..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ثلاثية (العقل والقلب والروح) في كتاب

علي جابر الفتلاوي

(الدين والظمأ الأنطولوجي)

أمهّد لمقالتي تعريفا مختصرا بالدكتورعبد الجبار الرفاعي، وكتابه موضوع مقالتنا.

 باحث ومفكر عراقي، واستاذ فلسفة إسلامية، ذكر في كتابه (ص44): أنه ولد في 1/7/1954م، في قرية (آل حواس) التي ترتبط إداريا بقضاء الرفاعي، في محافظة ذي قار العراق، جاء في الموسوعة الحرّة أنّه حاصل على عدة شهادات أكاديمية منها دكتوراة فلسفة إسلامية.(1) يقول عن نفسه: أنه دخل الحوزة العلمية في النجف ثم قم، تلميذ ومدرّس في حوزة قم، وأضاف: أحد المشاكل في دراسة الدين في الحوزة، أنها تتحرك في مسارات مسدودة بمعنى تبدأ بالتراث وتنتهي بالتراث وتقرأ التراث أيضا بأدوات تراثية، التفكير الديني بحاجة أن يواكب العصر، بحاجة أن ينفتح على ما هو جديد، بحاجة أن يوظف أدوات ومنهجيات جديدة في تفسير النص وفي تفسير الظواهر الدينية المختلفة. (2)

كتابه ((الدين والظمأ الانطولوجي)) هو أحد مؤلفاته، للأسف لم أطّلع على كتبه، لكن أخيرا حصلت على بعض مؤلفاته، وبين يدي الآن كتابه هذا في طبعته الثالثة، يوجد في هذه الطبعة مقدمة الطبعة الثانية أيضا، قرأت المقدمتين وبعض عناوين الكتاب فاستوحيت فكرة المقال، وربما استوحي أفكار مقالات أخرى أثناء قراءتي للكتاب. عنوان الكتاب يجذب القارئ المتابع للفكر والفلسفة الإسلامية. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي في مقدمة الطبعة الثانية (ص11): ((أعرف أن كتاب ((الدين والظمأ الانطولوجي)) يغرّد خارج السّرب، إذ يحاول أن يعزف لحنه الخاص.)) 

 أستوحي من عبارته أن في كتابه أفكارا تُعدّ وفق الثقافة الدينية السائدة خارج المألوف. أرى أنّ كتابه هذا من أهمّ كتبه، فيه خلاصة أفكاره، وفي المقدمتين خلاصة أفكار الكتاب، يقول في المقدمة (ص10): ((خلاصة أسفار الروح والقلب والعقل مدة تزيد على نصف قرن، لبثت فيها أفتش عن ذاتي الهاربة مني وبصراحة لم أظفر بها كلّها حتى اليوم.)) كلامه يُفصح أنّ أفكاره في هذا الكتاب هي خلاصة أفكاره التي تبناها خلال مسيرته العلمية الفكرية التي استغرقت أكثر من خمسين عاما بحثا عن الذات ولم يصل إلى القرار أو النهاية.

 الدكتور عبد الجبار الرفاعي مع غزارة أفكاره في ميدان الفكر الإسلامي المتجدد يعدّ نفسه، أنّه في بداية الطريق لاستكشاف المزيد من الفكر الديني السليم البعيد عن التأثيرات التأريخية أو الأيدولوديه التي تصادر أو تجمّد قدرات الانسان الذاتية، يرى أن الإنسان عندما يكتشف ذاته يسير في الطريق السليم ليكتشف المزيد من الفكر الصحيح البعيد عن التأثيرات النسقية، هذا ما استنتجه من أقواله. 

 الأنطلوجيا اصطلاح حديث، فما هو المقصود منه؟

تأتي بمعنى الفلسفة والتصوف – قسم من الفلسفة مرادف لعلم ما بعد الطبيعة، يبحث في طبيعة الوجود الأولية، علم الوجود، علم الكائن. (3) 

الأنطولوجيا Ontology علم الوجود، وهو أحد مباحث الفلسفة، وهو العلم الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود. (4) 

يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي في معنى عنوان كتابه (ص17):((أعني بالظمأ الانطولوجي الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، إنّه ظمأ الكينونة البشرية)).

 بدلالة العنوان وشرحه لمعنى عنوان الكتاب، نستنج أن كتابه لا يخاطب به المسلمين فحسب، بل أتباع الديانات عموما، لأن الظمأ للمقدس في تقديري يشمل كل المنتمين للأديان حتى الوثنية منها، ولو أنّ المستعرض للكتاب يستنتج أنه يعني أصحاب الديانات السماوية.

