هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الضفاف المشمسة لنهر النسيان *

جودت هوشيار

الضفاف المشمسة لنهر النسيان * 

 

قصة الكاتب الأميركي اروين شو 


ترجمة : جودت هوشيار  


كان هيو فورستر يذكر دائماً كل شيء : تأريخ المعركة التي وقعت قرب نيو-كولد- هاربر ( 31أيار- 12 يونيو 1864) ، وإسم معلمته في المدرسة الإبتدائية ( ويبير ، شقراء ، الوزن 145 رطلا ، بدون رموش ) ، العدد القياسي لعقوبة " سترايك آوت " في مباراة واحدة من الدوري الوطني (30 يوليو 1933 ، " كاردينالات سانت لويس " مقابل " شباب شيكاغو " )، و السطر الخامس من قصيدة (القبرة) لشيلي " تُسيل قلبك الجياش بعفوية في ألحان غزيرةٍ ". وعنوان أول بنت قبلها في حياته ( برودينس كولينود –دار 248 - جنوب شرق شارع المعبد ، وعنوان أول بنت قبلها في حياته  ( برودينس كولينغود – دار 248، جنوب شرق شارع المعبد ، سولت –ليك ستي ، ولاية يوتا ، 14 مارس  1918 ) ، وتواريخ تقسيم بولونيا  ( 1772، 1793، 1795 ) ، وتأريخ هدم معبد القدس ( 70 م )


ويذكرعدد البواخر ، التي إستولى عليها نيلسون في معركة الطرف الأغر(20) ، ومهنة البطل الرئيسي في رواية فرانك نوريس " ماكتيجو" (طبيب أسنان) ، وإسم الفائز بجائزة بوليتزر في التأريخ لعام 1925 ، ( فردريك باكسون ) ، واسم الفائز في سباق الخيل سنة 1923 ( بابيروس)، والرقم الذي كتبه على الصك سنة 1940 (4726) , والحد الأعلى والأدنى لضغط دمه (165/90)،مرتفع ، وفصيلة دمه (0) ، وحدة بصره (+2) للعين اليمنى و( +1,5) للعين اليسرى .


ويذكر ما قال له رئيسه في محل عمله السابق : " الآلة هي التي ستؤدي هذا العمل بدلاً منك  ، وما قالت له زوجته حين طلب يدها :" أريد أن أعيش في نيويورك " .


ويذكر اسم لينين الكامل (فلاديمير إيليتش أوليانوف) ، وسبب وفاة لودفيك الرابع عشر (غنغرينا الساق) ، وجميع سلالات الطيور ، ومتوسط أعماق أنهار أميركا الصالحة للملاحة ، وأسماء جميع الباباوات ، بما في ذلك باباوات افينيون قبل وبعد اعتلالهم العرش ، ومتوسط عدد النقاط في المنافسة بين هاري هيلمان وهينريش جروخ . وتواريخ جميع حالات كسوف الشمس الكلي منذ ارتقاء كارل العظيم العرش ، وسرعة الصوت ، ومكان دفن ج .د. لورنس ، وجميع رباعيات الخيام ، وعدد سكان المستوطنة المهجورة روئوك ، والمدى الأقصى لبندقية براوننج الأوتوماتيكية،  وحملات القيصر في بلاد الغال وبريطانيا ، وإسم الراعي في ( كما تشاء) ، ورصيده النقدي في كيميكال بنك& ترست في صباح السابع من ديسمبر 1941 ( 2367 دولاراً ,58 سنتاً )


   ثمّ نسي ذكرى زواجه الرابعة والعشرين (25 يناير). ففي صبيحة هذا اليوم  رمقته زوجته نرسيس بنظرات غريبة خلال تناول طعام الفطور، ولكنه لم يعر اهتماماً لنظراتها ، فقد كان مشغولاً بقراءة الجريدة . وأخبار الأمس بعثت في نفسه أفكاراً حزينة: " لن يسود النظام هناك في واشنطن أبداً ".


بالأمس إستلم رسالة من إبنه ، الذي يواصل دراسته في جامعة ( الاباما) ، ولكنه دس الرسالة في جيبه دون أن يفتحها . كانت الرسالة في هذه المرة موجهة اليه وحده . وهذا يعني انه يطلب النقود . عندما كان مورتون يكتب الرسائل العائلية – مؤديا بذلك واجباته تجاه والديه – يوجهها اليهما معا .كان موران يدرس في الاباما ، لأن معدل درجاته لم يكن يؤهله للدراسة في بيل ، ودارتموت ، ووليامز ، واتنبورغ ، وكليات نيويورك ، او في جامعة كولورادو .


سألته نرسيس ان كان يفضل السمك في وجبة العشاء، فقال " نعم " . وأضافت تقول :" انها لجريمة أن ترتفع اسعار السمك على هذا النحو " . فقال "نعم" . وسألته :" ألم يحدث شيء ما ؟ فقال : " كلا" .  ثم قبلها وغادر المنزل وركب المترو في شارع 242، وظل واقفا طوال الطريق الى ان وصل الى مقر عمله ، وهو يقرأ الجريدة الصباحية .


كان والدا نرسيس قد عاشا فترة من الزمن في فرنسا وهذا هو سبب تسميتها بهذا الاسم . ولكنه الآن قد اعتاد ذلك .


كان يقرأ في العربة التي تعج بالمسافرين ، ويحلم في هدؤ بإختفاء اولئك الذين تتحدث عتهم الصحف .كان هيو أول من وصل الى محل عمله ، فتوجه الى غرفته وجلس الى طاولته بعد أن ترك الباب مفتوحاً ، وأخذ يستمتع بالهدؤ، وبمنظر الطاولات النظيفة المصقولة الخالية من الأوراق . وتذكر كيف أن نرسيس كانت على وشك أن تبكي خلال وجبة الفطور. ترى ما الذي حدث ؟ ولكنه كان يعرف أن كل شيء سرعان ما ينجلي ، فتخلى عن التفكير في هذا الأمر ، لأن نرسيس كانت في العادة تبكي من خمس الى ثمان مرات في الشهر .


