.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ليلة تسليم جلجامش لليهود؛ فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (30)

د. حسين سرمك حسن

# سياسة خلع المقبوسات من سياقها :

---------------------------------- 

ومن أخطر السلبيات التي صارت للأسف سمة اشتغال الباحثين "الحداثويين" العرب ، هو الإقتباسات المُجتزأة التي تُخلع من سياقها (وأؤكد دائما على السياق) . يأخذ الباحث جزءاً من مقطع أو نص طويل ليدعم آراءه ، وحين نعود إلى النصّ الأصلي الكامل نجد أن قراءته متكاملاً من ناحية ، وضمن "سياقه" الشامل من ناحية ثانية ، وداخل "إطاره" الكلّي من ناحية ثالثة ، تقدّم صورة ليست مغايرة للنتائج التي توصّل إليها الباحث حسب ، بل مناقضة لها جذريا . 

ولعل من أفضل الأمثلة على سياسة خلع المقبوسات من سياقها لخدمة الهدف المسبق للباحث هو ما قام به ناجح في المقبوسين اللذين افتتح بهما هذا القسم (ملحمة جلجامش وقصّة يوسف التوراتي) ، وحاول من خلالهما إثبات أن جلجامش يشبه يوسف التوراتي . ففي المقبوس الثاني اقتطع ناجح هذه الأسطر :

(بعد أن خلق جلجامش وأحسن الإله العظيم خلقه حباه "شمش" السماوي بالحسن وخصه "ادد" بالبطولة ، جعل الالهة العظام صورة جلجامش تامة كاملة - ص 195) (8). 

ثم يذكر مقبوسا توراتيا من سفر التكوين يقول :

(وأما اسرائيل فاحب يوسف اكثر من سائر بنيه لانه ابن شيخوخته. فصنع له قميصا ملونا فلما رأى اخوته ان اباهم احبه اكثر من جميع اخوته ابغضوه ولم يستطيعوا ان يكلموه بسلام - ص 195) (9)

سأعيد جانبا من الاختلافات الشاسعة التي قفز فوقها ناجح ، ولكن من خلال النصّين ، نفسيهما ، اللذين استند إليهما ناجح معتقداً أنهما نصّان للتشابه وللتناص : 

# نص الملحمة يتحدّث عن الصورة الخارقة التي خلق بها الآلهة جلجامش 

   أمّا نص التوراة فهو يتحدث عن حبّ يعقوب المفرط ليوسف . 

   فما هو وجه الشبه ؟ وما هذا التلفيق ؟

# نصّ الملحمة يتحدّث عن الكيفية التي حبا بها الإله شمش جلجامش بالحسن      

   ، وكيف خصّه الإله "أدد" بالبطولة .

   ونص التوراة يتحدث عن صنع يعقوب قميصا ملوّنا ليوسف وكيف أثار هذا القميص حسد إخوته (وسوف نتوقف قريبا وبصورة وجيزة عند مشكلة القميص هذه) . 

   فأين وجه التشابه ؟ وما هو الدافع لهذا التلفيق ؟

# نصّ الملحمة يتحدّث عن أن الآلهة العظام جعلوا صورة جلجامش تامة 

   وكاملة .

   في حين أن نصّ التوراة يتحدث عن كُره إخوة يوسف له لأن أباهم يحبّه 

   أكثر منهم .

   فما هو وجه التشابه ؟ ولماذا هذا التلاعب بعقولنا كقرّاء ؟ 

والآن ، سوف أنتقل إلى موضوعة "خلع" الإقتباسات من سياقها وانتزاعها من إطارها ، فأقدّم إلى السادة القرّاء جزءاً من العمود الثاني من الملحمة الذي خلع ناجح اقتباسه منه تاركا لهم العودة إلى العمود كاملا :

(بعد أن خُلق جلجامش وأحسن الاله العظيم خلقه 

حباه "شمش" السماوي بالحسن وخصه "أدد" بالبطولة 

جعل الآلهة العظام صورة جلجامش تامة كاملة 

(وإلى هنا انتهى اقتباس الأستاذ ناجح)  

كان طوله أحد عشر ذراعا وعرض صدره تسعة أشبار

ثلثاه إله ، وثلثه الآخر بشر 

وهيئة جسمه مخيفة كالثور الوحشي 

وفتك سلاحه لا يضاهيه ويصدّه شيء 

وعلى ضربات الطبل تستيقظ رعيّته - ص 77) (10).

والمقصود بضربات الطبل – على الأرجح – هو استدعاء جلجامش لرعيته بضرب الطبول لاستخدامهم في أعمال السخرة - ص 77 هامش 64) (11).