أقصد بثلاثية المفكر عبد الجبار الرفاعي هي: (الروح، القلب، العقل)، ذكر هذه الثلاثية في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه، رؤيته أنّ الثلاثية يجب أن تكون مؤطرة بالإيمان، وكتابه هو رسالة في الإيمان كما وصفه يقول (ص10): الكتاب ((رسالة في الإيمان)) بمعنى أنّها وثيقة لإحياء الإيمان، وليس كتابا أكاديميا. في تقديري أنّه صاحب رسالة، تهتم بالعقل والقلب والروح، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الثلاثية يجب أن تكون مؤطرة بالإيمان يقول (ص36):

 يحيا الايمان بوصفه صلة حيّة متوثبة بالله تعالى، وإذا عُرِض الايمان بوصفه معتقدات ومفاهيم وأفكار وشعارات، يجب أن يعتنقها ويحفظها الجميع، فلن يرتوي القلب حينئذ بلذة وصال الحق، في تقديري عبارته (لن يرتوي القلب بلذة وصال الحق) عبارة هي أقرب إلى لغة أهل التصوف والعرفان، ومما يؤكد هذا الاستنتاج أنه يعتبر العقل أشبه بالحاوية التي يُحتفظ فيها بمجموعة من المفاهيم، إن لم يكن الايمان صلة حيّة متوثبة بالله تعالى، يقول: ((هي بمثابة مومياءات محنّطة خاوية مفرّغة من أية حيوية متدفقه)) عبارته تقوي ترجيحنا أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو أقرب إلى أهل المعرفة والتصوف، يرى أن ((الإيمان تجربة ذاتية تنبعث في داخل الانسان، إنّه صيرورة تتحقّق بها الروح وتتكامل، ونمط وجود يرتوي به الظمأ الانطولوجي للكائن البشري.))

 كلام سليم للدكتور الرفاعي فبمقدار تحقق الايمان في نفس الانسان تتحق وظيفة العقل، فالعلاقة تكاملية، في حالة عدم تحقق الايمان، واختلال العلاقة بين القلب والروح من جهة، والعقل من جهة أخرى، يتحول العقل حينئذ إلى مجرد وعاء لتكديس وتخزين المعلومات والمفاهيم.

 استوحي من كلام الدكتور عبد الجبار الرفاعي أن ألايمان أولا ثم العقل، لكن أرى أن العكس هو الصحيح، أن باب دخول إلايمان إلى حاضنته (القلب) هو العقل. والدليل أن المجنون وفاقد العقل قلبه فارغ من الإيمان، لأن بوابة دخول اشعاع الايمان معطّلة؛ فالعقل أول من يفكر بقدرات الله تعالى وبخلقه ونظمه وسنَنِه في الكون والانسان وجميع المخلوقات، فتزداد الطاعة والخشوع والشعور في القلب نحو الله الخالق العظيم. مفتاح دخول الايمان الى القلب هو العقل، والقلب هو حاضنة للإيمان، الإيمان شعور موطنه القلب تختلف قوته وسعته في القلب من شخص لآخر حسب قوة ورسوخ الإيمان، فيزداد هذا الضوء إشعاعا أو ضعفا وقد يزول الاشعاع، وفقا لنشاط العقل، فهو باب دخول إشعاع الإيمان الى القلب.

 الدكتور عبد الجبار الرفاعي جعل العقل متلقيا من القلب، وفي تقديري العقل المفكّر هو باب دخول الإيمان إلى القلب، نعم طبيعة التفكير والأفكار التي تجول في العقل لها دور في تحديد مسار الإيمان، فصاحب العقل قد يكون مؤمنا وقد يكون غير مؤمن، وقد يكون ملحدا، العقل هو مصدر انتاج الفكر المنتج لشعاع الإيمان لينتقل إلى القلب والروح.  يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن الإيمان،  (ص36):

 الإيمان من جنس الحالات، عبارة الدكتور الرفاعي صوفية أخذها عن ابن عربي كما صرح هو بذلك، وذكر المصدر الذي أخذ منه عبارة ((قوالب الألفاظ والكلمات لا تتّسع لمعاني الحالات))(5) في حاشية كتابه، يعقب الدكتور الرفاعي على ذلك: ((ولا يعني ذلك الدعوة لتصوف مقنّع))، عبارته توحي قربه من التصوف، لكن ليس تصوف الخلاص الفردي (التصوف المقنّع) الذي يؤول إلى العزلة والانفصال عن المجتع كما يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي. بل هو التصوف الذي يقترب من الآخر. أي التصوف الاجتماعي، هذا ما افهم من كلام الدكتور الرفاعي. 

