.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حروف في وجه النسيان / الجزء الرابع

عبد الواحد حنو

إنها البداية، لكنَّه ما زال خائفا من غدر الموت، وبذلك تكون كلماته هاته بمثابة جملة من مقدمة كتاب غامض لمؤلف مجهول. لا زال لم يكتب أي شيء... بدأت جفونه تنكسر، والنوم يغازل تعبه طمعا في امتداد جثته قربانا لأحلام ضائعة.

 

ماذا إن تاه في نهر نومه وجرفته مياهه إلى بحر نوم أبدي؟ ماذا إن اسودت الرؤيا أمام أعينه دون أن يُدَوِّنَ إرث سواد معاناته مع التسلط و الاستبداد؟ ماذا إن ذهب و لم يعد؟ أسئلة جعلته يطلب قهوته السوداء الثانية، وعلبة سجائر أخرى. ثم استمر في الكتابة:

أيقنت أمي أنني وقعت ضحية الكلاب البرية. هذا ابنها الذي ليس له غير بيت بئيس يكتريه وسط مدينة يقال عنها أنها عاصمة التهريب، وفي البيت كتب و أوراق و مذياع قديم للاستماع إلى أغاني ’’لالا بويا‘‘...


ربما خُيِّلَ إليها ابنها كظبي انتهى به الركض بين مخالب وحوش الغابة.

التفتت يمينا و شمالا، وقالت بصوت أكاد أسمعه:


- أوصيك دائما يا بنيّ أن لا تجازف باللعب مع الكبار!.. أنت تعرف أنه لا حول ولا قوة إلا بجبروتهم وجبنهم!.. أما نحن الصغار من بين الصغار فلا نملك غير صمتنا مؤونة لبؤسنا، نعدّ بها أيامنا التي بقيت عالقة في حلق طغيان إلتهمنا منذ زمن...

حاولت أن أتكلم، وأومأت لي بالصمت، واضعة سبابتها بشكل عمودي على شفتيها وهي تعصر حرف الشين: ’’شْششششتْ‘‘!.. 


أضافت قائلة: ’’أنت يا ولدي لست الكُلّ، والكُلّ ليس أنت، فحاول أن تكبح عواصف صمتك بين جدران صدرك، خير لك من أن تُنْهك بين جدران سجونهم، وتحت رحمة ركلاتهم‘‘...

أدركت أن أمي تعرف اللعبة جيدا، إلا أنها ترفض أن تشارك لأنها ضعيفة، ولعبتهم محرمة على الضعفاء... لقد حاولتُ ربما من بعيد أن أقتحم ميدان لعبهم، وإذا بي أستفيق من غيبوبة لكماتهم لأجد نفسي معلق الأطراف على سرير المستشفى... من منا لا يدرك اللعبة؟ قد ندفع جهلها ثمنا للخوف من بطشهم، وينتهي بنا الوضع في ركن صمت يجثم على صدورنا بين دهاليز صبر كئيب...

هكذا هن الأمهات، يدركن ولا يدركن، المهم أن يعاين نبض الحياة في شراين الأبناء الممزوجة بالغضب الجامد...

كل ما يعرفنه أن اللعب حرِّم علينا، كما الكلام و الصمت المزعج... زيعرفن ان اللعب أصناف؛ لعب مباح ولعب مستحب و لعب مرفوض...


حاولت أمي أن تتكلم مع الطبيب... وقف لثوان معدودة وهو يراقب توسلها، ثم هرول مسرعا ليكلمها بقفاه قائلا:   لا تستعجلي...


وأنا مستلق، معلق الأطراف، أفكر في جموع المصلين في مسجد الحاج المصطفى وسط الناظور وهم ينقضّون على أحذيتهم ويتكدسون قرب الأبواب. و الباعة المتربصون لخروج جحافل المصلين ينفخون في أصوارهم مستدرجين زبناء من نوع خاص، زبناء لا وجود للوقت في قاموسهم. ونساء باسطات أيديهن أمام أبواب المسجد الضخمة، وأعينهن الغائرة ترمق الجحافل المندفعة... يسابق أنينهن صراخ الباعة، وآيات قرآنية يتلوها ضرير بطريقة سريعة وهو باسط يده ينتظر رحمة بعض الدريهمات... 