والآن ؟ هل في يوسف شبه من جلجامش ؟ 

لنكمل السياق :

(لازَمَ أبطال "أوروك" حجراتهم ناقمين مكفهرين 

لم يترك "جلجامش" ابنا طليقا لأبيه

لم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار 

أهذا "جلجامش" راعي "أوروك" المسوّرة ؟

أهو راعينا القوي ، الكامل الجمال والحكمة ؟ 

لم يترك جلجامش عذراء طليقة لأمها 

ولا إبنة المقاتل ولا خطيبة البطل - ص 77) (12).

فهل هناك شبه بين حسد أخوة يوسف له ، وبين السلطة المطلقة التي مارسها جلجامش على شعب كامل هو شعب أوروك ؛ "مدينة الأسوار" كما كانت توصف في الأساطير ؟ 

والله عجيب هذا التأويل من ناجح .. ولا يمكن أن يستوعبه عقل حتى القرّاء المبتدئين ! 

# ظاهرة اللعب بالألفاظ والمصطلحات الحداثوية :

---------------------------------------------- 

ومع ظاهرة الخلع والإجتزاء السلبية التي أشرت إليها قبل قليل ، هناك ظاهرة سلبية أخرى لا تقل خطورة وإرباكا ، وهي ظاهرة اللعب بالألفاظ والمصطلحات التي تعرّضتُ إلى جانب بسيط منها سابقاً . فأبو جلجامش هو الملك "لوكال بندا" ، ولكن من خلقه هو إله بمثابة الأب ، وهذا شائع في الأساطير العراقية القديمة (لقد خلقته الآلهة العظام : أنو إله السماء ، وأنليل إله الهواء ، وشمش إله الشمس ، وأدد إله الرعود والأمطار والعواصف) ، وأمّه إلهة هي الإلهة البقرة "ننسون" ، بينما أبو يوسف بشرٌ مثلنا ، وهو راعي بدوي اسمه "يعقوب" ، وأمّه امرأة بدويّة مثل أي امرأة أخرى هي "راحيل" ، فأين الشبه أيها الأخوة في الإنحدار العائلي لكلا الطرفين ؟ 

الجواب ببساطة هو أنه لا يوجد شبه على الإطلاق . لكن ناجح يعارض كل هذه الإختلافات ، ويؤكد ليس على وجود تشابه بل تطابق !! معتمّداً على اللعب بمجموعة من المصطلحات الحداثية مثل : التناص والقلب والزحف والمهيمنات والإزاحة ، وهي مصطلحات نعرفها جيّداً ونستخدمها في مواضعها الدقيقة نحن النقّاد الكلاسيكيين المساكين . 

يقول ناجح ليثبت تشابه الأصل العائلي لجلجامش ويوسف التوراتي :

(جلجامش ابن لوجال بندا ويوسف ابن يعقوب . الالهة ننسون ام جلجامش وراحيل أم يوسف امرأة عادية والتناص هنا مقلوب أيضا . فما كان مقدسا في أمومة جلجامش زحف ليكون في ابوة يوسف ويبدو بان مهيمنات الديانة القمرية / سلطة الالهة الام ، لما تزل في النظام المعرفي العراقي القديم حتى بعد ازاحة تلك السلطة وصعود السلطة الذكرية / الشمسية . لذا ظلت هيمنة الام ماثلة في نص الملحمة - ص 196) (13).

ولاحظ كيف حاول ناجح الإستخفاف بعقولنا من خلال إدهاشنا بلعبة من الصياغات اللغوية الغريبة ، ومجموعة من المصطلحات ، واللعب على الوتر المشروخ المرتبط بألفاظ سلطة الأب وسلطة الأم والسلطة الذكرية والقمرية والشمسية القضيبية ... إلخ مما في جعبته من مصطلحات محدودة يصقل بها ويعيد . ولم .. ولن  يفلح أبداً في إقناعنا بوجود تشابه بين أبوي جلجامش العراقي وأبوي يوسف التوراتي اليهودي ، مهما لعب بالألفاظ والمصطلحات ، لأننا نمسك بعقولنا بإحكام ونفحص وندقق بهدوء ، ولم نُصب بعدوى القراءات "الحداثية" السريعة والمنبهرة . يقول ناجح مواصلا التبرير الفاشل :

(ويلاحظ بان التناص موجود من خلال الاختلاف الحاصل والقلب والتحوير ولم يكن تناصا كليا لكنه يؤشر لمثول التأثير فالام في الملحمة ذات صفة مقدسة والاب في القصة التوراتية مقدس ويبدو ان السلطة الذكرية / الشمسية – ولانها متأخرة جدا – مارست عملية ازاحة السلطة القمرية / سلطة الالهة الام ، وحلت بديلا لها - ص 196) (14).

