الطفولة)


الحياة وغيرها 

الخيال لعبتنا الثائرة (مفهوم الخيال)

الفصل الثاني 

الراقص المذبوح.. عصافير الذاكرة (1-2-3-4-5) ( مفهوم الحلم) 

الحياة وغيرها

إغلاق النوافذ .. إخماد الضوء ( مفهوم العزلة) 

وهكذا الأمر مع باقية الفصول... يقول:" تعوّدت على التحرّك بين فجرين: فجر مائي, وآخر أرضي"

 هويتبع تكنيك شخصنة الأحداث, يجعل شخصية في الحدث, ولكل حدث يخلق شخصية لنفسه مناسبة للحدث, تختلف عن الشخصية السابقة والتالية, يعني يعرّفنا على جوانب ذاته بالمقابلة مع شخصية يضعها ضمن حدث, من خلال هذه المواجهة يسلّط الضوء  على جانب معيّن من جوانب ذاته, من خلال تكرار تلك المواجهات تتكشّف تلك الذات التي يبحر فيها السارد في محاولة للتطهر بالكتابة عنها, لذلك نراه يخلق شخصية الأب , ويضعها بالتقابل مع ذاته القارئة, وذاته الكاتبة, عبر الخطف خلفًا flash back, أو تدفق تيار الوعيStream of consciousness , أو منولوج Monologue . 

ومع (سالو) السورية حضرت ذاته الشبقة, ومع( موني) المصرية ظهرت ذاته الخَجِلة ومع ( سيسينا) الأوكرانية ظهرت ذاته الخيالية المنتشية حدّ الغرور, ومع نجلاء السكندرانية حضرت ذاته الخرافية, ومع سمرائه الفرنسية ظهرت ذاته العاشقة, هو بذلك يكشف عن صفات تلك الذات, هذا النوع من التكنيك الشفيف يُحسب للكاتب طبقًا للمبدأ السردي( إدخال التقنيات العصرية) لطرد الروتين والسأم الذي يفتك بعملية التشويق لدى المتلقي, كما هو الحال في الروايات السردية الكلاسيكية. الناقد الأدبي حين يمسك مقود النقد يكون كالمدعي العام, دفاعُه يكون شاملًا وعموميًّا لصالح المتلقي, الذي يجذبه التشويق والمتعة, إلى جانب الفائدة الأخرى, وهي القيمة المعرفية التي يتطلّع المتلقي إلى الاستحواز عليها من النص, كأن يكون النص نفسيًّا أو فلسفيًّا أو ما شابه.     

حملت الفصولُ عناوينَ بدلالات, تبدأ بعنوان الفصل الأساسي, يتبعه جزء الحياة وغيرها بعنوان مكمّل, هناك رابط بين عنوانَي الفصل الواحد هو الدلالة التي ترتبط بالمفهوم  مثال:

الفصل الثالث: ابتسامة الغربة .. سالو 0 ( مفهوم الغواية)

الحياة وغيرها: برج التميز .. جهة الانصات ( مفهوم الوحدة) 

الفصل الرابع: الآخرون .. تعدد الأمزجة   ( مفهوم التعددية )

الحياة وغيرها: شواطئ دافئة .. نساء باردة  ( مفهوم الحواس) 

الفصل الخامس: مسارح الخوف الإثارة    ( مفهوم التوتر)

الحياة وغيرها : الثوب والعطر.. مخاطر الرغبة   ( مفهوم الجنس) 

الفصل السادس: بين رصيفين.. رغبات جمّة   ( مفهوم التوق) 

الحياة وغيرها : مزيدًا من التفكير .. مزيدًا من الاحتمالات   ( مفهوم الفلسفة) 

الفصل السابع: الأرض الممنوعة .. زمن المتغيرات    ( مفهوم الغرابة والعجائبية) 

الحياة وغيرها: الأثر الأبيض    ( مفهوم القيمة الموروثة) 

الفصل الثامن : مراسي اللحظة الأخيرة  ( مفهوم النهايات) 

الحياة وغيرها: آخر الليل .. أول الفراق ( مفهوم التقاطعات الزمانية) 

الفصل التاسع : بين مينائين .. أرض ومعالم ( مفهوم الأمكنة) 

ولم يتبع هذا الفصل بالحياة وغيرها لأنه أرادها نهاية مفتوحة.

والحقيقة أن إيراد العنوان الواحد بتركيبين- يصلح كل تركيب منهما لأن يكون عنوانًا منفردًا- وجدته غريبًا إن لم أربطه بالدلالة والمفهوم, إضافة إلى عناوين المُفارَقة.

اللافت أنه قبل أن يبتدأ الفصل الأول قدّم فصلَين دون أن يضمّهما للفصول التسعة, وكأنه يعرّفنا على الشخصيات الرئيسية في الرواية.

 الأول : الآخر أنا ( وهو عنصر التشويق الثالث الذي استخدمه الكاتب,هنا في الاستهلال),  السارد بكينونته المادية والذاتية. لا يستطيع أن يفصل بينه وبين نصفه الآخر إلّا بتخيّله خارج جسده, يقول السارد: 

( وها أنا قد وجدت اللقاء مسليًّا مفعمًا بالإثارة المؤلمة, ولمّا عرفتُ لم يكن معي إلّا أنا وأنت – نصفيَ الآخر- قرّرتُ ألّا أرحل بطريقة المنعزل عن المعاناة, كما يحصل مع الخائف من الموت خلف الشمس أو تحت الظلام.... وحيدًا فوق عالمي الأزرق أقتل الوقت في حياة أخرى, أتركُني مثل الهواء ليّنًا, ومرات كثيرة أتخيلُني خارج جسدي, خفيفًا تحملني الأمواج إلى حيث تشاء....).

الثاني : الآخر: النصف الآخر الذي سكن فيه, الساند, والمرشد, والمشاكس,  المكمّل, واللعوب, والمحرّض الذي يدعوه إلى التحرّر, و الذي ساكنه في عمر السادسة, وهو العمر الذي يتحضّر فيه الإنسان لتلقي العلم والمعرفة, هذا الآخر يغادر السارد في مرحلة حرجة من حياته, مرحلة الكهولة, كان يسعى طوال عمره للتحرّر منه, لكنه عندما غادره اشتاقه, يقول:  

 ( كان يعاملني معاملة تناسب حالتي, تمامًا كان القوي لضعفي, في هذا الوجود الصارم يتعامل مع أشد اللحظات مرارة في راحة عجيبة, وقفتُ مضطربًا والقلق يرهقني من شيء ما, يأتي في صورة الهامس في أذني"تحرّر". كنتُ أتمثّله الحل الأمثل..... تخليت عن القلق من وجوده, وعرفتُ أنني لا يمكنني الابتعاد عنه, بعد أن صار يتشكل أمامي على هيئتي هذه وبنبرات أصوات مختلفة.... نحتاج العودة إلى المسكون فينا).

نستطيع أن نميز السيرة الذاتية في العمل الأدبي حينما يتحدّث السارد عن نفسه وليس عن شخصية أخرى, لذلك كان يمكن أن نجنّس العمل على أنه سيرة ذاتية, ولكن الكاتب أدخل الخيال ( الآخر), فتأرجح العمل قليلًا مبتعدًا عن الواقع, يقول حسن البحار: 

(قد يضطر المرء إلى تجاهل الحاضر في استحضار الماضي وتطويره خيالًا ليبتعد عن الواقع مسافة وفقًا لما يراه من الداخل على أنه الأمل في عودة الآخر-أنا- وهذا ما حصل معي بالضبط).

 ولأن العمل أخذ طابع رواية وقعت أحداثها على ظهر باخرة خلال إحدى رحلات السارد من خلال مهنته كبحّار يكون العمل  رواية سيرة ذاتية في رحلة: 

 فإذن العمل رواية هجينة بين أدب السيرة الذاتية وأدب الرحلة. رواية تقترب من كلا النوعين من الأدب دون أن تغوص إلى قاع أيًّا منهما باستغراق كل خصائصه.  

نلمح شيئًا من أدب الرحلات عندما يتحدّث الكاتب عن الموانئ والمدن التي مرّ وعاش بها مغامرات عاطفية نسائية, منها الاسكندرية: 

( سيمرّ الترام من محطة الرمل ليأخذني إلى منطقة قصر رأس التين المجاورة للقصر الملكي, عائدًا بي إلى المحطة نفسها, مرورًا بجامع القائد إبراهيم ومحطة مصر والرصافة والنزهة وناريمان والورديان, أما ذو العربات الزرق فيأخذك في جولة بين الأحياء الراقية ومعالم البنايات المعمارية الجميلة, مثل رشدي وباكوس ... 

تحدّث أيضًا عن القاهرة والأهرامات:

( رأيت الميادين والحدائق والسواحل والمقاهي والحانات والشوارع المزدحمة بالناس, مررنا بالجيزة حيث الأهرامات.... كُتب عليها " هي مقابر ملكية يحمل كل منها اسم الملك الذي بناها وتم دفنه فيها : خوفو وخفرع ومنقرع" وهم ملوك يدوها قبل عشرات القرون قبل الميلاد ......) 

 أيضًا تكلم عن سوريا ومناخها وشوارعها وحدائقها  لحظة مغادرته المعبر الحدودي بين من العراق إليها:

(سورية ليست متوحشة أو عابسة في وجه ضيوفها, هواؤها عذب البرودة لذيذ شوارعها معشوشبة وفي سمائها الغيوم ناصعة والشمس والظل والأشجار والأضواء المتلألئة في الحدائق والمطاعم والمحال التجارية, سورية الخالية- ليس اليوم- من مظاهر السلاح ترسم وجه المدينة الضاحك, والأطفال بملابسهم القصيرة والطويلة, والنساء الجميلات, والرجال بثيابهم الأنيقة, تثير البهجة والتفاؤل في نفوس زائريها...) 