كانت الشركة التي يعمل فيها تصدر موسوعة شاملة في مجلد واحد مطبوعة على ورق هندي وتحوي سيعمائة وخمسين صورة توضيحية ، حتى أنه تردد ذات مرة أن النية متجهة الى تسمية هذه الموسوعة بموسوعة الجيب العملاقة ، ولكن لم يتخذ بهذا الشأن اي قرار نهائي .


كان هيو منهمكاً في العمل بحرف الـ" إس". وكان عليه اليوم أن يكتب عن صابون، صودا ، سوفوكليس ، سورينتو . كان يذكر أن سورينتو مدينة عاش فيها مكسيم غوركي ، وإن من بين مائة وثلاث عشرة مسرحية ألفها سوفوكليس ، لم يتم العثور سوى على سبع مسرحيات . وعلى وجه العموم فإن هيو كان راضياً عن عمله إلى حين مجيء السيد غورسلين ، صاحب دار النشر ورئيس تحريرها . كان السيد غورسلين يؤمن بأن الطريقة المثلى لإرغام الموظفين على العمل هي الوقوف خلف ظهورهم ومراقبتهم في صمت وهم يعملون . وكلما دخل غورسلين الغرفة انتاب هيو إحساس غريب بأن سير الدم قد أخذ يتباطأ في أعلى فخذيه . كان السيد غورسلين رجلاً أشيب الشعر ، يرتدي بدلة صوفية من التويد ، وله وجه ومظهرمصارع ثيران . بدأ حياته العملية بإصدار التقاويم ، وكانت دار النشر ، التي يملكها ما تزال تصدر أعداداً هائلة من شتى أنواع التقاويم المتنوعة ، منها الجنسية والدينية والخاصة . وكان هيو محرراً لا نظير له في هذا المجال ، لأنه كان يذكر تأريخ وفاة أوليفر كرومويل ( 3 سبتمبر 1658) ، والتاريخ الذي أرسل فيه ماركوني أول رسالة لاسلكية عبر المحيط الأطلسي (12 ديسمبر 1901) وتاريخ تشغيل أول سفينة بخارية من نيويورك إلى أولباني (١٧ أغسطس ١٨٠٧).


كان السيد غورسلين يقدر موهبة هيو المتفردة ، ويشمله برعايته الأبوية ويتمنى له الخير ، ويؤمن بوسائل الطب البديل والخواص المنشطة للخضراوات الطازجة والباذنجان على وجه الخصوص . وعلاوة على ذلك إستطاع التخلص من نظارته الطبية بعد أن قرأ سنة 1944 كتاباً عن التمارين الشاملة لعضلات العين ، وأصبح من ألد أعداء استعمال النظارات الطبية . وفي سنة 1948 أصر غورسلين على أن يتخلى هيو عن نظارته ، وخلال الأشهر السبعة التالية كان هيو يعاني من صداع دائم ، فنصحه السيد غورسلين بإستخدام وسائل الطب البديل في المعالجة . ومن جراء ذلك كان هيو يشعر وكأن ثمة مجسات مشحونة مغروزة في رأسه .


 والآن جاء السيد غورسلين ووقف وراء ظهر هيو وقد ارتسم على وحهه تعبير ينم عن الإستياء ، كالذي كان يغشى وجوه الجنرالات الإيطاليين حين يتطلعون الى تريست المستقلة. وثبت نظره بإصرار على نظارة هيو . لم تكن صحة هيو سيئة ، إلا أنها في ذات الوقت لم تكن على ما يرام تماماً . فقد كان غالباً ما يعاني من الرشح ، وتحتقن عيناه بالدم بعد تناول طعام الغداء , ولم يكن يحاول إخفاء هذه العيوب ، أو كثرة تردده على دورة المياه . وفي مثل هذه الحالات كان السيد غورسلين يخرق الصمت المعتاد لكي ينصحه بإتباع نظام صحي في الأكل يساعد على تحسين عمل قنوات الأنف والعين والكليتين .


وفي صبيحة هذا اليوم تفقد السيد غورسلين الغرفة مرتين . وقف في المرة الأولى صامتاً لمدة خمس دقائق وراء ظهر هيو ثم قال : " الا زلت عند كلمة الصودا حتى الآن ، ثم غادر الغرفة . وفي المرة الثانية وقف لمدة ثمان دقائق في صمت . وقبل أن يغادر الغرفة قال : " لقد أخذت تسمن يا فورستر . اجتنب الخبز الأبيض " . وفي كل مرة كان هيو يحس بالوهن المعتاد في فخذيه. وقبيل فترة الإستراحة جاءت إبنة هيو الى المكتب ، فقبلت والدها قبلة خاطفة وقالت :


-أهنئك يا بابا .


وقدمت اليه علبة صغيرة مستطيلة الشكل ، مشدودة من الأعلى بخيط مطاطي ملون . كانت كلارا في الثانية والعشرين ومتزوجة منذ أربع سنوات ، ولكنها ظلت مصرة على مخاطبته ب( بابا) . فتح هيو العلبة بإرتباك فوجد فيها قلم حبر ذا غطاء ذهبي . كان هذا هو القلم الرابع الذي تهديه اليه كلارا خلال السنوات الست الأخيرة . أثنان منها خلال ذكرى ميلاده والثالث في عيد رأس السنة . لم ترث كلارا ذاكرة والدها .


سألها هيو :


-وما المناسبة يا ترى ؟


قالت كلارا :


-    أتمزح يا بابا ؟


حدق في القلم بإصرار . كان عل يقين إن اليوم ليس يوم ميلاده ( 12 يونيو) . وبالطبع ليس يوم عيد الميلاد (25 ديسمبر) . وأضافت كلارا في دهشة :


- مستحيل ! هل نسيت ؟ لا يمكن أن تكون قد نسيت أنت بالذات يا بابا .


