.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الثالث والعشرون/ مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

أمضيت في مهنة التدريس في قرية السادة الابتدائية قرابة سبعة أشهر بدأت من شهر أيلول عام 1952 ولغاية شهر مايس 1953 وخلالها لم اتعرف على أي إنسان من تلك القرية ولم اصادف أي سيد من سادتها على الرغم من كون اسمها (قرية السادة) ولا يحظرني سبب عن تلك التسمية.

 لم تتخلل الأشهر الأولى من تلك السنة أمطار أو عواصف رعدية اعاقت  طاقم المعلمين وهم يحثون السير مستخدمين احصنتهم الحديدية لغرض  الوصول لهدفهم المنشود ولكن المشكلة قد برزت خلال حلول موسم سقوط الامطار حيث تتحول الطريق الترابية إلى مخاضة من الاوحال تعيق اختراقها بواسطة العجلات الهوائية إلا أن الإصرار على مواصلة الدوام باستمرار يتطلب الوصول للقرية بأية وسيلة أخرى ومنها ما اقترحه علينا مدير المدرسة الأستاذ صالح بأن نقوم بتأجير عربة يجرها حصانان وهي وسيلة تنقل متداولة في ذلك الزمن إلا أن جميع حوذي العربات الموجودة في بعقوبة يرفضون الذهاب إلى تلك القرية خلال تساقط المطر بسبب تحول طريقها إلى أوحال عدا حوذي واحد وافق اسمه ( ماهي الحشاش) وهو يعرف الطريق جيدا ولديه خبره باجتياز تلك الطريق  في مثل تلك الحالات وعليه قررنا نحن طاقم المعلمين أن نختار هذا الحوذي وعربته لكي يوصلنا إلى المدرسة في الوقت المناسب ولنوصل العلم لأبناء القرية الفقراء ولنجعل ما نتقاضاه من دنانير معدودات حلالا بلالا ولا تشوبه حالة فساد تذكر, لقد تكللت تلك المهمة بالنجاح وتمكن طاقم (المركبة) أن يصلوا إلى ارض القرية ومدرستها بسلام بعدة محاولات بسيطة وخاصة عندما تكون شدة الامطار خفيفة ولا تؤثر بالطريق عدا مرة واحدة التي اشتد فيها تساقط المطر خلال مهمة انطلاق الطاقم المؤلف من أربعة معلمين ومدير (المهمة) وخلال ذلك وفي منتصف الطريق أبت المركبة على الانطلاق وانغرزت عجلاتها في الوحل ولم يتمكن الحصانان من سحبها بالرغم مما تلقياه من ضربات موجعة من سوط الحوذي (ماهي) و بعد المداولة وبعد أن لم يتبق في اليد حيلة واستمرار المطر بغزارة تقرر أن يشارك الكل في معالجة الموقف لإخراج العربة من تلك (الوحلة) وعندها بدأنا بالتخلي عن أحذيتنا وجواربنا وشمرنا عن سراويلنا إلى ما فوق الركب ونزلنا من العربة ارضا وانقسم طاقمنا إلى قسمين ثلاثة إلى خلف العربة لرفعها ودفعها واثنين ومن ضمنهم المدير إلى أمام العربة ليمسكا بزمام الحصانين وسحبهما على أن يلهب الحوذي ظهري الحصانين بسوطه وبهذه الطريقة تم لنا ما اردناه وخرجت المركبة من مطبها الموحل بعد أن تحول النصف الاسفل من جسم كل منا إلى ما يشبه تماثيل من طين والمهم أيضا أننا قد وصلنا إلى مبتغانا حتى ولو في وقت متأخر وكانت أعذارنا بأيدينا لوجود مدير المدرسة معنا وإن العملية جرت بأشرافه.

 إن إزالة آثار المعركة وما علق بنا من جرائها من أوحال كانت مهمة شاقة أيضا فلم تكن هنالك حمامات ومغاسل في المدرسة ولا توجد صنابير مياه وقد كلف المدير فراش المدرسة بان يحضر جردل ماء لإزالة ما يمكن إزالته من الطين قبل الدخول إلى الصفوف ونشر العلم وتوزيع حصة التغذية وكبسولات دهن السمك التي ينتظرها الطلاب بفارغ الصبر ولا يهمهم ما اصابنا من عناء من أجل الوصول إليهم وتحقيق مبتغاهم.