 كما تحدّث بانبهار عن مشروع الجميرة  و نخلة جبل علي ونخلة الديرة في دبي :

(رائعة هذه اللحظات في دبي, إبداعات للعقل البشري في انتاج مدينة سياحية, مدينة تمتد في البحر بعد ردم أجزاء كبيرة منه ...... نخلة الديرة تخرج من الأرض وتمتد في اتجاه البحر على طول خطوط الملاحة وعلى كل الاتجاهات علامات بحرية, الأخضر يمينًا والأحمر شمالًا مرورًا بإمارة الشارقة, وامتدادا من دبي إلى ما نراه الآن...)   

وأما عن موضوع أنّ العمل سيرة ذاتية, قد قال الكاتب ذلك بشكل صريح, لكن على لسان السارد, فالكاتب يراوغنا في هذه الحيثية, أو أنه قد أوهمنا أنها كذلك, وأُقرّ أنه نجح:

(عشرات المرات قاومت رغبات الكتابة, وفي كل مرة فشلت, كتبت " الدردبيس" قصصي الأولى في مكان عميق مخيف لا يقلّ صعوبة عن مكان كتبت فيه" مرام" روايتي الأولى, وقصص" الريح تُترك فوق الطاولة"....وعلى سبيل التغيير كنت ميّالًا لذاتي, جرّبتُ الآخر فيها, واستعنتُ بمكنوناتها واستمعت إلى قولها وشاركت أفكارها. النتيجة هذا اللغز في استغلال الفرصة " التوغل عميقًا في كتابة النوتي"....) 

 

راعى الكاتب في روايته الصورة العامة للصفحة من ترتيب في العناوين والسطور والجمل والحواشي للصفحة, والفقرات, لكن كان هناك بعض الخلل في استخدام أدوات التنقيط, النقطة والفارزة وعلامة التعجب والاستفهام, أعزوه لاختلال في التنسيقات السابقة للطباعة, مسؤولة عنها دار النشر. 

الرواية من الروايات المعاصرة, استخدم فيها الكاتب العديد من المدارس المعاصرة, أهمها الواقعية ( في الحبكة) والرمزية والرومانسية والبرانسية ( الفن للفن ) والفن للمجتمع, والطبيعية, مزج بين هذه المدارس بتقنية عالية جدًّا, سآتي على ذكرها عند دراسة الأسلوب. 

-2المدخل اللساني Linguistic Trend ::

وما دام الأدب بناء فني وجمالي بلاغي، مصنوع بدقة وحنكة أدبية مثقلة بالجمال البلاغي والعمق الخيالي والرمزي, ومثقل بالتعابير اللغوية ومشتقاتها، فقد خصّص ذلك المدخل للدوال والمدلولات والمفاهيم التركيبية والإملائية واللغوية و توابعها الاشتقاقية, وحتى تحليلاتها الفونولوجية، والمرفولوجية والسياقية, حسب المنظور البنيوي والتواصلي  الذرائعي.....


تتحدّد من خلال هذا المدخل:

الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب: ومدى قدرته على توظيف مكتسباته الثقافية في مضمار عمله الأدبي, ولا شك أن المطّلع على هذا العمل سيجد أن الكاتب يمتلك قدرات ومعارف ثقافية وأدبية, عكستها الألفاظ المهنية التي قدّمها لنا بلفظها الفصيح: 

- مهمة البحّار في الخفارة البحرية إمساك الدفّة.

- مسؤولية الضابط المراقبة ورسم الخرائط أو الثبات على المسير حسب الخط البحري المرسوم للباخرة, وتُدار هذه العملية من برج المراقبة. 

   أو-على الأقل- عندما لا يأتي باللفظ اللغوي الفصيح, يذكرُه كما هو متعارف عليه, لكن يقدّم له تعريفًا أدبيًّا:

- كل لون له لونه الخاص.... و الأسود (للبلجات)- خزانات تحتية فيها مواد سائلة ملوثة تجمعت من فضلات الماكينة والسطحة-.

هذه الثقافة الأدبية الشاملة مكّنته من تقديم عمل مدروس, ودقيق بمعلوماته, بالإضافة إلى أنه قيّم أدبيّا.

المعرفة الأكاديمية بالأجناس الأدبية: الكاتب على دراية بكل تقنيات السرد الأدبي, وعلى اطلاع ومعرفة أكاديمية بالجنس الأدبي الذي يكتب فيه, أدب السيرة الذاتية في إطار حبكة روائية معاصرة, يدرك متى يصف, ومتى يسرد, ومتى يوقف السرد ومتى يسرعه ومتى يبطئه, ومتى  يسمح  بالديالوج, ومتى يجري المونولوج, ومتى يخطف خلفًا, ومتى يسمح بتدفق سيل الوعي.... نفصّل ذلك عند دراسة تقنيات السرد. 


البنية اللغوية من مفردات وتراكيب وسياق: لقد حرص الكاتب على اختيار الألفاظ البسيطة المعروفة, لكنه برع في نظم تلك الألفاظ في تراكيب قصيرة أو متوسطة, سليمة تمامًا من الناحية النحوية, انتظام تلك التراكيب  في سياق المعنى يجعلها دقيقة جدًّا في رسم الصورة التي يريدها الكاتب, وهذا ما يعطي الكاتب نقاطًا عالية, وتميًّزًا كبيرًا في الأسلوب, نأخذ مثالًا على ذلك:

"لمحتُ في بعض الوجوه دفءَ المحبة البريئة يقترب من صدري, وحزنًا يشابه أحزاني,  تدريجيًّا استلمت خيطًا من خيوط الذاكرة, عدت إلى طفولتي, رغمًا عن أنف رغبتي, اختارت ذاكرتي الذهاب, كانت أمي ...." 

ألفاظ مفردة بسيطة( لمحتُ-استلمتُ- عدت, وجوه- دفء- حزن-خيط- محبة- ذاكرة....), منتظمة في تركيبها النحوي ( فعل –فاعل – مفعول به- صفة وموصوف- جار ومجرور...).

اجتماع هذه التراكيب, وترتيبها على هذه الشاكلة, وكأنه يرسمه لنا رسمًا,  أعطانا صورة مؤهبة للخطف خلفًا عند الكاتب, ليعود إلى الطفولة, ويسرد لنا ما كان يحدث في الماضي. 


أما عن البنية الذرائعية ( الدلالة والمفهوم): فقد كانت تدور في حلقة المفهوم, الدلالة تشير إلى المدلول, والمدلول يشير إلى المعنى, والمعنى يشير إلى المفهوم, نوضح ذلك من خلال خلال المثال المأخوذ من الفقرة التالية:

كانت أمي بخفة ونشاط تستميلنا إلى لطف اللحظة, نلمح ذلك في حركاتها ساعة الغداء, كان وجود أبي المتدفق بلا هوادة بنظرات الإعجاب لها مثيرًا, رغم اتزانه التام كنا نراه مستسلمًا لبعض حركاتها المعبرة عن حبها له, مشهد يبعث في النفس بهجة بلا ضفاف, نظراته كانت عميقة, أصابعه السمراء الطويلة تلمس أطراف وجهها الأبيض, كان يكيل المديح لها وهي منشغلة تعدّ الطعام لنا, كان يثير الراحة فينا وشهيتنا, كان أبي كثير الملامسة لأمي, وكنت ألمح الانصهار بينهما في صدى الابتسامات التي كانت تتكرر مع بعض غمزات من العيون تتسع وتضيق وتتسع كلما اقتربا من بعضهما... ابتعدا...


هذه الفقرة الدلالة فيها (الحب), مدلولاتها كل ما أشرت تحته بخط, هذه المدلولات في السياق أشارت إلى المعنى( الود), لكن المفهوم المخبوء بالمعاني المؤجلة كان (الترابط الأسري), وهو ما أوقف مراوغة المدلولات بديناميكيتها الكبيرة, وهذا ما يوصلنا إليه التحليل الذرائعي تحديدًا, الذي يعتمد على تجاوز التحليل لدلالات النص بالمدلولات, لأن المدلولات تقف عند الحدّ السيمانتيكي, فتعتبر درجتها الدلالية عبارة عن متوازيات مترادفة لمعنى الدلالة, حتى يبلغ هذا التجاوز الركون عند المفهوم لإدراك المعاني المؤجلة عند المعنى الذرائعي الذي يختزن اللغة الساندة التي تنتج عنها التأويلات المتعلقة في الخيال  والرمز, والتي تكون درجة تأجيلها إلى ما لا نهاية.   


وعلى هذا المنوال تكلّم الكاتب في العديد من المفاهيم, نستعرض بعضها مع الدلالة والمدلولات : 

 

(كأنّ الحب عند بعض النساء حاجة كما الحاجة إلى الطعام والماء والنوم والإكسسوار والملابس. تحتال كثيرًا وهي فاقدة إلى الكياسة واللياقة, تتمرّد حين تمسك التصرف الباهر, تكمن علّتها في نقص لابد من إكماله. وإن تعارضت الأمور ورفض زيفها الرجل يكون هو المستباح لكل أمر فاضح وفظيع. إلى متى تفكر المرأة أنها الهدف والرجل رمح؟ إلى متى تنظر المرأة وكأنها الوحيدة التي لها القدرة على احتواء الرجل؟ واستنفار الذكور ؟ وهي الحياة؟ ......


الدلالة : الأنثى

المدلولات : الحب والجنس والتكاثر

المفهوم : العاطفة 

المفهوم يغلف المعنى 

المفهوم: إنّ العاطفة تغلف الأنوثة. 