تذكر هيو معالم وجه نرسيس خلال وجبة الفطور ، وكيف كانت تغالب البكاء وقال :


- أوه يا إلهي


- ينبغي أن لا تعود الى البيت مساءً دون أن تجلب معك باقة ورد .


ثم سألت في قلق :


- أأنت مريض يا بابا ؟


فقال هيو متبرماً :


- صحتي على ما يرام . أما المناسبة فإن أي إنسان قد ينساها ولو مرة واحدة في حياته


- ولكن ليس أنت يا بابا .


- وأنا أيضاً إنسان .


قال هيو ذلك وقد استولت عليه دهشة عظيمة ، ونزع غطاء القلم ، وانحنى على الطاولة بشدة وكتب بحروف كبيرة في دفتر ملاحطاته :أربع وعشرون سنة .


 أصبحت لديه الآن ثمانية أقلام . قال هيو وهو يدس القلم الجديد في جيبه :


-هذا هو الشيء الذي كنت بحاجة اليه فعلاً . شكراً لكِ يا كلارا .


-ألم تنس بعد وعدك بتناول طعام الغداء معي ؟


كانت كلارا قد إتصلت هاتفياً قبل مجيئها الى المكتب ، فإتفقا على تناول وجبة الغداء سوية ، لكي تستشيره في جملة قضايا على جانب كبير من الأهمية – على حد تعبيرها –. قال هيو:


- بالطبع لا .


ثم إرتدى معطفه المطري وغادرا المكتب . وفي المطعم طلب هيو سمكا بحرياً ، ولكنه تذكر ان نرسيس قد وعدته بتقديم السمك في وجبة العشاء ’ فعدل عن رأيه ، وطلب لحم الضأن المشوي . أما كلارا فقد طلبت لحم الدجاج المقلي مع سلطة والدروف وقنينة نبيذ ، لأن فترة ما بعد الظهر لا تبدو كئيبة بعد إحتساء قنينة نبيذ كما قالت . ولم يفهم هيو لِمَ تشعر بنت جميلة في الثانية والعشرين من عمرها بالحاجة الى إحتساء قنينة نبيذ لكي لا تبدو فترة ما بعد الظهر كئيبة، ولكنه لم يتدخل في الأمر .


وبينما كانت كلارا تدرس لائحة المشروبات ، استخرج هيو من جيبه رسالة مورتون وشرع بقراءتها . كان مورتون يطلب في رسالته ارسال مائتين وخمسين دولارا اليه لأنه – كما قال في رسالته – قد استعار من احد اصدقائه في الكلية سيارة بلايموث ، وحينما كان عائداً من حفلة راقصة وقعت السيارة في ترعة على الطريق واصيبت ببعض الاضرار وتطلب تصليحها مائة وعشرون دولارا . وكانت بصحبته فتاة أصيبت بكسر في الأنف ، فطلب الجرّاح مائة دولار لأجراء العملية الجراحية اللازمة لأنفها . وقد وعد مورتون بدفع المبلغ المطلوب . وعلاوة على ذلك فقد اشترى كتابين في آداب السلوك بعشرة دولارات . أما المبلغ المتبقي وهو خمسة عشر دولارأ فإنه لغرض تدوير الحساب على حد قوله . أعاد هيو الرسالة الى جيبه دون أن يقول عنها شيئاً لكلارا . وقال بينه وبين نفسه : "  كان الوضع في العام الماضي أسوأ ، عندما كان مورتون على وشك أن يطرد من المدرسة الثانوية بتهمة الغش في إمتحان الرياضيات.


وأخذت كلارا تتحدث عن متاعبها وهي منهمكة في الأكل وإحتساء النبيذ . وقالت إن أهم ما يشغل بالها هو زوجها فريدي .


وأضافت وهي تحاول إلتهام قطعة كبيرة من لحم الدجاج ، أنها حائرة ومترددة ، فهي لا تدري هل تهجر زوجها ، أم تنجب منه طفلاً . لأنها على يقين إن لفريدي علاقة حب حميمة بإمرأة من الشارع التاسع والسبعين الشرقي ، وأنهما يلتقيان خلال النهار . وتريد قبل أن تُقدِم على أي خطوة في هذا الإتجاه أو ذاك ، أن يقوم والدها بمقابلة زوجها والتحدث اليه ، حديث رجل الى رجل ، وأن يعرف نواياه في هذا الصدد . إن كلارا لن تتحدث الى زوجها حول هذه المسألة ، لأنها كلما حاولت ذلك يترك البيت ويذهب للإقامة في أحد الفنادق . أما إذا طلبت الطلاق فإن ذلك يعني بقاءها في رينو لمدة ستة أسابيع . وهذا يكلف هيو ما لا يقل عن ألف دولار . لأن فريدي سبق له أن حذرها أنه لن يصرف سنتاً واحداً على مسألة تافهة كهذه . وعلى وجه العموم فإن فريدي غارق الآن في مشاكله المالية ، لأنه تجاوز في الصرف رصيده النقدي الموجود في شركة السيارات التي يعمل فيها ، مما أدى الى إيقاف صرف راتبه منذ اسبوعين . أما إذا أنجبت منه طفلاً فإن الطبيب الذي ستحتاجه يكلف ثمانمائة دولا إضافة الى مائتي دولار كنفقات إقامة في المستشفى ، بيد أنها على الرغم من كل شيء واثقة أن ( بابا ) سيمد يد المساعدة على أية حال .