تندفع أمواج المصلين من المكان المقدس إلى فضاء مدينتهم «المدنس». مدينة ألبسوها أقنعة المحظور وزجّوا بها في براثن الهامش، معلنين عن عزلتها لتبقى رهينة النظر إلى بحر يمتطيه الأهالي طمعا للوصول إلى ضفة تأويهم...


ذبحت المدينة على شفا لقمة معلقة في الضفة الشقراء، وعيون الأمل تهاجر قسرا من تراب ريف أُلْبِسَ ثوب سخط المركز.

 

لا شيء ينم على مستقبل تزهر فيه الحدائق الذابلة. مدينة لا مسرح فيها ولا مكتبة ولا... لم يعد فيها غير أنقاض قاعة سينما الريف التي أبيدت وغدت قطعة أرض يقضي فيها المتسكعون و المجانين حاجتهم، وفندق الريف الذي كان قد خطا خطوته في البحر وكأنه يشارك الأهالي هوس الهجرة، أبيد بدوره ولم يعد له وجود...


ما ذنب البنايات التي تحمل إسم الريف؟..


أعود بتفكيري من زحمة عربات بائعي الخضر التي تتخلل سيارات الأجرة، ويستقر في مسمعي أنين امرأة تبكي ألمها، وقلوب الرحمة تائهة تلاحق حافظات نقود أهالي المرضى.


سألت أمي: 


- ما خطب هذه السيدة؟

 

-المسكينة... دهستها سيارة، تركوها تتمرغ في دمائها و لاذوا بالفرار...

- تبا... وهل لها أبناء؟


-  ابنها الوحيد يعيش في فاس، لم يعد يسأل عن أحوالها...


-  مسكينة ! تبا لمثل هؤلاء الأبناء، تبا لفاس التي ابتلعت ابن هذه المسكينة... 


اقتربت مني ممرضة، أكاد أرى بياض بذلتها. شبح أبيض بالقرب مني. لا زال أنين المرأة يملأ المكان حزنا. حاولت أن أقنع الممرضة أن تعتني بها و أن تعطيها مسكّنا لألمها، وإذا بها تصرخ في وجهي بصوت يجمع بين الأنوثة والخشونة: إبْكِ على حالك أيها المسكين، لا يهمك أمر المرأة.

تذكرت سقوط حمار في حفرة بواد ’’شارظ‘‘، فتكسرت ساقه. تركه صاحبه هناك ليقتات من خشاش الأرض، وجرده من بردعته التي حملها على كتفه ليرجعا الى المنزل، في انتظار أن يشتري حمارا يُلْبِسُهُ إياها.


ظل هناك الحمار لأسابيع، يأكل من كلأ ضفة الوادي ويشرب من ماءه المالح. يمر عليه كل يوم سكان القرى المجاورة ليجدوه يقفز كعادته على ثلاثة أرجل. يرددون لازمتهم كلما مروا عليه: مسكين حمار فلان، لا يريد أن يموت!


حتى مر من هناك سائح إسباني كان يتجول بسيارته، يريد أن يكتشف المكان، فوقعت أعينه على الحمار المكسور الساق، أشفق لحاله، وقاد سيارته نحو مدينة مليلية، أتى بضمادات وأدوية لتنظيف التورم ومسكنات الألم، قام بتخديره و وضع جبيرة على ساقه. لما شُفي، امتطاه أحد المارة وباعه في سوق جمعة آيت بورمانة

.

قصة حمار واد ’’شارظ‘‘ فتحت صنبور أسئلة تهاطلت في مخيلتي؛ ماذا لو كانت العجوز في مستشفى إسباني؟  هل سيظل أنينها يكسو المكان حزنا؟  وهل ستترك وحيدة تقاوم ألمها على شبه سرير؟ ...


ثم أعود لأقارن بين حمار في يدهم وامرأة عجوز في يدنا، فأكتشف أن الأمور أعمق و أشْكَل مما قد يُتصور...

*****

(يتبع)..


عبد الواحد حنو


التعليقات




5000