مثال آخر:

"لم أجد أي معنى من بهرجة ثيابهن ولا من صوت يأتي بنبرة عالية يشعرك بالوحشية ويدفعك إلى الابتعاد والكتمان. المرأة السوية تلك التي نراها سيدة في الصباح,  وامرأة في النهار, وفي الليل أنثى أكثر من رائعة! تلك التي تعرف كيف تبني ولا تهدم, تمسح على كتف زوجها, وتطيّب مزاج الأولاد, وتنقش في ذهن البنات أجمل الحكايات, المرأة الناضجة نراها وكأننا لا نعرف سواها, سمحة لينة قوية. والحديث طويل عن المرأة التي تعرف كيف تمسك الحياة وترسم خطوط مستقبلها, وتعطي لمن معها ومن حولها دافع الاستمرار في الطريق الأبيض بين ضفتيه الأشجار غنّاء في عزّ النهار .

  

الدلالة : الأنثى 

المدلولات: ما تحته خط 

المفهوم : الأخلاق والمثل الحميدة, وعلى هذا المفهوم قسّم النساء إلى قسمين:  صالحة وغير صالحة . 

فإذن أصبح عندنا مفاهيم لدلالة واحدة ( الأنثى) هي مفهوم العاطفة والأخلاق, والأمومة والزوجة الصالحة.  

نحن لا نبحث عن المعنى وإنما نبحث عن معنى المعنى, حيث أن التحليل البراغماتي يأخذ المعنى في التواصل, بينما التحليل النقدي اللساني يأخذ المعنى في السياق.  


مثال آخر:

"أبي حاضر في كل زاوية من زوايا البيت, كان الحاكم القوي والمدافع الوحيد عني بقوة, كل ما يمكنني فعله هو استيعاب منهجه في الحياة وما تركه لي من أثر, مخطوطاته المبعثرة داخل الصندوق تحتوي الإرث المعنوي القادر على الأخذ بيدي. 

لن استطيع البقاء على قيد الشقاء وحيدًا, ربما كنت أهذي من فرط الألم, أو شعرت بخيبتي من عدم قدرتي على استرجاع صفاء ذهني, أراه في المنام وما زلت أسمعه يطلب مني العمل بوصيته: " أن أطلع على مخطوطاته التي تركها في صندوقه البني المائل للسواد تحت مكتبه الخشبي المطرز بالنقوش الذهبية". ....


 

الدلالة : الأب 

المفهوم: الأبوة وموروثاتها.


مثال آخر: 

لقد دوّن أبي:" بني ما يقلقني عليك باقي الحكاية, وأعتقد أنني لن أبالغ إذا قلت لك لا أحد له قدرة على إيقاف جحيم تجدّد صدى سؤالنا الأزلي متى...؟ أستغيث بذاكرتي الموجعة وأنا أكتب لك عن أمر هام أراه يحدث لك يومًا, ولكن قبل ذلك من المناسب أن تفهم أن نهايتي ظهرت واضحة كل الوضوح, وبدأت أعرف معنى اقتراب الموت, ولكن شيئًا واحدًا فقط لم أستطع تفسيره.. الأمل وأتوقعه أنت...."

الدلالة: الأب

المفهوم : قلق الأب على أبنائه ورغبته في بقائهم إلى جواره, وأمله فيهم. 

الجنس: 

(أحيانًا يشكل الانفعال الجنسي مسرحية فكاهية تشبه إلى حد بعيد بعض مسرحيات  مبرهجة جافة تعيسة لا معنى لها ولا ذوق في أيامنا هذه, رغم قلتها وبشكل لافت)


الدلالة: الجنس

المفهوم: الرغبة باللذة 

 


البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان: 

وما أكثر الاستعارات والتشابيه والكنايات, لا نستطيع حصرها, نستعرض بعضها :

- على ضفة الذاكرة المتحررة علقت جائزة مشاويري ( استعارة)

- هيمن الصمت على الجميع والقلق ساند التعب  ( استعارة)

- تحضر كل سنوات العمر, تتناسل أحلامي ويبتعد البوح مثل صيف في أول الشتاء  (استعارة) 

- نسيت كآبتي وابتكرت صرخة كنست الوهن عني ( استعارة)

- انزلق الصمت راقدًا في محيطي المرعب مكرهًا أتذكر تلك الأيام. ( استعارة)

- الشيب يمارس الطغيان, والوهن تجاوز عرشي, ذلك التفكير. ( استعارة)

- مازال في الصدر رغبة, الليل يستحوذ على تقدّمي, يبعثر خطواتي . ( استعارة ) 

- تدحرجت الحياة من أمامي رافضة مناغاة حزني. ( كناية)

- عزف القلب نوتة شوق وذاكرة ( كناية) 

- ما جرّدني من وجهتي صوتُها, مثلَ العصفور يغرّد متفوّهًا باسمي ( تشبيه)

- مثل هزّ الأمواج للسفن ترنّح قلبي لها بالقبول. ( تشبيه)

-  سكنت جسدي ...مثل شجرة تمدُّ جذورها إلى الطين تحت فرشة الماء. ( تشبيه) 

استخدم البديع بكثرة :

طباق: 

رفيعة # وضيعة 

قبول# رفض

المستقبل # الماضي

الوداع# اللقاء

التراخي# الحماس

حربًا # سلامًا

فردوسية # جهنمية

أول # آخر

جناس :

سكون – سكوت

ترادف :

توبيخ- تقريع- تكبيت 

أوهامًا – أحلامًا

خمول- كسل

الصور الجمالية : وهي الصور المرسومة بالكلمات, والتي يعمد فيها الكاتب إلى التزويق الجمالي بعيدًا عن علم الجمال اللغوي من بلاغة وبيان, تكثر فيه الألوان والطبيعة والرومانسية, بمعنى أن يخلط الكاتب عدة مدارس أدبية منها البرانسية والطبيعية, والرومانسية, والتجريدية. 

- في زمن الرغبة يكون المستقبل هو الماضي, والحاضر يصير الأسبق والليل بوادر سؤال. 

- كان ثمة نسيم يغازل سنابل سرية, تضحك إلى النجوم, والقمر رقراق واضح. 

- بركان الاشتياق يثير عتمة الفراق.

- نورس أبيض يتسلق وجه الفضاء الأحمر وعلى مقربة من العينين يرسم علامة وداع زرقاء وأخرى لا لون لها مبهمة. 

- أخذ يتشكل أمامي صوت يشبه مسير النهر, في هيئة صور ضبابية اللون دخانية المعاني. 

- هناك في ركن من أركان ذاكرتي المتّقدة بالشواطئ الدافئة والنساء الباردة, تظهر من جديد مشاهد الذاكرة .

- كنّا على عجل نفكر بنا, لا نرى إلا القادم البكر يرسم على ملامحنا الملون الابتسامة.

- يتشجّر قلبي لحظة استذكار لقاء مرّ في زحام الاغتراب سريعًا, مازال مذاقها يتجدّد

- في البال مطر وسنابل سرية يلمسها موجٌ يعدو سريعًا, يتسلّق الجبال, يسابق بعضه بعضًا.

- يرتقي ويعلو فيطيل الارتفاع عاليًا وكأنه يلاحق نظري, يهبط يلامس جلدي.

- ومنه  تراود أطراف الذهن رغبة الاستلقاء على فَيْء ساحل أخضر داكن. 

- أرخت عيناها مطرًا ناعمًا, وأثير عطرها يرتجّ فوق شفتيها مثل النسيم بين شاطئين والليل طعمه امتصاص الصمت.

- في يدي الممتدة لتغرف من لونها الأحمر ألف نبض يلعب في نهر من اللذة.

- للقمر وقمح الأرض قصة, ولآهاتي قصة أخرى .

- باحثًا عن الأنس تخيّلتني وطنًا في دارها الماء وسرب العصافير وحفنة من النجوم وعطري. 




ثانيًا – المستوى النفسي Psychological Level:


3- المدخل السلوكي: Behaviorism Theory:

وهو مدخل استفزازي ومحفّز stimulus, يهتمّ بحركة الأديب السلوكية في الكتابة,  على اعتبار أن الأدب سلوك إنساني يتناول حركة الإنسان في الحياة, وما يسجّله الكاتب في نصوصه كعضو في المجتمع هي إرهاصات وكفاح و معاناة لأفراد المجتمع، وما هي إلا سلوكيات يومية مستفزّة للناقد والمتلقي بالاستجابة response والتحليل, والعمل ثري جدًّا بالتساؤلات على مختلف الأصعدة, النفسية, والفلسفية, والاجتماعية, والسياسية, والثقافية, والاقتصادية, والعقائدية ....تساؤلات جدلية تحتمل الكثيرة من الإجابات, وأخرى إشكالية ليس لها ردودًا مقنعة. يبحث الناقد عن هذه الأجوبة بشكل دقيق ويضع التساؤلات بتقابل حسي بدوال واضحة يقوم بالبحث عن مفاهيمها السيميائية أو البنيوية, ويحللها بطريقة الدلالة والمدلول والقرين والمفهوم.


 لننظر كيف فلسف الحياة, وكيف تكلم عن غريزة البقاء كمحفز لاستمرارالحياة, حياة لا يد للمخلوق فيها, كما لا يد له بالموت, الرغبة حصّة المخلوق, والموت والحياة أقدار بيد الخالق:

- من منّا لا يقول لأنثاه إنه ذكر؟

يجيب عن سؤاله: 

- نحن أحياء تجتاحنا الرغبة في البقاء, وهي صفة أزلية مثلها مثل أمل الأموات المنسيين خلف أسوار قديمة, رغبة تتأمل المساء الحالك في صمت, والأيام سفَر في صحبة الأقدار, تمنع أحيانًا الأمل وتعطيه أحيانًا, والمغامرة طيش مبرر.


هناك أيضًا العديد من الأسئلة النفسية التي يتبادلها البطل ونصفه الآخر بحوار سريع, أسئلة وأجوبة متلاحقة لكنها متماسكة بوحدة المفهوم وفلسفة الحالات النفسية الإنسانية ( الحزن, الكدر, الوحدة, الاعتياد, الهروب, الازدواجية, الذات, الجمال, الدواخل, الرفض, المكر, اللعوب)  وكأنها حصى يقذفها السائل والمجيب في حفرة واحدة:

- أنت حزين..؟

- لا أنكر ذلك, ولكني لا أجعل من حزني ذريعة للعيش في كدر

- لا تريد الاعتياد على شعور الوحدة؟ 

- لا أريد تكرار الهروب من الازدواجية, وكأنها لعنة. 