وظلت كلارا تحتسي كؤوس النبيذ الواحدة تلو الأخرى ، وتتكلم دون إنقطاع . أما هيو فقد كان يأكل في صمت . وقالت كلارا إن فريدي لم يسدد المبالغ المترتبة عليه عن إشتراكه في نادي الجولف منذ خمسة أشهر . وإن إدارة النادي قد هدّدته بإعلان ذلك علانية على الملأ إذا لم يبادر الى تسديد الأقساط المستحقة عليه حتى يوم الأحد القادم . وهذا عار كبير . ينبغي تسديد الأقساط لأن فريدي فى منتهى القلق والإضطراب منذ أن إستلم رسالة بهذا المعنى من سكرتير النادي . وأردفت كلارا قائلة دون أن تتوقف عن مضغ الطعام بإنتظام :


- لقد بينت له أنني سألتحق بسرور بأي وظيفة ملائمة لي . غير أنه قال إنه سيكون ملعوناً لو أعطى لأي شخص تبريراً ليزعم أن فريدي عاجز عن إعالة زوجته . والحق أن المرء لا يسعه الا ان يحترمه لموقفه المشرّف هذا . وقال أيضاً أنه لن يطلب منك بعد اليوم سنتاً واحداً مهما كانت الظروف . كيف يمكن للمرء أن لا يعجب به بعد كل هذا ؟


قال هيو - وهو يتذكر كيف أن فريدي إقترض منه خلال السنوات الأربع الماضية ثلاثة آلاف وثمانمائة وخمسين دولاراً ، دون أن يسدد من هذا المبلغ سنتاً واحداً - :


- بالطبع ، بالطبع . هل فريدي على علم بانك ستلتقين بي اليوم ؟


فأجابت كلارا وهي تصب كأساً أخرى من النبيذ ، وتلتقط ما تبقى من شرائح التفاح وقطع الجوز من صحن السلطة :


- بشكل غامض


وأضافت أنها كانت ستحجم بسرور عن إلقاء متاعبها على كاهله ، ولكنه الأنسان الوحيد في العالم بالنسبة اليها ، والذي يمكنها أن تثق بقراراته ، لأنه إنسان راجح العقل ، ذكي ، وفي منتهى الأمانة . وهي ليست واثقة الآن إن كانت تحب فريدي حقاً . فكل شيء مضطرب في رأسها ، وهي لا تستطيع أن تتحمل رؤية فريدي وهو يتعذب في سبيل الحصول على المال . وعلى والدها أن يبدي رأيه في صدق : هل يجوز لها أن تصبح أماً ، وهي ما زالت في الثانية والعشرين ؟


بعد أن إنتهى هيو من شرب القهوة وعدها بأنه سيتحدث الى فريدي ، في أقرب فرصة ممكنة ، حول تلك المرأة التي تقطن الشارع التاسع والسبعين ، وأنه سيوقع صكاً إما بإسمها لتغطية نفقات السفر الى رينو أو بإسم الطبيب الذي سيتولى الإشراف على الولادة ، حيث أن ذلك سيتوقف على تطور الأمور ، ووعدها كذلك أن يجد حلاً لمشكلة الأقساط المتأخرة .


في طريق العودة الى مقر عمله إشترى هيو حقيبة يدوية نسائية مصنوعة من جلد التمساح بستين دولاراً . وبينما كان يوقع صكاً بالمبلغ ويسلمه إلى البائعة أنتابه قلق حاد وتمنى في تلك اللحظة أن لا يحدث أي تضخم نقدي مفاجيء .


كان من الصعب عليه أن يواصل العمل بعد فترة الإستراحة ، ولهذا فقد ظل يفكر بكلارا وبطفولتها وصباها ( اصيبت بالحصبة في الرابعة من عمرها ، وبالنكاف في الخامسة ، وبتسوس الأسنان بين الحادية عشر والخامسة عشر ، وبحب الشباب بين الرابعة عشر والسابعة عشر ) . وأخذ يتقدم ببطأ في سورينتو . جاء السيد غورسلين بعد الغداء مرتين . قال في المرة الأولى :


- أما زلت في سورينتو ؟


وقال في المرة الثانية :


- اللعنة . من الذي يهمه أن يعلم إن هذا الشيوعي الروسي قد ألف هناك كتاباً ؟


أحسّ هيو – علاوة على الوهن المعتاد في فخذيه – بصعوبة في التنفس ، وبتسارع ضربات القلب . وعندما وقف السيد غورسلين خلف ظهره كاد أن يختنق .


بعد إنتهاء الدوام توجه هيو الى بار صغير في ليكسينغتون حيث اعتاد ان يلتقي فيه بجين ثلاث مرات في الأسبوع . فوجدها في إنتظاره وتشرب الكأس الأولى من الويسكي . فجلس الى جوارها ، وشد على يدها محيياً . كانا متحابين منذ أحد عشر عاماً ، ولكنه لم يقبلها سوى مرة واحدة في يوم أنتهاء الحرب في أوروبا ، لأنها كانت زميلة نرسيس في الكلية وفي مجموعة واحدة معها . لم تكن علاقتهما طارئة بل تعود الى سنوات طويلة . كانا منذ البدء قد قررا أن يسلك كل واحد منهما سلوكا نبيلا تجاه الآخر. كانت جين إمرأة فارعة القامة ، مهيبة الطلعة . لم تكن حياتها سهلة ، ولكنها حافظت على شبابها نسبياً .


 في تلك الساعات التي كانت الشمس فيها تجنح للغروب كانا يجلسان في بارات صغيرة كئيبة ، متوارين عن الأنظار ، يغمرهما الحزن ، يتحادثان بصوت يطفح بالحنين ، عن حياتهما التي كانت من الممكن أن تجري على نحو آخر .في لقاءاتهما الأولى كانت أحاديثهما دافئة وأحياناً كان هيو يستعيد تفاؤله وثقته بنفسه لمدة نصف ساعة مثل ذلك الشاب الذي كان دائماً الأول على طلبة الكلية ، ولم يكن يعرف إن الطريق من الذاكرة القوية والموهبة والعقل الى النجاح طويل . وبينما كان هيو يشرب رشفة أخرى من كأسه قالت جين :


- أعتقد اننا سنضطر الى وضع حد لعلاقتنا التي لن تؤدي بعد الآن الى أية نتيجة . ألست على حق فعلاً ؟ أنني أحسّ بالتعاسة والذنب . الا تحس بهما أنت أيضاً ؟ .