 أكّد الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه على النموذج الانساني في التغيير بقوله (ص10): ((لا قيمة لأفكار تتصل بالدين لا صلة لها بمثال بشري مجسّد، في القرآن الكريم وغيره من الكتب المقدسة يقترن الإيمان دائما بأمثلة بشرية مجسّدة للأنبياء ومن يؤمن بهم)). كلام صحيح يتوائم مع نظرية القرآن في التغيير. في تقديري أنّ كتابه جدير بالقراءة المتأنية من قبل الجيل الجديد خاصة، ليكون خير واق لهم من الوقوع في الأطر الفكرية الدينية النسقية، التي تؤخذ بالانسان ليرسم صورة عن الدين من خلال رؤى تأريخية تحمل صفة القداسة، مهمتها منع الاختراق الفكري المتنور المؤطر بالإيمان، الذي يراعي تطور الانسان في المجالات الحياتية المختلفة. كتابه دعوة ليسير الدين في مساره وسياقه الطبيعي، وعدم استعمال الدين خارج هذا السياق، في رأيه توظيف الدين يبعده عن غاياته ومقاصده.

 أرى سؤالا يطرح نفسه، هل الدعوة إلى الإسلام السياسي نوع من توظيف الدين خارج المسار الطبيعي؟ 

لم يصرّح المفكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي بذلك، لكنّ استوحي أنه يعدّه توظيف خارج السياق؛ الذي يؤول إلى مصادرة اتجاه من الثلاثية على حساب اتجاه آخر وقد يؤدي إلى الإخلال في مسار الاتجاهات الثلاثة (الروح والقلب، والعقل)، وربما تفقد الثلاثية إطار الإيمان الذي يجب أن تتأطر به. يدعو لتسير المسارات الثلاثة معا لتحقيق الهدف والغرض من الدين، يقول عن اطروحته الفكرية في كتابه (ص11): ((فلم يحذف أحدهما، ولم يختزلها كلّها بأحدها الناس حيارى بين من يتبنى العقل بلا قلب وروح، ومن يتبنى القلب والروح بلا عقل.)) أرى اطروحته الفكرية ليست تنظيرا بعيدا عن الواقع، بل هي متبناة في الميدان الاجتماعي للمسلمين، من قبل النماذج البشرية القدوة، وقد أشار الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى ذلك (ص10) في كتابه، من خلال النموذج البشري الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم لشخصية الانبياء ومن آمن بهم. 

يرى التقولب في أطر محددة لتفسير الدين تنشأ بمرور الزمن تبعا لتمثلات الدين في حياة الإنسان، ويضيف (ص11) هذه التمثلات تفرضها حاجة الانسان وثقافته المحلية، وهي لا تعبر بالضرورة عن جوهر الدين، يرى أن النص الديني قد يكون أسير إسلام التأريخ ويعني بإسلام التأريخ الشروح والتأويلات للنص التي تتراكم بمرور الزمان، لا يؤيد أن يكون النص أسير هذه الشروح والتأويلات، التي غالبا ما تتحول إلى مقدسات، ومفسّرها مقدسا لا يخضع للنقاش والمسائلة في أفكاره. 

 عندما يتكلم الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن الدين إنما يعني في تقديري جميع الاديان السماوية؛ وعندما يتحدث عن تأريخية النص، يعني مفسّري النص في مرحلة تأريخية معينة، ولم يبين لنا دور عامل مهم في رسم صورة الدين، هو العامل السياسي والسلطة القائمة ودورها في رسم صورة ومسيرة الدين، أكّد المؤرخون وعلماء الاجتماع أن للحاكم دورا مهما في تحديد مسارات الدين ورسم صورته، من خلال طبقة من الفقهاء تحيط بالسلطة، لا يمكن إغفال العامل السياسي ودوره في تحديد مسارات الثلاثية، (القلب والروح والعقل)، التعامل سياسيا مع هذه الثلاثية التي أكّد أهميتها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأكد متانة الرابطة بينها وبين الإيمان؛ التعامل معها كان يجري وفق مصلحة السلطان.