- تبحث عن جمال الذات؟

- قل ما شئت. 

- ما بك؟

- ما بداخلي يرفض اللعوب الذي يسكنك.

- أنا نصفك الآخر!

- .........

النقط في الجواب الأخير دلالات كبيرة على أسئلة كثيرة محيّرة. 


أثار إشكالية ماهية الإنسان ومادته التي جبله الله منها وعليها, ليس ملاكًا ولا شيطانًا, يفعل الفضيلة ويفعل الرذيلة, بالوعي واللاوعي :

- إن ما يسمى نصفي الآخر فارقني, فقط قلتُ سأتعوّد الكذب 

- وأفهم هو العقاب المفتعل, ولكن المثير للشك هو عن وعي أو لا وعي تجاهل فكرة كوني ببساطة مفرطة إنسان, وليس من حق أي كان أن يجردني من إنسانيتي, ويلبسني ثياب الملائكة أو الشيطان.

- يذكرني بحقيقة وجودي ولا يدري أو لا يريد أن يدري أنني صرت أعلم حقيقتي جيدًا حقيقتي جيدًا, ولا أبالغ لو قلت أنه لم يصل بعد هو أو غيره كما وصلت أنا إلى معرفة أن ما بين محاجر العيون موت مأمور أعمى لا يجرؤ على عزل الفضيلة عن الرذيلة. 


لم يكن الكاتب بمعزل عن السياسة والاقتصاد والحرب التي عصفت ببلاده, ولم تكن حياته بمعزل عن العاصفة الهوجاء التي اقتلعت معظم ما مرّت عليه من مظاهر الحياة المفترضة, إرهاصات جعلته ينفض دواخله نفضًا, ما يجعل المتلقي يقتفي آثار تلك الدواخل, ويبحث عن الأجوبة المختبئة بين طيات الكلمات المرصوفة بالسرد التالي:

- هذا الانتظار الطويل بالتأكيد يساعد على زيادة خسائر الشركة, ومن ثمّ يؤثر عى اقتصاد البلد الذي نعيش حاضره هذا تحت ثقافة التقشف بسبب هبوط أسعار البترول. من السبب؟ ولماذا؟ أسئلة يبدو لن تنتهي . 

كانت الإجابة سياسية مضمنة بتداعي سرد أحداث الحرب على لسانه:

- سقط الصنم! نعم. ولحظة سقوطه شاءت لنا الأقدار أن نحلم بالحرية والخير والأمان. 

- سنين قليلة مضت وجدنا من انتخبناهم بالطرق الديمقراطية غرقوا في الامتيازات والهبات والعطايا ومنح مادية تفوق التصور. 

- استنزاف ميزانية الدولة ... تخبط في العلاقات الخارجية ... فراغ أمني شنيع وافتقار للأمن والأمان..... انخراط بعضهم في سياسة الذبح والقذف والسب والشتم والنفخ في نار الطائفية المقيتة... ظهور تحركات حزبية يشوبها القلق... تمرد بعض الأحزاب الحاكمة وتعالي صيحات الانفصال .... 


تساؤلات في الحقل التربوي, تبدو كأسئلة اختبار تعقب أو تسبق الدخول في مركز من مراكز التنمية البشرية أو الإرشاد نفسي أو التربوي: 

- كيف توقد شمعة؟

- كيف ترسم على وجه طفل ابتسامة؟

- كيف تستقبل الفرح وتبعد الأحزان؟

- كيف تتجنب الجبان والجاهل؟

- كيف تخرج شخصًا من ظلام دامس؟

- كيف يصدّق الأطفال أن الشجرة التي يلعبون تحتها أنت الذي غرست بذرتها؟ 

الجواب: ببساطة يتحقق بالمصالحة مع الذات والآخر, سواء آكان الضمير أم النفس.   

- إن عرفت كيف ومتى يكون الإحساس الذي يكنس الخداع والكذب عن الذات المسحوقة هو العلاج الوحيد لك.آنذاك يمكن القول إنك قد أدركت الشعور بالجمال في أرقى صوره, وهو حب الذات والآخر.


هناك تساؤل فلسفي عميق, من والد السارد في مدوّنته, عن الهدف من وجود الإنسان وسبب تكوينه, ليكون الجواب أنه لا بد للإنسان من أن يأتيه يوم تكون فيه الحاجة للابتعاد عن الأوساط المثالية والتواجد وسط الواقع لإثبات الذات الإنسانية فينا. لذلك كان في مغادرة الآخر للسارد تحرّرًا من وهم مستحيل لا يتحقّق أبدًا, وهو أن الإنسان لن يكون ملاكًا أبدًا, وإنه إن حدث ذلك سيفقد الهدف من وجوده, وسيخلّ بتكوينه, وهذا لن يحصل أبدًا, إذ لم نجد في العالم قديمه وحديثه من تحوّل إلى ملاك.


وتساؤلات ميتافيزيقية لا جواب لها عند البشر :  

- لماذا تغدر بنا الحياة؟

- ما السر من وجود الحلم ما دام الموت نهايتنا؟  وكأنه يسأل ما الجدوى من الحياة طالما سيكون الموت نهايتنا.

- من يمتلك القوة على الموت ؟ 



4-المدخل التقمصي والاستنباطي :Inference and Empathy Theory: 

وهو مسلك يلجه الناقد أو المتلقي من خلال نفسه, بالمقارنة الحركية والحسية التي تحدث بالتوازي مع الكاتب للحالات المتشابهة بين الكاتب والناقد، فأحداث الحياة كلّها متشابهة, وكلّ ما فيها معاد حسب الرؤية الذرائعية, التي تنظر للوضع الحياتي من خلال العبارة التالية - نحن في زمن لم يبق فيه قول لم يقل أو حدث لم يحدث - فحوادث الإنسان تنعكس على تصرفاته و حركاته وتعابيره الفيزيائية الخارجية, وهو إسقاط نفسي على الآخرين, يحسّه الناقد الذرائعي من خلال ذلك المدخل, ليسجّل كلّ ما يراه بالتقمّص, ومنها يستطيع الناقد أن يتقمّص شخصية الكاتب من خلال تلك الأحداث, وقد قدّم العالم بروب نموذجه( ) (الوظيفي) المقترح الذي يختلف عن نموذج  (الحوافز)، لأنه يحتوي عناصر ثابتة وأخرى متغيرة. فالذي يتغيّر هو أسماء الشخصيات وأوصافها، والثابت الذي لا يتغيّر هو أفعال الشخصيات ووظائفها التي تقوم بها. (فالوظيفة هي عمل الشخصية. وقد استنبط بروب من مائة حكاية روسية (إحدى وثلاثين) وظيفة أصبحت منهجًا للدارسين من بعده، وهذه الوظائف ليست كلّها حاضرة على الدوام في كل قصة، ولكن أية قصة لا بد أن تحوي عددًا منها، مرتبًا حسب ورودها....ويتوصّل إلى فكر الأديب من خلال ذلك, ويسجّل الحكمة والموعظة والميول النفسية والذاتية للأديب. كان هناك العديد من هذه الحكم والمواعظ منها:

- اختفاء العواطف يساعد ظهور الكراهية 

- عليك الإصغاء وتقدير  النصح

- - الصمت يفتح أبواب الغضب

- لا يأتي التميز إلا بكبح  جماح النفس وإسكات رغباتها , وسحق الرذائل والشهوات والدوس عليها بشجاعة وعزيمة, عندها فقط تتصالح الروح مع الجسد, وتصير كل الرؤى التي تغشاكَ متزنة الأبعاد واضحة المعالم . 

- كن أكثر إشراقًا, لا أريدك كسولًا, انتبه من التساقط على قارعة الطريق واحذر المراء أشد الحذر 

- لا تنزلق مثل انزلاق الحجر العنيف من أعلى أنف غرورك لتعاني سقوطًا عموديًّا كما سقط بعض أقاربك في هوة اللاعودة. 

- فقط كن أنت َ الذي أعرفه لا أكثر.

- التاريخ لا تختلف أهميته عن أهمية الحاضر والمستقبل, والتاريخ من صناعة المخلوق, والمخلوق عقله ناقص أمام صناعة الخالق. 

نصائح الربان للطاقم: 

- لا تحرثوا في الملذات فالبحر لا يخلو من الموت أحيانًا.

- عليكم العمل بطريقة الفرد جماعة .. والجماعة فردًا.

- النوم يبعد الشحوب.

- الكتمان ميزة الرجال والحكمة ثوبهم.

- الأيام سفر في صحبة الأقدار, تمنع أحيانًا الأمل وتعطي أحيانًا.

- المغامرة طيش مبرر


5-المدخل العقلاني أو التوليدي:Mentalism Theory 

الناس درجات في الفهم والاستيعاب, فمنهم من يفهم من الوهلة الأولى في حين هناك من يحتاج إلى التكرار بالعرض، فنظر تشومسكي بعقلانيته مادية  علمية للاكتساب النصّي، فلا يمكن أن يدخل العقل زائر معرفي، إلا ويكون متكئًا على أحد عناصر تلك النظرية، تحتوي تلك النظرية الفكرية على عنصرين مهمين, وهما عنصرالملكة المعرفية  Competence ، وتعني الموروثات المعرفية المكتسبة أصلًا في ذهن المتلقي من معارف مسبقة طبيعية او مكتسبة ، قد تعلمها بالقصد أو بالدراسة والتربية، أو بالبداهة السلوكية والاكتساب المعرفي، وتلك المعارف ستكون ساندة عقلانيًّا للمتتبّع العلمي، سواء أكان متعلمًّا أو معلمًّا أو ناقدًا أو متلقيًّا، أمّا عنصر النظرية الآخر فهو مهمٌّ جدًّا، كبوابة للعقل في العرض لما اكتسبه من المعارف، وهو عنصر العرض التنفيذي (Performance) أو الإنجاز، وهنا يقوم الناقد بالتبحّر في النقد من خلال تلك المعطيات, وحين ينجز مهمة جمع المعلومات ووزنها, يقوم بعرضها أو نشرها من خلال تلك البوابة الفكرية العقلانية, ويغني ما لديه من أفكار بالخروج خارج النص من بوابة التناص (texuality) الواسعة نحو أفق المتوازيات.  