لم يخطر ببال هيو حتى الآن أنه يمكن أن يكون مذنباً في شيء سوى تلك القبلة اليتيمة في يوم النصر ، ولكنه أخذ يدرك الآن – بعد أن تحدثت جين عن ذلك – أنه سيحسّ بالذنب كلما دخل البار ورآها جالسة الى المائدة . وقال في حزن :


- أجل ربما كنتِ على حق


وأردفت جين قائلة :


- سأسافر في حزيران القادم ، وحينما أرجع لن نلتقي بعد ذلك .


وبالرغم من أنه كانت ثمة حوالي خمسة أشهر على حلول الصيف فإن هيو هز رأسه بمرارة ، وأحسّ بحفيف شيءما خلف ظهره ، وكأن ستارة ما قد أسدلت .


وطوال الفترة التي إستغرقتها العودة الى البيت إضطر هيو ان يطل واقفاً في عربة المترو المزدحمة الى درجة أنه لم يستطع أن يفتح الجريدة ، فأعاد قراءة الصفحة الأولى عدة مرات . وقال بينه وبين نفسه : " حقاً أنني في غاية السرور لأنني لم أنتخب رئيساً " . كان الجو حاراً في العربة ، فشعر بنفسه مضغوطاً بين الركاب ، سميناً ، ثقيل الحركة ‘ فإنتابه على حين غرة إحساس غريب تماماً ومزعج ، بأن جسده قد أصبح عبئاً ثقيلاً عليه . ثم إكتشف قبيل وصول القطار الى الشارغ 242 بلحظات أنه قد نسى الحقيبة اليدوية المصنوعة من جلد التمساح على طاولته في المكتب ، فشعر لبرهة وجيزة بدغدغة في حلقه وتحت ركبتيه من هول الصدمة . ولم يكن مرد هذا انه حين يعود الى البيت خاوي اليدين ، سيسمع طوال المساء آهات نرسيس وعتابها وبكائها ، كما أن الأمر لا يكمن في أنه لا يثق بالمرأة التي تقوم بتنظيف وتنظيم المكتب مساءً ، والتي أخذت ذات يوم ( 3 نوفمبر 1950 ) من الدرج الأيمن العلوي لطاولته طوابع بريدية تبلغ قيمتها دولاراً واحداً وثلاثين سنتاً . أنه لا يشك في ذلك مطلقاً . ولكنه الآن ، وفي العربة التي أخذت ترتج ، لم يكن بوسعه أن يرد عن نفسه تلك الفكرة التي بدأت تلح عليه وهي أنه للمرة الثانية خلال يوم واحد ينسى شيئاً ما . وهو لا يستطيع مطلقاً أن يتذكر ان كان شي من هذا القبيل قد حدث له من قبل . مسح جبهته بأطراف أصابعه ، وكأن ذلك سيساعده في البحث عن تفسير لما حدث . وقرر أن لا يشرب الكحول بعد الآن أبداً . كان يشرب في العادة خمس أو ست كؤوس من الكحول كل أسبوع . ان تناول الكحول يؤدي الى فقدان الذاكرة بصورة مؤقتة . هذه حقيقة طبية معروفة ومن المحتمل أنه هو بالذات إنسان سريع التأثر .


إنقضى المساء كما كان هيو يتوقع . إبتاع في المحطة باقة من الورد لنرسيس ، ولكنه لم يذكر شيئاً عن الحقيبة التي نسيها في المكتب ، لأنه كان يعرف إن ذلك لن يؤدي إلا الى تعميق التأثير الذي تركه حادث الصباح ، وإقترح عليها الذهاب الى أحد المطاعم الراقية لتناول العشاء إحتفالاً بهذه المناسبة . بيد أن نرسيس التي أمضت النهار كله وحيدة مستسلمة لعذاباتها ، مهيجة جراحها ، أصرت على تناول السمك الذي إبتاعته بثلاثة وتسعين سنتاً للباون الواحد . وبحلول الساعة الحادية عشرة كانت نرسيس تبكي . أما هيو فقد أمضى الليل في نوم مضطرب . وفي صبيحة اليوم التالي توجه الى مقر عمله مبكراً . ولكن حتى منظر الحقيبة التي وضعنها المنظفة على وسط الطاولة لم يدخل السرور الى قلبه . وفي هذا اليوم نسى هيو أسماء ثلاث مسرحيات لسوفوكليس ، ورقم هاتف طبيب الأسنان الذي كان يتعالج عنده .


هكذا كانت البداية . وبمضي الزمن أخذ هيو يتردد أكثر فأكثر على المكتبة الإعلامية في الطابق الثالث عشر من البناية . كان يخشى مراجعة المكتبة ، لأنه كان مضطراً للذهاب اليها بين ساعة وأخرى ، والمرور خلال ذلك بالقاعة بين دهشة زملائه وإستغرابهم وفضولهم . ثم جاء اليوم الذي لم يعد يذكر فيه عناوين نتاجات ساردو  ، ومساحة سانتو – دومينكو ، وأعراض مرض السليكوز ، وتعريف المتلازمة ، والسبب الذي دعا القديس سمعان العمودي الى ابتكار طرقة التنسك على عمود حجري .


لم يتحدث الى أحد حول هذا الموضوع ، على أمل أن يمركل شيء بسلام ، حتى انه لم يخبر جين بشيء ، في ذلك البار الصغير في ليكسينغتون – افينيو . أخذ السيد غورسلين يقف خلف ظهر هيو لفترات أطول فأطول حين يتفقد العمل في المكتب . كان هيو خلال ذلك يتظاهر بالإنهماك في العمل ، وبأن صحته ممتازة ، رغم أخاديد التعب العميقة على وجهه ، أما دماغه فقد أصبح مثل قطعة لحم جامدة نهشها الذئاب .


