..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
د.عبد الجبار العبيدي
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  

   
.............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


التراث العمراني لبغداد بين الرؤية والأمل ..

سالي المبارك

التراث العمراني لمدينة بغداد على مدى خطها الزمني منذ ان وضع أسسها الخليفة أبو جعفر المنصور بناءا على رؤية هندسية للمعماريان العربيان الإسلاميان الربيع بن يونس و أبان بن صدقة ، مرورا بكل المراحل التأريخية التي مرت بها تمثل إرثا حضاريا زاخرا ببعده التاريخي، و نمطه الحياتي المميز و نسيجه العمراني المتماسك و أهميته جاءت من كونه نتاجا يحتوي على طبقات متوالية من التاريخ البشري .

يبدو ان هناك اعتقاد سائدا" بأن القديم يرمز للتخلف و أن متطلبات التطور تستوجب الاهتمام بالاحتياجات العصرية و هو ما أدى في كثير من الحالات إلى إهمال نسيج مركز المدينة التأريخي .

لقد انعكس هذا الإهمال في ازدياد تردي حالة ما تبقى من عيون و مباني تراثية في مركز مدينة بغداد القديمة و تغير بنيتها الاجتماعية في عدد كبير من المناطق نتيجة هذا التجاوز. أن ضعف وهشاشة برامج المحافظة على المباني التراثية و حصر أهداف مخططات إدامتها على عمليات الترميم ساهم في تدهورها و جعل هذه البرامج ان وجدت عاجزة عن تحقيق الأهداف الكاملة المطلوبة منها. إن تغيير النمط الوظيفي لأحياء المدينة التأريخية و تحويله في معظم أجزائه أسواقا تجارية لتجارة الجملة و تراجع مستوى خدمات البنية التحتية المتوفرة و غياب استراتيجية شاملة و واضحة للتعامل مع المباني التراثية شكك في جدوى برامج و مشاريع إحياء الشواهد العمرانية على تأريخ مدينة بغداد العريق و بالتالي ترسخت سياسة إزالة معظم هذه الأبنية الذي يعيق مخططات تنمية مزعومة تتبناها الجهات البلدية المسؤولة عن مدينة بغداد .

المهندس المعماري العراقي تغلب عبد الهادي الوائلي و الذي تنظم له السفارة العراقية في المملكة المتحدة بالتعاون مع جمعية الكندي للمهندسين في بريطانيا  ومؤسسة تراث معرضا  بعنوان ( رؤى بغدادية ) أقيم في وسط العاصمة البريطانية – لندن . و على هامش المعرض كان لنا لقاء معه ليحدثنا عن جهوده التي عمل عليها منذ عام 2003 و لا زال مستمرا في الدفاع و الترويج لها في المحافظة على المباني التراثية و نظرته لأحياء المدينة القديمة باعتبارها الهوية التأريخية لمدينة بغداد ، علما ان المهندس تغلب الوائلي ألف كتابا ضخما معززا بالصور و المخططات الحضرية الهندسية لرؤيته في أحياء هذا المشروع.

ان إعادة تأهيل مركز مدينة بغداد التاريخي و إدماجه في محيطها الحضري بطريقة فاعلة يضمن استمرارية الدور الحضاري لهذه المدينة و يحافظ على مواردها و يساعد في التغلب على بعض المشاكل الاقتصادية بهذه المقدمة أبتدأ المهندس الوائلي حديثه .

إن النمو الملحوظ في حركة السياحة لفت الاهتمام بالمدن القديمة و الموروث العمراني حيث رأى الكثيرون في هذا التحول فرص اقتصادية جيدة. لقد أصبحت السياحة عنصرا فاعلا في تنمية المدن التاريخية القديمة وإعداد برامج لصيانتها . هذا التوجه نحو تهيئة المدن التاريخية للاستثمار السياحي يتطلب خطة أو استراتيجية محكمة لضمان تحقيق أكبر قدر من النجاحات و ابسط دليل ما جرى في بيروت من احياء لمنطقة السوليتير و أيضا في الدار البيضاء و مركز القاهرة التأريخي.

استراتيجية تنمية المدن التاريخية القديمة يجب أن تعتمد على فكرة التنمية المستدامة كمدخل للمحافظة عليها و إعادة تأهيلها للتغلب على بعض مكامن الضعف التي تواجه برامج أجهزة إدارة و تنمية و صيانة المدن القديمة  و حتى لا تقتصر الاهتمامات على المكاسب السريعة.