وهذا المدخل يهتمّ بكلّ ما يتولّد من فِكَر وأحداث, فهي قليلة بالنسبة لسِعة الحياة وامتدادها, فحين يلج الكاتب عالم الأدب لابدّ وأنّ له تجارب مرّ فيها, وهي تجارب مرّ فيها الناس من قبله، فالواقع الافتراضي هو عالم استنساخي للواقع الحقيقي وصورة مزينة له يزوّقها الكاتب لتكون محبّبة للمتلقي، فما يكتبه الأديب هو مأخوذ من تجربة ثلاثية تتكوّن من ثلاثة عناصر كما تراها الرؤية الذرائعية، وتلك الثلاثية تتحكم في قلم الكاتب وتوجّهه نحو خدمة المجتمع بالمنطلق الذرائعي – إن الأدب  هو عرّاب للمجتمع- وهي:

أحداث الحياة الحقيقية : نحن نحتاج تجارب الحياة لنعكسها على الأدب, فطبقًا للذرائعية نحن في عصر لم يبقَ فيه شيء لم يُقلْ أو حدث لم يحدث, وعلى ذلك هناك الكثير من القصص التي حدثت مع البحّارة منذ أن خاض الإنسان غمار البحر, وشهد هيجانه, وتقلّباته السريعة, في مغامرات خطرة, وأخرى ساحرة   تتناص معها هذه الرواية, كما أن هناك الكثير من الناس الذين لهم شركاء في دواخلهم, تتشابه قصص تشابكهم مع هذه الرواية, أعترف أنني واحدة منهم. 

  

وتجارب الكاتب الشخصية: الكاتب أصلا بحّار وعمله هذا سيرة ذاتية لأحداث حدثت معه في رحلة, وهذا ما يميز هذا العمل الأدبي, حيث أن الرواية كتبها البطل ذاته. 

والتجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها: تناص مع رواية الشيخ والبحر (أرنست هيمنغواي),  الشراع والعاصفة, حكاية بحار ( حنا مينة),


ثالثًا- المستوى الأخلاقي Moral Level

إن المجتمع مهما تكن درجة تمسّكه بالخلق الكريم، لن يكون أبدًا مجتمعًا من الملائكة، وإن الشرّ كان ولا يزال وسيظلّ موجودًا في كل مكان  يوجد فيه إنسان، بيد أن الحقيقة لا تكون مسوغًا للعمل ( )على تحويل الناس إلى شياطين، ومن جهة أخرى فإنّ القضاء على الشر قضاءً كاملًا لهوَ ضرب من المستحيل، بل لابدّ من العمل على محاصرته في أضيق مكان ممكن، وإذا كان هناك تعارض بين الخير والجمال، فلنقل بين الدين والأخلاق من جهة، والأدب والفن من جهة أخرى، فلماذا ينبغي أن تكون الأولوية للأخلاق على الأدب...؟ والإجابة سهلة وهي أن الشرّ يسمّم الحياة ولا يبقي معه مجالًا للاستمتاع  بأيّ شيء، وإذا طلب من الأديب الإقلاع عن الترويج للشرّ والفساد في عمله، يستطيع أن يجد موضوعات أخرى لا تحصى يبدع فيها أدبًا يُستَمتَع به، فلا هو إذًا ولا القرّاء سيفوتهم ما ينشدونه من متعة، أمّا إذا تركنا الأدباء المنحلّين يغرون بالفاحشة ويعملون على نشر الإباحية، فلن يمكن تدارك الأمر بحال من الأحوال، فإن تماسك الأمم وقوتها الأخلاقية أهم مليارات المرات من متعة فنية تجلب وراءها التفكك الأخلاقي والانحرافات النفسية والآفات الإجتماعية ...إذًا لابدّ من خلفية أخلاقية تصون الأدب من الانحراف وتحارب الإسفاف والتحلّل الأخلاقي في الأدب .....وهذا ما تدعو له الرؤية الذرائعية بمستواها الأخلاقي المتمثّل في :


1- البؤرة الفكرية الثابتة أو التبئير الفكري Static Core:

 

وهي مدخل أخلاقي يجد الناقد فيه نوع العمل الأدبي و محتوياته الأخلاقية الثابتة, لذلك عملت الذرائعية بالتبئير بالأدب من أصل كلمة (أدب) لغويًّا- أدُبَ الرجلُ حسُنت أخلاقُه وعاداتُه الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والحسب، وأدُب الكاتبُ حذَقَ فنون الأدب وأجادها أدُب في حديثه-

وما اهتمام الذرائعية إلا بالنواحي الأخلاقية التي تتضمنها أدوات الشاعر أو الكاتب التالية:

أيديولوجية الكاتب:

التي تتلخّص في ذهن المتلقي وكأنها العبرة التي يسوقها الكاتب في هذا العمل:  الإنجازات العظيمة لا تتحقق في عتمة الوحدة والأنانية, وإنما تتحقّق بالمشاركة مع الجماعات الإنسانية على اختلاف انتماءاتهم و ثقافاتهم و مستوياتهم الاجتماعية, تتحقّق بالعيش مع الآخرين وقبولهم كما هم مالم يكونوا طغاة أو أعداء محتلين, الإنجازات الكبيرة لا تتحقق إلّا إذا كان الإنسان حرًّا متصالحًا مع نفسه, مؤمنًا أنه إنسان يخطئ ويصيب, ليس شيطانًا وليس ملاكًا, متحررًّا من كل العلائق التي تحاول أن تعيش على ذاته,  من كل  يحاول أن يخترق إنسانيته, سواء أكان ملاكًا أم شيطانًا, أو حتى نصفًا آخر. هذا النصف الآخر سيغادر عندما يملك الإنسان الشجاعة الكافية لطرده, ليدرك حقيقة نفسه, وما القلق الذي سينتابه بعد ترك هذا الآخرله إلا خوف من الفقد بعد اعتياد طويل, العمل الدؤوب كفيل بتبديد ذلك القلق, ليحل محلّه سلام وسكينة ورضا بتحقيق أحلام لجَمَها الخوف طويلًا.

 

( إن ما يسمى نصفي الآخر فارقني... هو عن وعي أو لا وعي تجاهل فكرة كوني ببساطة مفرطة إنسان, وليس من حق أي كان أن يجردني من إنسانيتي ويلبسني ثياب الملائكة أو الشيطان, رغباته في إصلاحي لا جدوى منها, يذكرني بحقيقة وجودي .... ولا أبالغ لو قلت لم يصل بعد هو أو غيره كما وصلت أنا إلى معرفة أن بين محاجر العيون موت مأمور أعمى لا يجرؤ على عزل الفضيلة عن الرذيلة. ... كانت نظرتي الحمقاء تبعدني عن الواقع, صرت ميالًا إلى السير على أطول طرقات الوحدة... كياني المزدوج تعقّد).

       

استراتيجية الكاتب أو الشاعر الأخلاقية العامة التي تتطابق مع المسيرة الإنسانية والأخلاق العربية الإسلامية:


أعلنها الكاتب صراحة, لا يؤمن بأخلاقيات الغرب, ولا يقرّ تربية الأطفال الخالية من الصلاح عند الغرب, ويعلن أنه ينتمي لمجتمعه الشرقي الذي يقرّ أن الأخلاق هي أساس بقاء الأمم, لكنه في الوقت نفسه يشكك بالوسائل المشبوهة التي وصلت عبرها هذه الأخلاقيات, منصفًا الغرب باعترافه بفضله بالعلوم والعقل الذي أنتج الكثير من المنجزات الحضارية التي عم خيرها كل العالم الشرقي والغربي على حد سواء, ولا يقوم العلم إلا على أسس وقيم إنسانية, أهمها التواضع والصدق والإخلاص والعمل الجاد.    

( لا أؤمن بأخلاقيات الغرب, ولا أرى صالحًا في تربية الأطفال عندهم, الذنب ليس ذنبي, هو ذنب من تربيت معهم, جذّروا في مفهومياتي إنما الأمم الأخلاق ما بقيت... الأخلاق يقصدون بها أخلاق الشرق, .. حكمهم المعادي هذا كان نتيجة لما تسرّب إلى مشاهداتهم من سينما الغرب وقراءة بعض المجلات وأحاديث تشبه الخرافات عن الآخر. وتلك مقارنات سطحية بسيطة لا تصمد أمام العقل الذي حقق المعجزات في غرب مؤسس على الكثير من الأخلاق والقيم الإنسانية).  


الأفكار العامة ونوع الرؤى التي يطرحها الكاتب أو الشاعر:


والتي يتوجّب أن تكون مفيدة للمجتمع, والخالية من جميع الأفكار السلبية المستوردة المنافية للأخلاق العربية والإسلامية, لقد طرح الكاتب الكثير من الأفكار ولا مجال لحصرها, وكلها تنصب في البوتقة الصالح المجتمعي, تكلّم عن سوء الإدارة في الشركة الوطنية التابعة لها الباخرة تراتشي, وعن الفساد الإداراي والمحسوبيات فيها, وعلى صعيد المجتمع, رسم العلاقة بين الفرد والآخرين, التسامح بمقدار, مناهضة الخمول والكسل, تجنّب الخوض في معترك السياسة لأنها نفاق لا طائل منه, يبدي غضبه من ممارسات خاطئة في المجتمع يقوم بها الأفراد والسلطات, السرقة, والفساد ونهب المال العام, انعدام الأمن, الاعتقال التعسفي, وحوادث التفجير والتفخيخ, والخطاب الديني المتطرف, الصراع الطائفي الذي كان نائمًا فأيقظته أذرع الشرّ, كما أيقظت الفتنة التي نامت من دهور, يؤكّد الكاتب أنّ كل هذه المفاسد والمرتكبات تصبّ في مصلحة قوى خارجية عدوّة, مصالحها فوق مصلحة البلاد, وفوق إدراك جماهير الشعب البائسة. 