ولم يستطع ناجح - وهو يعيد ويصقل نفس الأفكار المحدودة التي يجترها في كل صفحة - أن يبرّر من جديد وجود أي تشابه بين جلجامش العظيم ويوسف التوراتي . ما حصل هو أنه وقع في مصيدة تأويلاته العشوائية التي يتلاعب بها بعقول القرّاء . ودعوني أسألكم : 

ماذا قال ناجح في الإقتباس السابق الذي ضم المحاولة التبريرية الأولى ؟ 

قال : ظلّت هيمنة الأم / السُلطة القمرية ماثلة في نص الملحمة حتى بعد إزاحتها وصعود السلطة الذكرية الشمسية ، والآن في المقبوس الثاني ، وهو المحاولة التبريرية الثانية .. ماذا يقول ؟ 

يقول : إن السلطة الذكرية / الشمسية مارست إزاحة السلطة القمرية / سلطة الإلهة الأم وحلّت بديلا لها !! يا للإكتشافات الهائلة !! إنها نفس الأفكار والجمل تقلب على اليمين تارة ، وعلى اليسار تارة أخرى !! 

يواصل ناجح القول :

(أ = الملحمة (الانوثة القمرية)

مقدس 

ب = قصة يوسف (الذكورة الشمسية - ص 196) (15).

وهذا أعجب تناقض يعكس ارتباك الباحث . ومن حق القارىء أن يسأل ناجح : ثمّ ماذا ؟ أ = الملحمة .. ب = قصة يوسف .. ثم ماذا ؟ إذا سرنا على الخط الظاهر للكلمات فإن الملحمة تناقض القصة التوراتية جذريّاً لأنها ملحمة الأنوثة في حين أن القصّة التوراتية هي قصّة الذكورة .. فكيف "يتناص" نتاجان من نمطين حضاريين متعاكسين ؟ 

العجيب والغريب أن ناجح يلصق بالجملتين السابقتين ، وبصورة مباشرة ، نصّاً من الملحمة لا نعرف ما هي علاقته بالعبارات السابقة ولا بالأفكار السابقة التي كرّرها عن أبوَي جلجامش ، وأبوَي يوسف التوراتي ، حيث يقول :

(-ساجعل اهل "اوروك" يبكون عليك ويندبونك

وساجعل اهل الفرح يحزنون عليك

وانا نفسي (بعد ان توسد في الثرى) ساطلق شعري 

والبس جلد الاسد واهيم على وجهي في الصحاري – الملحمة /128) (ناجح ص 196) (16).

ثم ينقل ناجح  ، وفورا ، نصّاً من التوراة يعكس حزن يوسف على أبيه يعقوب ، وبكاءه عليه : 

(-فوقع يوسف على وجه ابيه وبكى عليه وقبله وامر يوسف عبيده الاطباء ان يحنطوا اباه. فحنط اسرائيل وكمل له اربعون يوما ، لانه هكذا تكمل ايام المحنطين وبكى عليه المصريون سبعين يوما وبعدما مضت ايام بكائه كلم يوسف بيت فرعون ... ووضع لابيه مناحة سبعة ايام فلما رأى اهل البلاد الكنعانيون المناحة في بيدر اطاد قالوا هذه مناحة ثقيلة للمصريين وصعد معه مركبات وفرسان فكان الجيش كثيرا جدا . فأتوا الى بيدر اطاد الذي في عبر الاردن ، وناحوا هناك سبعة ايام مثلما رأى اهل البلاد الكنعانيون المناحة في بيدر اطاد وقالوا هذه مناحة ثقيلة للمصرييين – تك 5 : 1 – 11) (ص 197 ) (17). 

وهل عرفت سيّدي القاريء ما الذي يبغيه ناجح من هذين الاقتباسين : حزن جلجامش وبكاؤه على أنكيدو البطل العراقي الأسطوري الخارق الشجاع ، وحزن يوسف وبكاؤه على أبيه يعقوب العجوز البدوي المتهالك ؟ 

إنه يريد عمل "تناص" جديد وخطير ، لكنه لن يمرّ علينا أبدا ، فنحن - وبتواضع - مثقفون موسوعيون ومحلّلون ، لا نقل قدرة وكفاءة عن اي مثقف ومحلل عالمي غربي أو شرقي ، بل نحن أقدر من كثير من هؤلاء في دراسة اساطيرنا العراقية بعين عراقية فاحصة وبروح عراقية نابضة بالمشتركات الروحية الرافدينية العظيمة . لن تعبر علينا هذه التخريجات مهما كان لعبها اللغوي ومهما أتخمت بالمصطلحات ؟



د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000