لقد صادف أن يشترك معنا في أحدى تلك الرحلات للتنقل في العربة رجل مسن في العقد السابع من العمر ويدعى مصطفى المقصود وهو رجل وقور ووالد صديق لي في اعدادية بعقوبة يدعى حامد كان مصطفى المقصود ممتلئ الجسم ومكتنز الوجه ذو سحنة تميل إلى البياض مع مسحة من الاحمرار ويكسو رأسه شعر اشيب كثيف ويبدو من مظهره أن عينيه قد أصيبتا  بقصر نظر لذا فقد كان يلبس نظارات طبية سميكة بما يطلق عليها العامة (جعب بطل) وكان السيد مصطفى خفيف الظل سريع البديهية وحاظر النكتة مما يخفف عنا عناء الطريق وكثيرا ما كان يقص علينا ما تختزنه ذاكرته من احداث وذكريات وامثال وحكم وفي مرة من المرات طرح علينا سؤلا استفزازيا يحمل نوعا من الغرابة  وهو( ما الشيء الذي يخيف الأسد وهو المعروف بأنه سيد الغاب وملك الحيوانات؟) وبعد أن لم يجد جوابا من أحد لسؤاله ذكر لنا الجواب المفاجئ وهو (أن أبو خميس ويعني به الأسد قد التقى مرة في الغابة بامرأة وهم بمهاجمتها إلا أن المرأة استخدمت سلاحها المثير فكشفت عن عورتها وعندها غمر الأسد حياء فأدار وجهه وولى الأدبار) ولا أدري حينها ما الذي كان يقصده السيد المقصود من حكايته تلك وهل أنه كان ينطلق من مقولة (إن كيدهن عظيم) وهو أمر كان يلصق بالمرأة  في حينها وينظر إليها باعتبارها وسيلة تستخدم لأغراض الجنس ويرتبط  كل ما يتعلق فيها من الأمور (بعورتها) دون غيرها من أمور حياتية أخرى ومن المؤسف أن هذه النظرة الدونية لا زالت باقية لحد الآن وخاصة في المجتمعات الذكورية, كان السيد مصطفى المقصود يشاركنا جزء من الطريق لغرض الوصول إلى بستان له  لتفقدها وللتأكد من اهتمام من يعمل فيها ومراقبة جني ثمارها وكان ينتظر عودتنا للرجوع معنا إلى بعقوبة.

انتهت مهمتي المتواضعة والمتمثلة في تعليم أطفال الصف الثاني الابتدائي لمدرسة السادة الكرام وأجريت الامتحان النهائي لتلامذة صفي وقد نجح جميع التلامذة الذكور وكذلك البنات الأربعة ايضا اللائي كن يشغلن المقاعد الأمامية في الصف وكان سبب وجودهن في مدرسة للأولاد هو عدم وجود مدرسة للبنات في قرية السادة الكرام الذين لم اتلق منهم لا حمدا ولا شكورا بل لم التق بأحد منهم ليشكرني على مهمتي الصعبة التي انجزتها في التمام والكمال وفي ظروف استثنائية وتحظرني في هذه المناسبة ما تلقيته من اساءة وعدم تقييم لمهمتي وذلك عند زيارة مشرف تربوي مبعوث من مديرية معارف بعقوبة (وكلمة المعارف) هو الاسم السابق لمديرية التربية والتعليم حاليا فقد صادف وأن حظر ذلك المشرف إلى صفي وحينها لم أقم بما يتطلب من مراسيم وبروتوكولات متعارف عليها في هذه المناسبة بسبب عدم ممارستي لأمثالها سابقا وهو الايعاز لتلامذة الصف بالوقوف احتراما لشخص المشرف وبكلمة (قيام) مما أثار حفيظته وأن يأخذ موقفا متشنجا ضدي وموجها اللوم لي مدعيا بأنني لم احسن تدريس التلاميذ بشكل جيد وهو أمر يخالف الحقيقة فقد كنت ابذل قصارى جهدي من أجل  إيصال المعلومة للتلاميذ الفقراء والبسطاء الذين أرأف لحالهم و بطرق مشوقة منها بإلقاء بعض ما احفظه من قصص أطفال على مسامعهم  والاستعانة بوسائل إيضاح والرسم أحيانا ولهذا لم اعر أية اهتمام لما ذكره المشرف لكوني على الملاك المؤقت وان مهمتي ستنتهي بانتهاء السنة الدراسية ولا ابغي من المشرف أن يكتب عني تقريرا جيدا يقيم فيه عملي من أجل العلاوة أو الترفيع وكل ما بدر مني هو أن ارد عليه بالقول (إنني موقت ولم أمض وقتا طويلا وكافيا في هذا الصف) وما كان منه إلا أن يعكس مدى ضحالة تفكيره ونوعية أرائه وتأثرها بالموروث المتخلف  كأساطير وقصص التي كانت  جداتنا الكبيرات يرددنها على اسماعنا عندما كنا صغارا فقد أورد ما يشبه ذلك من الأقاويل من أجل أن يبرهن أن بإمكاني أحداث تغيير وبسرعة وضرب مثلا على ذلك كيفية انتقال الكرة الأرضية  التي تدور على قرن ثور وانتقالها من قرن لآخر سنويا في لمح البصر!! وعندها لزمت الصمت ولم ارد عليه بسبب كبر سنه ولكونه مغرق بمثل هذه الأفكار ولكن المصيبة هي أن من أمثال هذا المرشد يحتلون المراكز المهمة في أهم مرفق من مرافق الحياة الخاصة بتربية وتنشئة الأجيال.