( بالطبع نادرًا ما أفكر بالمسامحة, ولكن إن ظهرت فرصة أغتنمها, علاقتي مع الآخرين أرسم حدودها الشخصية, ولا أحب العبور عليها إلا في بعض الاستثناءات  وهي قليلة, رغم رفضي الخوض في معترك السياسة, صرت دائم الغضب من كسل بعض الذكور وجبنهم, ومن طمع السرّاق وخبثهم, من القتلة, من الغباء والخسة, من فقدان السيطرة على المال العام, من بلاهة البعض في الاشتباه بالأمكنة والأشخاص, من وجود المفخخات والأحزمة وهي تُصنع في بعض دور العبادة, وتنبعث كصراع قديم يتجدّد يُراد منه تحقيق مطالب خارجية أكبر من حدود البلاد وتفكير أهلها).

عندما تحدّث عن (دبي) وشاهد مظاهر الفسق والإباحية في شوارعها, في حين    خلت مكتبتها العامة من الكتب الثقافية التي كان يبحث عنها! سأله الربان: " لا أعتقد أن ما رأيناه هو حقيقة مدينة الأحلام؟", أجابه :" يبدو هناك من يفرض عليهم هذا الانحلال". 



2-الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة :Theme or Moral Background:

الأدب أنقى نتاج إنساني يغسل النفوس ويطهر الأرواح من أدران الخطأ، والرؤية الذرائعية أول رؤية نقدية نادت بالأدب الأخلاقي كظهير ساند للمجتمع, ومن منطلق التمركز الذرائعي المبني على (القرآن الكريم) والذي ينبذ العنف والظلم والطبقية والفئوية والمذهبية والعرقية وكل شيء مناف للأخلاق والسلبية, فالذرائعية إذًا تتبنّى مبدأ التعويض الأخلاقي وملاحقة الجريمة doctrine of compensation)) والحفاظ على المنظومة الأخلاقية العالمية, وحريات الناس من التصدع والانهيار، وتشجيع الأدب الرسالي التربوي الذي يبثّ السلم والوئام والحب والأمن والأمان بين الناس, عن طريق الأدب كظهير للمجتمع والنقد عراب للأدب....

لقد كان هذا العمل ظهيرًا للأدب الرسالي الذي حوى الكثير من الرسائل الإنسانية التي تدعو إلى احترام الإنسان كإنسان, كما خلقه الله, بكل ذلّاته وخيراته, بغض النظر عن لونه وعرقه أو جنسيته أو معتقده أو وضعه الاجتماعي, لطاما كان ( الدين المعاملة), استشهد بموقف جاء في الرواية بين البحار وبين محمود العربستاني في ميناء  مهاشير (بندر إمام الخميني) عندما أراد البحّار أن يَنْقدَه ثمن ما أحضر له, فردّ عليه محمود العربستاني: 

- من فضلك لا تتعامل معي كما لو أنك تاجر وأنا الفقير.

- أسحب كلامي وأعتذر....

- هذا كلام الأخوة.. 

من أجل الناس النقية نشعل الروح, ما زال في الأجساد أجنحة.

ربط بين الإنسان والمجتمع, ولم يكن ربطه قائمًا على الحقوق والواجبات, وإنما أقامه على القيمة الاجتماعية التي قمت منذ القدم, وتُوارَثَتْ عبر الأجيالأ , نعم هي العادات والعرف والتقاليد, على الرغم من المواقف المتباينة اتجاهها, إلا أن الكاتب يحترمها, من باب أنها محفوظة في دواخلنا, ركيزة ثابتة, قد تهتز عند الحدث الجلل, عند لحظة الغدر:

" الطبيعة الإنسانية تميل إلى الثبات على القيمة الاجتماعية الأزلية, رغم نفورنا منها أحيانًا, كثيرًا ما نميل فيها إلى اللامعقول. إلا أننا نبقى على تحفّظ في دواخلنا, لا يُكشَف إلا بعد الشعور بالخيانة أو الخداع, وهو ما يُسمى بالماهيات الشخصية.   



  

رابعًا – المستوى الحركي في التحليل  Dynamic  Level

ويعتمد المستوى الحركي في النص الأدبي على حركة الرموز ودلالاتها ومدلولاتها, ويضمّ علم الرموز الكثير من فروع اللغة وبخاصة علم الدلالة بالإضافة إلى( ) النحو والأسلوب، كما إنه يعدّ من الناحية الدلالية وحدها أعم من علم الدلالة, لكون علم الدلالة يهتم بالرموز اللغوية فقط، بينما علم اللغة  يهتم بالعلامات والرموز لغوية أو غير لغوية ( )، وبتلك المحطة تتمّ تصفية جميع الدلالات (الدال والمدلول والمفهوم والعلامات) والقيم بالغوص في مكنونات النص المخبوءة عمقًا في المحتوى الداخلي للنص وظاهره، ثم تحليلها بذرائع مناسبة وأسباب ومسبّبات ونتائج طبقًا لعناصر التحليل الذرائعي, حيث يتمّ تحليل جميع المفاهيم المؤجلة(prospective meanings) والبنيات الفنية والجمالية والبصرية واللسانية والسلوكية تحت مسمّياتها، تحت هذا العنوان، أو بشكل منفرد ثم الإشارة إليها, و ذلك متروك لترتيب الناقد لرؤيته النقدية بعد استيفاء جميع المداخل كفايتها من التحليل....

ومن تلك المحطة، ينطلق الناقد المتبصر بمجريات النص الداخلية وملاحقة حلقات الأفكار المتصلة فيما بينها بالتحليل وهي تتسع في حلقات النص المتتابعة, وجمع الأفكار، واللهاث خلف الدلالات والرموز والأفكار المتعاقبة والمكمّلة لبعضها، فيسلك سلوك صياد اللؤلؤ، كلما غاص عميقًا كان صيده وفيرًا ودسمًا، لذلك يعثر على الأفكار المتدرجة، والتي لا تفضي للتناقض، فلو كان الأديب صاحيًا لما يُكتب رمزيًّا من دلالات، فتقتضي حتمية الوعي النصي، ألّا يقع في شرك التناقض في الأفكار في نص واحد داخلي، بل يكون التلاحق النصي يسير بين مسلكين متوازيين, و بحبكتين كما يحدث في النصوص المدروسة رمزيًّا، الحبكة الأولى إخبار صريح، والأخرى دلالية مخبوءة، وهذا معنى ما يقصد بكسر التوازي بين الحبكتين، الذي يقود نحو التصادم الفكري فيما بينهما، ونحن نسمّيه بالتناقض الفكري، فالاستمرار بتحليل جزئيات النص يقود نحو الخروج من النص نحو صحراء العدم، وهذا شيء مناقض للواقع العلمي المادي ودخوله في ميتافيزيقيا الأشياء اعتباريًّا، فالنص شيء من تلك الأشياء، فلا شيء يفضي إلى العدم ولا شيء يخلق من العدم، وإنّما ممكن أن تتغيّر الأشياء، وتتحوّل من حالة إلى أخرى، حتى الإنسان، طينًا ثم لحمًا ودمًا, وبعدها يعود إلى الأرض طينًا من جديد  ....

ندرس في هذا المستوى :

1- البناء الفني:

بمفاصله التالية: 

العنوان: المفتاح الذي يفتح الرواية في البعدين الدلالي والرمزي

النوتي: هو الملّاح الذي يدير السفينة في البحر. هذا بالتعريف القاموسي

وهو الاسم الذي طرحه عليه نصفه الآخر ليكون اسمًا للمكتبة المزمع إنشاءها في المركب. 

- أيحتاج النوتي إلى الكثير حتى يعرف معنى الخلاص؟

- ماذا تقصد بالنوتي؟ 

- ألا تعرف؟

في منتصف الطريق وقف ونظر إليّ وأضاف:

- هو عنوانك المثير للدهشة.

- ولكن ما معناه؟

- هو البحار, هو الملاح, هو القائد. 

عنوان جاذب ومشوّق وُفِّق الكاتب بانتقائه. 

المقدمة والاستهلال: 


كما ذكرت سابقًا, كانت مقدمة العمل تعريف بشخصيات الرواية, بطريقة فنية مثيرة للاهتمام قدّم الكاتب بعض ملامحهم وصفاتهم, طريقة تثير مشاعر المتلقي, وتدفع به إلى متابعة القراءة, معلومات يسوقها الكاتب كأضواء خافتة تنير الطريق إلى مخبوءات العمل الأدبي التي ستتجلّى أمام القارئ بالتدريج كلما توغّل بالقراءة... 

لكن الكاتب استغرق في مقدّمته, وجعلها على قسمين, على اعتبار أن الشخصيات المحورية اثنتان, الكاتب ونصفه الآخر, القسم الأول عنوَنه بتعريف من مبتدأ وخبر (الآخر أنا) ليزيد من حيرة المتلقي, وليزيد من التشويق, ليلتبس عليه الأمر, مَنْ هذا الآخر؟ ولماذا يؤكّد السارد أنّه هو؟:

( دفع الباب ودخل غرفتي متأبطًا ذراعيه وقف أمامي يسألني: ماذا تفعل؟...)