ذات مرة غمغم السيد غورسلين بشيء ما حول الهورمانات . وفي المرة التالية طلب من هيو الإنصراف الى البيت لأخذ قسط من الراحة . وكانت الساعة تشير الى الرابعة والنصف .


كان هيو قد أمضى ثمانية عشر عاماً وهو يعمل عند غورسلين ، ولكن كانت هذه هي المرة الأولى ، التي يقترح فيها السيد غورسلين عليه الإنصراف قبل نهاية الدوام . وبعد أن غادر السيد غورسلين الغرفة ظل هيو جالساً الى طاولته يحدق في الفراغ اللامتناهي مشدوهاً .


بعد مرور عدة أيام على ذكرى يوم زواجه نسى هيو إسم الجريدة الصباحية التي إعتاد إقتنائها كل يوم . وقف أمام كشك الصحف يتطلع الى عناوين الصحف المعروضة : التايمس ، التربيون ، النيوز ، والميرر كلها كانت متشابهة أمام عينيه . كان يعلم أنه قد واظب على على شراء جريدة معينة يوميا طوال العشرين سنة الأخيرة ، ولكنه أخفق الآن في تذكر إسم تلك الجريدة ، ولم يستطع أن يتوصل الى ذلك ، لا من شكل الجريدة ، ولا من عناوينها الرئيسية .إنحنى على مجاميع الصحف وأخذ يحدق فيها . وعرف بعد قراءة أحد المانشيتات  ، أن الرئيس سيلقي خطاباً في مساء هذا اليوم . وعندما إعتدل في وقفته ، إكتشف أنه لا يذكر إسم الرئيس ، وهل هو جمهوري أم ديمقراطي . وشعر للمرة الأولى ما يمكن وصفه بألم اللذة الحاد . ولكنه كان يعلم إن هذا ليس إلا وهماً كذروة النشوة التي إستشعرها ت.ي. لورنس عندما كاد أن يموت من الضرب المبرح على أيدي الأتراك .


إقتنى هيو نسخة من ال"هوليدي " وظل طوال الطريق في عربة مترو الأنفاق يحملق دون مبالاة في الصور الملونة للمدن البعيدة . وفي هذا اليوم نسى هيو اليوم الذي فاز فيه جون ساليفان ببطولة العالم في الوزن الثقيل  وإسم مخترع الغواصة . واضطر أن يراجع المكتبة لسبب آخر هو أنه لم يكن يعرف على وجه الدقة أين تقع مدينة سانتاندر: في شيلي أم في إسبانيا . وفي منتضف النهار كان هيو جالساً الى طاولته يحدق في يديه بثبات : مضت ساعة كاملة وهو لا يستطيع ان يرد عن نفسه إحساساً يأن فئراناً تتراكض بين أصابعه .


 في هذا الوقت دخل عليه صهره وإبتدره قائلاً :


- مرحباً أيها العجوز


كان صهره منذ اليوم الذي إجتاز فيه عتبة بيته يعامله ببالغ المرح . نهض هيو ، ورد على تحية صهره قائلاً : " مرحباً " ثم إنكفأ مكانه واخذ يحملق في وجه صهره ، وهو يعلم إن هذا الشاب المائل أمامه هو زوج إبنته كلارا . بيد أنه لم يستطع أن يتذكر إسمه . وللمرة الثانية خلال يوم واحد إنتابته موجة لذة عارمة ، كالتي أحس بها صباحاً حينما  كان واقفاً قرب كشك الصحف ، وإكتشف أنه قد نسي إسم رئيس الولايات المتحدة ، والحزب الذي ينتمي اليه . غير أن إحساسه باللذة دام هذه المرة لفترة أطول ، وإستمر طوال المدة التي كان يصافح فيها صهره ، ثم خلال نزولهما بالمصعد وفي البار المجاور ، حيث طلب هيو ثلاث كؤوس من المارتيني دفعة واحدة لصهره ، الذي قال وهويحتسي الكأس الثالثة :


- دعنا أيها العجوز نتحدث عن العمل . فقد أخبرتني كلارا بأنك بأمس الحاجة لمفاتحتي في موضوع مهم . فماذا أردت أن تخبرني به ؟ . حدق هيو بإصرار في وجه الرجل الجالس أمامه ، وبذل جهداً عظيماً ليتذكّر موضوعاً يمكن أن يهمهما معاً : هو وصهره . ثم قال على مهل :


-لا شيء ، ليس ثمة شيء مهم .


كان زوج كلارا يرمق هيو بنظرات عدائية حينما كان هذا الأخير يدفع الحساب . ولكن هيو همهم بينه وبين نفسه في رضى ، وتبسم للنادلة دون مبالاة . وعند باب البار الخارجي وقفا برهة ، فقال زوج كلارا وهو يتنحنح :


-اسمع ايها العجوز . إذا كنت تود الحديث عن ... ولكن هيو شدّ على يد صهره ، وحث الخطى مبتعداً عنه ، وهو يشعر أنه إنسان واسع الحيلة والحذق . ولكن ما أن عاد الى مقر عمله  ووقع نظره على طاولته ، التي تراكمت عليها الأوراق ، حتى إختفى ما كان يشعر به من تخفف . وكان هيو في هذا الوقت قد وصل الى الحرف (تي) ،  إلا أنه عندما شاهد قصاصات الورق ، وكومة الكتب اضطر إلى الإعتراف بينه وبين نفسه أنه قد نسى أشياء كثيرة عن حياة ( تاسيتُس ) ، ولا يعرف على الإطلاق من هو( تان ) . وكانت ثمة ورقة على الطاولة كتبت عليها كلمة " عزيزي ... "