إن استراتيجية التنمية المستدامة للمدن القديمة يجب أن تتضمن ثلاث محاور أساسية لنجاحها: الاعتبارات البيئية والاعتبارات الاقتصادية و الاعتبارات الاجتماعية. الاعتبارات الأولى تشمل الإعداد الجيد للمخططات والتداخلات المعمارية المقترحة للمحافظة على المدن القديمة و أثر هذه التداخلات و غيرها على السكان و نسيج المدينة بشكل خاص و البيئة بشكل عام. أما الاعتبارات الثانية فتشمل إدارة الموارد المتاحة و تطويعها لإنجاح برنامج التنمية بطريقة فاعلة. الاعتبارات الاجتماعية تتضمن تأثير المخطط على الشرائح الاجتماعية المختلفة و مدى تفاعل و مشاركة هذه الشرائح مع برامج الصيانة و المحافظة على المدن القديمة. إن اختلال أحد هذه العوامل أو التقصير في التعامل معها بطريقة علمية صحيحة سيؤثر على البرامج الرامية لتفعيل حيوية المدن القديمة و إدماجها في محيطها الحضري. 

ترتكز فكرة التنمية المستدامة على مقدرة المخطط أو المصمم على العمل بتوافق مع المحيط بحيث تكون التداخلات المقترحة منسجمة مع احتياجات الناس وملائمة اقتصاديا و حسب الموارد المتوفرة. إن ذلك يعني باختصار مراعاة المصمم للاعتبارات البيئية و الاعتبارات الاقتصادية و الاعتبارات الاجتماعية بحيث تتوافق مقترحات المصمم و المخطط و الاحتياجات المعاصرة و لا تكون على حساب احتياجات الأجيال المستقبلية أو على حساب الموارد المتاحة بحيث لا يتم هدر أو استنزاف تلك الموارد.

أن إعادة  التأهيل أو المحافظة على المباني التاريخية يمكن تعريفها بالبرامج و الجهود الرامية للمحافظة على الموروث العمراني و المعالم التاريخية المهمة. و بغض النظر عن ما يمكن أن تتضمنه فكرة المحافظة على المدن القديمة أو المعالم التاريخية فان المدن التاريخية القديمة ليست مجرد مجموعة مباني قديمة أو ما قد يسميه البعض معالم عمرانية نادرة انتهت صلاحيتها الوظيفية بينما قيمتها التاريخية لازالت عالية مما يستوجب معه المحافظة على بعض المباني التاريخية أو أجزاء من تلك المباني لتكون بمثابة القطع النادرة التي تتواجد في المتاحف .

ان المدن القديمة لم ترتبط صلاحيتها بفترة زمنية محددة كما أن مكوناتها لا يمكن اعتبارها قطع استهلاكية. المدن القديمة كيان حضاري و معيشي معمر قد تتغير وظائف المباني فيها و تتغير ملامح فراغاتها و لكنها تستطيع دائما أن تحتفظ بوجودها و ملامحها الحضارية و تتلائم مع احتياجات السكان المعاصرة بحيث لا يمكن رؤية المدن القديمة بمعزل عن محيطها الحضري و احتياجات زوارها و حياة سكانها.

ان رؤية المهندس المعماري تغلب الوائلي ترتكز على ان المدن التاريخية القديمة فضاءات تم تكوينها بجهود الجميع و عبر فترات طويلة من الزمن و هي أماكن أسس فيها الناس مجتمعاتهم على مدى قرون طويلة فهي أماكن لها مكانتها و كيانها. المدن القديمة تمثل إرثا حضاريا زاخرا ببعده التاريخي، و نمطه الحياتي المميز و نسيجه العمراني المتماسك. و هي لم تنشأ بين عشية و ضحاها أو بناء على مخطط وضعه شخص واحد قد يتمثل في المعماري أو غيره. المدن القديمة إنجاز حضاري يصنعه الجميع ويعيش فيه و يتفاعل معه الجميع عبر تاريخ طويل.

تشترك فكرة إعادة التأهيل أو المحافظة على المعالم التاريخية و فكرة التنمية المستدامة في أنهما يستهدفان المدينة و بالذات الجزء التاريخي من المدن في كافة التدخلات. كما يشتركان في طريقة العمل فكلتا الفكرتين تتضمن مجهود مستمر، استمرار المدينة، و يعتمدان على الموارد المتاحة و المشاركة الأهلية والأجتماعية.

الاستدامة عند المهندس تغلب الوائلي ،هي اطالة عمر المبنى وحفظ التراث بغرض استعماله الاستعمال الأمثل. في حين ان فكرة الاستدامة السائدة بالنسبة الى المستثمر أو رجل الأعمال تعني الحصول على أفضل معدل للتنمية و بالتالي أفضل العوائد لما يتم إنفاقه أو صرفه على مباني قائمة أو مشاريع جديدة أو أية مشاريع استثمارية أخرى. هنا يبرز الجانب الاقتصادي كأحد الاعتبارات الرئيسة لفكرة الاستدامة. و هو ما يجعلها تطغى على أية اعتبارات اجتماعية أو بيئية أخرى مما يجعلها تتعارض مع فكرة المحافظة على المباني القديمة لسيطرة الجانب الاقتصادي على بقية الاعتبارات الأخرى. و هذا قد يبدو واضحا من زحف الكثير من مشاريع التنمية الحديثة على العديد من المدن التاريخية القديمة أو الاستعمال الغير مناسب للمباني التاريخية بغية تحقيق بعض المكاسب المادية. إن تفضيل الجانب الاقتصادي أثر على نسيج الكثير من المدن القديمة و جعلها في بعض الحالات جزر محاصرة بالمباني الحديثة ذات الطوابق العالية.