 ولأجل أن اضرب مثلا على اهتمامي وحرصي وتفوقي في مهنتي الأولى وخلال وجودي في مدرسة الفقراء في قرية السادة أورد هذه الحادثة والتي جرت عند مشاركة مدرستنا السادة الابتدائية في معارض الرسم مع جميع مدارس لواء بعقوبة الابتدائية فقد أخذت على عاتقي تحقيق الفوز في هذا المجال بما لدي من المام وخبرة كافية في مجال الرسم والفن التشكيلي فقد أنجزت لوحدي وبطريقتي الخاصة أكثر من خمسة عشر لوحة فنية بألوان مختلفة كالزيت والألوان المائية واقلام الفحم والباستيل وكان منها لوحة بالحجم الكبير تمثل صورة أم تحمل طفلتها رسمتها بالألوان مائية مستخدما إبهام يدي بدلا من أن استخدم أية فرشاة لذلك الغرض ولوحة أخرى بالحجم الصغير بقياس 10سم×10سم بألوان زيتية تمثل وجه فتاة ريفية تتصدر اللوحة وخلفها منظر الريف بكل تفاصيله اقتبستها من الواقع خلال ذهابي وإيابي للقرية والمفاجئة أن مدرسة السادة الريفية قد فازت بالمرتبة الأولى من بين جميع مدارس اللواء ويعود الفخر لهذا الإنجاز ما بذلته من جهود ومنها انجاز تلك اللوحات ومنها عند عودتي إلى بيتنا في الخالص, لقد ترأس لجنة تقييم عمل تلك المعارض في حينها استاذي الذي درسني علوم الجغرافية في اعدادية بعقوبة الفنان شاكر حسن سعيد وقد أعجب بتلك اللوحات ايما اعجاب وخاصة اللوحة الصغيرة التي تمثل المدرسة الواقعية البحتة والمتمثلة في وجه الفلاحة والريف بتفاصيله وقد لاحظت اهتمامه عندما قضى وقتا أطول امامها وهو يلمسها بأنامله متحسسا طريقة استخدام الزيت في تنفيذها.

عدت ادراجي إلى بيتنا في الخالص لأنظم إلى بقية عائلتي بعد أن اكسبتني مهمة تعليم الصغار الاعتماد على النفس وتجربة غنية وخبرة جيدة لمجابهة مصاعب الحياة وتذليلها وبعودتي تلك بدأت اخطط لما سأختاره لتحديد مستقبلي وبما يتفق مع شخصيتي وكفاءتي والكلية التي سأتقدم اليها وبمعدل درجاتي الذي حققته بعد التحدي الذي قررته لمعالجة حالة الاكمال  في المجموع وما تحقق عن ذلك التحدي وهو رفع المعدل إلى 68 % مما يؤهلني التقدم لاختيار أكثر من كلية وفعلا فقد قدمت اوراقي المطلوبة إلى ثلاثة كليات هي الآداب ودار المعلمين العالية والكلية العسكرية الملكية وقد كنت أفضل الالتحاق بكلية الآداب نهارا واتقدم أيضا للدراسة في معهد الفنون الجميلة مساء حيث لم يكن في وقتها اكاديمية للفنون ولكن الصدفة تلعب دورها هنا مرة أخرى وتغير مجرى حياتي ومستقبلي ويظهر قبولي في الكلية العسكرية الملكية قبل ظهور نتائج القبول في الكليتين المذكورتين وعليه يجب أن التحق بالعسكرية لأضمن القبول على أقل تقدير وبالتحاقي إلى الكلية العسكرية الملكية سيكون هنالك شأنا وحديثا وذكريات أخرى في هذه المرافئ.   

 

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000