نظر الى الورقة بإنتباه وحاول أن يتذكر الشخص المقصود بهذه الكلمة . وبعد خمس دقائق أدرك أن الرسالة التي شرع بكتابتها موجهة الى إبنه ، الذي يطلب صكاً بمبلغ مائتين وخمسين دولاراً. ثم دس يده في جيبه لإستخراج دفتر الصكوك فلم يعثر عليه . فتش بإعتناء كافة أدراج طاولته دون جدوى . تملكه الأضطراب . كانت هذه هي المرة الأولى في حياته يضع فيها دفتر الصكوك في غير موضعه .. قرر الأتصال بالبنك وطلب دفترً جديد. رفع سماعة التلفون وأخذ يحدق فيها مشدوهاً . فقد نسي رقم تلفون البنك الذي يتعامل معه . أعاد السماعة الى مسندها ، وفتح دليل التلفون على حرف (ب) وتسمّر في مكانه ، أحس بجفاف في حلقه، فشرب رشفة ماء .. لقد نسي إسم البنك . نظر الى الصفحة التي دونت فيها أسماء البنوك ، فبدت كلها معروفة وغامضة في آن واحد . ولم يستطع أن يتعرّف على إسم البنك المطلوب بين الأسماء الأخرى . أغلق الدليل ونهض ووقف بجوار النافذة ، وأخذ يتطلع الى الأسفل . كانت ثمة حمامتان واقفتان على الأفريز ، وكان منظرهما يدل على انهما ترتجفان من البرد .


ورأى في البناية المقابلة رجلاً أصلع يتطلع عبر النافذة الى الشارع ويدخن ، وكأنه يفكر إن كان سيرمي بنفسه الى الأسفل أم لا . عاد هيو الى طاولته وأطرق مفكراً .: " ربما كان حادث دفتر الصكوك هو البداية . ربما كان تحذيراً له بأنه قد آن الأوان لوضع حد للتسيب في تربية إبنه . دعه يتحمل مسؤولية نتائج تصرفاته ، ولو مرة واحدة في حياته .تناول القلم ليكتب الى إبنه في الاباما ما يجول في ذهنه من خواطر وقرأ الكلمة الوحيدة التي كتبها " عزيزي .. " . حدّق فيها طوبلاً ثم دس القلم في غطائه ووضعه في جيبه ، لأنه لم يعد يذكر إسم إبنه .أرتدى المعطف وغادر المكتب . كانت الساعة تشير الى الثالثة والدقيفة الخامسة والعشرين ، فتوجه الى المتحف وهو يخطو بخفة ، وكلما قطع شارعاً وراء شارع شعر بتحسن في حالته . وعندما وصل المتحف كان يحس كما لو كان قد ربح رهاناً على مائة دولار في لعبة لا يتجاوز احتمال الفوز فيها واحد من أربعة عشر . وفي المتحف إتجه الى القسم المصري ، فقد كان يحلم منذ وقت طويل بزيارة مصر , بيد أنه كان مشغولاً دائماً . وبعد أن أنهى جولته في القسم المصري شعر يتحسن صحته على نحو رائع . ولم يحاول  الآن إقتناء أية صحيفة لأنها فقدت بالنسبة اليه كل معنى . لم تكن الأسماء التي تتحدث عنها هذه الصحف توحي له بشيء . ولم يعد يهمه ان يقرأ ( هند أوبزيرفر ) الصادرة في كراجي أو ( الموند ) الصادرة في سونور . كانت الرحلة الطويلة بلا صحف أكثر متعة. لقد توقف عن قراءة  ما يفعله مواطنوه ازاء بعضهم البعض . ولهذا بدا الناس من حوله طوال الطريق أكثر جاذبيةً وإثارة للأهتمام . بيد أن هذه المتعة التي إستشعرها سرعان ما إختفت عندما إجتاز عتبة بيته .


في الأمسيات التالية أخذت نرسيس تتطلع اليه بإنتباه شديد ، واضطر هو ان يكون بالغ الحذر في الكلام . كان يخشى أن تدرك نرسيس ما يجري له . ولم يكن يريد أن يثير قلقها ، أو أن تتولى معالجته . وذات مساء جلس ساعات طويلة يصغي الى الجرامافون ، ولكنه نسي أن يستبدل الأسطوانة . كان الجرامافون أوتوماتيكياً فتكررت الإسطوانة الأخيرة - وهي  كونشرتو البيانو رقم 2 لسين سانس - سبع مرات متتالية الى أن هرعت نرسيس من المطبخ ، وقالت : " سأجن " . ثم أغلقت الجهاز .


نام مبكراً وتناهى الى سمعه نشيج نرسيس وهي تنتحب في الغرفة المجاورة . كانت هذه هي المرة الثالثة ، التي تبكي فيها نرسيس منذ بداية الشهر . اذن فإنها ستبكي خلال الفترة المتبقية من الشهر من مرتين الى خمس مرات . أنه لا يزال يذكر ذلك .


في صبيحة اليوم التالي انكب على البحث عن تاليران ، وكان قد إنحنى بشدة على الطاولة حين شعر فجأةً إن ثمة شخصاً واقفاً خلف ظهره . إستدار مع المقعد الذي كان يحلس عليه ، فرأى رجلاً أشيب الشعر ، يرتدي بدلة صوفية من التويد، يحدق فيه بإصرار. قال هيو بإرتباك :


-- ايه  هل تبحث عن شخص ما ؟


احمر وجه الرجل دونما سبب ، وغادر الغرفة وصفق الباب وراءه بشدة  . هز هيو كتفيه بلا مبالاة وعاد الى تاليران .


بعد إنتهاء الدوام نزل بالمصعد الكهربائي ، الذي كان يعج بالموظفين . كانت صالة الطابق الأسفل أيضاً مزدحماً بالموظفين ، الذين كانوا يستعجلون الخروج الى الشارع . وعلى مقربة من باب الخروج كانت تقف فتاة رائعة الجمال ، تبسم له وتلوح بيدها من فوق رؤوس الموظفين . تسمّر هيو في مكانه للحظات مأخوذاً متهيئاً لمبادلتها الإبتسام ، ولكنه على موعد مع جين . والواقع إن سنه لم تعد تسمح له بمغامرات من هذا القبيل .