 لابد من الإقرار أن بعض الأشخاص أو المجموعات من الناس البعيدون عن السلطة، يرسمون مساراتهم وفق رؤاهم الخاصة، فلا تستطيع السلطة أن تؤثر في مساراتهم، لكن من تشخصه السلطة من هؤلاء يصبح عدوا لها، أرى أنّ اتجاه السلطة الديني هو الغالب والسائد منذ العصر الأموي والعباسي حتى يومنا هذا، من هنا تدخل الأيدولوجية الدينية وسيلة دفاع عن المسارات الدينية المعارضة.  

أرى أنّ ثلاثية القلب، الروح، العقل، ليست اطروحة عصرية بل هي تأريخية، فقد سارت مع بزوغ فجر الاسلام، ويوجد في التأريخ مَنْ مثّل الثلاثية خير تمثيل، نبي الاسلام محمد (ص)، والأئمة الأطهار من بعده، الذين مثّلوا الاسلام نموذجا وقدوة في الحياة، ومن سار على نهجهم من العلماء والمحبين والتابعين، لكن وجود القدوة لم يمنع فقهاء السلطان من خلط المسارات، أو مصادرة بعضها أو الغائه، ومن يتابع التأريخ لا يجد صعوبة في التشخيص، تدخلات السلطة سببت عدم التوازن في مسيرة الثلاثية، فاختّل ميزان الايمان الذي يجمع المسارات الثلاثة.                   

 يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي (ص11): ((موقف ((داعية العقل)) قد يفضي إلى موت الروح وانطفاء نور القلب، وموقف ((داعية الروح والقلب)) غالبا ما يفضي إلى الغرق في الخرافة والضياع في الوهم، ومحو الحدود بين الله من جهة، وبين الآلهة الزائفة وتقديس ما لا يستحق التقديس من جهة أخرى.)) 

كلام صحيح وسليم، نستوحي منه دعوته للاهتمام بالعقل والقلب والروح، وعدم تحييد أو مصادرة اتجاه على حساب اتجاه آخر، دعوة لإظهار الاسلام بصورته النقية الواضحة، بعيدا عن الاتجاهات الفكرية الفلسفية والكلامية التي ترتبط بالعقل فحسب، أو الصوفية والعرفانية التي ترتبط بالقلب والروح فقط، الدين السليم هو من يبني الإيمان الذي يوجه المسارات الثلاثة وفق النموذج الحي في المجتمع، وقد أكّد القرآن حقيقة أن التغيير الاجتماعي يبدأ من الذات لينطلق إلى الآخر، بآلية التغيير وفق النموذج والقدوة في قوله تعالى:

 ((إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم))(6 ) 

أرى الدكتور الرفاعي يدعو ليأخذ العقل دوره في كل مرحلة زمنية، وأن لا يكون العقل أسير الإطروحات العقلية التأريخية، فلكل مرحلة زمنية حاجاتها. يرى أن العقل عندما لا يكون فعّالا، يصبح أسير الاطروحات العقلية التأريخية التي قد لا تناسب العصر الذي نعيش فيه، وهذه حقيقة فلكل عصر حاجته ومفاهيمه ضمن دائرة الايمان، أستوحي من كلامه أنه لا يدعو لانطلاق العقل وحريته بعيدا عن مسار الايمان الروحي والقلبي، فالدين المتكامل يرتكز على ثلاث ركائز متوازية هي القلب، الروح، العقل، الإخلال في مسيرة الثلاثية يولد التشويه. هذه رؤيته ونظريته عن الدين، أرى أنّها رؤية سليمة تدعو للمحافظة على الدين الحي النقي.

يرى الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنّ تبنّي مسار العقل فقط يذهب بنا الى الاتجاه الفلسفي الكلامي، حيث تنشأ مشكلة الأدلجة بعيدا عن الإيمان والروح والقلب. والاتجاه الى الروح والقلب فحسب يقود إلى العزلة وإظهار الدين منغلقا قاصرا عن تلبية حاجات الانسان والمجتمع الحياتية والفكرية؛ فنشأت المذاهب الصوفية الفردانية بمساراتها المختلفة واطروحاتها بعيدا عن العقل والواقع في الغالب، ولا يؤيد الدكتور الرفاعي الاتجاه الصوفي الذي سمّاه الفرداني.