ثم بدأ بتقديم بعض ملامح السارد, بالتدريج: شخص يعاني من ألم أسفل ظهره, كاتب وشاعر وله أعماله الأدبية, تتناوشه اتجاه الكتابة مشاعر كثيرة, قرار بالتراجع عنها وشعور باحتياجه لها, منعزل وحيد, بحّار يحيا فوق عالمه الأزرق, يعشق الأنثى, يكثر من الشراب المسكر, حزين يشتاق إلى الضحك, يأخذه الخيال بعيدًا عبر رحلة في الذاكرة, وكذلك الحنين إلى الطفولة والشباب, انعزل عن الخيال والكتابة مرغمًا سنوات أكلت شبابه, ثم عاد إليها ذات صباح في الباخرة تراتشي فوق بحر الخليج المالح, فكانت النتيجة النوتي, يدين بالفضل في ظهوره إلى نصفه الآخر-النصف الموجود فينا- يقدّم نصفه على هذه الشاكلة: (نصفنا الموجود فينا, ولكن الفرق هو أن بعضنا يستطيع إظهاره متى شاء, وأنا لا. وهل بالإمكان الفصل بينهما؟ الحقيقة أبعد من ذلك بكثير)  ويرغب بالتحرر من نصفه الآخر, كيف صار الآخر-هو-؟ عندما تجاهل الحاضر في استحضار الماضي وتطويره خيالًا ليبعد عن الواقع وهو يبحث في داخله عن الأمل في عودة الآخر-هو- وكانت تلك حكايته.


القسم الثاني : الحياة وغيرها( الليل .. النهار) تكلم فيه عن الآخر الذي دخل حياته في السادسة, أصوات ووشوشات في المنام, مرض منها, تميّز منها صوت خافت:" لا تخف, أنا أنت" لازمه طوال حياته الشخصية. يجرّده من التواصل مع الناس, يغير ملامحه, يظهر من الباب والجدران, وقد يأتي من المرآة, يحتل نصف جسده, يتشكّل بشكله, متقلب بتصرفاته, مستفز, لا يتركه أبدًا, يعترف أنه يخطئ ويصيب كما الآخرين( فهو إذن ليس قرين), حدّثه يومًا عن مكاسب العيش شريطة أن يكون الإنسان وحيدًا, يريد التحرّرمنه, له قدرة كبيرة على الظهور والاختباء فجأة, يسيطر عليه ويطلب الاحترام والطاعة... 

 

الزمكانية:

أحداث الرواية الحقيقية تبدأ حوالي العاشرة أو أكثر بقليل من صباح يوم الأحد أوائل ألفين وخمسة عشر, واستمرت عدة أشهر, هذا هو الزمن العام للرواية, والمكان الباخرة تراتشي الراسية على رصيف الأم, والكاتب على أبواب الخمسين, الباخرة متنقلة بين موانئ الإمارات ( جبل علي- الشارقة – الحميرية ..........), وقد سبقه تمهيد امتد على حوالي 100 صفحة تحدّث فيه الكاتب عن مرحلة الطفولة والشباب السابقة لأحداث الرواية, وتجواله بين مدينته ( مدينة المنعزلين ) كما أسماها, الموانئ التي زارها وعاش فيها وقتًا كالاسكندرية وطرطوس, والموانئ الأخرى, وأول تاريخ ذكره فيها التحاقه بأول باخرة صباح أحد أيام صيف أواخر الثمانينات, وكان الكاتب في بداية العشرينات. 

       

التشابك السردي أو الدرامي (الصراع الدرامي):

تنظر الذرائعية السردية نظرة علمية في إيصال الرسائل من السارد إلى المجتمع, بتكوين ثابت وعنوان لصندوق بريدي ثابت، هو ذهن المتلقي وتفكيره, كما سيوضّح ذلك المثلث السفلي من الشكل, ليكون هذا الصندوق الثلاثي ثابتًا يحمل في داخله جميع الوظائف التي أناطها النصّاص كي تكون دوال حتمية تحمل مدلولات و مفاهيم عامة وخاصة، تساهم في عملية التوصيل المشفّر لتحقق الرسالة مبتغاها الأصلي والواقعي، حين تنفلت من هذا الصندوق وتستقر في ذهن المرسل إليه (المتلقي أو الناقد)، فالمثلث (و ج ب ) يمثّل خزانة الصراع المفترض بين الخير والشر والعلاقة التناقضيّة بين مفهومين متناقضين يتطوران بالتوليد من محور التوليد (ب ع) محور الأحداث, الذي يُهاجَم من جهتيه بضغوط (شخصيات) سلب وإيجاب، يقابله على محوري التكوين( البحار) والمعارض  (الآخر)، كفعل ورد فعل منهما لتكوين الأحداث المتتالية، حتى تملأ جنبات المثلث من قاعدة الصراع المعنون حتى قمته نقطة التقاطع(ب) لجميع تلك المحاور، تسكنها العقدة وهي التي تحمل واقعًا سلبيًّا كنتيجة للمسببات في الصراع  بين السلب والإيجاب،  فتفرض دلالة التأزّم نفسها على واقع التشابك السردي، وتساهم مساهمة فعلية في قلب الصراع من تشابك سلبي نحو حلّ وانفتاح إيجابي باتجاه النهاية بنتيجة سلبية بذريعة إنسانية حتمًا, وبنظرة ذرائعية، وهي درس إنساني يستفيد منه المجتمع بعد نقله من حيّز الواقع المادي إلى حيّز الواقع الإنساني الحقيقي، ليؤدي النص وظيفته الإنسانية المفترضة كما في الشكل التالي:

عناصر التشابك السردي: 

1-الموضوع:  قيمة الإنسان الفعلية وتطوّره وتقدّمه في الحياة يكون في عيشه وعمله مع الجماعة.


2-الحبكة: 

نعني بالحبكة تسلسل حوادث القصة الذي يؤدي إلى نتيجة، ويتمّ ذلك إمّا عن طريق الصراع الوجداني بين الشخصيات، وإمّا بتأثير الأحداث الخارجية، ومن وظائف الحبكة إثارة الدهشة في نفس القارئ، والحبكة هي المجرى العام الذي تجري فيه القصة, وتتسلسل بأحداثها على هيئة متنامية، متسارعة، ويتمّ هذا بتضافر عناصر القص جميعًا، ويجب أن تكون الأحداث مرتبطة بمبدأ السببية, بالرّغم من أن بعض الكتاب يعتمدون على عناصر أخرى في رسم الأحداث المفاجئة، مثل استلهام تدخلات عامل الصدفة، وهذه وسائل يمجّها الذوق الفني الرفيع، ويلجأ إليها الكتاب السطحيّون، والحبكة نوعان:

1- نوع يعتمد فيه على تسلسل  الأحداث. 


٢-  ونوع يعتمد فيها على الشخصيات


الحبكة هنا منطقية, أحداثها مرتبطة بمبدأ السبيبة,  تعتمد على تسلسل الأحداث, وهي على نوعين:  

حبكة مخبوءة : سيرة ذاتية لأديب وبحّار كتب معظم أعماله وهو يجوب البحار, على ظهر سفينة,  يحمل ألمًا أسفل ظهره تعايش معه, كما يحمل نصفه الآخر والذي لم يكن بأي حال لا ملاكًا ولا شيطانًا, بل كان نصفه الذي تسلّل إليه في عمر السادسة ( في عمر التمييز), ويحضّه على العزلة بذريعة كسب العيش, الذي لا يتحقق إلّا إذا عاش الإنسان وحيدًا, صراع ينشأ بينهما, كان قبله يجوب البحار ويحيا حياة رغدة في الموانئ, يعاشر نساءها مزهوًّا بشبابه وفحولته, يرضخ البحار لنصفه الآخر في البداية, يعيش سنوات كآبة, غريبًا في وحدته وعزلته, يكتب القصص بتشجيع من نصفه الآخر- حب القراءة و الكتابة موروثُه من أبيه- فلا يجد كسبًا ولا تقدّمًا,  يتمرّد على نصفه ويطلب منه أن يغادره, يحصل ذلك فجأة جرّاء كذبة يقولها البحّار تكون مدعاة للعقاب, فيغادره الآخر. 

حبكة ظاهرة :  بحّار يقرر معاودة عمله على ظهر الأزرق, بعد سنوات من اعتزاله, ووحدته بعيدًا عن الناس منشغلًا بالكتابة,  يندمج البحار بالعمل الجماعي مع طاقم باخرة تابعة لشركة وطنية التحق بها بعد أربع سنوات من خروج وانتهاء الغزو الأمريكي للعراق,  الإدارة غير المتزنة للشركة الوطنية تجعل طاقم الباخرة يدخلون في مغامرات بحرية خطيرة كثيرة, متنقّلين بين موانئ دولة الإمارات, بين مخاطر وخيبات ونجاة وانتصارات يحققها البحّارعلى الصعيد الشخصي والمهني, تتكلّل بمكافأته من الربّان بتكليفه بإنشاء مكتبة في الباخرة يكون هو المشرف والمسؤول عنها, يطلق على المكتبة اسم النوتي.

    

3-العقدة : 

عقدة مخبوءة انعقدت بدايتها عندما قرّر البحّار تجاهل نصفه الآخر, والتحرّر من سطوته, مقرّرًا أنه لن يكون ما يريده منه, ولن يكتب بالمواضيع القلقة والمثيرة التي يقترحها عليه, لأنه وجد أن الحياة قصيرة ولا يريد أن يكون عابرًا عاديًا فيها مثل غيره, سأله نصفه الآخر سؤالًا عن مدى انتصاره عليه فأجاب ب : لا, اعتبرها الآخر إجابة كاذبة, تحدّاه أنه من الآن فصاعدًا سيكذب, عندها أعلمه الآخر أنه سيتركه عقوبة على كذبه, وبالفعل تركه, ماشكّل عند البحار قلقًا من احتمال فقدانه إلى الأبد. 

- يذكّركَ القمر بي؟

طفق صوته الكاسر في رأسي يحدّثني:" الحقيقة نعم, أنت تشبه القمر اختفاءً وظهورًا" ولكني المنتصر هذه الليلة.. 