قطب وجهه واندس في السيل البشري المندفع نحو خارج البناية . خيل اليه أنه قد سمع وراءه شخصاً ما كان يصرخ " بابا " ولكنه أدرك أن ذلك لم يكن سوى وهماً . لذا فإنه لم يلتفت الى الخلف .ومضى في طريقه .


غادر المترو في محطة ليكسينغتون مسروراً بالمساء الشتوي الدافيء


وإنحرف نحو اليسار ، ومرّ في طريقه ببارين ، ولكنه تمهل عند البار الثالث وإستعاد في ذهنه الطريق الذي قطعه وهو يحدق في واجهات البارات التي كانت كلها متشابهة ومغطاة بطبقة من الفولاذ المطلي بالكروم . وكان ثمة بار في الجهة المقابلة من الشارع ، فمضى اليه ولكنه أكتشف أنه لا يختلف في شيء عن البارات الأخرى . دخل الى البار على أمل أن يجد جين في إنتظاره . ولكن جين لم تكن هنا . فطلب كأساً من الويسكي ، ثم سأل النادل :


- أ لم تأتي إلى هنا سيدة بمفردها خلال النصف ساعة الأخيرة ؟ .


-وكيف تبدو تلك السيدة ؟


فقال هيو :


-أنها .....


ثم سكت وشرب كأسه عن آخرها وقال :


- حسناً


ووضع على المائدة دولاراً واحداً وغادر البار . وحينما وصل الى المترو أحس أنه لم يشعر في حياته بالراحة مثلما يشعر بها الآن ، سوى مرة واحدة عندما كان في الحادية عشرة من عمره حين فاز في 9 حزيران عام 1925 بالمركز الأول في سباق المائة ياردة خلال المباريات السنوية في ألعاب الساحة والميدان لمدرسة بيرغمان المتوسطة في سولت ليك – ستي . وبالطبع فإن هذا الإحساس سرعان ما تلاشى عندما وضعت نرسيس طبق الحساء على المائدة .كانت عيناها متورمتين . لا بدّ أنها بكت خلال النهار . وهذا امر غريب ، لأن نرسيس لم تكن تبكي حينما تظل وحدها في البيت . وخلال تناول طعام العشاء وتحت نظرات نرسيس أحس هيو من جديد أن الفئران تتراكض بين أصابعه . بعد العشاء قالت نرسيس :


- لست حمقاء الى الحد الذي تتصوره . ثمة إمرأة ما وراء كل هذا – وأردفت تقول :


-لم أكن أتصور قط إن هذا يمكن أن يحدث لي .


وعندما إستلقى هيو في فراشه أحس بنفسه مثل راكب في سفينة تتأرجح وسط عاصفة شتائية قرب خليج غاتيراس . استيقظ من نومه مبكراً . كانت الشمس متوهجة وراء النافذة . ظل مستلقياً على السرير ، يستشعر الراحة والدفء . ثم سمع خفيفاً صادراً من السرير المجاور ، وعبرت نظراته المساحة الضيقة الفاصلة بين السريرين . كانت ثمة إمرأة نائمة في الفراش المجاور ، لا تقل سنها عن أربعين عاماً . كان شعرها مشبوكاً وهي تشخر في نومها ، وكان هيو على إستعداد ان يقسم انه لم ير هذه المرأة قط . تسلل من فراشه بهدؤ ، وإرتدى ملابسه ، وغادر البيت ، فغمرته أشعة الشمس . كان يمشي على نحو آلي ، وعندما وصل محطة المترو ، رأى الناس وهم يسرعون نحو العربات وادرك ان عليه أيضاً أن يحذو حذوهم . وخيل اليه أن ثمة في مكان ما من المدينة – في القسم الجنوبي منها – وفي عمارة عالية تقع في شارع ضيق ، أناس ينتظرون قدومه . بيد أنه كان يعرف أنه لن يعثر على هذه العمارة مهما بذل من جهد . وخطر في ذهنه : " إن البنايات الحديثة متشابهة الى حد كبير " .


وسار بخطوات واسعة نحو النهر الذي كان يلمع تحت وهج أشعة الشمس بالرغم من الشريطين الجليديين على ضفتيه . رأى هيو بجوار النهر صبياً في الثانية عشرة من عمره ، يرتدي معطفاً سميكاً ذا وجهين ، ويعتمر قلنسوة محبوكة باليد ، جالساً على مصطبة يحدق في النهر . كانت كتبه المدرسية المشدودة بحزام جلدي ملقاة على الأرض المتجمدة بين قدميه . جلس هيو بجواره وحياه مبتسماً :


- صباح الخير


- صباح الخير ، قال الصبي . فسأله هيو :


- ماذا تفعل هنا ؟


قال:


-أحسب اليخوت المارة من هنا . بالأمس أحصيت اثنين وثلاثين يختاً ، ما عدا القوارب الكهربائية ، لأنني لا أأحصيها . أومأ هيو للصبي ودس يديه في جيبه ، وأخذ يتطلع الى النهر . وحين بلغت الساعة الخامسة مساءً ، كان هيو والصبي قد أحصيا ثلاثة وأربعين يختاً ، ما عدا القوارب الكهربائية ، التي لم يأخذاها بنظر الإعتبار . ولم يستطع هيو أن يتذكر يوماً آخر في حياته أفضل من هذا اليوم .


.........  


* نهر النسيان أو نهر الليثي


هو أحد الأنهار الخمسة في العالم السفلي أو أنهار هاديس، والذي تتحدث عنه الأساطير. وكلمة ليثي كلمة يونانية تعني النسيان. وتحكي الأساطير الرومانية والإغريقية أن الشُّرب من هذا النهر يجعل أرواح الموتى تتقمص أجسادًا جديدة تجعلها تنسى ما حدث لها في حياتها السابقة في العالم السفلي. ومن ثم فإن هذه الأنهار الخمسة تشكل حدودًا فاصلة بين أرض الأحياء وأرض الأموات





جودت هوشيار


التعليقات




5000