 أرى أنّ عزل العقل أو تجميده وتحييده أنتج التكفير الذي نعيش آثاره السيئة اليوم. وقد أشرّ الدكتور الرفاعي على هذا الخلل في كتابه عندما يقول في المقدمة (ص11): معظم الكلام في الدين غامض تختلط فيه المسارات؛ كلام صحيح، هذا الاختلاط سببه أهمال العقل على حساب القلب والروح أو العكس. 

 في تقديري ليس العامل الشخصي أو الاجتماعي فحسب مَنْ يربك المسارت الثلاثة  بل للعامل السياسي والسلطوي الدور الأكبر في هذا الانحراف والتشوية، عندما يدفع باتجاه أو مسار معين على حساب المسارات الأخرى، والهدف السلطوي إنتاج الإرباك في العلاقة بين ثلاثية (القلب، الروح، العقل)، لتحقيق هدف السلطة في تخدير الجماهير وتطويعها خدمة للسلطان، والذي يتولى هذه المهمة وعّاظ السلطة. 

  أتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في موقفه من ثلاثية العقل والروح والقلب، بأن تسير الثلاثية في سفينة الإيمان، متجسدة بالقدوة الحسنة. ولا أتوافق معه عندما يقول (ص11) أنّ سبب الإخلال في مسارات الثلاثية هو فقط ((تقاليدنا وعادتنا وثقافتنا.)). بل ذهب إلى أنّ ((سرّ فشل دولنا وهشاشة مجتمعاتنا)) هو التقاليد والعادات والثقافة السائدة. 

لا اتوافق معه في هذا المحور لأن السلطة القائمة ليست نتيجة للإخلال في المسارات، بل هي سبب وعامل مساهم في هذا الإخلال، إضافة إلى العوامل التي ذكرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي في تشويه الدين وخلق الدين البديل، السلطة من خلال أدواتها عامل رئيس في اللعب بمسارات ثلاثية القلب والروح والعقل.

 السلطة الظالمة عامل مؤسس للانحراف، وإشاعة ثقافة الانحراف في مسارات  الثلاثية، وتأثيرها أكبر من تأثير العادات والتقاليد، والثقافة السائدة قد تكون ثقافة السلطة، أرى ثقافة السلطة سبب رئيس في خلط هذه المسارات، بتغليب الدين الذي يخدم السلطان ويطوّع الجماهير لمصلحة السلطة القائمة، من خلال التصرف والتحكم في ثلاثية العقل والروح والقلب، وتسويقها بالشكل الذي يخدم السلطة القائمة، ولفقهاء السلطة اليد الطولى في نشر الثقافة التي تخدم السلطان، وهؤلاء الفقهاء أشار إليهم الدكتور علي الوردي في كتابه ((وعاظ السلاطين)).

الشعوب ضحية ثقافة السلطة، وثلاثية القلب والروح والعقل، بضاعة السلطة التي يسوقون فيها ثقافتهم، من خلال أدواتهم فقهاء السلطان؛ فانحرف الدين عن مساره الطبيعي، من خلال الحلف الشيطاني بين الحاكم الجائر والفقية المرتزق، ففقدنا النموذج الحي الذي يقتدي به الآخرون؛ الحلف الشيطاني بين الفقيه والسلطان، ليس خاصا بعالمنا الإسلامي، بل هو في جميع المجتمعات المسيحية واليهودية. 

من مجمل هذه العوامل حصل الانحراف في ثلاثية الروح والقلب والعقل. ففقدنا النموذج المثال، والضحية الجماهير المظلومة، التي استلمت دينا غير الدين الذي يريده الله تعالى. دين الله هو دين المحبة والسلام والانسانية ومقاومة الظلم. 

أخيرا تقديرنا الكبير للمفكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ونأمل أن نلتقي معه في مقالات أخرى، من خلال قراءة كتبه القيّمة، لنستفيد من فكره وتجربته. 


المصادر: 

(1): ar.wikipedia.org.

(2): مقابلة مع قناة العراقية الفضائية، 30/ 12/ 2017م.

(3): معجم المعاني الجامع، almaany.com.

(4): بكري علاء الدين، سوسن البيطار، موقع المكتبة العامة، maktaba.- amma.com.

(5): ابن عربي، محي الدين، تنزل الاملاك من عالم الارواح إلى عالم الافلاك، تحقيق: طه عبد الباقي وزكي عطية، دار الفكر العربي، بيروت، ط1، 1961م، ص116.  

(6): الرعد: 11 .

 


علي جابر الفتلاوي


التعليقات




5000