قلتُ مشاكسًا :

-لا 

- ما عهدتكَ تكذب!

- بدأتُ الكذب منذ الليلة.

- لست نصفك بعد الآن.

- ماذا؟؟ 

- سأتركك..

- إلى أين؟

-......

- أينك؟!

-........... 

لم أجد له أثرًا.    

4- الانفراج: 

تخطّى البحار قلقه على نصفه الآخر بانشغاله بالعمل على ظهر الباخرة نهارًا, وبالكتابة ليلًا, كتب الكثير على أمل أن يظهر الآخر, حاول فعل كل الأشياء التي تثير حضوره  لكنه لم يحضر,  صرخ من قلبه: "لا " صرخة أخذته إلى الطفولة, ذكّرته بفقدان أبيه, ( فقدان الآخر في مقابل  فقدان أبيه)  وهو ( رجل يشبه الطفل في مقابل ربان يريد الوصول إلى بر الأمان), هكذا تحرّر . 

( أقف أمام المرآة, أحدث الفوضى في صورتي عله يجيء ولا يأتي..... صرخت من القلب " لا" صرخة أخذتني في طريق بدأت فيها طفولتي, ..... تلك الليلة ذكرتني بفقدان أبي ! رجفت لم تكن لدي فكرة لماذا أذهب إلى هناك؟ صرت بقايا قلعة مهجورة ..... ,  قمر يحترق , قلب أعزل, رجل يشبه الطفل, وربان يريد الوصول إلى بر الأمان...)


5- النهاية: 

وهي النقطة التي تنتهي عندها كل الأحداث، وتستقر عليها الحلول, ولا يقع خلفها أي حدث آخر، فهي البوّابة النهائية التي تغلق جميع الأحداث، وتقرّ استتباب الأمن، والنهاية التي تحدّد معنى الحدث، وتكشف عن دوافعه وحوافزه، لأنها تكون مجمّعًا للحدث القصصي، يتحدّد من خلاله الموضوع الذي أراد الكاتب أن يعبّر عنه، وليست النهاية عملية ختم لأحداث القصة فحسب، بل هي تحوي لحظة التنوير النهائي للعمل القصصي الواحد المتماسك، ومن خلالها يقع الكشف النهائي عن أدوار الشخصيات وانعكاس أدوارهم على المجتمع.

ما زال الألم أسفل الظهر يرافق البحار, لكن وجهه كان طافحًا بالفرح والأمل برؤية الأرض, وتساؤلات تتناسل من رأس البحار, تستعرض ملذاته في الحياة, فيعرض عنها, يستصغرها أمام لحظة مباهاة يفاجئنا بها, فهل تتحقق؟ ومن ينتصر فيه الكاتب أم البحّار الذي يلازمه الألم أسفل الظهر؟ أم كلاهما معًا؟ نهاية مفتوحة على سؤال من أمل على مدى إقبال بحّارة الحياة وتزاحمهم بصفوف منتظمة على اقتناء كتابه (النوتي): 

(يتناسل التفكير, " ماذا أفعل؟", مسرح الحياة كبير, " وما ينتظرك؟", نساء ؟ مطر؟ مال؟ مشاهد جميلة ولقاءات أجمل؟ , " أهذا ما أريد؟", لا لم يكن منها ما يجذبنيأكثر من لحظة تومض في طريق المستقبل الجديد." عن ماذا تتكلّم؟" , لحظة الحدث الأهم, " تقصد زوال الألم أسفل ظهرك؟", لا , هي لحظة لا تخلو من التسلية والفخر. " ما هي؟" . أفكر في رؤية البحارة يقفون صفوفًا منظمة أمام باب النوتي ينتظرون كتابهم المفضل).

الشخصيات Characters

الشخصية القصصية هي فرد من المجتمع, قد يكون خيالي أو واقعي من الذين تدور حولهم أحداث القص، ولا يجوز الفصل بينها وبين الحدث، لأن الشخصية هي التي تقوم بهذه الأحداث, وقد أكّد كثيرون على هذه الصلة، وينتقي القاص من الشخصيات التي يوظفها للتعبير عن أفكاره وآرائه :

الشخصية محورية رئيسية:

 تتّجه نحوها أنظار بقية الشخصيات، كما أنها تقود مجرى القصة العام, وقد تعوّد النقاد أن يطلقوا على هذه الشخصية مصطلح البطل، وهي في هذا العمل الكاتب نفسه  باعتبار العمل سيرة ذاتية, هو كإنسان وكاتب وبحار. 

أبعاد الشخصية : 

أبعاد جسدية : كهل خمسيني يميل إلى الطول, أسمر الوجه, أشيب الشعر يعاني من ألم أسفل الظهر. 

أبعاد اجتماعية: ابن مدلل لعائلة مثقفة, الوالد يملك مكتبة كبيرة كانت ورثته منه, درس في الأكاديمية البحرية, شاعر وكاتب يحب الخيال, كثير الأحلام, شغوف بالقراءة, يميل إلى فلسفة الأمور, قادر على استنباط الحكم والمواعظ, يميل إلى الوحدة, مغامر وماهر في عمله كبحار. 

الأبعاد النفسية: يعيش في صراع مع نصفه الآخر, يسعى للتحرّر منه, تنتابه نوبات من الكآبة والحزن والحنين إلى أيام طفولته الأولى, وإلى أبيه تحديدًا وسائر عائلته بالمجمل, تسيطر عليه فكرة أن كل مَنْ يحبُّه يغادر, هادئ لا يغضب إلا على نصفه الآخر, وشجاع في التعبير عن رأيه, صامت بالمجمل, يحب الحياة بملذاتها من النساء, يعوّض عن رغبة الجنس بالجهد الذي يبذله بالعمل, يعيش في عالمه الداخلي أكثر وقته, أحيانًا في تهويمات, كثير البكاء, لا سرّ له, لم يستطع التحرّر من عادة غير حميدة, شديد القلق وخصوصًا بعد فراق الآخر, وكثير الأرق.        

الشخصية المعارضة: 

وهي شخصية تمثّل القوى المعارضة في النص القصصي، وتقف في طريق الشخصية الرئيسة أو الشخصية المساعدة، وتحاول قدر جهدها عرقلة مساعيها. وتعدّ أيضًا شخصية قوية، ذات فعالية في القصة، وفي بنية حدثها، الذي يعظم شأنه كلّما اشتدّ الصراع فيه بين الشخصية الرئيسية، والقوى المعارضة، وتظهر هنا قدرة الكاتب الفنية في الوصف وتصوير المشاهد التي تمثّل هذا الصراع.

والشخصية المعارضة في هذا العمل هو ( الآخر)

ليس هناك شخصيات مساعدة, لأنه ليس هناك من صراع بين شخصيات واقعية, لكننا يمكن أن نعدد بعض الشخصيات الملاصقة للشخصية المحورية الرئيسة, كان لها مواقف إيجابية مؤثرة فيها, كشخصية أبي النون (ساهي) مثلًا والتي وصفها البطل بأبعادها وصفًا دقيقًا: 

الأبعاد الجسدية: أحمر الوجه,....   

الأبعاد الاجتماعية: يعمل مساعد ثاني للطباخ, يسهر على تقديم الطعام للبحارة وتنظيف المكان, متزوج وله ولدان وبنت, ثقافته عالية, قرأ امهات الكتب في الأدب الروسي,  

الأبعاد النفسية: شخصية مرحة تحب الرقص والغناء والمزاح, يعتريه قلق من نفور زوجته منه جنسيًّا

نجلاء السكندرانية : شابة رغم ملابسها المتواضعة كانت مليحة رشيقة القوام وجهها مصبوغ بالسمرة يضحك كانت تعمل داخل مطعم يقدم المأكولات الشعبية 

موني : شابة في الثلاثين من عمرها سمراء تميل إلى الحمرة بعينين سوداوين شعرها أسود طويل, لها وشم في أعلى ذراعها الأيسر على شكل طائر 

سالو السورية: مسؤولة الحسابات المالية, والدها(قوتشو) من أصل تركي, وأمها (حياة) سورية, متوردة الخدين, عذبة الصوت بشفتين حمراوين, كانت أيضًا أكبر من السارد بعشر سنوات( اللافت أن معظم من وقع بغرامهن كن أكبر منه بعشر سنوات) 

 طرق عرض الشخصيات:

عرض الكاتب شخصيات العمل بالطريقة التحليلية:

وهي طريقة مباشرة، يعنى في رسمها من الخارج، حيث يذكر القاص تصرفاتها، ويشرح عواطفها وأحاسيسها بأسلوب صريح تتكشّف فيه شخصيته, وتوجيهه لشخصياته وأفكارها وفق حاجته, والهدف الذي رسمه, كما ترد ملامحها الخارجية على لسانه.

يقول عن سمرائه الفرنسية :

 "ولأن الحديث عن الحب سيأتي, لا أستطيع قول اسمها, فقط هي التي كانت تأخذ أشكال الغمام الماطر مرات, والأبيض المارّ سريعًا تحت زرقة السماء.

رأيتها ضاحكة تحمل منديلًا أبيض وتغني بطريقة مطربة عربية شهيرة, كانت تغني بلغتها الفرنسية, تحاول أن تخرج الحروف بلغتي, بطريقة متكسّرة بدأت تنتقل من مقطع إلى آخر دون لحن ولا إيقاع, تريدني أن أفهم أنها تقلّد من كنت أعشق سماعها".

فإذن بقي السارد على شرقيّته التي تأبى أن تدعه يذكر اسم حبيبته لأنه يغار عليها, يذكرنا ب الأغنية الفيروزية(لا تسألوني ما اسمه حبيبي). 

 

تتمة البحث

سفر في مجهولَين رحلة النوتي(حسن البحار) المزدوجة في عوالم الذات والمجهول

د. عبير يحيي


التعليقات




5000