تردي حالة المدن التاريخية القديمة لم يكن نتيجة تدهور حالتها الإنشائية فقط بل أيضا نتيجة توزيع و توظيف أغلب الموارد الوطنية لبناء المشاريع الحديثة و عدم تخصيص جزء من الموارد لتنمية المدن التاريخية القديمة. لقد كان للمشاريع الحديثة العديد من التأثيرات الاجتماعية الاقتصادية و البيئية السلبية على المدن القديمة و يبدو هذا واضحا في الأبراج الخرسانية التي زرعت في وسط المدن القديمة وحولها بدعوى القضاء على المناطق المتردية و بناء مباني حديثة و عصرية. لقد أثرت المباني الحديثة و طرق التخطيط المعاصر على تنوع الخدمات التي كانت موجودة في المدن القديمة و استبدلتها بأحياء عصرية ذات وظائف منفصلة و هو ما أثار العديد من الأسئلة حول المفهوم الصحيح للتنمية.

يمكن تحقيق توازن بين الجديد و القديم دون أن يطغى أحد الاعتبارات على الجانب الأخر. يعني هذا أن تحتفظ المدن القديمة بخصائصها الطبيعية و المتمثلة في كثافة المباني داخل النسيج الحضري و توزيع الخدمات على كامل النسيج العمراني وعدم تجزئة المدينة إلى أحياء وظيفية متخصصة بل وظائف متداخلة تكمل بعضها البعض لراحة الناس. كما يعني هذا أن تحتفظ المدن القديمة بفعاليات سكانها المختلفة و لا تكون مدينة مهجورة أو للزيارة فقط. أي أنه يمكن تنمية المدن القديمة مع الاحتفاظ بالمساكن الفردية و المتاجر و الورش الحرفية الصغيرة و لا تكون مكان لتركيز بعض الخدمات التجارية أو الإدارية على حساب بقية النشاطات الأخرى. يتطلب هذا توافق بين خطط التنمية و مقترحات الصيانة و الحفاظ على المباني القديمة. 

من خلال الحديث و نسبة الألم التي تصاحبه على ضياع الهوية التاريخية لمدينة بغداد من خلال ضياع معالمها المعمارية التراثية و عدم تنميتها باعتبارها  موروث قديم أو أنها مناطق انتهت صلاحيتها الوظيفة تتضمن رؤية غير صحيحة. إن التوجه الملائم لتنمية المدن يكمن في إيجاد توازن بين القديم و الحديث من خلال إيجاد حوار متواصل بين الماضي و الحاضر و ترجمة هذا الحوار إلى مخططات موضوعية متوازنة تعيش الحاضر و تتطلع إلى المستقبل و لا تنفي الماضي. فإعادة إحياء المدن القديمة على أساس تبني فكرة التنمية المستدامة و المحافظة على المباني القديمة كمحرك أساسي للتنمية يمثل أحد المخارج الآمنة للتنمية الحديثة .

ان الرؤية لأحياء مركز مدينة بغداد التأريخي هي دعوة لم تكن لإعادة الماضي من خلال بعث قوالب جامدة أو اتخاذه وعاء لاحتواء احتياجات عصرية بقدر ما هي دعوة لمواجهة التاريخ و قراءته بذهنية ناقدة من خلال تحديد المناطق و المباني ذات القيمة المعمارية التاريخية و رسم برامج حمايتها و إعادة تأهيلها حسب الإمكانيات المناسبة و محاولة إدماجها في النسيج الحضري لبقية المدينة دون عزل هذه المباني و المناطق عن أوجه الحياة الحضرية المحيطة و دون تأثير على قيمتها التاريخية. و إصدار قوانين ولوائح خاصة بتنظيم نشاط البناء و الترميم والتعامل مع المدن و المباني القديمة و احتياجات الحياة المعاصرة و متابعة تطوير القوانين و اللوائح الحالية وتوفير الاحتياجات اللازمة من متطلبات البنية التحتية مع المحافظة على النمط المعماري للمدن القديمة. تفعيل مشاركة الجمهور البغدادي من أجل تقدير ما يقومون به وتحسيسهم بالمسؤولية تجاهه و مشاركة بقية شرائح المجتمع من رجال أعمال و مثقفين و مختصين في مختلف برامج الصيانة و المحافظة على المباني و المدن القديمة إذ لا يمكن لجهاز إداري بمفرده أن يقوم بدور الوصاية و أن يتحمل مسئولية إحياء المدن القديمة بمفرده.


سالي المبارك


التعليقات




5000